لقد ربّتني المخيلة،
على يدها تمت - دائماً - أسفاري
وبواسطتها أحببتُ، كرهتُ، تكلمتُ، وفكرت.
فرناندوا بيسوا
على يدها تمت - دائماً - أسفاري
وبواسطتها أحببتُ، كرهتُ، تكلمتُ، وفكرت.
فرناندوا بيسوا
القدّيسة - ميغيل كوريا موخيكا
ترجمة: عبدالله ناصر
نعم، هذا صحيح أيها الملازم. فلتسجل بالضبط ما أقوله لك: في عائلتنا الجميع مِثليّون. نحن حفنةٌ من الشواذ. أنا مثلاً سحاقيةٌ بائسة، وهذا أقل ما يمكن قوله إذا ما أخذت في الحسبان صفاتي الأخرى. حتى الآن، تمرّستُ لعقدين في الدعارة. ما رأيك؟ بالإضافة إلى كوني قوّادة، أكبر قوّادةٍ في البلدة. نعم، تلك القوّادة أنا. زرت السجن بضعة مرات ودائماً بالجرم نفسه: في ميدان الثورة، أستمني في الليل قبالة صورة فيلما اسبن زوجة راؤول كاسترو، فيلقون القبض علي كل مرة ثم يطلقون سراحي. أقول حينها _حتى أنا_ بأني لن أفعلها مجدداً، ولكن بعد بضعة أسابيع أجدني ذاهبةً إلى الميدان لأستمني أمام صورة تلك المرأة دون أن أدرك ذلك. أمشي أحياناً في الشارع، أحمل الآيس كريم في يد، وأستمني باليد الأخرى، بينما يقع زوجي في الحرج. لقد تزوجنا لكي نخفي هويتنا الحقيقية، فنحن في نهاية الأمر مجرد فضلات، فضلاتٌ من الشواذ. أفضل ما يمكنك فعله التخلص منها. لو كنتُ رئيس هذه الدولة لأرسلتنا جميعاً إلى الشمال لكي نزيد من فساد تلك المجتمعات، أقسم بذلك. في الواقع، طالما نحن ( ومن هم على شاكلتنا ) هنا فلن تنقذوا هذه الدولة من التخلّف. نعم، لأننا في حقيقة الأمر متخلفين. نسرق من البقية ذلك القدر الضئيل الذي تمنحونهم، ذلك القدر الضئيل الذي تمكنوا من سرقته. وأنتم تحاولون عبثاً تطوير هذا المكان ونحن بداخله. ألم تدرك بعد أيها الملازم بأن الأمر يستحيل أكثر صعوبة كل يوم، تكبر المشاكل وينمو الفشل مثل العشب؟ لأنكم تحصدون البطاطس فنرميها بعيداً، تنظفون الشوارع، فأستمني بينما أمشي عليها. لا تكن بهذه السذاجة أيها الملازم. أخرجونا من هنا وسوف ترون. ابني الأصغر ميئوسٌ منه. أنت تعمل معه، تلقنّهُ، أو تحاول تلقينه. ذلك الطفل كان يستمني يومياً مخرباً حبوب القمح الذي زرعها أبوه لا لشيء بل لدنائته. لن تنجح الكثير من الأشياء هنا. هل قمت أيها الملازم بتسجيل كل ما قلته؟ لا تفوّت شيئاً بحق الرب. نحن لا نستحق مثل هذا اللطف. والآن، عندما تسلمني تلك الرسالة الموقعة بكل الأختام الفاحشة، لن أخجل، لأنها الحقيقة. أنا قوّادةٌ ماجنة، سحاقيةٌ نهمة، سجينةٌ متبلدة، ربّةُ ماخور. من الواجب أن أشعر بالعار وأنا أقولها في وجهك. هل أدركت كل شيء؟ لا تنس شيئاً أيها الملازم. تلك حقيقتنا وما نحن عليه. ابنتي الصغرى تتسكع برفقة الأجانب، تقايض خدماتها بأزياء على الموضة. تغادر البيت من الاثنين حتى الاثنين الذي يليه. مجتمعنا - والمجتمعات التي تشبهه - تشعر بالعار لامتلاكها هذه المخلوقات. أنا أكرر كل ما قلته أيها الملازم في حال نسيتَ أمراً ما. لا أدري ما إذا كنت ترغب في أن أكون أكثر وضوحاً. أفضّل أن أختصر الأشياء، لأنني لو أخبرتك بكل تفاصيل ما فعلته وما كنته فمن المرجح أن تستغرق هذه المقابلة أسبوعاً كاملاً. سجّل أيضاً، لقد التحقت بالحزب النازي في عام١٩٤٥. كنت ملازمةً أيضاً أيها الملازم. كم كنت ملازمةً جيدة. أضف إلى ذلك، اعتدت على نشل الناس في الحافلات، كنت صديقةً لكلاريتا، أكبر نشّالةٍ في البلدة. تخيّل، لقد اعتدنا على العمل معاً وقد نشلتها هي أيضاً. سجّل كل ذلك أيها الملازم. نحن أربعة: طفلان وبالغان. هل سجلت أرقامنا المدنية؟ إياك أن تظن بأن الأطفال ليسو بذلك السوء، بل هم الأسوأ. انظر إلى هذه الندبة على يدي، تلك من ابنتي التي ضربتني بالفأس العام الماضي. تأكد أننا ما إن نغادر حتى أقصد إحدى الولايات وتمضي هي إلى بورتريكو. هل تظن أن بوسعي الحديث بصراحةٍ أكبر؟ اسمي خوانا، الشيطانة خوانا هكذا يلقبوني في الحيّ. خوانا المغطس ذلك لقبي في الشوارع. هل تريد سماع المزيد أيها الملازم؟ حسناً، لا أعمل، وقد اتهمت بالكسل والتبذير والخطر وأشياء أخرى. أخشى أن تخلط أيها الملازم بين الجرائم العديدة التي ارتكبتها عائلتي. أنا ليس من حوكم مؤخراً، تلك ابنتي. كما أن زوجي ليس من أشعل النار في حقول قصب السكر كما تقول، أنا من قام بذلك. لم يكن الطفل هو من سمم الفطائر أيها الملازم بل الأب، لكن الأطفال، لست أنا وليس زوجي، هم من اصطدموا بالشاحنة أثناء محاولتهم اللجوء إلى إحدى السفارات. قم بتدوين كل ذلك أيها الملازم. لا تغفل شيئاً من جرائمنا. الكوريون هوجموا عن طريق .. ( من هاجم أولئك الصينيّون؟ ) ابنتي. نعم ابنتي أيها الملازم. سأتحدث الآن ببطء. اكتب بهذه الطريقة " فتاة الشاحنة "، " الأب الكوري "، " الأم البقرة "، أوه حتى أنا صرت أخلط الأمور. " ولد الفطائر "، " الأب الدراجة ". أشعر بالإعياء أيها الملازم، دعني اهدأ قليلاً ولكن لا تتوقف في هذه الأثناء عن الكتابة. كان من الأفضل لو ألقيت علينا القبض عندما كنا نقترف تلك الجرائم. صارت تقاريرك الآن واضحةً جداً. أنا من سمم الفطائر، ومن قتل البقرة، آه كم أشعر بالتوتر أيها الملازم. أنا من أشعل النار في حقول قصب السكر، أشعر بالمرض أيها الملازم. نكاد نعجز عن الخروج من هنا. ابنتي هي
ترجمة: عبدالله ناصر
نعم، هذا صحيح أيها الملازم. فلتسجل بالضبط ما أقوله لك: في عائلتنا الجميع مِثليّون. نحن حفنةٌ من الشواذ. أنا مثلاً سحاقيةٌ بائسة، وهذا أقل ما يمكن قوله إذا ما أخذت في الحسبان صفاتي الأخرى. حتى الآن، تمرّستُ لعقدين في الدعارة. ما رأيك؟ بالإضافة إلى كوني قوّادة، أكبر قوّادةٍ في البلدة. نعم، تلك القوّادة أنا. زرت السجن بضعة مرات ودائماً بالجرم نفسه: في ميدان الثورة، أستمني في الليل قبالة صورة فيلما اسبن زوجة راؤول كاسترو، فيلقون القبض علي كل مرة ثم يطلقون سراحي. أقول حينها _حتى أنا_ بأني لن أفعلها مجدداً، ولكن بعد بضعة أسابيع أجدني ذاهبةً إلى الميدان لأستمني أمام صورة تلك المرأة دون أن أدرك ذلك. أمشي أحياناً في الشارع، أحمل الآيس كريم في يد، وأستمني باليد الأخرى، بينما يقع زوجي في الحرج. لقد تزوجنا لكي نخفي هويتنا الحقيقية، فنحن في نهاية الأمر مجرد فضلات، فضلاتٌ من الشواذ. أفضل ما يمكنك فعله التخلص منها. لو كنتُ رئيس هذه الدولة لأرسلتنا جميعاً إلى الشمال لكي نزيد من فساد تلك المجتمعات، أقسم بذلك. في الواقع، طالما نحن ( ومن هم على شاكلتنا ) هنا فلن تنقذوا هذه الدولة من التخلّف. نعم، لأننا في حقيقة الأمر متخلفين. نسرق من البقية ذلك القدر الضئيل الذي تمنحونهم، ذلك القدر الضئيل الذي تمكنوا من سرقته. وأنتم تحاولون عبثاً تطوير هذا المكان ونحن بداخله. ألم تدرك بعد أيها الملازم بأن الأمر يستحيل أكثر صعوبة كل يوم، تكبر المشاكل وينمو الفشل مثل العشب؟ لأنكم تحصدون البطاطس فنرميها بعيداً، تنظفون الشوارع، فأستمني بينما أمشي عليها. لا تكن بهذه السذاجة أيها الملازم. أخرجونا من هنا وسوف ترون. ابني الأصغر ميئوسٌ منه. أنت تعمل معه، تلقنّهُ، أو تحاول تلقينه. ذلك الطفل كان يستمني يومياً مخرباً حبوب القمح الذي زرعها أبوه لا لشيء بل لدنائته. لن تنجح الكثير من الأشياء هنا. هل قمت أيها الملازم بتسجيل كل ما قلته؟ لا تفوّت شيئاً بحق الرب. نحن لا نستحق مثل هذا اللطف. والآن، عندما تسلمني تلك الرسالة الموقعة بكل الأختام الفاحشة، لن أخجل، لأنها الحقيقة. أنا قوّادةٌ ماجنة، سحاقيةٌ نهمة، سجينةٌ متبلدة، ربّةُ ماخور. من الواجب أن أشعر بالعار وأنا أقولها في وجهك. هل أدركت كل شيء؟ لا تنس شيئاً أيها الملازم. تلك حقيقتنا وما نحن عليه. ابنتي الصغرى تتسكع برفقة الأجانب، تقايض خدماتها بأزياء على الموضة. تغادر البيت من الاثنين حتى الاثنين الذي يليه. مجتمعنا - والمجتمعات التي تشبهه - تشعر بالعار لامتلاكها هذه المخلوقات. أنا أكرر كل ما قلته أيها الملازم في حال نسيتَ أمراً ما. لا أدري ما إذا كنت ترغب في أن أكون أكثر وضوحاً. أفضّل أن أختصر الأشياء، لأنني لو أخبرتك بكل تفاصيل ما فعلته وما كنته فمن المرجح أن تستغرق هذه المقابلة أسبوعاً كاملاً. سجّل أيضاً، لقد التحقت بالحزب النازي في عام١٩٤٥. كنت ملازمةً أيضاً أيها الملازم. كم كنت ملازمةً جيدة. أضف إلى ذلك، اعتدت على نشل الناس في الحافلات، كنت صديقةً لكلاريتا، أكبر نشّالةٍ في البلدة. تخيّل، لقد اعتدنا على العمل معاً وقد نشلتها هي أيضاً. سجّل كل ذلك أيها الملازم. نحن أربعة: طفلان وبالغان. هل سجلت أرقامنا المدنية؟ إياك أن تظن بأن الأطفال ليسو بذلك السوء، بل هم الأسوأ. انظر إلى هذه الندبة على يدي، تلك من ابنتي التي ضربتني بالفأس العام الماضي. تأكد أننا ما إن نغادر حتى أقصد إحدى الولايات وتمضي هي إلى بورتريكو. هل تظن أن بوسعي الحديث بصراحةٍ أكبر؟ اسمي خوانا، الشيطانة خوانا هكذا يلقبوني في الحيّ. خوانا المغطس ذلك لقبي في الشوارع. هل تريد سماع المزيد أيها الملازم؟ حسناً، لا أعمل، وقد اتهمت بالكسل والتبذير والخطر وأشياء أخرى. أخشى أن تخلط أيها الملازم بين الجرائم العديدة التي ارتكبتها عائلتي. أنا ليس من حوكم مؤخراً، تلك ابنتي. كما أن زوجي ليس من أشعل النار في حقول قصب السكر كما تقول، أنا من قام بذلك. لم يكن الطفل هو من سمم الفطائر أيها الملازم بل الأب، لكن الأطفال، لست أنا وليس زوجي، هم من اصطدموا بالشاحنة أثناء محاولتهم اللجوء إلى إحدى السفارات. قم بتدوين كل ذلك أيها الملازم. لا تغفل شيئاً من جرائمنا. الكوريون هوجموا عن طريق .. ( من هاجم أولئك الصينيّون؟ ) ابنتي. نعم ابنتي أيها الملازم. سأتحدث الآن ببطء. اكتب بهذه الطريقة " فتاة الشاحنة "، " الأب الكوري "، " الأم البقرة "، أوه حتى أنا صرت أخلط الأمور. " ولد الفطائر "، " الأب الدراجة ". أشعر بالإعياء أيها الملازم، دعني اهدأ قليلاً ولكن لا تتوقف في هذه الأثناء عن الكتابة. كان من الأفضل لو ألقيت علينا القبض عندما كنا نقترف تلك الجرائم. صارت تقاريرك الآن واضحةً جداً. أنا من سمم الفطائر، ومن قتل البقرة، آه كم أشعر بالتوتر أيها الملازم. أنا من أشعل النار في حقول قصب السكر، أشعر بالمرض أيها الملازم. نكاد نعجز عن الخروج من هنا. ابنتي هي
من كانت ملازمة. ساعدني أيها الملازم أرجوك. أنا من قتل البقرة أو لعلها ماتت ببساطة فأردنا استغلال الأمر ولوم أنفسنا. أشعر الآن بالتحسن. هل سجلت بطريقةٍ صحيحة كل ذلك أيها الملازم؟ ساعدنا وسندعوك إلى تناول خنزير مشوي، أنت مدعوٌ غداً في الأساس. يمكنك أن ترث كل ممتلكاتنا _وهي كثيرة_ بالإضافة إلى كل الأموال التي ادخرناها. هل وقعت على هذه الورقة أيها الملازم؟ شكراً، شكراً جزيلاً. أمثالك من الرجال والملازمين هم من يحتاج إليهم هذا البلد. شكراً، كلما سنحت الفرصة سأبعث لك من هناك بعض الأشياء. أعدك بذلك. سنهدي إليك خنزيراً وإن شئت يمكنك أخذه إلى المنزل وتناوله هناك. لقد بدأنا نضجر من تناول هذه اللحوم. ذلك اللحم المقزز بالنسبة لنا. هل تبدو الرسالة موقعةً بشكلٍ سليم أيها الملازم؟ حسناً، عظيم. لا، لا أظننا بحاجةٍ إلى المزيد من هذه الأوراق ولكن إذا ما طرأ أمرٌ ما فسأخبرهم بأنك من أرسلنا وقام بترشيحنا. شكراً أيها الملازم. لا، أعتقد أن هذه الورقة كافية. هناك رجلٌ يسكن بجوارنا بحاجةٍ إلى رسالةٍ أيضاً. أفراد أسرته عشرة ويملكون أكثر من مئة خنزير. سأرشدهم إليك. أرجو أن أراك قريباً أيها الملازم. مرّ على المنزل غداً، سنكون قد رحلنا في ذلك الوقت. ولكن بيني وبينك، لن يسمع أحد أو يعرف بذلك. أنا امرأةٌ قديسة.
