ثلاث قصص قصيرة جداً لدان رودز
ترجمة عبدالله ناصر
-١-
بشعرها الأشقر الطويل، وبشرتها البيضاء كالزنبق، وشفاه كيويبد المقوسة بدت ماريديل مثل ملاك. بطبيعة الحال كنت سعيداً بحملِها لولا عيون الطفل الضيقة التي وشت بخيانتها. اعتذرتْ وسامحتها. سرعان ما حملتْ وأخذنا نترقب مرةً أخرى ولكن الطفل كان بني اللون كالبندق. لم أتفوه بكلمة، بدت في منتهى الروعة والخلاسي الصغير ممهداً على ذراعها. ما كنت لأخاطر بفقدانها. قلتُ: "أخيراً، طفلنا نحن." قبلة واحدة فقط من ذلك الفم الكامل أعادت الأمور إلى نصابها.
-٢-
تبدو يولنثي مثل جبل فوجي، فخمةً ومغوية من بعيد وما إن تقترب منها حتى تخيّب أملك. كلما أتى خطّابها بالورود والغيتارات الإسبانية أسررت لهم بذلك. عندما لا تسمعني أقول لهم: "ستندمون إذا قربتموها منكم". يظنون أني أهددهم فأهمس قائلاً: " أعرف إنها شديدة الجمال لكن ما إن تعرفونها عن قرب حتى تجدونها في الحقيقة فتاةً عادية". يسألوني مادام الحال هكذا لماذا لا أتركها. أتأتئ مرتبكاً، لا أعرف كيف أبرر الأمر.
-٣-
اختطفوا صديقتي وطلبوا مبلغاً ضخماً من المال قبل أن يعيدوها. كنت ممتناً لهذا السلام والهدوء، ولم أكن في عجلةٍ لتسوية الأمور. أخذوا يرسلون بعد حين قطعاً صغيرةً منها. بدأوا بإرسال الأذن في وعاءٍ للصابون. لسببٍ ما، لم يخفضوا مبلغ الفدية. هذا غير منطقي. يبدو أنهم يظنون أني سأدفع المبلغ نفسه لصديقةٍ بلا أصابع إبهام ولا أذان ولا أنف أو حتى حلمات كما لو كنت سأفعل مقابل امرأةٍ تحتفظ بكامل أعضائها.
ترجمة عبدالله ناصر
-١-
بشعرها الأشقر الطويل، وبشرتها البيضاء كالزنبق، وشفاه كيويبد المقوسة بدت ماريديل مثل ملاك. بطبيعة الحال كنت سعيداً بحملِها لولا عيون الطفل الضيقة التي وشت بخيانتها. اعتذرتْ وسامحتها. سرعان ما حملتْ وأخذنا نترقب مرةً أخرى ولكن الطفل كان بني اللون كالبندق. لم أتفوه بكلمة، بدت في منتهى الروعة والخلاسي الصغير ممهداً على ذراعها. ما كنت لأخاطر بفقدانها. قلتُ: "أخيراً، طفلنا نحن." قبلة واحدة فقط من ذلك الفم الكامل أعادت الأمور إلى نصابها.
-٢-
تبدو يولنثي مثل جبل فوجي، فخمةً ومغوية من بعيد وما إن تقترب منها حتى تخيّب أملك. كلما أتى خطّابها بالورود والغيتارات الإسبانية أسررت لهم بذلك. عندما لا تسمعني أقول لهم: "ستندمون إذا قربتموها منكم". يظنون أني أهددهم فأهمس قائلاً: " أعرف إنها شديدة الجمال لكن ما إن تعرفونها عن قرب حتى تجدونها في الحقيقة فتاةً عادية". يسألوني مادام الحال هكذا لماذا لا أتركها. أتأتئ مرتبكاً، لا أعرف كيف أبرر الأمر.
-٣-
اختطفوا صديقتي وطلبوا مبلغاً ضخماً من المال قبل أن يعيدوها. كنت ممتناً لهذا السلام والهدوء، ولم أكن في عجلةٍ لتسوية الأمور. أخذوا يرسلون بعد حين قطعاً صغيرةً منها. بدأوا بإرسال الأذن في وعاءٍ للصابون. لسببٍ ما، لم يخفضوا مبلغ الفدية. هذا غير منطقي. يبدو أنهم يظنون أني سأدفع المبلغ نفسه لصديقةٍ بلا أصابع إبهام ولا أذان ولا أنف أو حتى حلمات كما لو كنت سأفعل مقابل امرأةٍ تحتفظ بكامل أعضائها.
Forwarded from Marym Store | متجر مريم 🇸🇦
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
فيلم رائع عن القراءة نال أكثر من أوسكار، استمتعوا❤
وول سوينكا: مهمة الروائي أن يحكي وليس تقديم أجوبة
مركز باسم النوبلي الأفريقي في جامعة نيفادا
الأربعاء - 26 ذو الحجة 1437 هـ - 28 سبتمبر 2016 مـ

لاس فيغاس (ولاية نيفادا): محمد علي صالح
تنقسم لاس فيغاس (ولاية نيفادا) إلى جزأين، يفصل بينهما مطار «ماكارين» الدولي: يسيطر على الجزء الغربي شارع الملاهي. وتسيطر على الجزء الشرقي جامعة نيفادا. بالليل، تكاد تعمي الأبصار أضواء الملاهي وكازينوهات القمار في فنادق «ترامب إنترناشونال» و«سيزار بالاس» و«ماندلاي» و«ميراج». لكن، الضجة في الشرق لا تزيد عن تجمعات طلبة وطالبات جامعة نيفادا (أكثر من 30 ألفا).
في الجامعة، معهد «بلاك ماونتين» (الجبل الأسود). وفي المعهد، مركز «وول سوينكا» للآداب والفنون الأفريقية. وسوينكا، كما هو معروف، الكاتب المسرحي والشاعر النيجيري الذي فاز بجائزة نوبل في الآداب عام 1986 (أول أفريقي يفوز عليها).
سوينكا يبلغ من العمر الآن 82 عاما. وقرر أن يقضي باقي حياته في القرية التي ولد فيها في نيجيريا. يأتي إلى هنا أحيانا. وسيعود في ديسمبر (كانون الأول) لإدارة ندوة سيتحدث فيها روائيون أفريقيون عن «احتقار الرواية الأفريقية» (هل، أيضا، احتقار الأفريقيين؟).
اشتهر سوينكا، بالإضافة إلى شهرته في مجال الأدب، بحب الحرية، ومعارضة الحكومات الديكتاتورية، خاصة في وطنه.
وهرب، بسبب ذلك، إلى أميركا أربع مرات: الأولى في عام 1975، بسبب معارضته لحكومة الجنرال أوباسانجو، وعمل حينها أستاذا في جامعة هارفارد. والثانية في عام 1988 (بعد عامين من نيل جائزة نوبل)، بسبب معارضته لحكومة الجنرال محمد بخاري، ثم حكومة الجنرال إبراهيم بابنجيدا. وعمل أستاذا في جامعة كورنيل (ولاية نيويورك). ثم في جامعة ايموري (ولاية جورجيا).
