في رواية " المفقود" لكيم إكلين ت. أماني لازار . تتحدث عن تأثير الأنظمة السياسية في البلاد، وكيف أن كل نظام سياسي كان يفرض سلطته : «كان الناس يتبادلون التحية تحت حكم سيهانوك قائلين: كم من الأطفال لديك؟ تحت حكم لون نول، قال الناس: هل أنت بخير؟ تحت حكم الخمير الحمر: كم من الطعام تحصل من جمعيتك التعاونية؟ الآن نقول: كم بقي من أفراد عائلتك على قيد الحياة»؟
لقد طفح الكيل:
___
ذات يوم ودون مقدمات، خرج بّا عبد السميع إلى الشارع الترابي عاريا كما ولدته أمه. لقد كان رجلا عاقلا كما عرفه أهل الحي بشهادة الجماعة نفسها، حكيما، تجاوز عمره السبعين، لم يؤذ أحدا قط، ولم يُسمع لسره وسر أهل بيته جهر أبدا. يصلي الصلاة في وقتها في الجامع ويفي بالنذر ويعود المريض ولا يرد السائل إذا سأل ويقرض المحتاج إن كان في جيبه مال، وقد شهد كثيرون بذلك في غيابه حتى. إلا أنه ومن حيث لا أحد يحتسب خرج في الناس ذاك اليوم عاريا عراء كاملا لا تشوبه شائبة الثياب، وقد كان قضيبه صغيرا جدا مقارنة بما قد يتخيله أطفال بالنظر إلى عمر با عبد السميع ووقاره ورزانته، صغيرا جدا ومتغضنا، بينما خصيتاه على عكس ذلك تتدليان بأريحية -على الأقل- مسافة شبر بيد حفار قبور، مرتخيتان وذابلتان كحبتي تين عملاقتين ستصيران بعد أيام قليلة شريحة. بينما مؤخرته ضامرة وصغيرة جدا ومسودّة كرغيف الجنازة.
لم نتخيله أبدا على تلك الحال حين رأيناه قبل ذلك سنوات كل يوم بالجلابة وبالفوقية رجلا رزينا وقد اتخذ غصن شجرة جبوج عكازا فزاده ذلك وقارا. بل بدا لنا وهو عار يطوف الحي بلحية قديمة مبيضّة وبضع شيبات صهباء بالعرق على صدره المعظم، وركبتيه الضخمتين كركبتي جمل مقارنة بنحافة فخذيه وساقيه، والأهم من كل ذلك نظرته التي ظلت وقورة كما لو أنها مفصولة عن جسده هذا، وقد ركزنا النظر أكثر بين فخذيه وخلفهما لندرة تكرر مشهد كهذا أو ربما لاستحالة تكرره، متابعين تقلقل خصيتيه بل حتى أن بعضنا رأى بوضوح شامة صغيرة جدا أسفل مؤخرته ووصفها بعد ذلك ورسمها على التراب لأننا لم نرها جميعا. بدا لنا كل ذلك كسرّ عظيم ومهيب ينكشف بغتة أمام أعيننا الصغيرة البراقة الشبيهة بأعين عصافير جائعة تنتظر أمها في عش.
والغريب هو أننا لم نضحك، ولم نقذفه بالحجارة، ولم نصح خلفه مستهزئين متقافزين كما كان يجب أن يحدث بديهيا، بل ظللنا صامتين نرقب المشهد بجلال إلى أن تقدم بعض الرجال نحوه في وقار وفي يد أحدهم إزار أبيض ناصع في الشمس لفه حوله حتى بدا كميت حي في كفن يقف ويمشي على قدمين. وأدخلوه كوخ أحدهم كما لو كان ناجيا من زلزال حتى ألبسوه ثيابا وأعطوه أكلا وشايا ساخنا وقد هرعت إليه أيضا ابنته يزّة المتزوجة وبعض أصهاره مرتعبين غير مصدقين ما حدث. وقد عاد إليه رشده أخيرا فتعقل وترزن.
وفي الغد أيضا وفي سائر الأيام الآتية ظل عاقلا رزينا كما كان قبل أن يتعرى، بل بدا تعقله كما لو أن مشهد عريه ذاك واقتحامه للشارع العام على تلك الحال كان محض تخيلات وتهيؤات وتوهمات ليس إلا. إلا أني سمعت أبي يشرح لأمي ذات مساء أن با عبد السميع فعل ذلك لأن الكيل قد طفح به. ولم أفهم ماذا قصد أبي بـ: لأن الكيل قد طفح به، بل واصل عشاءه في صمت معتبرا أن تلك العبارة التي تحتاج شرحا، هي الشرح نفسه.
