"يتحدث عن بكاء الأشجـار
واضعًا قدمه
على طاولةٍ خشبية."
واضعًا قدمه
على طاولةٍ خشبية."
“الإنسان الذي يتعامل مع الأشياء بقلبه تثقله القصيدة ، تقتله لوحة ، يؤلمه موت بطل الرواية ، وتمنعه أغنيةٍ ما عن النوم”.
”للجميع طريقته لحبس البكاء، هناك من يستمع للموسيقى، وهناك من يكتب، وهناك من يكتفي بتفحّص الأسقف والجدران.“
غائب طعمة فرمان: عرفته كمترجم بديع لكثير من روائع الأدب الروسي. أحيانًا ننسى أن المترجم مؤلف أيضا، لأن أدبياته في الترجمة تطغى على أعماله الكتابية.
دار المدى بجهودها الجبّارة وفرت لنا فرصة لقراءة كتابات كاتب عرفناه مترجمًا من طراز رفيع.
أنا شخصيًّا متحمسة لأخوض في عالمه الكتابي ❤
دار المدى بجهودها الجبّارة وفرت لنا فرصة لقراءة كتابات كاتب عرفناه مترجمًا من طراز رفيع.
أنا شخصيًّا متحمسة لأخوض في عالمه الكتابي ❤
" اكون بدون الترجمة مقيداً بحدود بلدي، ويخرجني المترجم الى العالم بآسره لذا فهو اعظم حلفائي "
إيتالو كالفينو ( 1923 – 1985 م)
إيتالو كالفينو ( 1923 – 1985 م)
"جمعية جيرنسي الأدبية وفطيرة قشرة البطاطا": فيلم آسر، يجعلك تحب كونك قارئ، قارئة. تحب كونك كاتب، كاتبة. تدرك كم هو إحساس غريب. مميّز. خلاّب. لاسع. بأن القراءة هي عزاؤك الوحيد في زمن الحرب والسلم في آن!
وأن أصدقاء الكتب هم الأعذب على الدوام ورباطهم أبدي❤
وأن أصدقاء الكتب هم الأعذب على الدوام ورباطهم أبدي❤
" كان متحدّثًا بارعًا، وهذا ما يجعله يحب أن تكون حياته هي تلك الأحاديث نفسها".
مغامرات أوجي مارتش|سول بيرو
مغامرات أوجي مارتش|سول بيرو
سارة عابدين – رسائل إلى الله – لماذا لا تأتي واضحاً كالألم؟ – أنطولوجي
http://antolgy.com/middle-east/egypt/sara-abdeen/%d8%b3%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%a3/amp/?__twitter_impression=true
http://antolgy.com/middle-east/egypt/sara-abdeen/%d8%b3%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%b9%d8%a7%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%b1%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%a3/amp/?__twitter_impression=true
أنطولوجي
فهرس جمالي - أنطولوجي
أنطولوجي فهرس جمالي منصةٌ لنشر الفنون من جميع أنحاء العالم، وخاصة الكتابة الإبداعية، والمقالات المُلهمة، والقصص القصيرة، كما تهدفُ لصناعة أنطولوجيا صوتية لأدب العالم، كي تكون موطئًا للبديهة للمكفوفين، ولكلِّ النفوس المرهفة.
كهف الريح
هاروكي موراكامي
عندما كنتُ في الخامسة عشرة ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك بغتةً. كانت في الثانية عشرة في سنتها الأولى في المدرسة الثانوية الدنيا. لقد وُلدت بمشكلة خِلقية في القلب، ولكنها منذ آخر عملية جراحية أُجريت لها عندما كانت في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية لم تبدُ عليها أيَّة أعراض أخرى، فاطمئنت عائلتي متشبِّثة بأمل واهن بأنَّ حياتها ستمضي من دون حوادث. ولكن، في مايو من ذلك العام، أصبح نبض قلبها غير منتظم على نحو أكبر. كان الأمر يسوء خصوصًا عندما تستلقي في الفراش، ولم يكن بوسعها النوم ليالي كثيرة. خضعت للفحص في مشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص دقيقة لم يستطع الأطباء تحديد التغيّر بدقة في حالتها. وقد كانت المشكلة الأساسية تُحلّ ظاهريًّا بالعمليات الجراحية، وكان الأطباء يحارون في أمرها.