والثالثة في عام 1994، بسبب معارضته لحكومة الجنرال ساني اباشا. وعمل أثناء هربه أستاذا في جامعة لايولا (ولاية كاليفورنيا).
وأخيرا في عام 1999، هرب إلى الولايات المتحدة، بسبب معارضته لحكومة الجنرال عبد السلام أبو بكر.
في كل مرة، كان يتوسم الخير، ويعود إلى نيجيريا (كانت وظيفته الثابتة هي أستاذ الأدب في جامعة أولووو). لكن، كل مرة، بعد عودته بسنوات قليلة، يتأكد بأن العسكريين ليسوا جادين في تأسيس نظام ديمقراطي. (حكم العسكريون نيجريا أكثر من 30 عاما، حتى عام 2010).
في كل مرة، كان يعود إلى جامعة أميركية مختلفة. وكانت جامعة نيفادا هي الأخيرة، حيث عمل أستاذا، ثم عضوا في مجلس إدارة معهد «بلاك هيل»، ثم مديرا لمركز باسمه.
* في قرية «اكي»
ناقشت واحدة من حلقات معهد «بلاك هيل» أشهر كتب سوينكا، والذي كان من أسباب نيله جائزة نوبل، وهو «سنوات الطفولة» (نشر الكتاب في عام 1981). وكان قد نشر كتاب مذكرات ثان في عام 2006، هو: «يجب أن تهرب في الفجر» (إشارة إلى سلسلة عوداته إلى نيجيريا، ثم الهروب منها).
في قرية «اكي»، كان والده قسيسا في كنيسة إنجليكية. وكانت والدته بنت قسيس، ومتحمسة للمسيحية ربما أكثر من والده. لهذا، سماها ابنها في الكتاب: «المسيحية الثائرة».
لكن، كان أكثر السكان يدينون بدين قبيلة يوروبا. لهذا، تربي سوينكا تربية دينية مختلطة. في وقت لاحق، بسبب غضبه على سنوات ما سماه «الاستعمار الأوروبي المسيحي الأبيض»، ابتعد عن المسيحية.
سئل مرة عن «التناقض» في حياته، بين «الروائي الهادئ» و«الوطني المتمرد». وأجاب: «أنا مثل أوغون. يفضل الهدوء، ولكنه عندما يثور يدمر كل شيء».
وهكذا سلسلة تناقضات تتحكم في حياة سوينكا: الدين المسيحي، أو دين قريته البدائي؟ اللغة الإنجليزية، أو لغة اليوروبا؟ والده الليبرالي، أو والدته التقليدية؟ الثقافة الغربية، أو ثقافة القرية؟ زوجته البريطانية، أو زوجتاه النيجيريتان؟
في تقرير عنه، لاحظت مجلة «أتلانتيك» أنه نادرا يلبس ملابس أوروبية. حتى عندما نال جائزة نوبل، ذهب إلى أوسلو وهي في عباءة أفريقية بيضاء وفضفاضة.
* سنوات الطفولة
في هذا الكتاب، وصف سوينكا وكان عمره أربعة أعوام، فرقة موسيقية بريطانية كانت تجوب قرى المنطقة. أبهرته الأشكال، والألوان، والأنغام، فتبع الفرقة إلى خارج قريته. وضل الطريق. وجلس يبكي، حتى جاء رجل من قريته، وأنقذه. وتحدث أيضا عن موت أبيه، وكان في التاسعة من عمره، ومراسيم الدفن التي كانت مزيجا من المسيحية والقبلية. ووصف ما وصل إلى قريته من آثار الحرب العالمية الثانية (كانت بريطانيا تستعمر نيجيريا، وأرسلت جنودا نيجيريين إلى ساحات الحرب في شمال أفريقيا وفي أوروبا. وكتب: «ما كنت أقرأ الصحف، لكني كنت أسمع الإذاعة. كل ليلة نجتمع حول الراديو الوحيد، ونسمع عن هتلر. لم نشاهده، ولم نعرف عنه كثيرا. لكن كان وكأنه يعيش معنا. وكذلك تحدث عن سماعه في المذياع خبر إلقاء قنبلة أميركية النووية فوق هيروشيما. لم يكن يعرف كثيرا عن الموضوع. لكنه تذكر نقاشا وسط الكبار، وصياح مديرة منظمة نسائية محلية: لماذا رمى الأميركيون قنبلة نووية فوق اليابانيين؟ لماذا لم يرموها فوق الألمان، وهم الذين بدأ
مركز باسم النوبلي الأفريقي في جامعة نيفادا
الأربعاء - 26 ذو الحجة 1437 هـ - 28 سبتمبر 2016 مـ

لاس فيغاس (ولاية نيفادا): محمد علي صالح
تنقسم لاس فيغاس (ولاية نيفادا) إلى جزأين، يفصل بينهما مطار «ماكارين» الدولي: يسيطر على الجزء الغربي شارع الملاهي. وتسيطر على الجزء الشرقي جامعة نيفادا. بالليل، تكاد تعمي الأبصار أضواء الملاهي وكازينوهات القمار في فنادق «ترامب إنترناشونال» و«سيزار بالاس» و«ماندلاي» و«ميراج». لكن، الضجة في الشرق لا تزيد عن تجمعات طلبة وطالبات جامعة نيفادا (أكثر من 30 ألفا).
في الجامعة، معهد «بلاك ماونتين» (الجبل الأسود). وفي المعهد، مركز «وول سوينكا» للآداب والفنون الأفريقية. وسوينكا، كما هو معروف، الكاتب المسرحي والشاعر النيجيري الذي فاز بجائزة نوبل في الآداب عام 1986 (أول أفريقي يفوز عليها).
سوينكا يبلغ من العمر الآن 82 عاما. وقرر أن يقضي باقي حياته في القرية التي ولد فيها في نيجيريا. يأتي إلى هنا أحيانا. وسيعود في ديسمبر (كانون الأول) لإدارة ندوة سيتحدث فيها روائيون أفريقيون عن «احتقار الرواية الأفريقية» (هل، أيضا، احتقار الأفريقيين؟).
اشتهر سوينكا، بالإضافة إلى شهرته في مجال الأدب، بحب الحرية، ومعارضة الحكومات الديكتاتورية، خاصة في وطنه.
وهرب، بسبب ذلك، إلى أميركا أربع مرات: الأولى في عام 1975، بسبب معارضته لحكومة الجنرال أوباسانجو، وعمل حينها أستاذا في جامعة هارفارد. والثانية في عام 1988 (بعد عامين من نيل جائزة نوبل)، بسبب معارضته لحكومة الجنرال محمد بخاري، ثم حكومة الجنرال إبراهيم بابنجيدا. وعمل أستاذا في جامعة كورنيل (ولاية نيويورك). ثم في جامعة ايموري (ولاية جورجيا).
والثالثة في عام 1994، بسبب معارضته لحكومة الجنرال ساني اباشا. وعمل أثناء هربه أستاذا في جامعة لايولا (ولاية كاليفورنيا).