وظل أمر تعري با عبد السميع سرا مكينا بين الكبار لم يفصحوا عنه أبدا للصغار، وظللنا ننتظر أن يكررها با عبد السميع أو أن يكررها أحد شيوخ ووجهاء الجماعة على الأقل، لنقارن حجم قضيبه بحجم قضيب با عبد السميع، إلا أن ذلك لم يحصل، إلى أن نسينا الأمر، فأكملنا لعبنا كأن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.
ومرت شهور قليلة فقط حتى سمعنا عويلا وصياحا وندبا، وكان ذلك أن با عبد السميع قد غادر إلى الأبد، حاسما الأمر بذلك، وعزيت الأمر في نفسي إلى عبارة لم أفهمها حينها، هي: لقد طفح الكيل
محمد بنملود . المغرب
___
ذات يوم ودون مقدمات، خرج بّا عبد السميع إلى الشارع الترابي عاريا كما ولدته أمه. لقد كان رجلا عاقلا كما عرفه أهل الحي بشهادة الجماعة نفسها، حكيما، تجاوز عمره السبعين، لم يؤذ أحدا قط، ولم يُسمع لسره وسر أهل بيته جهر أبدا. يصلي الصلاة في وقتها في الجامع ويفي بالنذر ويعود المريض ولا يرد السائل إذا سأل ويقرض المحتاج إن كان في جيبه مال، وقد شهد كثيرون بذلك في غيابه حتى. إلا أنه ومن حيث لا أحد يحتسب خرج في الناس ذاك اليوم عاريا عراء كاملا لا تشوبه شائبة الثياب، وقد كان قضيبه صغيرا جدا مقارنة بما قد يتخيله أطفال بالنظر إلى عمر با عبد السميع ووقاره ورزانته، صغيرا جدا ومتغضنا، بينما خصيتاه على عكس ذلك تتدليان بأريحية -على الأقل- مسافة شبر بيد حفار قبور، مرتخيتان وذابلتان كحبتي تين عملاقتين ستصيران بعد أيام قليلة شريحة. بينما مؤخرته ضامرة وصغيرة جدا ومسودّة كرغيف الجنازة.
لم نتخيله أبدا على تلك الحال حين رأيناه قبل ذلك سنوات كل يوم بالجلابة وبالفوقية رجلا رزينا وقد اتخذ غصن شجرة جبوج عكازا فزاده ذلك وقارا. بل بدا لنا وهو عار يطوف الحي بلحية قديمة مبيضّة وبضع شيبات صهباء بالعرق على صدره المعظم، وركبتيه الضخمتين كركبتي جمل مقارنة بنحافة فخذيه وساقيه، والأهم من كل ذلك نظرته التي ظلت وقورة كما لو أنها مفصولة عن جسده هذا، وقد ركزنا النظر أكثر بين فخذيه وخلفهما لندرة تكرر مشهد كهذا أو ربما لاستحالة تكرره، متابعين تقلقل خصيتيه بل حتى أن بعضنا رأى بوضوح شامة صغيرة جدا أسفل مؤخرته ووصفها بعد ذلك ورسمها على التراب لأننا لم نرها جميعا. بدا لنا كل ذلك كسرّ عظيم ومهيب ينكشف بغتة أمام أعيننا الصغيرة البراقة الشبيهة بأعين عصافير جائعة تنتظر أمها في عش.
والغريب هو أننا لم نضحك، ولم نقذفه بالحجارة، ولم نصح خلفه مستهزئين متقافزين كما كان يجب أن يحدث بديهيا، بل ظللنا صامتين نرقب المشهد بجلال إلى أن تقدم بعض الرجال نحوه في وقار وفي يد أحدهم إزار أبيض ناصع في الشمس لفه حوله حتى بدا كميت حي في كفن يقف ويمشي على قدمين. وأدخلوه كوخ أحدهم كما لو كان ناجيا من زلزال حتى ألبسوه ثيابا وأعطوه أكلا وشايا ساخنا وقد هرعت إليه أيضا ابنته يزّة المتزوجة وبعض أصهاره مرتعبين غير مصدقين ما حدث. وقد عاد إليه رشده أخيرا فتعقل وترزن.
