هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
6.68K subscribers
3.42K photos
399 videos
72 files
1.13K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
قد يظن المرء أن التباين في الأشكال والأديان والثقافات والتقاليد، وأسلوب تناول الطعام، أو الصوم، أو التجارة، يُنتج أنواعاً مختلفة من البشر. وهو ما ليس صحيحاً بالمرّة. لقد شعرت ذلك شخصياً حين قرأت كلاسيكيات الثقافة العربية والفارسية (ألف ليلة وليلة، ورباعيات عمر الخيّام) وروايات "نجيب محفوظ"، التي كانت أول ما تذوقت من الغذاء الأدبي لأفهم العالم العربي ومصر على وجه الخصوص.
أعتقد أن ثمة مشاعر جياشة يشترك فيها الإنسان وتجمعنا نحن البشر في جميع أنحاء العالم: مثل الفرحة بعناق جسد آخر، والسخط في مواجهة الظلم، والأذى الذي يحدثه التعصب الديني والطائفي، وحبّ الأبناء، والسرور الغامر بالصداقة، والاندفاع نحو الصفح أو الانتقام، والألم والذهول في حضرة الموت. لا أظن أن هذه الأحاسيس تنتقل من خلال التعلم، بل إنها مولودة في دواخلنا، مع كل البشر، وفي كل البشر، أينما وكيفما وحيثما ولدوا.
نحن أمواتٌ بصورة أو أخرى، وجميعنا محكومون بالتراب والنسيان: "الأمس مضى، وغداً لم يأت، واليوم راحلٌ دون أن يمكث خطوة. أنا ماضٍ، أنا آتٍ، أنا حاضر تعب" هكذا كان يقول كيبيدو في إشارة إلى وجودنا الخاطف. ولهذا سعيت أن أدوّن تجاربي في الحياة في الكتب، وكل ما أرجوه أن يفهم القراء ويتذكرونني. ولو حدث ذلك، ولو للحظة قصيرة، لتأجل النسيان الذي سنكونه في القريب العاجل، لو استطعت أن أمرّ على خلايا الأجيال القادمة ولو للحظة واحدة، لكانت تلك أجمل الأمنيات وأكثرها نشوة إسعاداً.

من كتاب (النسيان) للروائي الكولومبي هيكتور آباد فاسيولينسي Hector Abad Faciolince
" وهكذا ترسّخ في ذاكرتي أن الحرب تعني غياب أبي".

آخر الشهود| سفيتلانا ألكسيفيتش
‏" كانت لدينا قبل الحرب لعبة مفضّلة؛ هي رسم الألمان. كنا نصوّرهم بأسنان كبيرة... بأنياب. بينما هم يتجوّلون هنا، شبان ووسيمون ... لديهم قنابل يدوية جميلة مدسوسة في فتحات جزمهم المتينة الصنع. إنهم يعزفون على آلة الهارمونيكا بشفاههم، وحتى يتمازحون مع فتياتنا الجميلات".

آخر الشهود
‏"الثقافة لن تنقذ العالم. وليس على عاتق الجمال أن ينقذ العالم. غوبلز كان مثقفًا بارزًا لكنّ هذا لم يمنعه من خنق ملايين البشر بالغاز. ولا ننس أنّ كثيرًا من المجرمين كانوا مولعين باقتناء اللوحات الجميلة"

إمبرتو إيكو https://t.co/JamQucFQ41‎
 ليلى البلوشي نجحت في رسم حيوات متعددة ضمن حيز مجموعة قصصية بارعة مضمونا وشكلا، وصنعت كائنات سردية مثيرة في غرائبيتها أحيانا، ومغرقة في التجربة أحيانا أخرى، ومنغمسة مرارا في الواقعية الاجتماعية، التي نقلتها بريشة فنان يتقن عجن الأوان ومزجها، لتفرز تشكيلا يبهر الناظر ويحاكمه، ويتعارك معه، ويتشابك في الأخير مع الجميع، في غواية جدل لا ينتهي أبدا. إنه الخطاب الذي توزعه علينا ليلى البلوشي دون أن تكلف نفسها عناء البحث عن المتلقي، فليلى لديها كائناتها التي تتربص بالقارئ، وتنفرد به، وتغمره بالمتعة والانتشاء والتفاعل مع الأحداث الغنية، التي تعج بها المجموعة القصصية.
( موسم حشرة البطاطا )

مأخوذة بقراءة هذه الرواية والتي يشير غلافها الداخلي إلى أنها رواية أدب أطفال غير أنني أرى أن بناءها السردي وتصوراتها تلائم الكبار أيضا، شبيهة بأجواء رواية " الدفتر الكبير " لأغوتا كريستوف من حيث روح الحرب عبر قرية غادرها رجالها، تجري الأحداث في بيت الجدة ماريا، بيتها مطعم شبيه بالقلعة، يضم ثلاث نساء و طفلة كحال معظم منازل القرية التي تديرها نساء في زمن الحروب حيث رجالها إما جنود على الجبهات المشتعلة أو أسرى.
البطلة الحفيدة " جانيت " التي تنمو رويدا رويدا وتكبر معها استفهاماتها المطرزة بالذكاء والحيرة في آن، تنم عن شخصية عصية على الطاعة وعن طباع استقلالية مستقبلا .
" هدف الفن ليس رفع مرآة أمام الطبيعة ، بل أمام وجهك ؛ ليس وجهك اليومي بل ( وجه الكائن وراء وجهك ) ، أي وجهك النهائي " .

فن الرواية | كولن ويلسون
‏رحيل الروائي السوري (كاتب الواقعية الاشتراكية) حنا مينة عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاماً..
ناضل ضد الانتداب الفرنسي منذ كان في الثانية عشر من عمره، عمل حمالاً في ميناء اللاذقية وساهم في تأسيس النقابات فيه وكان يوزع جريدة (صوت الشعب) الشيوعية علناً..

https://t.co/kxBmsBvQOT‎
حنا مينه يكتب الحياة، ولكنه يضفي عليها سحرا جماليا يجعل القارئ يستمتع حتى بمشاهد البؤس.

في احدى قصصه "الكتابة على الأكياس" يصور الظروف الصعبة التي ميزت طفولته، وكيف جعل منه سوء التغذية صبيا نحيلا غير قادر على القيام بعمل جسدي شاق، وحين أحس بضرورة مساعدة عائلته المعدمة ماديا ذهب إلى الميناء، حيث اكتشف عدم قدرته على رفع الأكياس، فشعر بالأسى.

وحين برزت حاجة لكتابة بيانات بسيطة على الأكياس اختاره "المعلم" لأنه يتقن الكتابة.

ويذكر في القصة انه حين التقى "بمعلمه" في دمشق بعد مرور سنين طويلة، وكان بصحبة صديق يعرف كليهما، قال ذلك الصديق للمعلم:ان حنا كاتب معروف اليوم.

فقال ذلك الرجل البسيط: نعم، أعرف ذلك. لقد بدأ الكتابة عندي،
على الأكياس !

(من مقال قديم للصديق أنور حامد)