"أستعيد الآن ما قاله "رونان ماكدونالد" في كتابه "موت الناقد":
"دفاعًا عن عالم المدونات وتفضيلها على المراجعات الأدبية المطبوعة، يدعي كتّاب الشبكة العنكبوتية أنهم يأخذون النصيحة في العادة من أشخاص يعرفونهم، ويتفقون معهم في الرؤية والذائقة. إنهم يرغبون في قراءة ما يريدون أو مشاهدة ما يعتقدون أنه سيمتعهم، لا ما يحاول الخبير إقناعهم أنه جدير بالانتباه. تتمثل المشكلة الرئيسية في هذا الموقف في كون القراء والمشاهدين يعتمدون في الحقيقة على نظام من المراجعات يعزز تحيزاتهم ونزوعاتهم ويؤكدها بدلًا من أن يتحداها ويضعها على المحك".
ممدوح رزق
"دفاعًا عن عالم المدونات وتفضيلها على المراجعات الأدبية المطبوعة، يدعي كتّاب الشبكة العنكبوتية أنهم يأخذون النصيحة في العادة من أشخاص يعرفونهم، ويتفقون معهم في الرؤية والذائقة. إنهم يرغبون في قراءة ما يريدون أو مشاهدة ما يعتقدون أنه سيمتعهم، لا ما يحاول الخبير إقناعهم أنه جدير بالانتباه. تتمثل المشكلة الرئيسية في هذا الموقف في كون القراء والمشاهدين يعتمدون في الحقيقة على نظام من المراجعات يعزز تحيزاتهم ونزوعاتهم ويؤكدها بدلًا من أن يتحداها ويضعها على المحك".
ممدوح رزق
"يستطيع ناقد قدير ذو خبرة، يتمتع بقدر من الاحترام والمرجعية، أن يقنع القراء بإعطاء عمل غريب غير معروف فرصة ثانية، ليروا ما لم يستطيعوا أن يروه في المرة الأولى. هذا ببساطة واحد من الأسباب التي تجعل النقد الصحي الذي يتوجه للجمهور يقدم خدمة مفيدة للفنون: إنه يعيد النظر في الآراء المتداولة والأشكال المستهلكة ويقدم وجهة نظر عكس السائد."
ممدوح رزق
ناقد وكاتب مصري
ممدوح رزق
ناقد وكاتب مصري
جوافسكي
لـ ثابت بن خميس النعماني
FacebookTwitterGoogle+Emailنشر

التعبير: شراسة الذات.
كان لقيِمة التأكيد على الجانب الشُعوري مع ظهور المدرسة التعبيرية في نهاية القرن التاسع عشر نقلة مهمة في الفن التشكيلي، تجلت بكل عنفوانها في أعمال فان جوخ، وامتدّ تأثيرها إلى الموسيقى في أعمال شتراوس والمسرح مع فيرتولت بريخت، والسينما مع فريتز لانغ، أعطى المذهب التعبيري للمبدع الحق في الذهاب إلى أماكن غير مسبوقة بانفعالاته؛ فهي أشبه بقطيع أحصنة تجري بلا أرسنة في البراري، ومع ما شكّله هذا الاتجاه من انتصار للغريزة على تدجين التحضر إلا أن التحدي الأكبر كان خلق ذلك الاتزان بين ذاتية الفنان وجمهوره، لطالما كانت للسينما علاقة مميزة مع جانب التأثير، لامتلاكها على البعد الرابع (الزمن)، ذلك الانزلاق المتتابع للمشاهد الذي يعطي ألوانًا متباينة من الأفكار المنبثقة من تفاعل الشخصيات في محيطها بكل ما فيه.
أندريه جوافسكي: تاريخ من الرفض.
ولد أندريه جوافسكي Andrzej Zulawski في عام ١٩٤٠ في مدينة لفيف Lwów البولندية (صارت جزءًا من أوكرانيا الآن)، درس السينما في أواخر الخمسينات في فرنسا، وبعد منع عرض فيلمه الثاني (الشيطان ١٩٧٢- Diabel) في بولندا لجرأته وصعوبة تأويله استقرّ في فرنسا، حيث حقق أنجح أعماله، وحتى بعد عودته لبولندا مُنع فيلمه (على الكوكب الفضي – ١٩٨٨ Na srebrnym globie) للأسباب نفسها؛ فقرر العودة إلى فرنسا. بتتبع مسيرة جوافسكي الفنية اتضح لنا أنه سار في أهم أفلامه وفق نمط مميز: فتاة في عالم الاستعراض تواجه تحديات تضعها في مأزق أمام نفسها وأمام الجمهور؛ وسنتتبع ذلك وفق تسلسل زمني مع ثلاث نجمات مختلفات لثلاثة أفلام (للمثال لا الحصر) وهي: ما يهم هو الحب (١٩٧٥) L’important c’est d’aimer وفتاة الجمهور (١٩٨٣) La femme publiqu ولياليّ أجمل من أيامك (١٩٨٩) Mes nuits sont plus belles que vos jours.
الانفعال: ذعر أم احتجاج ؟
يصف النقاد أسلوب أندريه جوافسكي بأنه: ”ذو طاقة جنونية، هيستيري، مفرط، أما التمثيل فهو عالي المستوى وحركة الكاميرا مذهلة فهو يصوّر لقطات طويلة قلّما يتم تحريرها“، قبل انتقاله لفرنسا عمل جوافسكي مساعدًا لواحدٍ من أهم أعلام السينما والمسرح البولندي: أندريه ڤايدا Andrzej Wajda، ولأن جوافسكي نفسه كان ممثلاً؛ أدرك طبيعة القطيعة بين العالمين بكون المسرح سابقًا للسينما، فهو يصنع سحره بالمؤثرات المسرحية ولغة الجسد وتفاوت نبرات الصوت. وقد تمكن جوافسكي من استعارة كثافة اللانفعال المسرحي بجعل الانفعال إطارًا تتحرك فيه الشخصيات، وهو ما يُعرف بـ“المناخ الكابوسي“ لأفلام أندريه جوافسكي، وقد ظهر ذلك منذ أول فيلم طويل له (الجزء الثالث من الليله – ١٩٧١ Trzecia czesc nocy) محافظًا عليه حتى آخر أفلامه (كوزموس – ٢٠١٥ Cosmos). كل شخصياتها (الرئيسة منها والجانبية) تبدو ممسوسة، على شفير البكاء أو الصراخ أو ممارسة الحب؛ متحفزة، وقلقة، وعابثة، والتناقض خُصلة طبيعية فيها؛ إذ تبدو كأنها ترقص على حد السكين، إن مَردّ هذا التأجيج الانفعالي ليس مرتبطًا بالضرورة بموقف ما بقدر ما هو نوع من الموقف الاحتجاجي إزاء الحياة ومفاجآتها. هو نوع من الاستنطاق اللفظي \ الحركي ضد التموضع الجَبري في ساحة الوجود وتقبل الواقع.
لماذا المرأة ؟

في العدد الخامس من مجلة فانتازيا الصادر في مايو ٢٠١٤ يجيب جوافسكي حين سئل عن تعليقه حول عدم وجود ”أداء نسائي قوي في فيلم من إخراج امرأة“ وإن كان يعني بأن النساء لا يتمتعن بالقوة واللؤم الكافيين لدفع ممثلة ما لبذل المزيد، فأجاب: ”كلا ما قصدته هو.. أنا أحب الممثلات حين يُجِدن التمثيل وأحب دفعهن للقيام بشيء ما لأنهن لسن رجالاً؛ بمعنى أنهن لسن أنا. في أفلامي، أظن حتى إن لم يبدُ الأمر هكذا، ليس الرجل بطل الأحداث أبدًا، لأن الأمر عندها سيكون متعلقًا بي. أنا لست امرأة وهذا صحيح، والأمر على النقيض بالنسبة للمُخرِجَات النساء، إنهن أحيانًا يُقدمن أداء قويًا جدًا أكثر من الرجال لأنهن لسن ”هم“. حسنًا… ثلثا المخرجات النساء أو أكثر مثليّات، وهذا يغيّر القصة برمتها بعض الشيء.“ الجدير بالملاحظة أن أغلب الشخصيات النسائية في أفلام جوافسكي (حتى تلك التي لن نتحدث عنها هنا) ذات حساسية مفرطة، هي تمثل المشاعر المتأججة والرغبة المستعرة في النجاح والحياة والحب، ولكن هذا ما يجعلها في غاية الهشاشة أيضًا، كما حدث في فيلم (استحواذ – ١٩٨١ Possession) من بطولة الفرنسية إيزابيل أدجاني الذي أدت فيه أحد أهم أدوارها؛ إذ كانت تصرخ بجنون في ميترو الأنفاق، ثم تتقيأ دمًا ويبدأ جسدها بإفراز سوائل غريبة؛ ناهيك عن تقلبات ملامح الوجه وحِدة الصوت والإيماءات المتشنجة.