وفي الغد أيضا وفي سائر الأيام الآتية ظل عاقلا رزينا كما كان قبل أن يتعرى، بل بدا تعقله كما لو أن مشهد عريه ذاك واقتحامه للشارع العام على تلك الحال كان محض تخيلات وتهيؤات وتوهمات ليس إلا. إلا أني سمعت أبي يشرح لأمي ذات مساء أن با عبد السميع فعل ذلك لأن الكيل قد طفح به. ولم أفهم ماذا قصد أبي بـ: لأن الكيل قد طفح به، بل واصل عشاءه في صمت معتبرا أن تلك العبارة التي تحتاج شرحا، هي الشرح نفسه.
وظل أمر تعري با عبد السميع سرا مكينا بين الكبار لم يفصحوا عنه أبدا للصغار، وظللنا ننتظر أن يكررها با عبد السميع أو أن يكررها أحد شيوخ ووجهاء الجماعة على الأقل، لنقارن حجم قضيبه بحجم قضيب با عبد السميع، إلا أن ذلك لم يحصل، إلى أن نسينا الأمر، فأكملنا لعبنا كأن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.
ومرت شهور قليلة فقط حتى سمعنا عويلا وصياحا وندبا، وكان ذلك أن با عبد السميع قد غادر إلى الأبد، حاسما الأمر بذلك، وعزيت الأمر في نفسي إلى عبارة لم أفهمها حينها، هي: لقد طفح الكيل
محمد بنملود . المغرب
"الغضب، أو إعلان الغضب، يعني خسارة نصف المعركة سلفا.. ومع الغضب، مع الانفعال يبدو الإنسان عاريا، تظهر نقاط ضعفه، وتظهر الأسلحة التي يريد أن يستعملها، وعندها يكون خصومه قد اضطروه للوقوف أمام بنادقهم في الأرض العراء"
عبدالرحمن منيف_مدن الملح
الأخدود
عبدالرحمن منيف_مدن الملح
الأخدود
أبدأ كل كتبي في الثامن من يناير .
هل يمكنكم تخيل السابع من يناير؟
إنه جحيم!
كل سنة، في السابع من يناير، أبدأ بتجهيز مساحتي الملموسة. أخليها من كل كتبي الأخرى وأبقي على المعاجم، والمسودات الأولى، والمواد التي تحوي البحوث للعمل الجديد.
إيزابيل ألليندي
هل يمكنكم تخيل السابع من يناير؟
إنه جحيم!
كل سنة، في السابع من يناير، أبدأ بتجهيز مساحتي الملموسة. أخليها من كل كتبي الأخرى وأبقي على المعاجم، والمسودات الأولى، والمواد التي تحوي البحوث للعمل الجديد.
إيزابيل ألليندي
رواية " فتيان الزنك " لسفيتلانا أليكسيفيتش :
اعترافات فاضحة عن الحكومات التي تبعث أبناءها للحرب، لحروب مجهولة، فتية في الثامنة عشر والتاسعة عشر يحملون كجثث في صناديق مغمورة بالتراب، ليكونوا أثقل وزنا أثناء تشييعهم، فالجسد صار شظايا وكل عضو حي فيه صار فتاتا!
لذا الجسد الذي يسقط في تابوت يبقى سرًا من أسرار السلطة، حتى الأمهات لا حق لهن في فض هذا السر ومن يعود يردم كل مشاهدات الحرب، تلك التي تخصه أو تخص غيره، في بئر قلبه كأنه عاد من نزهة لا من مكان ملطخ بالبشاعة!
وآخرون يعودون كمعاقين ليست أذرعهم، سيقانهم، أعضاء الذكورة مبتورة فحسب بل حتى أحلامهم، موت ناقص يكملون طقوسه في أرض الوطن بالانتحار، أما أولئك الأصحاء الذين سلموا من الخدوش فهم أكثر المنهزمين، هؤلاء تكون الحرب قد سلبت أرواحهم تماما .
يبلغ الجندي مرحلة لا يتحمل فيها ثقل وجوده، غريبًا عن نفسه، تائهًا عن كل شيء، ضميره صفر بعد أن اعتاد مشاهد القتل والوحشية، بعد أن رأى كيف استحال الدم ماء على يديه دون أن تفتت تلك المشاهد الحادة قلبه .
هذه الرواية هي حرب الأمهات أيضا، في إحدى الأمثال القديمة كان يقال : " الأم التي تبعث أبناءها للحرب هي حربها أيضا " و سفيتلانا كأنها ارتكزت على هذا المثل في توثيق شهادات الأمومة المنكوبة.
رواية ثقيلة حقا، ثقيلة بقدر الحقائق التي تزنها.
أتوقع أنها ستمنع في بعض الدول كرواية 1984 لجورج أورويل، التساؤلات والشهادات التي تطرحها لن تمر مرور الكرام لدى كل من رفع راية الحرب.