وأخيرا في عام 1999، هرب إلى الولايات المتحدة، بسبب معارضته لحكومة الجنرال عبد السلام أبو بكر.
في كل مرة، كان يتوسم الخير، ويعود إلى نيجيريا (كانت وظيفته الثابتة هي أستاذ الأدب في جامعة أولووو). لكن، كل مرة، بعد عودته بسنوات قليلة، يتأكد بأن العسكريين ليسوا جادين في تأسيس نظام ديمقراطي. (حكم العسكريون نيجريا أكثر من 30 عاما، حتى عام 2010).
في كل مرة، كان يعود إلى جامعة أميركية مختلفة. وكانت جامعة نيفادا هي الأخيرة، حيث عمل أستاذا، ثم عضوا في مجلس إدارة معهد «بلاك هيل»، ثم مديرا لمركز باسمه.
* في قرية «اكي»
ناقشت واحدة من حلقات معهد «بلاك هيل» أشهر كتب سوينكا، والذي كان من أسباب نيله جائزة نوبل، وهو «سنوات الطفولة» (نشر الكتاب في عام 1981). وكان قد نشر كتاب مذكرات ثان في عام 2006، هو: «يجب أن تهرب في الفجر» (إشارة إلى سلسلة عوداته إلى نيجيريا، ثم الهروب منها).
في قرية «اكي»، كان والده قسيسا في كنيسة إنجليكية. وكانت والدته بنت قسيس، ومتحمسة للمسيحية ربما أكثر من والده. لهذا، سماها ابنها في الكتاب: «المسيحية الثائرة».
لكن، كان أكثر السكان يدينون بدين قبيلة يوروبا. لهذا، تربي سوينكا تربية دينية مختلطة. في وقت لاحق، بسبب غضبه على سنوات ما سماه «الاستعمار الأوروبي المسيحي الأبيض»، ابتعد عن المسيحية.
سئل مرة عن «التناقض» في حياته، بين «الروائي الهادئ» و«الوطني المتمرد». وأجاب: «أنا مثل أوغون. يفضل الهدوء، ولكنه عندما يثور يدمر كل شيء».
وهكذا سلسلة تناقضات تتحكم في حياة سوينكا: الدين المسيحي، أو دين قريته البدائي؟ اللغة الإنجليزية، أو لغة اليوروبا؟ والده الليبرالي، أو والدته التقليدية؟ الثقافة الغربية، أو ثقافة القرية؟ زوجته البريطانية، أو زوجتاه النيجيريتان؟
في تقرير عنه، لاحظت مجلة «أتلانتيك» أنه نادرا يلبس ملابس أوروبية. حتى عندما نال جائزة نوبل، ذهب إلى أوسلو وهي في عباءة أفريقية بيضاء وفضفاضة.
* سنوات الطفولة
في هذا الكتاب، وصف سوينكا وكان عمره أربعة أعوام، فرقة موسيقية بريطانية كانت تجوب قرى المنطقة. أبهرته الأشكال، والألوان، والأنغام، فتبع الفرقة إلى خارج قريته. وضل الطريق. وجلس يبكي، حتى جاء رجل من قريته، وأنقذه. وتحدث أيضا عن موت أبيه، وكان في التاسعة من عمره، ومراسيم الدفن التي كانت مزيجا من المسيحية والقبلية. ووصف ما وصل إلى قريته من آثار الحرب العالمية الثانية (كانت بريطانيا تستعمر نيجيريا، وأرسلت جنودا نيجيريين إلى ساحات الحرب في شمال أفريقيا وفي أوروبا. وكتب: «ما كنت أقرأ الصحف، لكني كنت أسمع الإذاعة. كل ليلة نجتمع حول الراديو الوحيد، ونسمع عن هتلر. لم نشاهده، ولم نعرف عنه كثيرا. لكن كان وكأنه يعيش معنا. وكذلك تحدث عن سماعه في المذياع خبر إلقاء قنبلة أميركية النووية فوق هيروشيما. لم يكن يعرف كثيرا عن الموضوع. لكنه تذكر نقاشا وسط الكبار، وصياح مديرة منظمة نسائية محلية: لماذا رمى الأميركيون قنبلة نووية فوق اليابانيين؟ لماذا لم يرموها فوق الألمان، وهم الذين بدأ
وا كل هذه الحروب؟ لماذا؟ لأن الألمان بيض مثل الأميركيين. لهذا، رمى الأميركيون القنبلة النووية فوق شعب من شعوب العالم الثالث. دائما يحتقرون الشعوب الملونة: الصفر، والسود، والسمر».
* زوجات وثقافات
عندما كان عمره 24 عاما، وهو في بعثة دراسية في جامعة ليدز، بريطانيا، تزوج باربرا. لكن، لم يدم الزواج طويلا، وذلك لأن البريطانية لم تكن متحمسة للعودة معه إلى نيجيريا بعد أن أكمل دراسته. وعندما عادا، بدأت المشاكل، ليس فقط بينهما، ولكن، أيضا، بين البريطانية وثقافة قبيلة اليوروبا. (بالإضافة إلى اتهامات بأنه كان يعاشر فتيات من قبيلته). بعد سنوات قليلة، طلق البريطانية باربرا، وتزوج النيجيرية أوليدي ايدويو، وعندما كان عمره 55 عاما طلقها ليتزوج فوليك التي كانت تلميذته في جامعة أولووو، في نيجيريا. وهي تصغره بثلاثين عاما، وما تزال زوجته.
«احتقار» الرواية الأفريقية
في ديسمبر (كانون الأول) القادم، سيعود سوينكا إلى مركزه في جامعة نيفادا، ليترأس ندوة يتحدث فيها روائيون أفريقيون عن «احتقار الرواية الأفريقية». وكان بعض هؤلاء ناقشوا نفس الموضوع في ندوة مماثلة قبل خمس أعوام.
في ذك الوقت، قال الروائي شيماماندا اديشي (أميركي نيجيري): «أتنقل بين أميركا ونيجيريا منذ ثلاثين عاما. لكن، فقط في أميركا أحس باني أفريقي. أحس بنفسي، وبقارتي. وأحس باني في موقع المدافع أمام عداوة، حقيقية أو وهمية».
وأضاف: «يعيش الاحتقار داخل ثقافة الصمت التي نعاني منها. نعيش أوقاتا دراماتيكية وتراجيدية». وسأل: «متى سنثق في أنفسنا؟ متى سنسيطر على أنفسنا؟»
وقال الروائي شنجراي هوفي (من زيمبابوي): «أكاد أتقيأ من الغضب عندما أسمع الغربيين يفتخرون بالمساعدات المادية التي يرسلونها إلى الأفريقيين. لهذا، أحلم بأن يأتي اليوم الذي سيرسل فيه الأفريقيون بعثات تبشيرية مسيحية إلى الغرب. نعم، يوجد ما هو أهم من دفتر الشيكات، يوجد القلب».