"تجنّبي التمارين المجهدة واتبعي روتينًا منتظمًا وستستقر الأوضاع قريبًا." قال طبيبها. لعلَّ ذلك كان كلّ ما بوسعه قوله، وكتب لها عدة وصفات طبية.
بيْد أنَّ عدم انتظام نبض قلبها لم يستقر. عندما كنت أجلس إلى مائدة الطعام في الجهة المقابلة لها، كنت كثيرًا ما أنظر إلى صدرها وأتخيّل القلب داخله. كان نهداها قد بدآ بالنموِّ بدرجة ملحوظة. ومع ذلك، داخل ذلك الصدر كان قلب أختي مختلّا. وحتى الاختصاصي لم يتمكّن من تحديد الخلل. تلك الحقيقة وحدها كانت تسبب الاضطراب في عقلي. لقد عشتُ مراهقتي في حالة من القلق والخوف من أنني قد أفقد أختي الصغيرة في أيَّة لحظة.
أخبرني والداي أن أعتني بها لأنَّ جسدها كان ضعيفًا جدًّا. وعندما كنّا ندرس في المدرسة الابتدائية نفسها، كنت دائمًا ما أراقبها. وإن دعت الحاجة فقد كنت مستعدا للمخاطرة بحياتي لحمايتها وحماية قلبها الصغير. بيْد أنَّ الفرصة لم تكشف عن نفسها قطّ.
كانت في طريق العودة من المدرسة إلى البيت ذات يوم عندما سقطت. فقدت وعيها حين كانت تصعد السلالم إلى محطة سيبو شينجوكو، فسارعت بها سيارة الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. ولمَّا سمعت بالأمر هُرِعت إلى المشفى، ولكن في الوقت الذي وصلت فيه كان قلبها قد توقَّف. حدث كلُّ شيء في طرفة عين. كنَّا قد تناولنا الإفطار سويًّا ذلك الصباح وودَّعنا بعضنا بعضًا أمام الباب، أنا في طريقي إلى المدرسة الثانوية العليا وهي في طريقها إلى المدرسية الثانوية الدنيا. في المرة التالية التي رأيتها فيها كانت قد توقفت عن التنفُّس. أُغلِقت عيناها الكبيرتان إلى الأبد، وكان فمها مفتوحًا قليلا وكأنها على وشك قول شيء ما.
وفي المرة التالية التي رأيتها فيها كانت في تابوت. كانت ترتدي ثوبها المخملي الأسود المفضَّل وعلى وجهها لمسة من مساحيق التجميل وشعرها مُمشَّطٌ بعناية، وتنتعل حذاء جلديًّا صقيلا أسود، وترقد ووجهها للأعلى في التابوت المتواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء برباط، شديدة البياض إلى حدّ أنها بدت متكلّفة.
وهي ترقد هناك، بدت نائمة بسلام. بدت وكأنها ستستيقظ إذا ما هززتَها بلطف. بيْد أنَّ ذلك كان وهمًا. هُزَّها كما تشاء، ولن تستيقظ ثانيةً أبدًا.
لم أكن أودُّ أن يُحشَر جسد أختي الضئيل الرهيف في ذلك الصندوق المقيِّد الضيق. شعرتُ أنَّ جسدها ينبغي أن يُهجَع ليستريح في مكان فسيح. في وسط مرج مثلا. سنمضي بصمت إلى زيارتها ونشقّ طريقنا بين الأعشاب الخضراء الوارفة. ستُهفْهِف الريحُ العشبَ ببطء، وتتصايح الطيور والحشرات حولها. ستملأ رائحةُ الزهور البرية الرطبة الهواءَ، ويتطاير غبار اللقاح. وعندما يهبط الليل ستزدان السماء فوقها بنجوم فضية لا حصر لها. في الصباح، شمس جديدة ستجعل قطرات الندى تتلألأ فوق العشب كالجواهر. بيْد أنها في الواقع محشورة داخل تابوت تافه. كانت الزخارفُ الوحيدة المحيطة بتابوتها زهورًا بيضاء مشؤومة قُطفت ووُضعت في مزهريات. كانت إضاءة الغرفة الضيقة ساطعة وخالية من اللون. من مكبِّر صوت صغير في السقف انبعثت أنغام متكلفة لموسيقى الأرغن.