اعترافات فاضحة عن الحكومات التي تبعث أبناءها للحرب، لحروب مجهولة، فتية في الثامنة عشر والتاسعة عشر يحملون كجثث في صناديق مغمورة بالتراب، ليكونوا أثقل وزنا أثناء تشييعهم، فالجسد صار شظايا وكل عضو حي فيه صار فتاتا!
لذا الجسد الذي يسقط في تابوت يبقى سرًا من أسرار السلطة، حتى الأمهات لا حق لهن في فض هذا السر ومن يعود يردم كل مشاهدات الحرب، تلك التي تخصه أو تخص غيره، في بئر قلبه كأنه عاد من نزهة لا من مكان ملطخ بالبشاعة!
وآخرون يعودون كمعاقين ليست أذرعهم، سيقانهم، أعضاء الذكورة مبتورة فحسب بل حتى أحلامهم، موت ناقص يكملون طقوسه في أرض الوطن بالانتحار، أما أولئك الأصحاء الذين سلموا من الخدوش فهم أكثر المنهزمين، هؤلاء تكون الحرب قد سلبت أرواحهم تماما .
يبلغ الجندي مرحلة لا يتحمل فيها ثقل وجوده، غريبًا عن نفسه، تائهًا عن كل شيء، ضميره صفر بعد أن اعتاد مشاهد القتل والوحشية، بعد أن رأى كيف استحال الدم ماء على يديه دون أن تفتت تلك المشاهد الحادة قلبه .
هذه الرواية هي حرب الأمهات أيضا، في إحدى الأمثال القديمة كان يقال : " الأم التي تبعث أبناءها للحرب هي حربها أيضا " و سفيتلانا كأنها ارتكزت على هذا المثل في توثيق شهادات الأمومة المنكوبة.
رواية ثقيلة حقا، ثقيلة بقدر الحقائق التي تزنها.
أتوقع أنها ستمنع في بعض الدول كرواية 1984 لجورج أورويل، التساؤلات والشهادات التي تطرحها لن تمر مرور الكرام لدى كل من رفع راية الحرب.
" نحن لم نعتد التفكير في القضايا الكبيرة : من بدأ ذلك؟ من المذنب؟ ثمة مزحة حول هذا الموضوع ... سأل راديو أرمينيا : هل سمعت كيف تبول البعوضة؟ السياسة كذلك ، لكن بصوت أكثر خفوتا حتى ." .
فتيان الزنك | سفيتلانا ألكسيفيتش
فتيان الزنك | سفيتلانا ألكسيفيتش
شو عملت في حياتك : لمستُ رائحة البِدايات.
لا آبه لأسئلة الناس: “إنتَ شو عملت في حياتك؟” ، فقط أُجيبهم سرًا: لقد أنجزت الكثير مِن الأعمال المهمة التي لا تَمُتُّ إلى عالمكم المحدد بِصِلة :
ابتسمت كثيرًا في وجوه أطفال كثيرين، أحببت أمي كثيرًا، عانقت أصدقاء يبكونَ بعد أن كسَر الحبُّ قلوبهُم أو خطف الغِياب آباءهم، نهضت في صباحاتٍ كثيرة مُبكِّرة و لمستُ رائحة البِدايات.
زياد خداش
لا آبه لأسئلة الناس: “إنتَ شو عملت في حياتك؟” ، فقط أُجيبهم سرًا: لقد أنجزت الكثير مِن الأعمال المهمة التي لا تَمُتُّ إلى عالمكم المحدد بِصِلة :
ابتسمت كثيرًا في وجوه أطفال كثيرين، أحببت أمي كثيرًا، عانقت أصدقاء يبكونَ بعد أن كسَر الحبُّ قلوبهُم أو خطف الغِياب آباءهم، نهضت في صباحاتٍ كثيرة مُبكِّرة و لمستُ رائحة البِدايات.
زياد خداش
أخيرا يأتي الغراب وقصص أخرى لإيتالو كالفينو
ليلى عبدالله –
إيتالو كالفينو صاحب الحكايات المشطورة والتاريخية الخيالية، قال عنه الكاتب والروائي كارلوس فوينتس: «إن القارئ لا يجد صعوبة في أن يدرك بأن رواية ما غير متوقعة من روايات الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. إذ يكفي بعد قراءتها أن يشعر بالحسد تجاه هذا الكاتب الذي استطاع أن يهتدي إلى الفكرة قبل أن تهتدي إليها أنت. وهكذا تكون كل روايات إيتالو كالفينو ما ترغب أنت أيضا و بشدة في أن تكتبه».