نادين شوفيلية: المومس الفاضلة
يبدأ المشهد الافتتاحي حين يتسلل المصور المأجور سيرفي مونت (الإيطالي فابيو تيستي) لموقع تصوير أحد أفلام الدرجة الثانية، إذ تجثم الممثلة نادين شوفيليه (النمساوية رومي شنايدر) على صدر
لـ ثابت بن خميس النعماني
FacebookTwitterGoogle+Emailنشر

التعبير: شراسة الذات.
كان لقيِمة التأكيد على الجانب الشُعوري مع ظهور المدرسة التعبيرية في نهاية القرن التاسع عشر نقلة مهمة في الفن التشكيلي، تجلت بكل عنفوانها في أعمال فان جوخ، وامتدّ تأثيرها إلى الموسيقى في أعمال شتراوس والمسرح مع فيرتولت بريخت، والسينما مع فريتز لانغ، أعطى المذهب التعبيري للمبدع الحق في الذهاب إلى أماكن غير مسبوقة بانفعالاته؛ فهي أشبه بقطيع أحصنة تجري بلا أرسنة في البراري، ومع ما شكّله هذا الاتجاه من انتصار للغريزة على تدجين التحضر إلا أن التحدي الأكبر كان خلق ذلك الاتزان بين ذاتية الفنان وجمهوره، لطالما كانت للسينما علاقة مميزة مع جانب التأثير، لامتلاكها على البعد الرابع (الزمن)، ذلك الانزلاق المتتابع للمشاهد الذي يعطي ألوانًا متباينة من الأفكار المنبثقة من تفاعل الشخصيات في محيطها بكل ما فيه.
أندريه جوافسكي: تاريخ من الرفض.
ولد أندريه جوافسكي Andrzej Zulawski في عام ١٩٤٠ في مدينة لفيف Lwów البولندية (صارت جزءًا من أوكرانيا الآن)، درس السينما في أواخر الخمسينات في فرنسا، وبعد منع عرض فيلمه الثاني (الشيطان ١٩٧٢- Diabel) في بولندا لجرأته وصعوبة تأويله استقرّ في فرنسا، حيث حقق أنجح أعماله، وحتى بعد عودته لبولندا مُنع فيلمه (على الكوكب الفضي – ١٩٨٨ Na srebrnym globie) للأسباب نفسها؛ فقرر العودة إلى فرنسا. بتتبع مسيرة جوافسكي الفنية اتضح لنا أنه سار في أهم أفلامه وفق نمط مميز: فتاة في عالم الاستعراض تواجه تحديات تضعها في مأزق أمام نفسها وأمام الجمهور؛ وسنتتبع ذلك وفق تسلسل زمني مع ثلاث نجمات مختلفات لثلاثة أفلام (للمثال لا الحصر) وهي: ما يهم هو الحب (١٩٧٥) L’important c’est d’aimer وفتاة الجمهور (١٩٨٣) La femme publiqu ولياليّ أجمل من أيامك (١٩٨٩) Mes nuits sont plus belles que vos jours.
الانفعال: ذعر أم احتجاج ؟
يصف النقاد أسلوب أندريه جوافسكي بأنه: ”ذو طاقة جنونية، هيستيري، مفرط، أما التمثيل فهو عالي المستوى وحركة الكاميرا مذهلة فهو يصوّر لقطات طويلة قلّما يتم تحريرها“، قبل انتقاله لفرنسا عمل جوافسكي مساعدًا لواحدٍ من أهم أعلام السينما والمسرح البولندي: أندريه ڤايدا Andrzej Wajda، ولأن جوافسكي نفسه كان ممثلاً؛ أدرك طبيعة القطيعة بين العالمين بكون المسرح سابقًا للسينما، فهو يصنع سحره بالمؤثرات المسرحية ولغة الجسد وتفاوت نبرات الصوت. وقد تمكن جوافسكي من استعارة كثافة اللانفعال المسرحي بجعل الانفعال إطارًا تتحرك فيه الشخصيات، وهو ما يُعرف بـ“المناخ الكابوسي“ لأفلام أندريه جوافسكي، وقد ظهر ذلك منذ أول فيلم طويل له (الجزء الثالث من الليله – ١٩٧١ Trzecia czesc nocy) محافظًا عليه حتى آخر أفلامه (كوزموس – ٢٠١٥ Cosmos). كل شخصياتها (الرئيسة منها والجانبية) تبدو ممسوسة، على شفير البكاء أو الصراخ أو ممارسة الحب؛ متحفزة، وقلقة، وعابثة، والتناقض خُصلة طبيعية فيها؛ إذ تبدو كأنها ترقص على حد السكين، إن مَردّ هذا التأجيج الانفعالي ليس مرتبطًا بالضرورة بموقف ما بقدر ما هو نوع من الموقف الاحتجاجي إزاء الحياة ومفاجآتها. هو نوع من الاستنطاق اللفظي \ الحركي ضد التموضع الجَبري في ساحة الوجود وتقبل الواقع.
لماذا المرأة ؟

في العدد الخامس من مجلة فانتازيا الصادر في مايو ٢٠١٤ يجيب جوافسكي حين سئل عن تعليقه حول عدم وجود ”أداء نسائي قوي في فيلم من إخراج امرأة“ وإن كان يعني بأن النساء لا يتمتعن بالقوة واللؤم الكافيين لدفع ممثلة ما لبذل المزيد، فأجاب: ”كلا ما قصدته هو.. أنا أحب الممثلات حين يُجِدن التمثيل وأحب دفعهن للقيام بشيء ما لأنهن لسن رجالاً؛ بمعنى أنهن لسن أنا. في أفلامي، أظن حتى إن لم يبدُ الأمر هكذا، ليس الرجل بطل الأحداث أبدًا، لأن الأمر عندها سيكون متعلقًا بي. أنا لست امرأة وهذا صحيح، والأمر على النقيض بالنسبة للمُخرِجَات النساء، إنهن أحيانًا يُقدمن أداء قويًا جدًا أكثر من الرجال لأنهن لسن ”هم“. حسنًا… ثلثا المخرجات النساء أو أكثر مثليّات، وهذا يغيّر القصة برمتها بعض الشيء.“ الجدير بالملاحظة أن أغلب الشخصيات النسائية في أفلام جوافسكي (حتى تلك التي لن نتحدث عنها هنا) ذات حساسية مفرطة، هي تمثل المشاعر المتأججة والرغبة المستعرة في النجاح والحياة والحب، ولكن هذا ما يجعلها في غاية الهشاشة أيضًا، كما حدث في فيلم (استحواذ – ١٩٨١ Possession) من بطولة الفرنسية إيزابيل أدجاني الذي أدت فيه أحد أهم أدوارها؛ إذ كانت تصرخ بجنون في ميترو الأنفاق، ثم تتقيأ دمًا ويبدأ جسدها بإفراز سوائل غريبة؛ ناهيك عن تقلبات ملامح الوجه وحِدة الصوت والإيماءات المتشنجة.