لم أحتمل رؤيتها تُحرَق. عندما سُدَّ غطاء التابوت وأُغلِق غادرتُ الغرفة. لم أقدِّم يد المساعدة حين وضعت عائلتي عظامها على نحو طقوسي في جرَّة. خرجت إلى فناء المحرقة وبكيت بصوت مكتوم. خلال حياتها القصيرة جدًّا، لم أساعد أختي الصغيرة قطّ، وقد آلمتني تلك الفكرة إيلامًا شديدًا.
بعد وفاة أختي تغيَّرت عائلتي. أصبح أبي أكثر صمتًا، وأمي أكثر عصبية وتوترًا. وفي الأساس واصلت الحياة نفسها كما فعلت دائمًا. انضممت إلى نادي تسلُّق الجبال في المدرسة مما جعلني أنشغل، وإن لم أكن أفعل ذلك كنت أمارس الرسم الزيتي. نصحني معلم الفنون أن أجد مدربًا جيدًا وأن أدرس الرسم حقًّا. وحين بدأت أخيرًا أحضر حصصًا في الفن أصبح اهتمامي جادًّا. أظن أنني كنت أحاول إشغال نفسي كي لا أفكِّر في أختي المتوفاة.
زمنًا طويلا – لست متيقنًا كم من الأعوام – ترك والداي غرفتها تمامًا كما هي. الكتب الدراسية والأدلة والأقلام والمماحي ومشابك الأوراق المكدّسة فوق منضدتها، الشراشف والبطانيات والو
هاروكي موراكامي
عندما كنتُ في الخامسة عشرة ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك بغتةً. كانت في الثانية عشرة في سنتها الأولى في المدرسة الثانوية الدنيا. لقد وُلدت بمشكلة خِلقية في القلب، ولكنها منذ آخر عملية جراحية أُجريت لها عندما كانت في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية لم تبدُ عليها أيَّة أعراض أخرى، فاطمئنت عائلتي متشبِّثة بأمل واهن بأنَّ حياتها ستمضي من دون حوادث. ولكن، في مايو من ذلك العام، أصبح نبض قلبها غير منتظم على نحو أكبر. كان الأمر يسوء خصوصًا عندما تستلقي في الفراش، ولم يكن بوسعها النوم ليالي كثيرة. خضعت للفحص في مشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص دقيقة لم يستطع الأطباء تحديد التغيّر بدقة في حالتها. وقد كانت المشكلة الأساسية تُحلّ ظاهريًّا بالعمليات الجراحية، وكان الأطباء يحارون في أمرها.
"تجنّبي التمارين المجهدة واتبعي روتينًا منتظمًا وستستقر الأوضاع قريبًا." قال طبيبها. لعلَّ ذلك كان كلّ ما بوسعه قوله، وكتب لها عدة وصفات طبية.
بيْد أنَّ عدم انتظام نبض قلبها لم يستقر. عندما كنت أجلس إلى مائدة الطعام في الجهة المقابلة لها، كنت كثيرًا ما أنظر إلى صدرها وأتخيّل القلب داخله. كان نهداها قد بدآ بالنموِّ بدرجة ملحوظة. ومع ذلك، داخل ذلك الصدر كان قلب أختي مختلّا. وحتى الاختصاصي لم يتمكّن من تحديد الخلل. تلك الحقيقة وحدها كانت تسبب الاضطراب في عقلي. لقد عشتُ مراهقتي في حالة من القلق والخوف من أنني قد أفقد أختي الصغيرة في أيَّة لحظة.
أخبرني والداي أن أعتني بها لأنَّ جسدها كان ضعيفًا جدًّا. وعندما كنّا ندرس في المدرسة الابتدائية نفسها، كنت دائمًا ما أراقبها. وإن دعت الحاجة فقد كنت مستعدا للمخاطرة بحياتي لحمايتها وحماية قلبها الصغير. بيْد أنَّ الفرصة لم تكشف عن نفسها قطّ.