وهذا ما يشعر به القارئ حين يقرأ كتابه القصصي «مختارات قصصية إيتالو كالفينو» ترجمها سمير القصير ونشرتها دار صحارى/ الطبعة تعود لعام 2000م. ما يميّز هذه المجموعة هي أنها مختارة من عدة مجموعات قصصية كتبها كالفينو في فترات زمنية مختلفة وفي الوقت نفسه تحتوي كل مجموعة على قصص متنوعة من حيث مضمونها وأسلوبها بل وشخصيتها أيضا. من الخصائص الكتابية التي عُرف بها إيتالو كالفينو في كتابة القصة القصيرة تحديدًا هو بناء أحداثه باتخاذ بطل واحد في مجمل عمله السردي، حيث الشخصية نفسها تظهر للقارئ في مواقف وأحداث متقلبة غير أنها تمضي في مجموعة قصصية واحدة، فعادة في كتابة المجموعات القصصية يتكئ الكاتب على شخصيات عديدة من خلالها يطرح أفكاره وتوجهاته غير أن كالفينو يستعرض حزمة أفكاره الغريبة، ولكن عبر شخصية واحدة نظهر في كل مرة في حدث قصصي مغاير، يُلبس البطل نفسه أدوارًا تعبّر عن توجهاته في العالم.
في هذا الكتاب مختاراته القصصية مستقاة من عدة شخصيات، كل شخصية تمثل نفسها ومضامينها في المجموعة، المجموعة الأولى مع شخصية «ماركو فالدو»، و المجموعة الثانية مع شخصية «بالومار»، أما المجموعة الثالثة فهي تتناول عدة شخصيات لكنها تنطوي على الأيقونة نفسها وهي «الحرب» عنونها بـــ«أخيرا يأتي الغراب»، ختمها بحكايتين من كتاباته الأولى. تناول كالفينو شخصية «ماركو فالدو» من خلال ست قصص حملت عناوين كالتالي: أطفال بابو ناتاله، غابة على الأوتوستراد، الصحفة، الحمام البلدي، دخان وريح وفقاعات صابون، حيث النهر أكثر زرقة.
يتقلب ماركو فالدو هنا في عدة أدوار، فهو بابو ناتاله أي بابا نويل للأطفال في إيطاليا، حيث تجبره شركة الدعايات التي يعمل بها أن يتنكر في زي بابا نويل ويقدم الهدايا لأبناء الأثرياء، ويجد نفسه يقدم هدايا غريبة لطفل أحد هؤلاء الأغنياء مثل مطرقة خشبية ذات رأس ضخم ومقلاع حجارة وكبريت، ينبهر الطفل الذي يحصل على هذه الأدوات لأول مرة في حياته وهو الذي اعتاد على هدايا باهظة الثمن، فيقوم باستخدامها، بالمطرقة يكسر كل ألعابه وكل الكريستالات، ثم يتناول الهدية الثانية فيقصف بالمقلاع كل ما يجده هدفًا للتصويب من كرات زجاجية على شجرة الميلاد إلى الثريات الفاخرة، أما الهدية الثالثة وكانت أخطرها. بعود كبريت أضرم النار في كل شيء بينما الطفل يقفز من الفرح. مع ذلك لم يسرّح من العمل بل هنئ على توظيفه للعب المدمرة التي صارت موضة، وصارت للشركة مكسبًا تجاريًّا!
والقصص الأخرى تجري على المنوال نفسه، لكن في عائلة فالدو، الأب مع أطفاله، حيث يسعون إلى تدمير الطبيعة مرة من خلال قطع الأخشاب للحصول على التدفئة، ومرة لصيد حمام بلدي أو أسماك ملوثة بالكيماويات من البحر، كل ذلك لإبراز كيف أن المنع والقمع كانا يسيّران حياة الناس البسطاء في ذلك الوقت؛ فرغم تفشي الفقر والجوع والبرد كان التدمير يجري دون تشف أو رغبة في الانتقام من شيء بل نابع من بساطة شخصيات ماركو فالدو وأطفاله، وتمتعهم بلحظاتهم الآنية بطرافة وخفة ظل في آن، وكانت المسار الوحيد لثورة نحو القمع لكن بأسلوب ناعم دون إقلاق السلطات بذلك، دون لفت أنظارهم بالتذمر بل كانوا يسعون إلى الطبيعة لإيجاد حلول لأحوالهم المعيشية القاهرة. وقد تميزت القصص هنا بأبعادها الاجتماعية المنطلقة من بيئة يغلبها البساطة، والأفق القصصي في تناوله للأفكار غلب عليه المتعة عبر شخصيات طبعت بالطرافة وحس الفكاهة لمعايشة محيطهم الصغير.