نادين شوفيلية: المومس الفاضلة
يبدأ المشهد الافتتاحي حين يتسلل المصور المأجور سيرفي مونت (الإيطالي فابيو تيستي) لموقع تصوير أحد أفلام الدرجة الثانية، إذ تجثم الممثلة نادين شوفيليه (النمساوية رومي شنايدر) على صدر
لام جوافسكي كما لو أنها تقول أن الإنسان كائن مصاب بالثنائية القطبية Bipolar disorder وفق فترات زمنية متباعدة؛ وفي هذه الأفلام تتقلص هذه الفترات فنجده يفرح ويحزن ويتأمل، وسرعان ما تراوحه مشاعر مُناقضة لتلك، فالفنان (الممثل في هذه الحالة) في أفلام جوافسكي مطارد من قِبل دوره الذي يحاول تقمصه فيفترسه؛ هو نفسه الإنسان في حيّزه الوجودي الذي يلتهمه الزمن فيه ببطء وصولاً للفناء.
حبيبها المضرج بالدماء، بينما تصرخ بها المخرجة لتخبره بأنها تحبه؛ ولكن نادين تعجز (لسبب ما) عن قولها، وتنتبه للمصور وهو يلتقط صورها، فتقول له: ”لا تصوّر أرجوك، إنني ممثلة، أنا أقوم بأعمال صالحة أيضًا.. إنني أفعل هذا لآكل فقط!“، يقع سيرفي في حب نادين، ويحاول مساعدتها سرًّا بإسناد الدور الرئيس لها في مسرحية ريتشرد الثالث لشكسبير التي يقترض مبلغ تمويلها من رئيس إحدى العصابات، بالإضافة إلى وجود زوج نادين (الفرنسي جاك دوترونك) الذي يمثل الضلع الثالث في مثلث الحب هذا.
ولأن نادين عاشت طوال عمرها مُنمطة بوصفها فتاة هوى، تظن أن كل ما يريده الرجال منها هو جسدها عدا زوجها المِثلي، الذي يجمعها به ارتباط أخلاقي متأتٍ من شعورها بالامتنان، لأنه أنقذها من حياة المواخير والمخدرات والعصابات، وحين يرفض سيرفي معاملتها كغانية وتكتشف أنه من دبر لها الدور المسرحي؛ تجد نادين نفسها محاطة بحب لا عهد لها به، وبعد معاناة طويلة مع طاقم المسرحية والصحافة التي انتقدت المسرحية فقط نظرًا لماضي نادين المُخزي، نجدها تجسد الإنسان الذي يلفظه العالم بسبب ماضيه، ولقد أثبتت نادين شأنها شأن المومس الفاضلة في مسرحية سارتر دماثة أخلاقها وعزة نفسها في أكثر من موقف، ولكنها لعنة الماضي والقوالب الجاهزة التي يضعك الآخر فيها؛ تقتل كل الفرص أمام المرء ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته مهما بلغت أخلاقه من النبل.
إيتيل: الحياة المأساوية وقودًا للموهبة.
بعد أن تتمكن إيتيل (الفرنسية فاليري كابريسكي) من الحصول على دور البطولة في فيلم مقتبس عن رواية الشياطين لدوستويفسكي تتعرض لضغط نفسي هائل من المخرج لوكا (الفرنسي فرونسيز أوستير) تقودها الظروف لتتعرف على المضطرب نفسيًا ميلان (الفرنسي لامبرت ولسن) وهو أحد أصدقاء لوكا من المهاجرين التشيكيين، ويتوهم هذا الأخير بأن إيتيل هي زوجته المتوفاة، وهربًا من واقعها المؤلم تقرر تقمص دور الزوجة وتعيش قصة حب ملتهبة مع ميلان، ولكنها تكتشف تورطه في عملية اغتيال سياسية من تدبير لوكا.
تصبح إيتيل ممثلة بارعة حين ينهار ذلك الحاجز الذي يفصل بين حياتها الشخصية ووضعها كممثلة، هي كائن معجون بالمشاعر، وبدلًا من الغرق في أحزانها نجدها ترقص أمام مصور فوتوغرافي للتنفيس عن سخطها (لقاء المال) إلى أن كادت من قوة أدائها أن تتسبب له بنوبة قلبية! هل الإنسان مثل الفحم الذي يتحول ألماسًا حين يتعرض لدرجات عالية من الضغط ؟ وما مقدار الضغط الذي يجب أن يتعرض له دون أن يتحول إلى رماد ؟ إن تجسيد حالة التكثيف التي يتعرض لها الفنان حتى ينجح تتطلب نوعًا من الاجترار الذاتي الذي يصل بالمرء إلى أغوار عميقة، و هو بالمعنى الحرفي كما يقال بأن النجوم تلمع حين تحترق؛ فالظروف المأساوية التي جعلت من إيتيل كتلة من الأحاسيس القابلة للاشتعال هي نفسها الوقود الذي يشحذ أداءها كممثلة.
بلونش: عرّافة القوافي.

يعلم لوكا (الفرنسي جاك دوترونك) أنه يحتضر بسبب إصابته بمرض نادر يدمر خلاياه الدماغية، وينعكس ذلك على نطقه فيصبح كل كلامه أشبه بالشِعر، بالتزامن مع نجاحه في اختراع لغة حاسوبية متطورة ستضمن له الشهرة والثراء. ثم يلتقي ببلونش (الفرنسية صوفي مارسو) التي يلمع نجمها في فرنسا بسبب العروض التي تبدو فيها كأنها مسكونة بامرأة أخرى قادرة على معرفة تفاصيل شديدة الخصوصية من حياة الآخرين وسردها بلغة مُقفاة تحاكي الحالة المَرضية عند لوكا. يحاول لوكا الاقتراب من بلونش في الفندق الذي تسكن فيه مع والدتها وطاقم العمل الذين يحاولون بكل الطرق إبعاده عنها.
إن الأزمات الطفولية التي مرّ بها كل من بلونش (التي كانت هي وأمها ضحايا عنف أُسري ولوكا الذي أغرق والده أمه أمام عينيه حين كان طفلاً) جمعتهما في الاغتراب في عالم البالغين، يميل المرء لاختراع لغة خاصة به للهروب بأفكاره الأكثر إيلامًا عن الآخرين، وحين يجد من يفهمه؛ يشعر بألفة مع ذلك الغريب، إن لوكا الذي يشعر بفنائه القريب، يدرك أنه قد أدار ظهره للحب بينما كان يدير ظهره لأوجاعه الطفولية وماضيه الغريق؛ ولذلك ينطلق برعونة صبيانية ليظفر ببلونش؛ بينما بلونش المتعلقة بشكل طفولي بأمها التي تخيب ظنها باستمرار تعيش توترًا بين تعلقها بوالدتها وأضواء الشهرة وبين نداء قلبها.
الإنسان: ممثل يفترسه دوره في الحياة
صحيح أن أفلام أندريه جوافسكي ليست كلها متعلقة بحياة الممثلين؛ ولكن بالإضافة إلى الأفلام الثلاثة المذكورة نجد أفلامًا أخرى لها فكرة مقاربة مثل (الحب يضيء – ١٩٨٥ L’amour braque) الذي تدور أحداثه في مسرح، و(النوتة الزرقاء – ١٩٩١ (La note bleue الذي يجسد حياة الموسيقار شوبان، وتم تقديمه كأوبرا سينمائية. إذا كان الفن نسخة سيئة من الواقع كما يعتبره سقراط؛ فذلك لأنه أكثر تكثيفًا أما الحياة فهي سرمدية والفن بحث عن الخلود في تيارها اللانهائي، وهذا ما يحدث للفنان فهو إذ يتقمص دورًا ما فإنه يكثف من نفسه فيه ليبدو أقرب ما يمكن للواقع السينمائي ومعاييره، والانفعالات في أف
ولأن نادين عاشت طوال عمرها مُنمطة بوصفها فتاة هوى، تظن أن كل ما يريده الرجال منها هو جسدها عدا زوجها المِثلي، الذي يجمعها به ارتباط أخلاقي متأتٍ من شعورها بالامتنان، لأنه أنقذها من حياة المواخير والمخدرات والعصابات، وحين يرفض سيرفي معاملتها كغانية وتكتشف أنه من دبر لها الدور المسرحي؛ تجد نادين نفسها محاطة بحب لا عهد لها به، وبعد معاناة طويلة مع طاقم المسرحية والصحافة التي انتقدت المسرحية فقط نظرًا لماضي نادين المُخزي، نجدها تجسد الإنسان الذي يلفظه العالم بسبب ماضيه، ولقد أثبتت نادين شأنها شأن المومس الفاضلة في مسرحية سارتر دماثة أخلاقها وعزة نفسها في أكثر من موقف، ولكنها لعنة الماضي والقوالب الجاهزة التي يضعك الآخر فيها؛ تقتل كل الفرص أمام المرء ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته مهما بلغت أخلاقه من النبل.