ضمير - ايتالو كالفينو
ترجمة عبدالله ناصر
جاءت الحرب، وجاء رجلٌ يدعى لويجي يسأل ما إذا كان ممكناً الالتحاق كمتطوع.
أثنى عليه الجميع، وذهب لويجي حيث يسلّمون البنادق. أخذ بندقيته ثم قال: " والآن سأذهب لأقتل المدعو ألبرتو."
سألوه من يكون ألبرتو.
فأجابهم: " عدو"، وأضاف " عدوي أنا."
فأوضحوا أنه من المفترض به أن يقتل أعداءً من فئةٍ معينة لا كل من يود قتله.
"يعني؟" قال لويجي. " تظنون أني أحمق؟ ألبرتو هذا تحديداً من تلك الفئة. إنه منهم. عندما بلغني أنكم ستحاربونهم فكرت في مرافقتكم، وهكذا أستطيع أن أقتل ألبرتو. لهذا جئت، أعرف ذلك المحتال. لقد غدر بي لأجل أمرٍ تافه، وجعلني أبدو أحمقاً أمام تلك المرأة. الحكاية قديمة جداً، إذا كنتم لا تصدقونني سأحكيها لكم كاملة."
قالوا: حسناً، لا بأس.
" والآن؟ سأل لويجي، " أخبروني بمكان ألبرتو وسأذهب للقتال هناك."
فأجابوه بأنهم يجهلون مكانه.
" لا بأس " علق لويجي، " سأجد عاجلاً أو آجلاً من يخبرني بمكانه فألحق به."
أخبروه بأن ذلك ممنوع، عليه أن يحارب حيث يرسلونه، ويقتل كل من يصادفهم هناك، فهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الألبرتو.
" أرأيتم؟" ألحّ لويجي، " لا بد أن أحكي لكم القصة، لأنه محتالٌ جداً، وأنتم تحسنون صنعاً حين تقاتلونه."
ولكنهم لم يرغبوا في سماعه.
لم يفهم لويجي السبب. " عفواً، يبدو أنكم لا تمانعون أن أقتل أياً من أعدائكم لكن سيؤسفني أن أقتل رجلاً غير ألبرتو."
فقد الآخرون صبرهم، وتصدى له أحدهم ليشرح كيف تدور الحرب ولماذا لا يمكن أن يقتل أحدهم عدواً بعينه فقط لأنه يرغب في ذلك.
قال لويجي مستهجناً: " إذا كان الأمر كذلك فأنا سأنسحب."
فصرخوا: " بل ستبقى وتقاتل."
" إلى الأمام، واحد اثنان، واحد اثنان!" وأرسلوه إلى الجبهة.
شعر لويجي بالأسى وأخذ يقتل بطريقةٍ مرتجلة فقط ليجرب ما إذا كان ممكناً الوصول إلى ألبرتو أو أحد أفراد عائلته. منحوه ميداليات بعدد من قتل من الأعداء ولكنه لم يكن سعيداً. " إذا لم أقتل ألبرتو فسأقتل الكثير من الناس هباءً." فكر ألبرتو بأسى.
وفي هذه الأثناء، كانوا يمنحونه ميداليةً تلو أخرى، فضية وذهبية ومن كل الأصناف.
فكر لويجي: " فلأقتل بعضاً منهم اليوم، وبعضاً آخر في الغد، وهكذا سيتقلص عددهم حتى يأتي دور المحتال."
ولكن العدو استسلم قبل أن يعثر لويجي على ألبرتو مما أنّب ضميره لأنه قتل الكثير بلا سبب، وبما أن السلام قد حلّ وضع لويجي كل ميدالياته في كيس وطاف يوزعها بدولة العدو على زوجات وأطفال القتلى.
وبينما هو كذلك صادف ألبرتو.
ردد لويجي: " حسناً، أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً."، وقتل ألبرتو.
وهكذا قبضوا عليه بتهمة القتل وشنقوه. أثناء محاكمته، كان يردد مراراً وتكراراً أنه فعلها ليريح ضميره لكن أحداً لم يستمع إليه.
ترجمة عبدالله ناصر
جاءت الحرب، وجاء رجلٌ يدعى لويجي يسأل ما إذا كان ممكناً الالتحاق كمتطوع.
أثنى عليه الجميع، وذهب لويجي حيث يسلّمون البنادق. أخذ بندقيته ثم قال: " والآن سأذهب لأقتل المدعو ألبرتو."
سألوه من يكون ألبرتو.
فأجابهم: " عدو"، وأضاف " عدوي أنا."
فأوضحوا أنه من المفترض به أن يقتل أعداءً من فئةٍ معينة لا كل من يود قتله.