واشتركت في النقاش البريطانية البيضاء ألكساندر فولار، بنت مستوطن أبيض كان في زيمبابوي (كانت زيمبابوي تسمى روديسيا، نسبة إلى «مكتشفها» البريطاني السير سيسل رودس). وقالت، وهي تخاطب الروائيين الأفارقة: «إنا بنت بريطانيين بيض يجب أن يوصفوا بالاحتقار. لكنهم يريدون أن يصفوكم أنتم بالاحتقار. يقولون إنكم صفوة أفريقيا، ويجب أن تفرحوا بذلك. لا تنتقدوا. اصمتوا».
وقال سوينكا، في نهاية النقاش: «لن نقدر على أن ننقذ أفريقيا. لكن، أحسن شيء بالنسبة للروائي، في أي دولة، وبأي لغة، هو أنه يحكي روايات. يصف ما حدث، ولا يقدم أجوبة أو حلولا». وأضاف: «ربما توقظ رواية ضمير شخص، وربما توقظ روايات ضمائر أشخاص. إنها مهمة طويلة المدى».
* زوجات وثقافات
عندما كان عمره 24 عاما، وهو في بعثة دراسية في جامعة ليدز، بريطانيا، تزوج باربرا. لكن، لم يدم الزواج طويلا، وذلك لأن البريطانية لم تكن متحمسة للعودة معه إلى نيجيريا بعد أن أكمل دراسته. وعندما عادا، بدأت المشاكل، ليس فقط بينهما، ولكن، أيضا، بين البريطانية وثقافة قبيلة اليوروبا. (بالإضافة إلى اتهامات بأنه كان يعاشر فتيات من قبيلته). بعد سنوات قليلة، طلق البريطانية باربرا، وتزوج النيجيرية أوليدي ايدويو، وعندما كان عمره 55 عاما طلقها ليتزوج فوليك التي كانت تلميذته في جامعة أولووو، في نيجيريا. وهي تصغره بثلاثين عاما، وما تزال زوجته.
«احتقار» الرواية الأفريقية
في ديسمبر (كانون الأول) القادم، سيعود سوينكا إلى مركزه في جامعة نيفادا، ليترأس ندوة يتحدث فيها روائيون أفريقيون عن «احتقار الرواية الأفريقية». وكان بعض هؤلاء ناقشوا نفس الموضوع في ندوة مماثلة قبل خمس أعوام.
في ذك الوقت، قال الروائي شيماماندا اديشي (أميركي نيجيري): «أتنقل بين أميركا ونيجيريا منذ ثلاثين عاما. لكن، فقط في أميركا أحس باني أفريقي. أحس بنفسي، وبقارتي. وأحس باني في موقع المدافع أمام عداوة، حقيقية أو وهمية».
وأضاف: «يعيش الاحتقار داخل ثقافة الصمت التي نعاني منها. نعيش أوقاتا دراماتيكية وتراجيدية». وسأل: «متى سنثق في أنفسنا؟ متى سنسيطر على أنفسنا؟»
وقال الروائي شنجراي هوفي (من زيمبابوي): «أكاد أتقيأ من الغضب عندما أسمع الغربيين يفتخرون بالمساعدات المادية التي يرسلونها إلى الأفريقيين. لهذا، أحلم بأن يأتي اليوم الذي سيرسل فيه الأفريقيون بعثات تبشيرية مسيحية إلى الغرب. نعم، يوجد ما هو أهم من دفتر الشيكات، يوجد القلب».
واشتركت في النقاش البريطانية البيضاء ألكساندر فولار، بنت مستوطن أبيض كان في زيمبابوي (كانت زيمبابوي تسمى روديسيا، نسبة إلى «مكتشفها» البريطاني السير سيسل رودس). وقالت، وهي تخاطب الروائيين الأفارقة: «إنا بنت بريطانيين بيض يجب أن يوصفوا بالاحتقار. لكنهم يريدون أن يصفوكم أنتم بالاحتقار. يقولون إنكم صفوة أفريقيا، ويجب أن تفرحوا بذلك. لا تنتقدوا. اصمتوا».
وقال سوينكا، في نهاية النقاش: «لن نقدر على أن ننقذ أفريقيا. لكن، أحسن شيء بالنسبة للروائي، في أي دولة، وبأي لغة، هو أنه يحكي روايات. يصف ما حدث، ولا يقدم أجوبة أو حلولا». وأضاف: «ربما توقظ رواية ضمير شخص، وربما توقظ روايات ضمائر أشخاص. إنها مهمة طويلة المدى».
قال الروائي وول سوينكا ردًا على نبذ الأفارقة ورواياتهم : لن نقدر على أن ننقذ أفريقيا. لكن، أحسن شيء بالنسبة للروائي، في أي دولة، وبأي لغة، هو أنه يحكي روايات. يصف ما حدث، ولا يقدم أجوبة أو حلولا. ربما توقظ رواية ضمير شخص، وربما توقظ روايات ضمائر أشخاص.إنها مهمة طويلة المدى
نقد استجابة القارئ العربي
https://www.alketaba.com/index.php/2014-11-04-14-20-31/itemlist/category/60-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A6-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A.html
https://www.alketaba.com/index.php/2014-11-04-14-20-31/itemlist/category/60-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A6-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A.html
Alketaba
نقد استجابة القارئ العربي
يكتبها كل أسبوع ممدوح رزق
"أستعيد الآن ما قاله "رونان ماكدونالد" في كتابه "موت الناقد":
"دفاعًا عن عالم المدونات وتفضيلها على المراجعات الأدبية المطبوعة، يدعي كتّاب الشبكة العنكبوتية أنهم يأخذون النصيحة في العادة من أشخاص يعرفونهم، ويتفقون معهم في الرؤية والذائقة. إنهم يرغبون في قراءة ما يريدون أو مشاهدة ما يعتقدون أنه سيمتعهم، لا ما يحاول الخبير إقناعهم أنه جدير بالانتباه. تتمثل المشكلة الرئيسية في هذا الموقف في كون القراء والمشاهدين يعتمدون في الحقيقة على نظام من المراجعات يعزز تحيزاتهم ونزوعاتهم ويؤكدها بدلًا من أن يتحداها ويضعها على المحك".
ممدوح رزق
"دفاعًا عن عالم المدونات وتفضيلها على المراجعات الأدبية المطبوعة، يدعي كتّاب الشبكة العنكبوتية أنهم يأخذون النصيحة في العادة من أشخاص يعرفونهم، ويتفقون معهم في الرؤية والذائقة. إنهم يرغبون في قراءة ما يريدون أو مشاهدة ما يعتقدون أنه سيمتعهم، لا ما يحاول الخبير إقناعهم أنه جدير بالانتباه. تتمثل المشكلة الرئيسية في هذا الموقف في كون القراء والمشاهدين يعتمدون في الحقيقة على نظام من المراجعات يعزز تحيزاتهم ونزوعاتهم ويؤكدها بدلًا من أن يتحداها ويضعها على المحك".