إيتيل: الحياة المأساوية وقودًا للموهبة.
بعد أن تتمكن إيتيل (الفرنسية فاليري كابريسكي) من الحصول على دور البطولة في فيلم مقتبس عن رواية الشياطين لدوستويفسكي تتعرض لضغط نفسي هائل من المخرج لوكا (الفرنسي فرونسيز أوستير) تقودها الظروف لتتعرف على المضطرب نفسيًا ميلان (الفرنسي لامبرت ولسن) وهو أحد أصدقاء لوكا من المهاجرين التشيكيين، ويتوهم هذا الأخير بأن إيتيل هي زوجته المتوفاة، وهربًا من واقعها المؤلم تقرر تقمص دور الزوجة وتعيش قصة حب ملتهبة مع ميلان، ولكنها تكتشف تورطه في عملية اغتيال سياسية من تدبير لوكا.
تصبح إيتيل ممثلة بارعة حين ينهار ذلك الحاجز الذي يفصل بين حياتها الشخصية ووضعها كممثلة، هي كائن معجون بالمشاعر، وبدلًا من الغرق في أحزانها نجدها ترقص أمام مصور فوتوغرافي للتنفيس عن سخطها (لقاء المال) إلى أن كادت من قوة أدائها أن تتسبب له بنوبة قلبية! هل الإنسان مثل الفحم الذي يتحول ألماسًا حين يتعرض لدرجات عالية من الضغط ؟ وما مقدار الضغط الذي يجب أن يتعرض له دون أن يتحول إلى رماد ؟ إن تجسيد حالة التكثيف التي يتعرض لها الفنان حتى ينجح تتطلب نوعًا من الاجترار الذاتي الذي يصل بالمرء إلى أغوار عميقة، و هو بالمعنى الحرفي كما يقال بأن النجوم تلمع حين تحترق؛ فالظروف المأساوية التي جعلت من إيتيل كتلة من الأحاسيس القابلة للاشتعال هي نفسها الوقود الذي يشحذ أداءها كممثلة.
بلونش: عرّافة القوافي.

يعلم لوكا (الفرنسي جاك دوترونك) أنه يحتضر بسبب إصابته بمرض نادر يدمر خلاياه الدماغية، وينعكس ذلك على نطقه فيصبح كل كلامه أشبه بالشِعر، بالتزامن مع نجاحه في اختراع لغة حاسوبية متطورة ستضمن له الشهرة والثراء. ثم يلتقي ببلونش (الفرنسية صوفي مارسو) التي يلمع نجمها في فرنسا بسبب العروض التي تبدو فيها كأنها مسكونة بامرأة أخرى قادرة على معرفة تفاصيل شديدة الخصوصية من حياة الآخرين وسردها بلغة مُقفاة تحاكي الحالة المَرضية عند لوكا. يحاول لوكا الاقتراب من بلونش في الفندق الذي تسكن فيه مع والدتها وطاقم العمل الذين يحاولون بكل الطرق إبعاده عنها.
إن الأزمات الطفولية التي مرّ بها كل من بلونش (التي كانت هي وأمها ضحايا عنف أُسري ولوكا الذي أغرق والده أمه أمام عينيه حين كان طفلاً) جمعتهما في الاغتراب في عالم البالغين، يميل المرء لاختراع لغة خاصة به للهروب بأفكاره الأكثر إيلامًا عن الآخرين، وحين يجد من يفهمه؛ يشعر بألفة مع ذلك الغريب، إن لوكا الذي يشعر بفنائه القريب، يدرك أنه قد أدار ظهره للحب بينما كان يدير ظهره لأوجاعه الطفولية وماضيه الغريق؛ ولذلك ينطلق برعونة صبيانية ليظفر ببلونش؛ بينما بلونش المتعلقة بشكل طفولي بأمها التي تخيب ظنها باستمرار تعيش توترًا بين تعلقها بوالدتها وأضواء الشهرة وبين نداء قلبها.
الإنسان: ممثل يفترسه دوره في الحياة
صحيح أن أفلام أندريه جوافسكي ليست كلها متعلقة بحياة الممثلين؛ ولكن بالإضافة إلى الأفلام الثلاثة المذكورة نجد أفلامًا أخرى لها فكرة مقاربة مثل (الحب يضيء – ١٩٨٥ L’amour braque) الذي تدور أحداثه في مسرح، و(النوتة الزرقاء – ١٩٩١ (La note bleue الذي يجسد حياة الموسيقار شوبان، وتم تقديمه كأوبرا سينمائية. إذا كان الفن نسخة سيئة من الواقع كما يعتبره سقراط؛ فذلك لأنه أكثر تكثيفًا أما الحياة فهي سرمدية والفن بحث عن الخلود في تيارها اللانهائي، وهذا ما يحدث للفنان فهو إذ يتقمص دورًا ما فإنه يكثف من نفسه فيه ليبدو أقرب ما يمكن للواقع السينمائي ومعاييره، والانفعالات في أف
في رواية " المفقود" لكيم إكلين ت. أماني لازار . تتحدث عن تأثير الأنظمة السياسية في البلاد، وكيف أن كل نظام سياسي كان يفرض سلطته : «كان الناس يتبادلون التحية تحت حكم سيهانوك قائلين: كم من الأطفال لديك؟ تحت حكم لون نول، قال الناس: هل أنت بخير؟ تحت حكم الخمير الحمر: كم من الطعام تحصل من جمعيتك التعاونية؟ الآن نقول: كم بقي من أفراد عائلتك على قيد الحياة»؟
لقد طفح الكيل:
___
ذات يوم ودون مقدمات، خرج بّا عبد السميع إلى الشارع الترابي عاريا كما ولدته أمه. لقد كان رجلا عاقلا كما عرفه أهل الحي بشهادة الجماعة نفسها، حكيما، تجاوز عمره السبعين، لم يؤذ أحدا قط، ولم يُسمع لسره وسر أهل بيته جهر أبدا. يصلي الصلاة في وقتها في الجامع ويفي بالنذر ويعود المريض ولا يرد السائل إذا سأل ويقرض المحتاج إن كان في جيبه مال، وقد شهد كثيرون بذلك في غيابه حتى. إلا أنه ومن حيث لا أحد يحتسب خرج في الناس ذاك اليوم عاريا عراء كاملا لا تشوبه شائبة الثياب، وقد كان قضيبه صغيرا جدا مقارنة بما قد يتخيله أطفال بالنظر إلى عمر با عبد السميع ووقاره ورزانته، صغيرا جدا ومتغضنا، بينما خصيتاه على عكس ذلك تتدليان بأريحية -على الأقل- مسافة شبر بيد حفار قبور، مرتخيتان وذابلتان كحبتي تين عملاقتين ستصيران بعد أيام قليلة شريحة. بينما مؤخرته ضامرة وصغيرة جدا ومسودّة كرغيف الجنازة.