"يعني؟" قال لويجي. " تظنون أني أحمق؟ ألبرتو هذا تحديداً من تلك الفئة. إنه منهم. عندما بلغني أنكم ستحاربونهم فكرت في مرافقتكم، وهكذا أستطيع أن أقتل ألبرتو. لهذا جئت، أعرف ذلك المحتال. لقد غدر بي لأجل أمرٍ تافه، وجعلني أبدو أحمقاً أمام تلك المرأة. الحكاية قديمة جداً، إذا كنتم لا تصدقونني سأحكيها لكم كاملة."
قالوا: حسناً، لا بأس.
" والآن؟ سأل لويجي، " أخبروني بمكان ألبرتو وسأذهب للقتال هناك."
فأجابوه بأنهم يجهلون مكانه.
" لا بأس " علق لويجي، " سأجد عاجلاً أو آجلاً من يخبرني بمكانه فألحق به."
أخبروه بأن ذلك ممنوع، عليه أن يحارب حيث يرسلونه، ويقتل كل من يصادفهم هناك، فهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الألبرتو.
" أرأيتم؟" ألحّ لويجي، " لا بد أن أحكي لكم القصة، لأنه محتالٌ جداً، وأنتم تحسنون صنعاً حين تقاتلونه."
ولكنهم لم يرغبوا في سماعه.
لم يفهم لويجي السبب. " عفواً، يبدو أنكم لا تمانعون أن أقتل أياً من أعدائكم لكن سيؤسفني أن أقتل رجلاً غير ألبرتو."
فقد الآخرون صبرهم، وتصدى له أحدهم ليشرح كيف تدور الحرب ولماذا لا يمكن أن يقتل أحدهم عدواً بعينه فقط لأنه يرغب في ذلك.
قال لويجي مستهجناً: " إذا كان الأمر كذلك فأنا سأنسحب."
فصرخوا: " بل ستبقى وتقاتل."
" إلى الأمام، واحد اثنان، واحد اثنان!" وأرسلوه إلى الجبهة.
شعر لويجي بالأسى وأخذ يقتل بطريقةٍ مرتجلة فقط ليجرب ما إذا كان ممكناً الوصول إلى ألبرتو أو أحد أفراد عائلته. منحوه ميداليات بعدد من قتل من الأعداء ولكنه لم يكن سعيداً. " إذا لم أقتل ألبرتو فسأقتل الكثير من الناس هباءً." فكر ألبرتو بأسى.
وفي هذه الأثناء، كانوا يمنحونه ميداليةً تلو أخرى، فضية وذهبية ومن كل الأصناف.
فكر لويجي: " فلأقتل بعضاً منهم اليوم، وبعضاً آخر في الغد، وهكذا سيتقلص عددهم حتى يأتي دور المحتال."
ولكن العدو استسلم قبل أن يعثر لويجي على ألبرتو مما أنّب ضميره لأنه قتل الكثير بلا سبب، وبما أن السلام قد حلّ وضع لويجي كل ميدالياته في كيس وطاف يوزعها بدولة العدو على زوجات وأطفال القتلى.
وبينما هو كذلك صادف ألبرتو.
ردد لويجي: " حسناً، أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً."، وقتل ألبرتو.
وهكذا قبضوا عليه بتهمة القتل وشنقوه. أثناء محاكمته، كان يردد مراراً وتكراراً أنه فعلها ليريح ضميره لكن أحداً لم يستمع إليه.
رواية مذهلة؛ اشتغال ذكي من الساردة مها الحسن عبر ربطها أهم الروايات العالمية بالحدث المحلي، بظروف أبطال من أقصى الشرق، واختراع شخصيات تتماهى مع أحداث تلك الروايات يخبرنا كم أن الأدب خلاّق . كم أن الحكاية تظل تثيرنا بالدفق نفسه عبر تباين الأزمنة والأمكنة والظروف والشخصيات.
أقول هذا وأنا مازلت في الصفحة رقم ٦٠.
أقول هذا وأنا مازلت في الصفحة رقم ٦٠.
ليلى البلوشي تجمع هنري ميللر وأناييس نن في «رسائل حب مفترضة» - جريدة الحياة
http://www.alhayat.com/article/676952/%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D9%88%D8%B4%D9%8A-%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D9%87%D9%86%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%84%D8%B1-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%A7%D9%8A%D9%8A%D8%B3-%D9%86%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%AD%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%B6%D8%A9-
http://www.alhayat.com/article/676952/%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D9%88%D8%B4%D9%8A-%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D9%87%D9%86%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%84%D8%B1-%D9%88%D8%A3%D9%86%D8%A7%D9%8A%D9%8A%D8%B3-%D9%86%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D8%AD%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%B6%D8%A9-
فقد أنبأتنا «رسائل حب مفترَضة» بصورة الأنثى وهي تواجه حواجز الأعراف الاجتماعية والثقافية، لا بل إن تلك الرسائل ظهرت بمظهر التقنية الفنية المساعدة للكاتبة على تقديم صورة عن ذاتها المبدعة سواء أكانت في إهابها الفردي أم الاجتماعي أم الحضاري، بل إننا نلفيها تدخل في متن رسائلها وتجري حوارية بينها وبين هنري ميللر ما يجوز لنا معه اعتبار كتاب ليلى البلوشي رسالةً منها للقارئ ضمنتها نزوعَها إلى التحرر في الكتابة وفي الحياة، وأحالت فيها على ثراء ثقافتها القرائية وتنوع مشاربها، وأبانت عبرها عن قدرتها على نقد واقعنا الثقافي العربي وما فيه من تصورات اجتماعية عن المرأة وأدوارها في الحياة دونما خجل على غرار ما كتبت على لسان هنري ميللر: «إني أعري بلا خجل كل قطعة من حياتي».