ممدوح رزق
"يستطيع ناقد قدير ذو خبرة، يتمتع بقدر من الاحترام والمرجعية، أن يقنع القراء بإعطاء عمل غريب غير معروف فرصة ثانية، ليروا ما لم يستطيعوا أن يروه في المرة الأولى. هذا ببساطة واحد من الأسباب التي تجعل النقد الصحي الذي يتوجه للجمهور يقدم خدمة مفيدة للفنون: إنه يعيد النظر في الآراء المتداولة والأشكال المستهلكة ويقدم وجهة نظر عكس السائد."
ممدوح رزق
ناقد وكاتب مصري
ممدوح رزق
ناقد وكاتب مصري
جوافسكي
لـ ثابت بن خميس النعماني
FacebookTwitterGoogle+Emailنشر

التعبير: شراسة الذات.
كان لقيِمة التأكيد على الجانب الشُعوري مع ظهور المدرسة التعبيرية في نهاية القرن التاسع عشر نقلة مهمة في الفن التشكيلي، تجلت بكل عنفوانها في أعمال فان جوخ، وامتدّ تأثيرها إلى الموسيقى في أعمال شتراوس والمسرح مع فيرتولت بريخت، والسينما مع فريتز لانغ، أعطى المذهب التعبيري للمبدع الحق في الذهاب إلى أماكن غير مسبوقة بانفعالاته؛ فهي أشبه بقطيع أحصنة تجري بلا أرسنة في البراري، ومع ما شكّله هذا الاتجاه من انتصار للغريزة على تدجين التحضر إلا أن التحدي الأكبر كان خلق ذلك الاتزان بين ذاتية الفنان وجمهوره، لطالما كانت للسينما علاقة مميزة مع جانب التأثير، لامتلاكها على البعد الرابع (الزمن)، ذلك الانزلاق المتتابع للمشاهد الذي يعطي ألوانًا متباينة من الأفكار المنبثقة من تفاعل الشخصيات في محيطها بكل ما فيه.
أندريه جوافسكي: تاريخ من الرفض.
ولد أندريه جوافسكي Andrzej Zulawski في عام ١٩٤٠ في مدينة لفيف Lwów البولندية (صارت جزءًا من أوكرانيا الآن)، درس السينما في أواخر الخمسينات في فرنسا، وبعد منع عرض فيلمه الثاني (الشيطان ١٩٧٢- Diabel) في بولندا لجرأته وصعوبة تأويله استقرّ في فرنسا، حيث حقق أنجح أعماله، وحتى بعد عودته لبولندا مُنع فيلمه (على الكوكب الفضي – ١٩٨٨ Na srebrnym globie) للأسباب نفسها؛ فقرر العودة إلى فرنسا. بتتبع مسيرة جوافسكي الفنية اتضح لنا أنه سار في أهم أفلامه وفق نمط مميز: فتاة في عالم الاستعراض تواجه تحديات تضعها في مأزق أمام نفسها وأمام الجمهور؛ وسنتتبع ذلك وفق تسلسل زمني مع ثلاث نجمات مختلفات لثلاثة أفلام (للمثال لا الحصر) وهي: ما يهم هو الحب (١٩٧٥) L’important c’est d’aimer وفتاة الجمهور (١٩٨٣) La femme publiqu ولياليّ أجمل من أيامك (١٩٨٩) Mes nuits sont plus belles que vos jours.
الانفعال: ذعر أم احتجاج ؟
يصف النقاد أسلوب أندريه جوافسكي بأنه: ”ذو طاقة جنونية، هيستيري، مفرط، أما التمثيل فهو عالي المستوى وحركة الكاميرا مذهلة فهو يصوّر لقطات طويلة قلّما يتم تحريرها“، قبل انتقاله لفرنسا عمل جوافسكي مساعدًا لواحدٍ من أهم أعلام السينما والمسرح البولندي: أندريه ڤايدا Andrzej Wajda، ولأن جوافسكي نفسه كان ممثلاً؛ أدرك طبيعة القطيعة بين العالمين بكون المسرح سابقًا للسينما، فهو يصنع سحره بالمؤثرات المسرحية ولغة الجسد وتفاوت نبرات الصوت. وقد تمكن جوافسكي من استعارة كثافة اللانفعال المسرحي بجعل الانفعال إطارًا تتحرك فيه الشخصيات، وهو ما يُعرف بـ“المناخ الكابوسي“ لأفلام أندريه جوافسكي، وقد ظهر ذلك منذ أول فيلم طويل له (الجزء الثالث من الليله – ١٩٧١ Trzecia czesc nocy) محافظًا عليه حتى آخر أفلامه (كوزموس – ٢٠١٥ Cosmos). كل شخصياتها (الرئيسة منها والجانبية) تبدو ممسوسة، على شفير البكاء أو الصراخ أو ممارسة الحب؛ متحفزة، وقلقة، وعابثة، والتناقض خُصلة طبيعية فيها؛ إذ تبدو كأنها ترقص على حد السكين، إن مَردّ هذا التأجيج الانفعالي ليس مرتبطًا بالضرورة بموقف ما بقدر ما هو نوع من الموقف الاحتجاجي إزاء الحياة ومفاجآتها. هو نوع من الاستنطاق اللفظي \ الحركي ضد التموضع الجَبري في ساحة الوجود وتقبل الواقع.
لماذا المرأة ؟

في العدد الخامس من مجلة فانتازيا الصادر في مايو ٢٠١٤ يجيب جوافسكي حين سئل عن تعليقه حول عدم وجود ”أداء نسائي قوي في فيلم من إخراج امرأة“ وإن كان يعني بأن النساء لا يتمتعن بالقوة واللؤم الكافيين لدفع ممثلة ما لبذل المزيد، فأجاب: ”كلا ما قصدته هو.. أنا أحب الممثلات حين يُجِدن التمثيل وأحب دفعهن للقيام بشيء ما لأنهن لسن رجالاً؛ بمعنى أنهن لسن أنا. في أفلامي، أظن حتى إن لم يبدُ الأمر هكذا، ليس الرجل بطل الأحداث أبدًا، لأن الأمر عندها سيكون متعلقًا بي. أنا لست امرأة وهذا صحيح، والأمر على النقيض بالنسبة للمُخرِجَات النساء، إنهن أحيانًا يُقدمن أداء قويًا جدًا أكثر من الرجال لأنهن لسن ”هم“. حسنًا… ثلثا المخرجات النساء أو أكثر مثليّات، وهذا يغيّر القصة برمتها بعض الشيء.“ الجدير بالملاحظة أن أغلب الشخصيات النسائية في أفلام جوافسكي (حتى تلك التي لن نتحدث عنها هنا) ذات حساسية مفرطة، هي تمثل المشاعر المتأججة والرغبة المستعرة في النجاح والحياة والحب، ولكن هذا ما يجعلها في غاية الهشاشة أيضًا، كما حدث في فيلم (استحواذ – ١٩٨١ Possession) من بطولة الفرنسية إيزابيل أدجاني الذي أدت فيه أحد أهم أدوارها؛ إذ كانت تصرخ بجنون في ميترو الأنفاق، ثم تتقيأ دمًا ويبدأ جسدها بإفراز سوائل غريبة؛ ناهيك عن تقلبات ملامح الوجه وحِدة الصوت والإيماءات المتشنجة.