كانت في طريق العودة من المدرسة إلى البيت ذات يوم عندما سقطت. فقدت وعيها حين كانت تصعد السلالم إلى محطة سيبو شينجوكو، فسارعت بها سيارة الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. ولمَّا سمعت بالأمر هُرِعت إلى المشفى، ولكن في الوقت الذي وصلت فيه كان قلبها قد توقَّف. حدث كلُّ شيء في طرفة عين. كنَّا قد تناولنا الإفطار سويًّا ذلك الصباح وودَّعنا بعضنا بعضًا أمام الباب، أنا في طريقي إلى المدرسة الثانوية العليا وهي في طريقها إلى المدرسية الثانوية الدنيا. في المرة التالية التي رأيتها فيها كانت قد توقفت عن التنفُّس. أُغلِقت عيناها الكبيرتان إلى الأبد، وكان فمها مفتوحًا قليلا وكأنها على وشك قول شيء ما.
وفي المرة التالية التي رأيتها فيها كانت في تابوت. كانت ترتدي ثوبها المخملي الأسود المفضَّل وعلى وجهها لمسة من مساحيق التجميل وشعرها مُمشَّطٌ بعناية، وتنتعل حذاء جلديًّا صقيلا أسود، وترقد ووجهها للأعلى في التابوت المتواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء برباط، شديدة البياض إلى حدّ أنها بدت متكلّفة.
وهي ترقد هناك، بدت نائمة بسلام. بدت وكأنها ستستيقظ إذا ما هززتَها بلطف. بيْد أنَّ ذلك كان وهمًا. هُزَّها كما تشاء، ولن تستيقظ ثانيةً أبدًا.
لم أكن أودُّ أن يُحشَر جسد أختي الضئيل الرهيف في ذلك الصندوق المقيِّد الضيق. شعرتُ أنَّ جسدها ينبغي أن يُهجَع ليستريح في مكان فسيح. في وسط مرج مثلا. سنمضي بصمت إلى زيارتها ونشقّ طريقنا بين الأعشاب الخضراء الوارفة. ستُهفْهِف الريحُ العشبَ ببطء، وتتصايح الطيور والحشرات حولها. ستملأ رائحةُ الزهور البرية الرطبة الهواءَ، ويتطاير غبار اللقاح. وعندما يهبط الليل ستزدان السماء فوقها بنجوم فضية لا حصر لها. في الصباح، شمس جديدة ستجعل قطرات الندى تتلألأ فوق العشب كالجواهر. بيْد أنها في الواقع محشورة داخل تابوت تافه. كانت الزخارفُ الوحيدة المحيطة بتابوتها زهورًا بيضاء مشؤومة قُطفت ووُضعت في مزهريات. كانت إضاءة الغرفة الضيقة ساطعة وخالية من اللون. من مكبِّر صوت صغير في السقف انبعثت أنغام متكلفة لموسيقى الأرغن.
لم أحتمل رؤيتها تُحرَق. عندما سُدَّ غطاء التابوت وأُغلِق غادرتُ الغرفة. لم أقدِّم يد المساعدة حين وضعت عائلتي عظامها على نحو طقوسي في جرَّة. خرجت إلى فناء المحرقة وبكيت بصوت مكتوم. خلال حياتها القصيرة جدًّا، لم أساعد أختي الصغيرة قطّ، وقد آلمتني تلك الفكرة إيلامًا شديدًا.
بعد وفاة أختي تغيَّرت عائلتي. أصبح أبي أكثر صمتًا، وأمي أكثر عصبية وتوترًا. وفي الأساس واصلت الحياة نفسها كما فعلت دائمًا. انضممت إلى نادي تسلُّق الجبال في المدرسة مما جعلني أنشغل، وإن لم أكن أفعل ذلك كنت أمارس الرسم الزيتي. نصحني معلم الفنون أن أجد مدربًا جيدًا وأن أدرس الرسم حقًّا. وحين بدأت أخيرًا أحضر حصصًا في الفن أصبح اهتمامي جادًّا. أظن أنني كنت أحاول إشغال نفسي كي لا أفكِّر في أختي المتوفاة.