أما شخصية «بالومار» فقد تناولها كالفينو في خمس قصص: الثدي العاري، قراءة موجة، سيف الشمس، العالم ينظر إلى العالم، الخف غير المتجانس. في هذه العناوين تنطوي شخصية «بالومار» الرجل الذي يسعى إلى التأمل في الطبيعة وصلتها بالإنسان من خلال التفكر الغريب حول ظواهر يراها الآخرون مسلّمة غير أن بالومار يرى أنها يمكن أن تؤخذ تلك المعتقدات بنحو مختلف لو أن المرء غيّر يقينه حولها. ولعل قصة الثدي العاري تبرز هذه الفكرة، فبالومار يصطدم حين تجواله على الشاطئ بامرأة تتشمس بصدر عار، في البداية يحاول تجنبها غير أنه يرى أنه لو فعل ذلك فكأنه يثبت معتقدات الآخرين حول الجزء العاري من جسد المرأة؛ لذا يختار أن يتأمله بكونه جزءًا من جسد، وحين يدنو من المرأة كي يعزز رؤيته تتأفف المرأة وتتغطى من الفضولي النزق، وهنا يدرك بالومار أن انطباعاته وحده لا تكفي كي يقاوم بها حتى يسّلم بها غيره أيضا. وتمضي بقية القصص على هذا المغزى من انطب
ليلى عبدالله –
إيتالو كالفينو صاحب الحكايات المشطورة والتاريخية الخيالية، قال عنه الكاتب والروائي كارلوس فوينتس: «إن القارئ لا يجد صعوبة في أن يدرك بأن رواية ما غير متوقعة من روايات الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. إذ يكفي بعد قراءتها أن يشعر بالحسد تجاه هذا الكاتب الذي استطاع أن يهتدي إلى الفكرة قبل أن تهتدي إليها أنت. وهكذا تكون كل روايات إيتالو كالفينو ما ترغب أنت أيضا و بشدة في أن تكتبه».
وهذا ما يشعر به القارئ حين يقرأ كتابه القصصي «مختارات قصصية إيتالو كالفينو» ترجمها سمير القصير ونشرتها دار صحارى/ الطبعة تعود لعام 2000م. ما يميّز هذه المجموعة هي أنها مختارة من عدة مجموعات قصصية كتبها كالفينو في فترات زمنية مختلفة وفي الوقت نفسه تحتوي كل مجموعة على قصص متنوعة من حيث مضمونها وأسلوبها بل وشخصيتها أيضا. من الخصائص الكتابية التي عُرف بها إيتالو كالفينو في كتابة القصة القصيرة تحديدًا هو بناء أحداثه باتخاذ بطل واحد في مجمل عمله السردي، حيث الشخصية نفسها تظهر للقارئ في مواقف وأحداث متقلبة غير أنها تمضي في مجموعة قصصية واحدة، فعادة في كتابة المجموعات القصصية يتكئ الكاتب على شخصيات عديدة من خلالها يطرح أفكاره وتوجهاته غير أن كالفينو يستعرض حزمة أفكاره الغريبة، ولكن عبر شخصية واحدة نظهر في كل مرة في حدث قصصي مغاير، يُلبس البطل نفسه أدوارًا تعبّر عن توجهاته في العالم.
في هذا الكتاب مختاراته القصصية مستقاة من عدة شخصيات، كل شخصية تمثل نفسها ومضامينها في المجموعة، المجموعة الأولى مع شخصية «ماركو فالدو»، و المجموعة الثانية مع شخصية «بالومار»، أما المجموعة الثالثة فهي تتناول عدة شخصيات لكنها تنطوي على الأيقونة نفسها وهي «الحرب» عنونها بـــ«أخيرا يأتي الغراب»، ختمها بحكايتين من كتاباته الأولى. تناول كالفينو شخصية «ماركو فالدو» من خلال ست قصص حملت عناوين كالتالي: أطفال بابو ناتاله، غابة على الأوتوستراد، الصحفة، الحمام البلدي، دخان وريح وفقاعات صابون، حيث النهر أكثر زرقة.