نادين شوفيلية: المومس الفاضلة
يبدأ المشهد الافتتاحي حين يتسلل المصور المأجور سيرفي مونت (الإيطالي فابيو تيستي) لموقع تصوير أحد أفلام الدرجة الثانية، إذ تجثم الممثلة نادين شوفيليه (النمساوية رومي شنايدر) على صدر
لـ ثابت بن خميس النعماني
FacebookTwitterGoogle+Emailنشر

التعبير: شراسة الذات.
كان لقيِمة التأكيد على الجانب الشُعوري مع ظهور المدرسة التعبيرية في نهاية القرن التاسع عشر نقلة مهمة في الفن التشكيلي، تجلت بكل عنفوانها في أعمال فان جوخ، وامتدّ تأثيرها إلى الموسيقى في أعمال شتراوس والمسرح مع فيرتولت بريخت، والسينما مع فريتز لانغ، أعطى المذهب التعبيري للمبدع الحق في الذهاب إلى أماكن غير مسبوقة بانفعالاته؛ فهي أشبه بقطيع أحصنة تجري بلا أرسنة في البراري، ومع ما شكّله هذا الاتجاه من انتصار للغريزة على تدجين التحضر إلا أن التحدي الأكبر كان خلق ذلك الاتزان بين ذاتية الفنان وجمهوره، لطالما كانت للسينما علاقة مميزة مع جانب التأثير، لامتلاكها على البعد الرابع (الزمن)، ذلك الانزلاق المتتابع للمشاهد الذي يعطي ألوانًا متباينة من الأفكار المنبثقة من تفاعل الشخصيات في محيطها بكل ما فيه.
أندريه جوافسكي: تاريخ من الرفض.
ولد أندريه جوافسكي Andrzej Zulawski في عام ١٩٤٠ في مدينة لفيف Lwów البولندية (صارت جزءًا من أوكرانيا الآن)، درس السينما في أواخر الخمسينات في فرنسا، وبعد منع عرض فيلمه الثاني (الشيطان ١٩٧٢- Diabel) في بولندا لجرأته وصعوبة تأويله استقرّ في فرنسا، حيث حقق أنجح أعماله، وحتى بعد عودته لبولندا مُنع فيلمه (على الكوكب الفضي – ١٩٨٨ Na srebrnym globie) للأسباب نفسها؛ فقرر العودة إلى فرنسا. بتتبع مسيرة جوافسكي الفنية اتضح لنا أنه سار في أهم أفلامه وفق نمط مميز: فتاة في عالم الاستعراض تواجه تحديات تضعها في مأزق أمام نفسها وأمام الجمهور؛ وسنتتبع ذلك وفق تسلسل زمني مع ثلاث نجمات مختلفات لثلاثة أفلام (للمثال لا الحصر) وهي: ما يهم هو الحب (١٩٧٥) L’important c’est d’aimer وفتاة الجمهور (١٩٨٣) La femme publiqu ولياليّ أجمل من أيامك (١٩٨٩) Mes nuits sont plus belles que vos jours.
الانفعال: ذعر أم احتجاج ؟
يصف النقاد أسلوب أندريه جوافسكي بأنه: ”ذو طاقة جنونية، هيستيري، مفرط، أما التمثيل فهو عالي المستوى وحركة الكاميرا مذهلة فهو يصوّر لقطات طويلة قلّما يتم تحريرها“، قبل انتقاله لفرنسا عمل جوافسكي مساعدًا لواحدٍ من أهم أعلام السينما والمسرح البولندي: أندريه ڤايدا Andrzej Wajda، ولأن جوافسكي نفسه كان ممثلاً؛ أدرك طبيعة القطيعة بين العالمين بكون المسرح سابقًا للسينما، فهو يصنع سحره بالمؤثرات المسرحية ولغة الجسد وتفاوت نبرات الصوت. وقد تمكن جوافسكي من استعارة كثافة اللانفعال المسرحي بجعل الانفعال إطارًا تتحرك فيه الشخصيات، وهو ما يُعرف بـ“المناخ الكابوسي“ لأفلام أندريه جوافسكي، وقد ظهر ذلك منذ أول فيلم طويل له (الجزء الثالث من الليله – ١٩٧١ Trzecia czesc nocy) محافظًا عليه حتى آخر أفلامه (كوزموس – ٢٠١٥ Cosmos). كل شخصياتها (الرئيسة منها والجانبية) تبدو ممسوسة، على شفير البكاء أو الصراخ أو ممارسة الحب؛ متحفزة، وقلقة، وعابثة، والتناقض خُصلة طبيعية فيها؛ إذ تبدو كأنها ترقص على حد السكين، إن مَردّ هذا التأجيج الانفعالي ليس مرتبطًا بالضرورة بموقف ما بقدر ما هو نوع من الموقف الاحتجاجي إزاء الحياة ومفاجآتها. هو نوع من الاستنطاق اللفظي \ الحركي ضد التموضع الجَبري في ساحة الوجود وتقبل الواقع.
لماذا المرأة ؟

في العدد الخامس من مجلة فانتازيا الصادر في مايو ٢٠١٤ يجيب جوافسكي حين سئل عن تعليقه حول عدم وجود ”أداء نسائي قوي في فيلم من إخراج امرأة“ وإن كان يعني بأن النساء لا يتمتعن بالقوة واللؤم الكافيين لدفع ممثلة ما لبذل المزيد، فأجاب: ”كلا ما قصدته هو.. أنا أحب الممثلات حين يُجِدن التمثيل وأحب دفعهن للقيام بشيء ما لأنهن لسن رجالاً؛ بمعنى أنهن لسن أنا. في أفلامي، أظن حتى إن لم يبدُ الأمر هكذا، ليس الرجل بطل الأحداث أبدًا، لأن الأمر عندها سيكون متعلقًا بي. أنا لست امرأة وهذا صحيح، والأمر على النقيض بالنسبة للمُخرِجَات النساء، إنهن أحيانًا يُقدمن أداء قويًا جدًا أكثر من الرجال لأنهن لسن ”هم“. حسنًا… ثلثا المخرجات النساء أو أكثر مثليّات، وهذا يغيّر القصة برمتها بعض الشيء.“ الجدير بالملاحظة أن أغلب الشخصيات النسائية في أفلام جوافسكي (حتى تلك التي لن نتحدث عنها هنا) ذات حساسية مفرطة، هي تمثل المشاعر المتأججة والرغبة المستعرة في النجاح والحياة والحب، ولكن هذا ما يجعلها في غاية الهشاشة أيضًا، كما حدث في فيلم (استحواذ – ١٩٨١ Possession) من بطولة الفرنسية إيزابيل أدجاني الذي أدت فيه أحد أهم أدوارها؛ إذ كانت تصرخ بجنون في ميترو الأنفاق، ثم تتقيأ دمًا ويبدأ جسدها بإفراز سوائل غريبة؛ ناهيك عن تقلبات ملامح الوجه وحِدة الصوت والإيماءات المتشنجة.