زمنًا طويلا – لست متيقنًا كم من الأعوام – ترك والداي غرفتها تمامًا كما هي. الكتب الدراسية والأدلة والأقلام والمماحي ومشابك الأوراق المكدّسة فوق منضدتها، الشراشف والبطانيات والو
سائد فوق سريرها، مناماتها المكويَّة والمطويَّة وزيُّها المدرسي المعلَّق في الخزانة، كلُّها بقيت بلا مساس. الروزنامة على الحائط ما تزال تحمل جدولها مسجلا بخط يدها الصغير. تُركت في الشهر الذي ماتت فيه وكأنَّ الزمن تجمَّد في تلك اللحظة. بدا وكأنَّ الباب سيُفتح في أي لحظة وستدخل هي. حين لا يكون هناك أحد غيري في البيت، كنت أذهب أحيانًا إلى غرفتها، أجلس بهدوء على سريرها المرتّب وأنظر حولي. لكنني لا أملس شيئًا على الإطلاق. لم أرغب أن أزعج ولو قليلا أيًّا من الأشياء الصامتة التي تركتها وراءها، إشارات إلى أنَّ أختي كانت بين الأحياء يومًا ما.
طالما حاولت تخيَّل الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت في الثانية عشرة. مع أنه لم تكن ثمَّة من طريقة لمعرفة ذلك. لم أستطع تصوُّر حتى ما ستكون عليه حياتي، ولهذا لم أعرف أي شيء كان سيحمله مستقبلها. بيْد أنني أعرف أنها لو لم تكن تعاني مشكلة في أحد صمامات قلبها لكبرت وأصبحت فتاة بارعة وجذابة. إنني على يقين أنَّ رجالا عديدن سيحبونها وسيأخذونها بين أذرعهم. إلا أنني لا أستطيع تصوُّر ذلك بالتفصيل. إنها في عيني أختي الصغرى إلى الأبد، التي تصغرني سنينا ثلاثا وتحتاج حمايتي.
بعد وفاتها أخذت أرسمها بعض الوقت مرارًا وتكرارًا. رحت أنسخ في كراسة رسمي ما أتذكره من وجهها من زوايا مختلفة كي لا أنساه. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. سيبقى محفورًا في عقلي إلى يوم مماتي. ما كنت أسعى إليه هو ألا أنسى الوجه الذي أتذكره في ذلك الحين. ولكي أفعل ذلك كان عليَّ أن أمنحه شكلا بالرسم. كنت في الخامسة عشرة وحسب حينها، وهناك الكثير لم أكن أعرفه عن الذكرى والرسم ومرور الزمن. بيْد أنَّ شيئًا واحدًا عرفته وهو أنني بحاجة إلى فعل شيء للتشبُّث بتسجيل دقيق من ذاكرتي. اتركه وشأنه وسيختفي في مكان ما. مهما كانت الذاكرة حيَّة فإن سطوة الزمن أقوى. لقد عرفت ذلك غريزيًّا.
كنت أجلس وحدي في غرفتها أرسمها. حاولت أن أرسم على الورقة الخالية كيف بدت في عين عقلي. كنت أفتقر إلى التجربة حينها وإلى المهارة الفنية اللازمة، ولذا لم تكن العملية يسيرة. كنت أرسم وأمزق، وأرسم وأمزق بلا نهاية. ولكنني عندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ما زلت متعلِّقًا بكراسة رسمي منذ تلك الأيام)، أستطيع أن أرى أنها تفيض بإحساس صادق بالألم. قد تبدو غير ناضجة فنيًّا، ولكنها كانت نتيجة جهد خالص، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. عندما أنظر إلى هذه الرسوم، لا أستطيع منع نفسي من البكاء. لقد أنجزت رسومًا لا حصر لها منذ ذلك الحين، ولكن لا شيء آخر مما رسمت أسال دمعي هكذا أبدًا.
كان لموت أختي أثر آخر فيَّ: لقد أثار حالة عنيفة جدًّا من رهاب الاحتجاز. منذ أن رأيتها ممدَّدة في ذلك التابوت الصغير الضيق، وقد أُغلق عليها الباب وأوصد جيّدًا ثم أُخذت للحرق وأنا عاجز عن دخول الأماكن المغلقة الضيقة. مدةً طويلة لم أستطع استخدام المصعد الكهربائي. أقف أمام المصعد وكل ما أفكر فيه تلقائيًّا هو أنه سينغلق وثمَّة زلزال وأنا محاصر داخل ذلك المكان الضيق. مجرد التفكير كان كافيًا لإثارة شعور خانق بالهلع.