لم نتخيله أبدا على تلك الحال حين رأيناه قبل ذلك سنوات كل يوم بالجلابة وبالفوقية رجلا رزينا وقد اتخذ غصن شجرة جبوج عكازا فزاده ذلك وقارا. بل بدا لنا وهو عار يطوف الحي بلحية قديمة مبيضّة وبضع شيبات صهباء بالعرق على صدره المعظم، وركبتيه الضخمتين كركبتي جمل مقارنة بنحافة فخذيه وساقيه، والأهم من كل ذلك نظرته التي ظلت وقورة كما لو أنها مفصولة عن جسده هذا، وقد ركزنا النظر أكثر بين فخذيه وخلفهما لندرة تكرر مشهد كهذا أو ربما لاستحالة تكرره، متابعين تقلقل خصيتيه بل حتى أن بعضنا رأى بوضوح شامة صغيرة جدا أسفل مؤخرته ووصفها بعد ذلك ورسمها على التراب لأننا لم نرها جميعا. بدا لنا كل ذلك كسرّ عظيم ومهيب ينكشف بغتة أمام أعيننا الصغيرة البراقة الشبيهة بأعين عصافير جائعة تنتظر أمها في عش.
والغريب هو أننا لم نضحك، ولم نقذفه بالحجارة، ولم نصح خلفه مستهزئين متقافزين كما كان يجب أن يحدث بديهيا، بل ظللنا صامتين نرقب المشهد بجلال إلى أن تقدم بعض الرجال نحوه في وقار وفي يد أحدهم إزار أبيض ناصع في الشمس لفه حوله حتى بدا كميت حي في كفن يقف ويمشي على قدمين. وأدخلوه كوخ أحدهم كما لو كان ناجيا من زلزال حتى ألبسوه ثيابا وأعطوه أكلا وشايا ساخنا وقد هرعت إليه أيضا ابنته يزّة المتزوجة وبعض أصهاره مرتعبين غير مصدقين ما حدث. وقد عاد إليه رشده أخيرا فتعقل وترزن.
وفي الغد أيضا وفي سائر الأيام الآتية ظل عاقلا رزينا كما كان قبل أن يتعرى، بل بدا تعقله كما لو أن مشهد عريه ذاك واقتحامه للشارع العام على تلك الحال كان محض تخيلات وتهيؤات وتوهمات ليس إلا. إلا أني سمعت أبي يشرح لأمي ذات مساء أن با عبد السميع فعل ذلك لأن الكيل قد طفح به. ولم أفهم ماذا قصد أبي بـ: لأن الكيل قد طفح به، بل واصل عشاءه في صمت معتبرا أن تلك العبارة التي تحتاج شرحا، هي الشرح نفسه.
وظل أمر تعري با عبد السميع سرا مكينا بين الكبار لم يفصحوا عنه أبدا للصغار، وظللنا ننتظر أن يكررها با عبد السميع أو أن يكررها أحد شيوخ ووجهاء الجماعة على الأقل، لنقارن حجم قضيبه بحجم قضيب با عبد السميع، إلا أن ذلك لم يحصل، إلى أن نسينا الأمر، فأكملنا لعبنا كأن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.
ومرت شهور قليلة فقط حتى سمعنا عويلا وصياحا وندبا، وكان ذلك أن با عبد السميع قد غادر إلى الأبد، حاسما الأمر بذلك، وعزيت الأمر في نفسي إلى عبارة لم أفهمها حينها، هي: لقد طفح الكيل
محمد بنملود . المغرب
___
ذات يوم ودون مقدمات، خرج بّا عبد السميع إلى الشارع الترابي عاريا كما ولدته أمه. لقد كان رجلا عاقلا كما عرفه أهل الحي بشهادة الجماعة نفسها، حكيما، تجاوز عمره السبعين، لم يؤذ أحدا قط، ولم يُسمع لسره وسر أهل بيته جهر أبدا. يصلي الصلاة في وقتها في الجامع ويفي بالنذر ويعود المريض ولا يرد السائل إذا سأل ويقرض المحتاج إن كان في جيبه مال، وقد شهد كثيرون بذلك في غيابه حتى. إلا أنه ومن حيث لا أحد يحتسب خرج في الناس ذاك اليوم عاريا عراء كاملا لا تشوبه شائبة الثياب، وقد كان قضيبه صغيرا جدا مقارنة بما قد يتخيله أطفال بالنظر إلى عمر با عبد السميع ووقاره ورزانته، صغيرا جدا ومتغضنا، بينما خصيتاه على عكس ذلك تتدليان بأريحية -على الأقل- مسافة شبر بيد حفار قبور، مرتخيتان وذابلتان كحبتي تين عملاقتين ستصيران بعد أيام قليلة شريحة. بينما مؤخرته ضامرة وصغيرة جدا ومسودّة كرغيف الجنازة.
لم نتخيله أبدا على تلك الحال حين رأيناه قبل ذلك سنوات كل يوم بالجلابة وبالفوقية رجلا رزينا وقد اتخذ غصن شجرة جبوج عكازا فزاده ذلك وقارا. بل بدا لنا وهو عار يطوف الحي بلحية قديمة مبيضّة وبضع شيبات صهباء بالعرق على صدره المعظم، وركبتيه الضخمتين كركبتي جمل مقارنة بنحافة فخذيه وساقيه، والأهم من كل ذلك نظرته التي ظلت وقورة كما لو أنها مفصولة عن جسده هذا، وقد ركزنا النظر أكثر بين فخذيه وخلفهما لندرة تكرر مشهد كهذا أو ربما لاستحالة تكرره، متابعين تقلقل خصيتيه بل حتى أن بعضنا رأى بوضوح شامة صغيرة جدا أسفل مؤخرته ووصفها بعد ذلك ورسمها على التراب لأننا لم نرها جميعا. بدا لنا كل ذلك كسرّ عظيم ومهيب ينكشف بغتة أمام أعيننا الصغيرة البراقة الشبيهة بأعين عصافير جائعة تنتظر أمها في عش.
والغريب هو أننا لم نضحك، ولم نقذفه بالحجارة، ولم نصح خلفه مستهزئين متقافزين كما كان يجب أن يحدث بديهيا، بل ظللنا صامتين نرقب المشهد بجلال إلى أن تقدم بعض الرجال نحوه في وقار وفي يد أحدهم إزار أبيض ناصع في الشمس لفه حوله حتى بدا كميت حي في كفن يقف ويمشي على قدمين. وأدخلوه كوخ أحدهم كما لو كان ناجيا من زلزال حتى ألبسوه ثيابا وأعطوه أكلا وشايا ساخنا وقد هرعت إليه أيضا ابنته يزّة المتزوجة وبعض أصهاره مرتعبين غير مصدقين ما حدث. وقد عاد إليه رشده أخيرا فتعقل وترزن.
وفي الغد أيضا وفي سائر الأيام الآتية ظل عاقلا رزينا كما كان قبل أن يتعرى، بل بدا تعقله كما لو أن مشهد عريه ذاك واقتحامه للشارع العام على تلك الحال كان محض تخيلات وتهيؤات وتوهمات ليس إلا. إلا أني سمعت أبي يشرح لأمي ذات مساء أن با عبد السميع فعل ذلك لأن الكيل قد طفح به. ولم أفهم ماذا قصد أبي بـ: لأن الكيل قد طفح به، بل واصل عشاءه في صمت معتبرا أن تلك العبارة التي تحتاج شرحا، هي الشرح نفسه.
وظل أمر تعري با عبد السميع سرا مكينا بين الكبار لم يفصحوا عنه أبدا للصغار، وظللنا ننتظر أن يكررها با عبد السميع أو أن يكررها أحد شيوخ ووجهاء الجماعة على الأقل، لنقارن حجم قضيبه بحجم قضيب با عبد السميع، إلا أن ذلك لم يحصل، إلى أن نسينا الأمر، فأكملنا لعبنا كأن شيئا من هذا القبيل لم يحدث.