يتقلب ماركو فالدو هنا في عدة أدوار، فهو بابو ناتاله أي بابا نويل للأطفال في إيطاليا، حيث تجبره شركة الدعايات التي يعمل بها أن يتنكر في زي بابا نويل ويقدم الهدايا لأبناء الأثرياء، ويجد نفسه يقدم هدايا غريبة لطفل أحد هؤلاء الأغنياء مثل مطرقة خشبية ذات رأس ضخم ومقلاع حجارة وكبريت، ينبهر الطفل الذي يحصل على هذه الأدوات لأول مرة في حياته وهو الذي اعتاد على هدايا باهظة الثمن، فيقوم باستخدامها، بالمطرقة يكسر كل ألعابه وكل الكريستالات، ثم يتناول الهدية الثانية فيقصف بالمقلاع كل ما يجده هدفًا للتصويب من كرات زجاجية على شجرة الميلاد إلى الثريات الفاخرة، أما الهدية الثالثة وكانت أخطرها. بعود كبريت أضرم النار في كل شيء بينما الطفل يقفز من الفرح. مع ذلك لم يسرّح من العمل بل هنئ على توظيفه للعب المدمرة التي صارت موضة، وصارت للشركة مكسبًا تجاريًّا!
والقصص الأخرى تجري على المنوال نفسه، لكن في عائلة فالدو، الأب مع أطفاله، حيث يسعون إلى تدمير الطبيعة مرة من خلال قطع الأخشاب للحصول على التدفئة، ومرة لصيد حمام بلدي أو أسماك ملوثة بالكيماويات من البحر، كل ذلك لإبراز كيف أن المنع والقمع كانا يسيّران حياة الناس البسطاء في ذلك الوقت؛ فرغم تفشي الفقر والجوع والبرد كان التدمير يجري دون تشف أو رغبة في الانتقام من شيء بل نابع من بساطة شخصيات ماركو فالدو وأطفاله، وتمتعهم بلحظاتهم الآنية بطرافة وخفة ظل في آن، وكانت المسار الوحيد لثورة نحو القمع لكن بأسلوب ناعم دون إقلاق السلطات بذلك، دون لفت أنظارهم بالتذمر بل كانوا يسعون إلى الطبيعة لإيجاد حلول لأحوالهم المعيشية القاهرة. وقد تميزت القصص هنا بأبعادها الاجتماعية المنطلقة من بيئة يغلبها البساطة، والأفق القصصي في تناوله للأفكار غلب عليه المتعة عبر شخصيات طبعت بالطرافة وحس الفكاهة لمعايشة محيطهم الصغير.
أما شخصية «بالومار» فقد تناولها كالفينو في خمس قصص: الثدي العاري، قراءة موجة، سيف الشمس، العالم ينظر إلى العالم، الخف غير المتجانس. في هذه العناوين تنطوي شخصية «بالومار» الرجل الذي يسعى إلى التأمل في الطبيعة وصلتها بالإنسان من خلال التفكر الغريب حول ظواهر يراها الآخرون مسلّمة غير أن بالومار يرى أنها يمكن أن تؤخذ تلك المعتقدات بنحو مختلف لو أن المرء غيّر يقينه حولها. ولعل قصة الثدي العاري تبرز هذه الفكرة، فبالومار يصطدم حين تجواله على الشاطئ بامرأة تتشمس بصدر عار، في البداية يحاول تجنبها غير أنه يرى أنه لو فعل ذلك فكأنه يثبت معتقدات الآخرين حول الجزء العاري من جسد المرأة؛ لذا يختار أن يتأمله بكونه جزءًا من جسد، وحين يدنو من المرأة كي يعزز رؤيته تتأفف المرأة وتتغطى من الفضولي النزق، وهنا يدرك بالومار أن انطباعاته وحده لا تكفي كي يقاوم بها حتى يسّلم بها غيره أيضا. وتمضي بقية القصص على هذا المغزى من انطب
اعات فكرية وفلسفية، تجري في تهويمات قد يجدها القارئ مملة أو كتبت بجرعة فكرية مكثفة طغت على خاصية المتعة التي يتوق لها القارئ في مطالعة القصص القصيرة، لتحقيق خاصية الاكتمال هو الفكرة و المتعة، وهنا في قصص هذا القسم غلبت الفكرة والبعد الفلسفي على المتعة.