لم تظهر هذه الأعراض مباشرة بعد وفاة أختي. أخذت ثلاث سنوات تقريبًا حتى ظهرت إلى السطح. كانت أول مرة أصبت فيها بنوبة هلع بُعيْد بدء الدراسة في كلية الفنون عندما كنت أعمل بدوام جزئي في شركة نقل بضائع. كنت مساعد سائق شاحنة نحمل فيها الصناديق وننزلها، وذات يوم أُغلق عليَّ الباب خطأً داخل مقصورة الشحن الفارغة. كان عمل اليوم قد انتهى ونسي السائق أن يتيقَّن من عدم وجود شخص في الشاحنة. أَغلق الباب الخلفي من الخارج.
مضت ساعتان ونصف قبل أن يُفتح الباب وأستطيع الزحف خارجًا. طوال ذلك الوقت كنت محتجزًا داخل مكان مغلق ومظلم تمامًا. لم تكن شاحنة تبريد أو ما شابه، ولذا كان هناك فجوات يدخل منها الهواء. لو أنني فكَّرت في الأمر بهدوء لأدركت أنني لن أختنق.
ولكن رغم ذلك، تمكَّن مني ذعر شديد. كان هناك أكسجين كاف، ومع ذلك، مهما تنفست بعمق لم أكن لأستطيع امتصاصه. أصبح تنفسي مرهقًا وبدأ معدَّل تنفسي يزيد. شعرت بالدُّوار. "لا بأس، اهدأ." قلتُ لنفسي. "ستتمكن من الخروج قريبًا. مُحال أن تختنق هنا." لكن المنطق لم ينجح. كان الشيء الوحيد في عقلي هو أختي الصغيرة وهي محشورة في تابوت صغير وقد سُحب إلى المحرقة. مذعورًا أخذت أدقُّ جدران الشاحنة.
كانت الشاحنة في مواقف الشركة وجميع الموظفين عادوا إلى بيوتهم بعد انتهاء اليوم. لم يلاحظ أحد غيابي. رحت أدقُّ بجنون ولكن بدا أن لا أحد كان يسمعني. عرفت أنني إن لم يحالفني الحظ فسأبقى محتجزًا هناك حتى الصباح. عند هذه الفكرة شعرت وكأنَّ عضلاتي كلّها على وشك التمزُّق.
كان حارس الأمن الليلي الذي يقوم بجولاته في الموقف هو من سمع أخيرًا الضجة التي أحدثتها وفتح الباب. لمَّا رأى كم كنت هَلِعًا ومنهكًا جعلني أستلقي على السرير في غرفة استراحة الشركة وقدَّم لي كوبًا من الشاي الساخن. لا
طالما حاولت تخيَّل الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت في الثانية عشرة. مع أنه لم تكن ثمَّة من طريقة لمعرفة ذلك. لم أستطع تصوُّر حتى ما ستكون عليه حياتي، ولهذا لم أعرف أي شيء كان سيحمله مستقبلها. بيْد أنني أعرف أنها لو لم تكن تعاني مشكلة في أحد صمامات قلبها لكبرت وأصبحت فتاة بارعة وجذابة. إنني على يقين أنَّ رجالا عديدن سيحبونها وسيأخذونها بين أذرعهم. إلا أنني لا أستطيع تصوُّر ذلك بالتفصيل. إنها في عيني أختي الصغرى إلى الأبد، التي تصغرني سنينا ثلاثا وتحتاج حمايتي.
بعد وفاتها أخذت أرسمها بعض الوقت مرارًا وتكرارًا. رحت أنسخ في كراسة رسمي ما أتذكره من وجهها من زوايا مختلفة كي لا أنساه. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. سيبقى محفورًا في عقلي إلى يوم مماتي. ما كنت أسعى إليه هو ألا أنسى الوجه الذي أتذكره في ذلك الحين. ولكي أفعل ذلك كان عليَّ أن أمنحه شكلا بالرسم. كنت في الخامسة عشرة وحسب حينها، وهناك الكثير لم أكن أعرفه عن الذكرى والرسم ومرور الزمن. بيْد أنَّ شيئًا واحدًا عرفته وهو أنني بحاجة إلى فعل شيء للتشبُّث بتسجيل دقيق من ذاكرتي. اتركه وشأنه وسيختفي في مكان ما. مهما كانت الذاكرة حيَّة فإن سطوة الزمن أقوى. لقد عرفت ذلك غريزيًّا.