أنا كائن مسكون بالمكتبة وأكتشف ذاتي فيها دوماً ولطالما قلت أشياء من قبيل أنا ذاهب إلى المكتبة لأكتشفني فيها.
راي برادبيرى
راي برادبيرى
ولا أحد يخطر له أن يفكِّر في أن تلك هي الطريقة التي يتحتَّم علينا جميعاً أن نُحدِّق دائماً بها، كلٌ بعينين مُترعَتَين بالخوف من عزلةٍ لا مفرَّ منها.
لويجي بيراندلُّلو
لويجي بيراندلُّلو
الأديبة ليلى عبد الله:الأدب مرآة يكشف عن وجه الواقع الدامي
http://thawra.sy/_print_veiw.asp?FileName=24774538220171226094349
http://thawra.sy/_print_veiw.asp?FileName=24774538220171226094349
بعدما بدأت تحقق الشهرة في الوسط الأدبي- التخلي عن اسمها السابق (ليلى البلوشي) الذي عرفت به. ولكن عند الاستماع إلى أسبابها لا بد من تفهم وجهة نظرها.
قد تبدو (ليلى) كاتبة غريبة الأطوار للوهلة الأولى، بل هي كاتبة تتميز بالرصانة والجدية، وفي كتاباتها سخرية مهذبة، إضافة إلى لسمة كوميدية خفيفة. ونجد في قصصها رشاقة محببة وميل إلى الاختزال، وفي مقالاتها تدهشك أفكارها الكثيرة المتدفقة.
قد تبدو (ليلى) كاتبة غريبة الأطوار للوهلة الأولى، بل هي كاتبة تتميز بالرصانة والجدية، وفي كتاباتها سخرية مهذبة، إضافة إلى لسمة كوميدية خفيفة. ونجد في قصصها رشاقة محببة وميل إلى الاختزال، وفي مقالاتها تدهشك أفكارها الكثيرة المتدفقة.
"طلبت منها ألا تعتبر معاناتها هذه ترفًا. فليس من حق أيّ كان أن يقارن بين أشكال المعاناة ويقرّر أيّ شكل هو الأشد، فليس للمعاناة ميزان دقيق".
حيّ الدهشة| مها حسن
حيّ الدهشة| مها حسن
"سينجح أحدكما في التجاوز، والآخر ستكلفه الحياة بأن يروي لنفسه ما حدث في كل يوم ليتأكد أنها النهاية.“
هذه القصة قرأتها منذ أعوام من مواقع ثقافي معنيّ بنشر قصص هندية مترجمة، القصة صنعت حيّزًا مميّزًا في ذاكرتي بسخريتها اللاذعة، بتأثيرها السردي الفاتن. بقدرتها المقنعة على تصوير حياة الفقراء وحالات الفقر الحادّ.
الدين والفن: حكمة الحكماء الضائعة
مؤخراً شهدت، وبمجرد المصادفة، مشهدين متشابهين تقريباً؛ أحدهما لفتاة في الخامسة عشر من العمر غارقة في كتاب حول اللوحات الفنيّة، والثاني لصبيين في الخامسة عشر من العمر أيضاً وقد بديا مذهولين بزيارة متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس. لم يصدق أهالي الأولاد الثلاثة ما رأوه من انشغال وشغف باديين على مراهقين في السن، فقد نشؤوا (الأولاد) في بلدان علمانيّة أثّر نقص الخلفيّة الدينيّة فيها بشكلٍ واضح على قدرتهم على استساغة الفن الذي كانوا يشاهدونه.
لكن مع ذلك فإن المراهقين الثلاثة تمكنوا من الوصول إلى الإدراك بأن الأفراد البائسين في لوحة "طوف الميدوزا"، للفنان تيودور جيريكو، نجوا للتوّ من غرق السفينة. كما استطاعوا أن يفهموا أن الشخصين المرسومين في لوحة "القبلة"، للفنان فرانسيسكو هايز، كانا عاشقين مدلهين. بيد أنّهم عجزوا عن فهم السبب الذي دفع "فرا أنجليكو" إلى رسم فتاة تتحدث إلى مثليٍ جنسي ذي أجنحة في لوحة "البشارة". كما لم يفهموا لماذا كان الرجل يبدو بائساً في حين كان على رأسه قرنان يبعثان أنوارٍاً مشعة وهو يهبط إلى سفح جبل حاملاً لوحين خشبيين ثقيلين في لوحة "موسى ويحطّم لوحة الوصايا" لرامبرنت.
بيد أن بعض مشاهد المهد كانت مألوفة بالنسبة لهؤلاء الشبان؛ إذ سبق لهم أن شاهدوا أيقونات مماثلة في الماضي. غير أنّهم لم يملكوا أدنى فكرة عن الرجال الثلاثة المتدثّرين بعباءات وقد وضعوا التيجان على رؤوسهم حين كانوا يدخلون إلى الكنيسة... إذ لم يكن الشبان يعرفون من هؤلاء الرجال، أو لماذا كانوا موجودين!