نادين شوفيلية: المومس الفاضلة
يبدأ المشهد الافتتاحي حين يتسلل المصور المأجور سيرفي مونت (الإيطالي فابيو تيستي) لموقع تصوير أحد أفلام الدرجة الثانية، إذ تجثم الممثلة نادين شوفيليه (النمساوية رومي شنايدر) على صدر
لام جوافسكي كما لو أنها تقول أن الإنسان كائن مصاب بالثنائية القطبية Bipolar disorder وفق فترات زمنية متباعدة؛ وفي هذه الأفلام تتقلص هذه الفترات فنجده يفرح ويحزن ويتأمل، وسرعان ما تراوحه مشاعر مُناقضة لتلك، فالفنان (الممثل في هذه الحالة) في أفلام جوافسكي مطارد من قِبل دوره الذي يحاول تقمصه فيفترسه؛ هو نفسه الإنسان في حيّزه الوجودي الذي يلتهمه الزمن فيه ببطء وصولاً للفناء.
حبيبها المضرج بالدماء، بينما تصرخ بها المخرجة لتخبره بأنها تحبه؛ ولكن نادين تعجز (لسبب ما) عن قولها، وتنتبه للمصور وهو يلتقط صورها، فتقول له: ”لا تصوّر أرجوك، إنني ممثلة، أنا أقوم بأعمال صالحة أيضًا.. إنني أفعل هذا لآكل فقط!“، يقع سيرفي في حب نادين، ويحاول مساعدتها سرًّا بإسناد الدور الرئيس لها في مسرحية ريتشرد الثالث لشكسبير التي يقترض مبلغ تمويلها من رئيس إحدى العصابات، بالإضافة إلى وجود زوج نادين (الفرنسي جاك دوترونك) الذي يمثل الضلع الثالث في مثلث الحب هذا.
ولأن نادين عاشت طوال عمرها مُنمطة بوصفها فتاة هوى، تظن أن كل ما يريده الرجال منها هو جسدها عدا زوجها المِثلي، الذي يجمعها به ارتباط أخلاقي متأتٍ من شعورها بالامتنان، لأنه أنقذها من حياة المواخير والمخدرات والعصابات، وحين يرفض سيرفي معاملتها كغانية وتكتشف أنه من دبر لها الدور المسرحي؛ تجد نادين نفسها محاطة بحب لا عهد لها به، وبعد معاناة طويلة مع طاقم المسرحية والصحافة التي انتقدت المسرحية فقط نظرًا لماضي نادين المُخزي، نجدها تجسد الإنسان الذي يلفظه العالم بسبب ماضيه، ولقد أثبتت نادين شأنها شأن المومس الفاضلة في مسرحية سارتر دماثة أخلاقها وعزة نفسها في أكثر من موقف، ولكنها لعنة الماضي والقوالب الجاهزة التي يضعك الآخر فيها؛ تقتل كل الفرص أمام المرء ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته مهما بلغت أخلاقه من النبل.
إيتيل: الحياة المأساوية وقودًا للموهبة.
بعد أن تتمكن إيتيل (الفرنسية فاليري كابريسكي) من الحصول على دور البطولة في فيلم مقتبس عن رواية الشياطين لدوستويفسكي تتعرض لضغط نفسي هائل من المخرج لوكا (الفرنسي فرونسيز أوستير) تقودها الظروف لتتعرف على المضطرب نفسيًا ميلان (الفرنسي لامبرت ولسن) وهو أحد أصدقاء لوكا من المهاجرين التشيكيين، ويتوهم هذا الأخير بأن إيتيل هي زوجته المتوفاة، وهربًا من واقعها المؤلم تقرر تقمص دور الزوجة وتعيش قصة حب ملتهبة مع ميلان، ولكنها تكتشف تورطه في عملية اغتيال سياسية من تدبير لوكا.
تصبح إيتيل ممثلة بارعة حين ينهار ذلك الحاجز الذي يفصل بين حياتها الشخصية ووضعها كممثلة، هي كائن معجون بالمشاعر، وبدلًا من الغرق في أحزانها نجدها ترقص أمام مصور فوتوغرافي للتنفيس عن سخطها (لقاء المال) إلى أن كادت من قوة أدائها أن تتسبب له بنوبة قلبية! هل الإنسان مثل الفحم الذي يتحول ألماسًا حين يتعرض لدرجات عالية من الضغط ؟ وما مقدار الضغط الذي يجب أن يتعرض له دون أن يتحول إلى رماد ؟ إن تجسيد حالة التكثيف التي يتعرض لها الفنان حتى ينجح تتطلب نوعًا من الاجترار الذاتي الذي يصل بالمرء إلى أغوار عميقة، و هو بالمعنى الحرفي كما يقال بأن النجوم تلمع حين تحترق؛ فالظروف المأساوية التي جعلت من إيتيل كتلة من الأحاسيس القابلة للاشتعال هي نفسها الوقود الذي يشحذ أداءها كممثلة.
بلونش: عرّافة القوافي.

يعلم لوكا (الفرنسي جاك دوترونك) أنه يحتضر بسبب إصابته بمرض نادر يدمر خلاياه الدماغية، وينعكس ذلك على نطقه فيصبح كل كلامه أشبه بالشِعر، بالتزامن مع نجاحه في اختراع لغة حاسوبية متطورة ستضمن له الشهرة والثراء. ثم يلتقي ببلونش (الفرنسية صوفي مارسو) التي يلمع نجمها في فرنسا بسبب العروض التي تبدو فيها كأنها مسكونة بامرأة أخرى قادرة على معرفة تفاصيل شديدة الخصوصية من حياة الآخرين وسردها بلغة مُقفاة تحاكي الحالة المَرضية عند لوكا. يحاول لوكا الاقتراب من بلونش في الفندق الذي تسكن فيه مع والدتها وطاقم العمل الذين يحاولون بكل الطرق إبعاده عنها.
إن الأزمات الطفولية التي مرّ بها كل من بلونش (التي كانت هي وأمها ضحايا عنف أُسري ولوكا الذي أغرق والده أمه أمام عينيه حين كان طفلاً) جمعتهما في الاغتراب في عالم البالغين، يميل المرء لاختراع لغة خاصة به للهروب بأفكاره الأكثر إيلامًا عن الآخرين، وحين يجد من يفهمه؛ يشعر بألفة مع ذلك الغريب، إن لوكا الذي يشعر بفنائه القريب، يدرك أنه قد أدار ظهره للحب بينما كان يدير ظهره لأوجاعه الطفولية وماضيه الغريق؛ ولذلك ينطلق برعونة صبيانية ليظفر ببلونش؛ بينما بلونش المتعلقة بشكل طفولي بأمها التي تخيب ظنها باستمرار تعيش توترًا بين تعلقها بوالدتها وأضواء الشهرة وبين نداء قلبها.