كنت أجلس وحدي في غرفتها أرسمها. حاولت أن أرسم على الورقة الخالية كيف بدت في عين عقلي. كنت أفتقر إلى التجربة حينها وإلى المهارة الفنية اللازمة، ولذا لم تكن العملية يسيرة. كنت أرسم وأمزق، وأرسم وأمزق بلا نهاية. ولكنني عندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ما زلت متعلِّقًا بكراسة رسمي منذ تلك الأيام)، أستطيع أن أرى أنها تفيض بإحساس صادق بالألم. قد تبدو غير ناضجة فنيًّا، ولكنها كانت نتيجة جهد خالص، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. عندما أنظر إلى هذه الرسوم، لا أستطيع منع نفسي من البكاء. لقد أنجزت رسومًا لا حصر لها منذ ذلك الحين، ولكن لا شيء آخر مما رسمت أسال دمعي هكذا أبدًا.
كان لموت أختي أثر آخر فيَّ: لقد أثار حالة عنيفة جدًّا من رهاب الاحتجاز. منذ أن رأيتها ممدَّدة في ذلك التابوت الصغير الضيق، وقد أُغلق عليها الباب وأوصد جيّدًا ثم أُخذت للحرق وأنا عاجز عن دخول الأماكن المغلقة الضيقة. مدةً طويلة لم أستطع استخدام المصعد الكهربائي. أقف أمام المصعد وكل ما أفكر فيه تلقائيًّا هو أنه سينغلق وثمَّة زلزال وأنا محاصر داخل ذلك المكان الضيق. مجرد التفكير كان كافيًا لإثارة شعور خانق بالهلع.
لم تظهر هذه الأعراض مباشرة بعد وفاة أختي. أخذت ثلاث سنوات تقريبًا حتى ظهرت إلى السطح. كانت أول مرة أصبت فيها بنوبة هلع بُعيْد بدء الدراسة في كلية الفنون عندما كنت أعمل بدوام جزئي في شركة نقل بضائع. كنت مساعد سائق شاحنة نحمل فيها الصناديق وننزلها، وذات يوم أُغلق عليَّ الباب خطأً داخل مقصورة الشحن الفارغة. كان عمل اليوم قد انتهى ونسي السائق أن يتيقَّن من عدم وجود شخص في الشاحنة. أَغلق الباب الخلفي من الخارج.
مضت ساعتان ونصف قبل أن يُفتح الباب وأستطيع الزحف خارجًا. طوال ذلك الوقت كنت محتجزًا داخل مكان مغلق ومظلم تمامًا. لم تكن شاحنة تبريد أو ما شابه، ولذا كان هناك فجوات يدخل منها الهواء. لو أنني فكَّرت في الأمر بهدوء لأدركت أنني لن أختنق.
ولكن رغم ذلك، تمكَّن مني ذعر شديد. كان هناك أكسجين كاف، ومع ذلك، مهما تنفست بعمق لم أكن لأستطيع امتصاصه. أصبح تنفسي مرهقًا وبدأ معدَّل تنفسي يزيد. شعرت بالدُّوار. "لا بأس، اهدأ." قلتُ لنفسي. "ستتمكن من الخروج قريبًا. مُحال أن تختنق هنا." لكن المنطق لم ينجح. كان الشيء الوحيد في عقلي هو أختي الصغيرة وهي محشورة في تابوت صغير وقد سُحب إلى المحرقة. مذعورًا أخذت أدقُّ جدران الشاحنة.
كانت الشاحنة في مواقف الشركة وجميع الموظفين عادوا إلى بيوتهم بعد انتهاء اليوم. لم يلاحظ أحد غيابي. رحت أدقُّ بجنون ولكن بدا أن لا أحد كان يسمعني. عرفت أنني إن لم يحالفني الحظ فسأبقى محتجزًا هناك حتى الصباح. عند هذه الفكرة شعرت وكأنَّ عضلاتي كلّها على وشك التمزُّق.
كان حارس الأمن الليلي الذي يقوم بجولاته في الموقف هو من سمع أخيرًا الضجة التي أحدثتها وفتح الباب. لمَّا رأى كم كنت هَلِعًا ومنهكًا جعلني أستلقي على السرير في غرفة استراحة الشركة وقدَّم لي كوبًا من الشاي الساخن. لا