من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريباً إذا ما كنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، إضافةً إلى قصص القديسين. وكمثال آخر؛ من هي تلك الفتاة التي تنظر إلى الصحن؟ أهي خارجة من فيلم "ليلة الموتى الأحياء"؟ وهل ذلك الفارس الذي يشق الثوب إلى حملتين هو ضد أرماني؟
في العديد من الدول الغربية يتعلّم أطفال المدارس القصة الكاملة حول موت هكتور، في حين أنّهم لا يدرسون شيئاً عن موت القديس سيباستيان. كما أنّهم ربما يأخذون دروساً وتوضيحات حول زفاف قدموس وهرموني، في حين قلّ أن يؤتى على ذكر عرس قانا أمامهم. بينما في دولٍ غربية مسيحية أخرى يتم حشو رؤس التلاميذ بمحطات الصلب، في حين يبقونهم غارقين في ظلام "النساء اللواتي يرتدين ملابسهن في الشمس" واللواتي يظهرن في كتاب الوحي.
وغالباً ما تحدث أسوأ مواقف الخبل عندما يسافر الغربيون (ليس فقط ذوي الأعوام الخمس عشرة) ويشاهدون أيقونات دينيّة تنتمي إلى ثقافات أخرى، وهو الأمر الذي يحدث يومياً وبشكلٍ متزايدٍ في هذه الحقبة، لاسيما أنّ الغربيين يسافرون إلى بلدان بعيدة في أصقاع المعمورة، رغم أن أشخاصاً كثيرين من هذه البلدان باتوا يعيشون في الدول الغربية أو بلدانهم، لكنهم في الحالتين متشربون بثقافة الغرب. أنا لا أتحدّث هنا عن ردود فعل الغربيين المرتبكة عند مشاهدة قناعٍ إفريقي أو عن ضحكهم عند رؤية مجسم بوذي ضخم جداً. وفي الواقع، فإن عدداً كبيراً جداً من الأشخاص الغربيين يهزون رؤسهم غير مصدّقين عندما يعرفون أن الهندوس يعبدون إلهة لها رأس فيل، في حين لا يتعجّبون من تصوير الروح القدس من خلال حمامة.
يمكن تحاشي الكثير من الارتباك إذا ما زوّدت المدارس التلاميذ بالمعلومات الأساسيّة حول تعاليم مختلف الديانات وتقاليدها. وكي لا نقول إن ذلك ضروري، ينبغي أن نقول أيضاً إنه لا يتعيّن تعليم الأطفال حول زوس وأثينا لأنهما ليسا سوى شخصيتين من الخرافات التي كانت مخصصة للسيدات المسنات في اليونان القديمة.
وفي الواقع يشكّل حصر التعليم الديني وتقديمه وفق وجهة نظر عقيدة واحدة (على غرار ما يحدث في إيطاليا مثلا) أمراً في غاية الخطورة. فالتلاميذ غير المؤمنين (أو على الأصح أبناء الأشخاص غير المؤمنين) سينسحبون من مثل هذه الدروس وسيفوتون بالتالي فرصة اكتشاف العناصر الثقافيّة الأساسيّة ولو بالحد الأدنى. أضف إلى ذلك أنه في أغلب الأوقات لا تأتي هذه الدروس على ذكر أي معلومة مفيدة حول تقاليد الديانات الأخرى.
وفي المدارس الإيطاليّة الرسميّة يتم إعطاء ساعة درس الدين الاختيارية الأسبوعية من قبل مدرّسين رومان كاثوليك تدفع الدولة أجرهم.
ويمكن أن يشكّل هذا الموضوع مادّة لمناقشات أخلاقية حول مواضيع مهمّة، كواجباتنا حيال أبنائنا، أو حول طبيعة إيماننا الديني، فيما لا نزال نلغي المعلومات التي ستمكن التلاميذ من التمييز بين لفورنرينا في لوحة رفاييل وبين مريم المجدليّة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أبناء جيلي في إيطاليا درسوا الكثير حول هوميروس ولم يتعرّفوا قط على أسفار موسى الخمسة (الكتب المقدّسة العبرية الأولى). لقد كانت دروس تاريخ الفن بشعةً في المدرسة الثانويّة. أمّا في حصص الأدب فكانوا يدرسوننا بورتشيلو شاعر فلورانسا ويغفلون أي ذكر لشكسبير. لكن بالرغم من ذلك، فقد تمكّنا من النفاذ إليها بجهود خاصة، أساساً لأن الناس والثقافة السائد
مؤخراً شهدت، وبمجرد المصادفة، مشهدين متشابهين تقريباً؛ أحدهما لفتاة في الخامسة عشر من العمر غارقة في كتاب حول اللوحات الفنيّة، والثاني لصبيين في الخامسة عشر من العمر أيضاً وقد بديا مذهولين بزيارة متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس. لم يصدق أهالي الأولاد الثلاثة ما رأوه من انشغال وشغف باديين على مراهقين في السن، فقد نشؤوا (الأولاد) في بلدان علمانيّة أثّر نقص الخلفيّة الدينيّة فيها بشكلٍ واضح على قدرتهم على استساغة الفن الذي كانوا يشاهدونه.