ومرت شهور قليلة فقط حتى سمعنا عويلا وصياحا وندبا، وكان ذلك أن با عبد السميع قد غادر إلى الأبد، حاسما الأمر بذلك، وعزيت الأمر في نفسي إلى عبارة لم أفهمها حينها، هي: لقد طفح الكيل
محمد بنملود . المغرب
"الغضب، أو إعلان الغضب، يعني خسارة نصف المعركة سلفا.. ومع الغضب، مع الانفعال يبدو الإنسان عاريا، تظهر نقاط ضعفه، وتظهر الأسلحة التي يريد أن يستعملها، وعندها يكون خصومه قد اضطروه للوقوف أمام بنادقهم في الأرض العراء"
عبدالرحمن منيف_مدن الملح
الأخدود
عبدالرحمن منيف_مدن الملح
الأخدود
أبدأ كل كتبي في الثامن من يناير .
هل يمكنكم تخيل السابع من يناير؟
إنه جحيم!
كل سنة، في السابع من يناير، أبدأ بتجهيز مساحتي الملموسة. أخليها من كل كتبي الأخرى وأبقي على المعاجم، والمسودات الأولى، والمواد التي تحوي البحوث للعمل الجديد.
إيزابيل ألليندي
هل يمكنكم تخيل السابع من يناير؟
إنه جحيم!
كل سنة، في السابع من يناير، أبدأ بتجهيز مساحتي الملموسة. أخليها من كل كتبي الأخرى وأبقي على المعاجم، والمسودات الأولى، والمواد التي تحوي البحوث للعمل الجديد.
إيزابيل ألليندي
رواية " فتيان الزنك " لسفيتلانا أليكسيفيتش :
اعترافات فاضحة عن الحكومات التي تبعث أبناءها للحرب، لحروب مجهولة، فتية في الثامنة عشر والتاسعة عشر يحملون كجثث في صناديق مغمورة بالتراب، ليكونوا أثقل وزنا أثناء تشييعهم، فالجسد صار شظايا وكل عضو حي فيه صار فتاتا!
لذا الجسد الذي يسقط في تابوت يبقى سرًا من أسرار السلطة، حتى الأمهات لا حق لهن في فض هذا السر ومن يعود يردم كل مشاهدات الحرب، تلك التي تخصه أو تخص غيره، في بئر قلبه كأنه عاد من نزهة لا من مكان ملطخ بالبشاعة!
وآخرون يعودون كمعاقين ليست أذرعهم، سيقانهم، أعضاء الذكورة مبتورة فحسب بل حتى أحلامهم، موت ناقص يكملون طقوسه في أرض الوطن بالانتحار، أما أولئك الأصحاء الذين سلموا من الخدوش فهم أكثر المنهزمين، هؤلاء تكون الحرب قد سلبت أرواحهم تماما .
يبلغ الجندي مرحلة لا يتحمل فيها ثقل وجوده، غريبًا عن نفسه، تائهًا عن كل شيء، ضميره صفر بعد أن اعتاد مشاهد القتل والوحشية، بعد أن رأى كيف استحال الدم ماء على يديه دون أن تفتت تلك المشاهد الحادة قلبه .
هذه الرواية هي حرب الأمهات أيضا، في إحدى الأمثال القديمة كان يقال : " الأم التي تبعث أبناءها للحرب هي حربها أيضا " و سفيتلانا كأنها ارتكزت على هذا المثل في توثيق شهادات الأمومة المنكوبة.
رواية ثقيلة حقا، ثقيلة بقدر الحقائق التي تزنها.
أتوقع أنها ستمنع في بعض الدول كرواية 1984 لجورج أورويل، التساؤلات والشهادات التي تطرحها لن تمر مرور الكرام لدى كل من رفع راية الحرب.
اعترافات فاضحة عن الحكومات التي تبعث أبناءها للحرب، لحروب مجهولة، فتية في الثامنة عشر والتاسعة عشر يحملون كجثث في صناديق مغمورة بالتراب، ليكونوا أثقل وزنا أثناء تشييعهم، فالجسد صار شظايا وكل عضو حي فيه صار فتاتا!
لذا الجسد الذي يسقط في تابوت يبقى سرًا من أسرار السلطة، حتى الأمهات لا حق لهن في فض هذا السر ومن يعود يردم كل مشاهدات الحرب، تلك التي تخصه أو تخص غيره، في بئر قلبه كأنه عاد من نزهة لا من مكان ملطخ بالبشاعة!
وآخرون يعودون كمعاقين ليست أذرعهم، سيقانهم، أعضاء الذكورة مبتورة فحسب بل حتى أحلامهم، موت ناقص يكملون طقوسه في أرض الوطن بالانتحار، أما أولئك الأصحاء الذين سلموا من الخدوش فهم أكثر المنهزمين، هؤلاء تكون الحرب قد سلبت أرواحهم تماما .
يبلغ الجندي مرحلة لا يتحمل فيها ثقل وجوده، غريبًا عن نفسه، تائهًا عن كل شيء، ضميره صفر بعد أن اعتاد مشاهد القتل والوحشية، بعد أن رأى كيف استحال الدم ماء على يديه دون أن تفتت تلك المشاهد الحادة قلبه .
هذه الرواية هي حرب الأمهات أيضا، في إحدى الأمثال القديمة كان يقال : " الأم التي تبعث أبناءها للحرب هي حربها أيضا " و سفيتلانا كأنها ارتكزت على هذا المثل في توثيق شهادات الأمومة المنكوبة.
رواية ثقيلة حقا، ثقيلة بقدر الحقائق التي تزنها.
أتوقع أنها ستمنع في بعض الدول كرواية 1984 لجورج أورويل، التساؤلات والشهادات التي تطرحها لن تمر مرور الكرام لدى كل من رفع راية الحرب.
" نحن لم نعتد التفكير في القضايا الكبيرة : من بدأ ذلك؟ من المذنب؟ ثمة مزحة حول هذا الموضوع ... سأل راديو أرمينيا : هل سمعت كيف تبول البعوضة؟ السياسة كذلك ، لكن بصوت أكثر خفوتا حتى ." .
فتيان الزنك | سفيتلانا ألكسيفيتش
فتيان الزنك | سفيتلانا ألكسيفيتش
شو عملت في حياتك : لمستُ رائحة البِدايات.
لا آبه لأسئلة الناس: “إنتَ شو عملت في حياتك؟” ، فقط أُجيبهم سرًا: لقد أنجزت الكثير مِن الأعمال المهمة التي لا تَمُتُّ إلى عالمكم المحدد بِصِلة :
ابتسمت كثيرًا في وجوه أطفال كثيرين، أحببت أمي كثيرًا، عانقت أصدقاء يبكونَ بعد أن كسَر الحبُّ قلوبهُم أو خطف الغِياب آباءهم، نهضت في صباحاتٍ كثيرة مُبكِّرة و لمستُ رائحة البِدايات.
زياد خداش
لا آبه لأسئلة الناس: “إنتَ شو عملت في حياتك؟” ، فقط أُجيبهم سرًا: لقد أنجزت الكثير مِن الأعمال المهمة التي لا تَمُتُّ إلى عالمكم المحدد بِصِلة :
ابتسمت كثيرًا في وجوه أطفال كثيرين، أحببت أمي كثيرًا، عانقت أصدقاء يبكونَ بعد أن كسَر الحبُّ قلوبهُم أو خطف الغِياب آباءهم، نهضت في صباحاتٍ كثيرة مُبكِّرة و لمستُ رائحة البِدايات.
زياد خداش
أخيرا يأتي الغراب وقصص أخرى لإيتالو كالفينو
ليلى عبدالله –
إيتالو كالفينو صاحب الحكايات المشطورة والتاريخية الخيالية، قال عنه الكاتب والروائي كارلوس فوينتس: «إن القارئ لا يجد صعوبة في أن يدرك بأن رواية ما غير متوقعة من روايات الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. إذ يكفي بعد قراءتها أن يشعر بالحسد تجاه هذا الكاتب الذي استطاع أن يهتدي إلى الفكرة قبل أن تهتدي إليها أنت. وهكذا تكون كل روايات إيتالو كالفينو ما ترغب أنت أيضا و بشدة في أن تكتبه».