الإنسان: ممثل يفترسه دوره في الحياة
صحيح أن أفلام أندريه جوافسكي ليست كلها متعلقة بحياة الممثلين؛ ولكن بالإضافة إلى الأفلام الثلاثة المذكورة نجد أفلامًا أخرى لها فكرة مقاربة مثل (الحب يضيء – ١٩٨٥ L’amour braque) الذي تدور أحداثه في مسرح، و(النوتة الزرقاء – ١٩٩١ (La note bleue الذي يجسد حياة الموسيقار شوبان، وتم تقديمه كأوبرا سينمائية. إذا كان الفن نسخة سيئة من الواقع كما يعتبره سقراط؛ فذلك لأنه أكثر تكثيفًا أما الحياة فهي سرمدية والفن بحث عن الخلود في تيارها اللانهائي، وهذا ما يحدث للفنان فهو إذ يتقمص دورًا ما فإنه يكثف من نفسه فيه ليبدو أقرب ما يمكن للواقع السينمائي ومعاييره، والانفعالات في أف
ولأن نادين عاشت طوال عمرها مُنمطة بوصفها فتاة هوى، تظن أن كل ما يريده الرجال منها هو جسدها عدا زوجها المِثلي، الذي يجمعها به ارتباط أخلاقي متأتٍ من شعورها بالامتنان، لأنه أنقذها من حياة المواخير والمخدرات والعصابات، وحين يرفض سيرفي معاملتها كغانية وتكتشف أنه من دبر لها الدور المسرحي؛ تجد نادين نفسها محاطة بحب لا عهد لها به، وبعد معاناة طويلة مع طاقم المسرحية والصحافة التي انتقدت المسرحية فقط نظرًا لماضي نادين المُخزي، نجدها تجسد الإنسان الذي يلفظه العالم بسبب ماضيه، ولقد أثبتت نادين شأنها شأن المومس الفاضلة في مسرحية سارتر دماثة أخلاقها وعزة نفسها في أكثر من موقف، ولكنها لعنة الماضي والقوالب الجاهزة التي يضعك الآخر فيها؛ تقتل كل الفرص أمام المرء ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته مهما بلغت أخلاقه من النبل.
إيتيل: الحياة المأساوية وقودًا للموهبة.
بعد أن تتمكن إيتيل (الفرنسية فاليري كابريسكي) من الحصول على دور البطولة في فيلم مقتبس عن رواية الشياطين لدوستويفسكي تتعرض لضغط نفسي هائل من المخرج لوكا (الفرنسي فرونسيز أوستير) تقودها الظروف لتتعرف على المضطرب نفسيًا ميلان (الفرنسي لامبرت ولسن) وهو أحد أصدقاء لوكا من المهاجرين التشيكيين، ويتوهم هذا الأخير بأن إيتيل هي زوجته المتوفاة، وهربًا من واقعها المؤلم تقرر تقمص دور الزوجة وتعيش قصة حب ملتهبة مع ميلان، ولكنها تكتشف تورطه في عملية اغتيال سياسية من تدبير لوكا.
تصبح إيتيل ممثلة بارعة حين ينهار ذلك الحاجز الذي يفصل بين حياتها الشخصية ووضعها كممثلة، هي كائن معجون بالمشاعر، وبدلًا من الغرق في أحزانها نجدها ترقص أمام مصور فوتوغرافي للتنفيس عن سخطها (لقاء المال) إلى أن كادت من قوة أدائها أن تتسبب له بنوبة قلبية! هل الإنسان مثل الفحم الذي يتحول ألماسًا حين يتعرض لدرجات عالية من الضغط ؟ وما مقدار الضغط الذي يجب أن يتعرض له دون أن يتحول إلى رماد ؟ إن تجسيد حالة التكثيف التي يتعرض لها الفنان حتى ينجح تتطلب نوعًا من الاجترار الذاتي الذي يصل بالمرء إلى أغوار عميقة، و هو بالمعنى الحرفي كما يقال بأن النجوم تلمع حين تحترق؛ فالظروف المأساوية التي جعلت من إيتيل كتلة من الأحاسيس القابلة للاشتعال هي نفسها الوقود الذي يشحذ أداءها كممثلة.
بلونش: عرّافة القوافي.

يعلم لوكا (الفرنسي جاك دوترونك) أنه يحتضر بسبب إصابته بمرض نادر يدمر خلاياه الدماغية، وينعكس ذلك على نطقه فيصبح كل كلامه أشبه بالشِعر، بالتزامن مع نجاحه في اختراع لغة حاسوبية متطورة ستضمن له الشهرة والثراء. ثم يلتقي ببلونش (الفرنسية صوفي مارسو) التي يلمع نجمها في فرنسا بسبب العروض التي تبدو فيها كأنها مسكونة بامرأة أخرى قادرة على معرفة تفاصيل شديدة الخصوصية من حياة الآخرين وسردها بلغة مُقفاة تحاكي الحالة المَرضية عند لوكا. يحاول لوكا الاقتراب من بلونش في الفندق الذي تسكن فيه مع والدتها وطاقم العمل الذين يحاولون بكل الطرق إبعاده عنها.
إن الأزمات الطفولية التي مرّ بها كل من بلونش (التي كانت هي وأمها ضحايا عنف أُسري ولوكا الذي أغرق والده أمه أمام عينيه حين كان طفلاً) جمعتهما في الاغتراب في عالم البالغين، يميل المرء لاختراع لغة خاصة به للهروب بأفكاره الأكثر إيلامًا عن الآخرين، وحين يجد من يفهمه؛ يشعر بألفة مع ذلك الغريب، إن لوكا الذي يشعر بفنائه القريب، يدرك أنه قد أدار ظهره للحب بينما كان يدير ظهره لأوجاعه الطفولية وماضيه الغريق؛ ولذلك ينطلق برعونة صبيانية ليظفر ببلونش؛ بينما بلونش المتعلقة بشكل طفولي بأمها التي تخيب ظنها باستمرار تعيش توترًا بين تعلقها بوالدتها وأضواء الشهرة وبين نداء قلبها.
الإنسان: ممثل يفترسه دوره في الحياة
صحيح أن أفلام أندريه جوافسكي ليست كلها متعلقة بحياة الممثلين؛ ولكن بالإضافة إلى الأفلام الثلاثة المذكورة نجد أفلامًا أخرى لها فكرة مقاربة مثل (الحب يضيء – ١٩٨٥ L’amour braque) الذي تدور أحداثه في مسرح، و(النوتة الزرقاء – ١٩٩١ (La note bleue الذي يجسد حياة الموسيقار شوبان، وتم تقديمه كأوبرا سينمائية. إذا كان الفن نسخة سيئة من الواقع كما يعتبره سقراط؛ فذلك لأنه أكثر تكثيفًا أما الحياة فهي سرمدية والفن بحث عن الخلود في تيارها اللانهائي، وهذا ما يحدث للفنان فهو إذ يتقمص دورًا ما فإنه يكثف من نفسه فيه ليبدو أقرب ما يمكن للواقع السينمائي ومعاييره، والانفعالات في أف