أكمل قصص المجموعة وأكثرها فرادة من حيث المضمون وتناول الشخصيات هي «أخيرًا يأتي الغراب»، وقد تزعمت هنا «الحرب» بمعانيها الكبيرة كالمقاومة والعدو والجاسوس الفاشي غير أنه جسّدها في القصص بأسلوب هادئ بل ملتبس أيضا، ففي القصة الأولى «أخيرًا يأتي الغراب» وهي أكمل قصص المجموعة. صبي تحظى رماياته بإعجاب الجميع فيأخذ بندقية من الجنود ويغدو كل من في الطبيعة من عصافير وأرانب هدفًا له، حتى العدو المختبئ يغدو هدفًا يقضي عليه برصاصته المنطلقة بدقة نحو النسر الشارة المطرزة على سترته بينما غراب يحوم حول رأسه، يصيب هدفًا مفترضًا غير أنه حقيقي وهنا الصدمة المحضة. وبقية القصص تأتي على منوال الحرب تكون مواجهة بين طرفين، بين جندي وعدو، بين مقاوم وجاسوس، بين الناس كافة ولغم يلقى في البحر، بين ملك وملازم، بين عجوز وامرأة بدينة.
في المنحى نفسه يمرّر كالفينو قصصه، برز ذلك في الحكايتين الأخيرتين من المجموعة «أحاديث حول الأهمية» و«هناك من يقنع»، فهي بين شعب اعتاد أن يكون مروّضًا في يد سلطات تحظر الحياة وقت ما تشاء وترفع عنها الحظر وقت ما يحلو لها.
أكمل قصص المجموعة وأكثرها فرادة من حيث المضمون وتناول الشخصيات هي «أخيرًا يأتي الغراب»، وقد تزعمت هنا «الحرب» بمعانيها الكبيرة كالمقاومة والعدو والجاسوس الفاشي غير أنه جسّدها في القصص بأسلوب هادئ بل ملتبس أيضا، ففي القصة الأولى «أخيرًا يأتي الغراب» وهي أكمل قصص المجموعة. صبي تحظى رماياته بإعجاب الجميع فيأخذ بندقية من الجنود ويغدو كل من في الطبيعة من عصافير وأرانب هدفًا له، حتى العدو المختبئ يغدو هدفًا يقضي عليه برصاصته المنطلقة بدقة نحو النسر الشارة المطرزة على سترته بينما غراب يحوم حول رأسه، يصيب هدفًا مفترضًا غير أنه حقيقي وهنا الصدمة المحضة. وبقية القصص تأتي على منوال الحرب تكون مواجهة بين طرفين، بين جندي وعدو، بين مقاوم وجاسوس، بين الناس كافة ولغم يلقى في البحر، بين ملك وملازم، بين عجوز وامرأة بدينة.
في المنحى نفسه يمرّر كالفينو قصصه، برز ذلك في الحكايتين الأخيرتين من المجموعة «أحاديث حول الأهمية» و«هناك من يقنع»، فهي بين شعب اعتاد أن يكون مروّضًا في يد سلطات تحظر الحياة وقت ما تشاء وترفع عنها الحظر وقت ما يحلو لها.
الحرب الأهلية فى جمهورية إفريقيا الوسطى: قضية الأقليات المسلمة - ماهيتاب منتصر - حكمة
http://hekmah.org/%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1/
http://hekmah.org/%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1/
مجلة حكمة
الحرب الأهلية فى جمهورية إفريقيا الوسطى: قضية الأقليات المسلمة - ماهيتاب منتصر
ورقة حول "قضية الأقليات المسلمة والهوية الدينية أثناء الحرب الأهلية فى جمهورية إفريقيا الوسطى(2012-2016) بين فقه الواقع وفقه الأقليات". مقدمة تمهدية: إن
عار على البشرية أن ينتحر أحدهم وقد كان في حاجة إلى عناق طويل.
ألبير كامو
ألبير كامو
" كانت تلك الثروة مثل قطيع من حيوانات ذهبية صغيرة لا تطيع سوى صوت صاحبها القديم"
مغامرات أوجي مارتش| سول بيرو
مغامرات أوجي مارتش| سول بيرو
" أظن أن الأرواح التي لا تكون في حالة طيبة تحتاج إلى أفعال تنظّم حياتها، إلى أدوات تسندها".
أوجي مارتش| سول بيرو
أوجي مارتش| سول بيرو
"على الكاتب ألّا يتوقَّف عن تجريب كل شيء.. عليه أن يرتكب كل الحماقات الممكنة.. عليه أن يسمح للحياة بأن تُغرِقه وعليه أن يتعلم كيف ينجو في كل مرة.. عليه أن يكره ويُحبّ ويبكي ويضحك مرّات عديدة.
الكاتب الذي يعيش حياة عاديّة ومُتوقَّعة هو كاتِب مُمِلّ بالضرورة وليس لديه ما يقوله!"
الكاتب الذي يعيش حياة عاديّة ومُتوقَّعة هو كاتِب مُمِلّ بالضرورة وليس لديه ما يقوله!"