وهذا ما يشعر به القارئ حين يقرأ كتابه القصصي «مختارات قصصية إيتالو كالفينو» ترجمها سمير القصير ونشرتها دار صحارى/ الطبعة تعود لعام 2000م. ما يميّز هذه المجموعة هي أنها مختارة من عدة مجموعات قصصية كتبها كالفينو في فترات زمنية مختلفة وفي الوقت نفسه تحتوي كل مجموعة على قصص متنوعة من حيث مضمونها وأسلوبها بل وشخصيتها أيضا. من الخصائص الكتابية التي عُرف بها إيتالو كالفينو في كتابة القصة القصيرة تحديدًا هو بناء أحداثه باتخاذ بطل واحد في مجمل عمله السردي، حيث الشخصية نفسها تظهر للقارئ في مواقف وأحداث متقلبة غير أنها تمضي في مجموعة قصصية واحدة، فعادة في كتابة المجموعات القصصية يتكئ الكاتب على شخصيات عديدة من خلالها يطرح أفكاره وتوجهاته غير أن كالفينو يستعرض حزمة أفكاره الغريبة، ولكن عبر شخصية واحدة نظهر في كل مرة في حدث قصصي مغاير، يُلبس البطل نفسه أدوارًا تعبّر عن توجهاته في العالم.
في هذا الكتاب مختاراته القصصية مستقاة من عدة شخصيات، كل شخصية تمثل نفسها ومضامينها في المجموعة، المجموعة الأولى مع شخصية «ماركو فالدو»، و المجموعة الثانية مع شخصية «بالومار»، أما المجموعة الثالثة فهي تتناول عدة شخصيات لكنها تنطوي على الأيقونة نفسها وهي «الحرب» عنونها بـــ«أخيرا يأتي الغراب»، ختمها بحكايتين من كتاباته الأولى. تناول كالفينو شخصية «ماركو فالدو» من خلال ست قصص حملت عناوين كالتالي: أطفال بابو ناتاله، غابة على الأوتوستراد، الصحفة، الحمام البلدي، دخان وريح وفقاعات صابون، حيث النهر أكثر زرقة.
يتقلب ماركو فالدو هنا في عدة أدوار، فهو بابو ناتاله أي بابا نويل للأطفال في إيطاليا، حيث تجبره شركة الدعايات التي يعمل بها أن يتنكر في زي بابا نويل ويقدم الهدايا لأبناء الأثرياء، ويجد نفسه يقدم هدايا غريبة لطفل أحد هؤلاء الأغنياء مثل مطرقة خشبية ذات رأس ضخم ومقلاع حجارة وكبريت، ينبهر الطفل الذي يحصل على هذه الأدوات لأول مرة في حياته وهو الذي اعتاد على هدايا باهظة الثمن، فيقوم باستخدامها، بالمطرقة يكسر كل ألعابه وكل الكريستالات، ثم يتناول الهدية الثانية فيقصف بالمقلاع كل ما يجده هدفًا للتصويب من كرات زجاجية على شجرة الميلاد إلى الثريات الفاخرة، أما الهدية الثالثة وكانت أخطرها. بعود كبريت أضرم النار في كل شيء بينما الطفل يقفز من الفرح. مع ذلك لم يسرّح من العمل بل هنئ على توظيفه للعب المدمرة التي صارت موضة، وصارت للشركة مكسبًا تجاريًّا!
والقصص الأخرى تجري على المنوال نفسه، لكن في عائلة فالدو، الأب مع أطفاله، حيث يسعون إلى تدمير الطبيعة مرة من خلال قطع الأخشاب للحصول على التدفئة، ومرة لصيد حمام بلدي أو أسماك ملوثة بالكيماويات من البحر، كل ذلك لإبراز كيف أن المنع والقمع كانا يسيّران حياة الناس البسطاء في ذلك الوقت؛ فرغم تفشي الفقر والجوع والبرد كان التدمير يجري دون تشف أو رغبة في الانتقام من شيء بل نابع من بساطة شخصيات ماركو فالدو وأطفاله، وتمتعهم بلحظاتهم الآنية بطرافة وخفة ظل في آن، وكانت المسار الوحيد لثورة نحو القمع لكن بأسلوب ناعم دون إقلاق السلطات بذلك، دون لفت أنظارهم بالتذمر بل كانوا يسعون إلى الطبيعة لإيجاد حلول لأحوالهم المعيشية القاهرة. وقد تميزت القصص هنا بأبعادها الاجتماعية المنطلقة من بيئة يغلبها البساطة، والأفق القصصي في تناوله للأفكار غلب عليه المتعة عبر شخصيات طبعت بالطرافة وحس الفكاهة لمعايشة محيطهم الصغير.
أما شخصية «بالومار» فقد تناولها كالفينو في خمس قصص: الثدي العاري، قراءة موجة، سيف الشمس، العالم ينظر إلى العالم، الخف غير المتجانس. في هذه العناوين تنطوي شخصية «بالومار» الرجل الذي يسعى إلى التأمل في الطبيعة وصلتها بالإنسان من خلال التفكر الغريب حول ظواهر يراها الآخرون مسلّمة غير أن بالومار يرى أنها يمكن أن تؤخذ تلك المعتقدات بنحو مختلف لو أن المرء غيّر يقينه حولها. ولعل قصة الثدي العاري تبرز هذه الفكرة، فبالومار يصطدم حين تجواله على الشاطئ بامرأة تتشمس بصدر عار، في البداية يحاول تجنبها غير أنه يرى أنه لو فعل ذلك فكأنه يثبت معتقدات الآخرين حول الجزء العاري من جسد المرأة؛ لذا يختار أن يتأمله بكونه جزءًا من جسد، وحين يدنو من المرأة كي يعزز رؤيته تتأفف المرأة وتتغطى من الفضولي النزق، وهنا يدرك بالومار أن انطباعاته وحده لا تكفي كي يقاوم بها حتى يسّلم بها غيره أيضا. وتمضي بقية القصص على هذا المغزى من انطب
ليلى عبدالله –
إيتالو كالفينو صاحب الحكايات المشطورة والتاريخية الخيالية، قال عنه الكاتب والروائي كارلوس فوينتس: «إن القارئ لا يجد صعوبة في أن يدرك بأن رواية ما غير متوقعة من روايات الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. إذ يكفي بعد قراءتها أن يشعر بالحسد تجاه هذا الكاتب الذي استطاع أن يهتدي إلى الفكرة قبل أن تهتدي إليها أنت. وهكذا تكون كل روايات إيتالو كالفينو ما ترغب أنت أيضا و بشدة في أن تكتبه».
وهذا ما يشعر به القارئ حين يقرأ كتابه القصصي «مختارات قصصية إيتالو كالفينو» ترجمها سمير القصير ونشرتها دار صحارى/ الطبعة تعود لعام 2000م. ما يميّز هذه المجموعة هي أنها مختارة من عدة مجموعات قصصية كتبها كالفينو في فترات زمنية مختلفة وفي الوقت نفسه تحتوي كل مجموعة على قصص متنوعة من حيث مضمونها وأسلوبها بل وشخصيتها أيضا. من الخصائص الكتابية التي عُرف بها إيتالو كالفينو في كتابة القصة القصيرة تحديدًا هو بناء أحداثه باتخاذ بطل واحد في مجمل عمله السردي، حيث الشخصية نفسها تظهر للقارئ في مواقف وأحداث متقلبة غير أنها تمضي في مجموعة قصصية واحدة، فعادة في كتابة المجموعات القصصية يتكئ الكاتب على شخصيات عديدة من خلالها يطرح أفكاره وتوجهاته غير أن كالفينو يستعرض حزمة أفكاره الغريبة، ولكن عبر شخصية واحدة نظهر في كل مرة في حدث قصصي مغاير، يُلبس البطل نفسه أدوارًا تعبّر عن توجهاته في العالم.
في هذا الكتاب مختاراته القصصية مستقاة من عدة شخصيات، كل شخصية تمثل نفسها ومضامينها في المجموعة، المجموعة الأولى مع شخصية «ماركو فالدو»، و المجموعة الثانية مع شخصية «بالومار»، أما المجموعة الثالثة فهي تتناول عدة شخصيات لكنها تنطوي على الأيقونة نفسها وهي «الحرب» عنونها بـــ«أخيرا يأتي الغراب»، ختمها بحكايتين من كتاباته الأولى. تناول كالفينو شخصية «ماركو فالدو» من خلال ست قصص حملت عناوين كالتالي: أطفال بابو ناتاله، غابة على الأوتوستراد، الصحفة، الحمام البلدي، دخان وريح وفقاعات صابون، حيث النهر أكثر زرقة.
يتقلب ماركو فالدو هنا في عدة أدوار، فهو بابو ناتاله أي بابا نويل للأطفال في إيطاليا، حيث تجبره شركة الدعايات التي يعمل بها أن يتنكر في زي بابا نويل ويقدم الهدايا لأبناء الأثرياء، ويجد نفسه يقدم هدايا غريبة لطفل أحد هؤلاء الأغنياء مثل مطرقة خشبية ذات رأس ضخم ومقلاع حجارة وكبريت، ينبهر الطفل الذي يحصل على هذه الأدوات لأول مرة في حياته وهو الذي اعتاد على هدايا باهظة الثمن، فيقوم باستخدامها، بالمطرقة يكسر كل ألعابه وكل الكريستالات، ثم يتناول الهدية الثانية فيقصف بالمقلاع كل ما يجده هدفًا للتصويب من كرات زجاجية على شجرة الميلاد إلى الثريات الفاخرة، أما الهدية الثالثة وكانت أخطرها. بعود كبريت أضرم النار في كل شيء بينما الطفل يقفز من الفرح. مع ذلك لم يسرّح من العمل بل هنئ على توظيفه للعب المدمرة التي صارت موضة، وصارت للشركة مكسبًا تجاريًّا!
والقصص الأخرى تجري على المنوال نفسه، لكن في عائلة فالدو، الأب مع أطفاله، حيث يسعون إلى تدمير الطبيعة مرة من خلال قطع الأخشاب للحصول على التدفئة، ومرة لصيد حمام بلدي أو أسماك ملوثة بالكيماويات من البحر، كل ذلك لإبراز كيف أن المنع والقمع كانا يسيّران حياة الناس البسطاء في ذلك الوقت؛ فرغم تفشي الفقر والجوع والبرد كان التدمير يجري دون تشف أو رغبة في الانتقام من شيء بل نابع من بساطة شخصيات ماركو فالدو وأطفاله، وتمتعهم بلحظاتهم الآنية بطرافة وخفة ظل في آن، وكانت المسار الوحيد لثورة نحو القمع لكن بأسلوب ناعم دون إقلاق السلطات بذلك، دون لفت أنظارهم بالتذمر بل كانوا يسعون إلى الطبيعة لإيجاد حلول لأحوالهم المعيشية القاهرة. وقد تميزت القصص هنا بأبعادها الاجتماعية المنطلقة من بيئة يغلبها البساطة، والأفق القصصي في تناوله للأفكار غلب عليه المتعة عبر شخصيات طبعت بالطرافة وحس الفكاهة لمعايشة محيطهم الصغير.
أما شخصية «بالومار» فقد تناولها كالفينو في خمس قصص: الثدي العاري، قراءة موجة، سيف الشمس، العالم ينظر إلى العالم، الخف غير المتجانس. في هذه العناوين تنطوي شخصية «بالومار» الرجل الذي يسعى إلى التأمل في الطبيعة وصلتها بالإنسان من خلال التفكر الغريب حول ظواهر يراها الآخرون مسلّمة غير أن بالومار يرى أنها يمكن أن تؤخذ تلك المعتقدات بنحو مختلف لو أن المرء غيّر يقينه حولها. ولعل قصة الثدي العاري تبرز هذه الفكرة، فبالومار يصطدم حين تجواله على الشاطئ بامرأة تتشمس بصدر عار، في البداية يحاول تجنبها غير أنه يرى أنه لو فعل ذلك فكأنه يثبت معتقدات الآخرين حول الجزء العاري من جسد المرأة؛ لذا يختار أن يتأمله بكونه جزءًا من جسد، وحين يدنو من المرأة كي يعزز رؤيته تتأفف المرأة وتتغطى من الفضولي النزق، وهنا يدرك بالومار أن انطباعاته وحده لا تكفي كي يقاوم بها حتى يسّلم بها غيره أيضا. وتمضي بقية القصص على هذا المغزى من انطب
اعات فكرية وفلسفية، تجري في تهويمات قد يجدها القارئ مملة أو كتبت بجرعة فكرية مكثفة طغت على خاصية المتعة التي يتوق لها القارئ في مطالعة القصص القصيرة، لتحقيق خاصية الاكتمال هو الفكرة و المتعة، وهنا في قصص هذا القسم غلبت الفكرة والبعد الفلسفي على المتعة.
أكمل قصص المجموعة وأكثرها فرادة من حيث المضمون وتناول الشخصيات هي «أخيرًا يأتي الغراب»، وقد تزعمت هنا «الحرب» بمعانيها الكبيرة كالمقاومة والعدو والجاسوس الفاشي غير أنه جسّدها في القصص بأسلوب هادئ بل ملتبس أيضا، ففي القصة الأولى «أخيرًا يأتي الغراب» وهي أكمل قصص المجموعة. صبي تحظى رماياته بإعجاب الجميع فيأخذ بندقية من الجنود ويغدو كل من في الطبيعة من عصافير وأرانب هدفًا له، حتى العدو المختبئ يغدو هدفًا يقضي عليه برصاصته المنطلقة بدقة نحو النسر الشارة المطرزة على سترته بينما غراب يحوم حول رأسه، يصيب هدفًا مفترضًا غير أنه حقيقي وهنا الصدمة المحضة. وبقية القصص تأتي على منوال الحرب تكون مواجهة بين طرفين، بين جندي وعدو، بين مقاوم وجاسوس، بين الناس كافة ولغم يلقى في البحر، بين ملك وملازم، بين عجوز وامرأة بدينة.
في المنحى نفسه يمرّر كالفينو قصصه، برز ذلك في الحكايتين الأخيرتين من المجموعة «أحاديث حول الأهمية» و«هناك من يقنع»، فهي بين شعب اعتاد أن يكون مروّضًا في يد سلطات تحظر الحياة وقت ما تشاء وترفع عنها الحظر وقت ما يحلو لها.
أكمل قصص المجموعة وأكثرها فرادة من حيث المضمون وتناول الشخصيات هي «أخيرًا يأتي الغراب»، وقد تزعمت هنا «الحرب» بمعانيها الكبيرة كالمقاومة والعدو والجاسوس الفاشي غير أنه جسّدها في القصص بأسلوب هادئ بل ملتبس أيضا، ففي القصة الأولى «أخيرًا يأتي الغراب» وهي أكمل قصص المجموعة. صبي تحظى رماياته بإعجاب الجميع فيأخذ بندقية من الجنود ويغدو كل من في الطبيعة من عصافير وأرانب هدفًا له، حتى العدو المختبئ يغدو هدفًا يقضي عليه برصاصته المنطلقة بدقة نحو النسر الشارة المطرزة على سترته بينما غراب يحوم حول رأسه، يصيب هدفًا مفترضًا غير أنه حقيقي وهنا الصدمة المحضة. وبقية القصص تأتي على منوال الحرب تكون مواجهة بين طرفين، بين جندي وعدو، بين مقاوم وجاسوس، بين الناس كافة ولغم يلقى في البحر، بين ملك وملازم، بين عجوز وامرأة بدينة.
في المنحى نفسه يمرّر كالفينو قصصه، برز ذلك في الحكايتين الأخيرتين من المجموعة «أحاديث حول الأهمية» و«هناك من يقنع»، فهي بين شعب اعتاد أن يكون مروّضًا في يد سلطات تحظر الحياة وقت ما تشاء وترفع عنها الحظر وقت ما يحلو لها.