لكن مع ذلك فإن المراهقين الثلاثة تمكنوا من الوصول إلى الإدراك بأن الأفراد البائسين في لوحة "طوف الميدوزا"، للفنان تيودور جيريكو، نجوا للتوّ من غرق السفينة. كما استطاعوا أن يفهموا أن الشخصين المرسومين في لوحة "القبلة"، للفنان فرانسيسكو هايز، كانا عاشقين مدلهين. بيد أنّهم عجزوا عن فهم السبب الذي دفع "فرا أنجليكو" إلى رسم فتاة تتحدث إلى مثليٍ جنسي ذي أجنحة في لوحة "البشارة". كما لم يفهموا لماذا كان الرجل يبدو بائساً في حين كان على رأسه قرنان يبعثان أنوارٍاً مشعة وهو يهبط إلى سفح جبل حاملاً لوحين خشبيين ثقيلين في لوحة "موسى ويحطّم لوحة الوصايا" لرامبرنت.
بيد أن بعض مشاهد المهد كانت مألوفة بالنسبة لهؤلاء الشبان؛ إذ سبق لهم أن شاهدوا أيقونات مماثلة في الماضي. غير أنّهم لم يملكوا أدنى فكرة عن الرجال الثلاثة المتدثّرين بعباءات وقد وضعوا التيجان على رؤوسهم حين كانوا يدخلون إلى الكنيسة... إذ لم يكن الشبان يعرفون من هؤلاء الرجال، أو لماذا كانوا موجودين!
من الصعوبة بمكان فهم ثلاثة أرباع الفن الغربي تقريباً إذا ما كنت تجهل أحداث العهدين القديم والجديد، إضافةً إلى قصص القديسين. وكمثال آخر؛ من هي تلك الفتاة التي تنظر إلى الصحن؟ أهي خارجة من فيلم "ليلة الموتى الأحياء"؟ وهل ذلك الفارس الذي يشق الثوب إلى حملتين هو ضد أرماني؟
في العديد من الدول الغربية يتعلّم أطفال المدارس القصة الكاملة حول موت هكتور، في حين أنّهم لا يدرسون شيئاً عن موت القديس سيباستيان. كما أنّهم ربما يأخذون دروساً وتوضيحات حول زفاف قدموس وهرموني، في حين قلّ أن يؤتى على ذكر عرس قانا أمامهم. بينما في دولٍ غربية مسيحية أخرى يتم حشو رؤس التلاميذ بمحطات الصلب، في حين يبقونهم غارقين في ظلام "النساء اللواتي يرتدين ملابسهن في الشمس" واللواتي يظهرن في كتاب الوحي.
وغالباً ما تحدث أسوأ مواقف الخبل عندما يسافر الغربيون (ليس فقط ذوي الأعوام الخمس عشرة) ويشاهدون أيقونات دينيّة تنتمي إلى ثقافات أخرى، وهو الأمر الذي يحدث يومياً وبشكلٍ متزايدٍ في هذه الحقبة، لاسيما أنّ الغربيين يسافرون إلى بلدان بعيدة في أصقاع المعمورة، رغم أن أشخاصاً كثيرين من هذه البلدان باتوا يعيشون في الدول الغربية أو بلدانهم، لكنهم في الحالتين متشربون بثقافة الغرب. أنا لا أتحدّث هنا عن ردود فعل الغربيين المرتبكة عند مشاهدة قناعٍ إفريقي أو عن ضحكهم عند رؤية مجسم بوذي ضخم جداً. وفي الواقع، فإن عدداً كبيراً جداً من الأشخاص الغربيين يهزون رؤسهم غير مصدّقين عندما يعرفون أن الهندوس يعبدون إلهة لها رأس فيل، في حين لا يتعجّبون من تصوير الروح القدس من خلال حمامة.
يمكن تحاشي الكثير من الارتباك إذا ما زوّدت المدارس التلاميذ بالمعلومات الأساسيّة حول تعاليم مختلف الديانات وتقاليدها. وكي لا نقول إن ذلك ضروري، ينبغي أن نقول أيضاً إنه لا يتعيّن تعليم الأطفال حول زوس وأثينا لأنهما ليسا سوى شخصيتين من الخرافات التي كانت مخصصة للسيدات المسنات في اليونان القديمة.
وفي الواقع يشكّل حصر التعليم الديني وتقديمه وفق وجهة نظر عقيدة واحدة (على غرار ما يحدث في إيطاليا مثلا) أمراً في غاية الخطورة. فالتلاميذ غير المؤمنين (أو على الأصح أبناء الأشخاص غير المؤمنين) سينسحبون من مثل هذه الدروس وسيفوتون بالتالي فرصة اكتشاف العناصر الثقافيّة الأساسيّة ولو بالحد الأدنى. أضف إلى ذلك أنه في أغلب الأوقات لا تأتي هذه الدروس على ذكر أي معلومة مفيدة حول تقاليد الديانات الأخرى.
وفي المدارس الإيطاليّة الرسميّة يتم إعطاء ساعة درس الدين الاختيارية الأسبوعية من قبل مدرّسين رومان كاثوليك تدفع الدولة أجرهم.
ويمكن أن يشكّل هذا الموضوع مادّة لمناقشات أخلاقية حول مواضيع مهمّة، كواجباتنا حيال أبنائنا، أو حول طبيعة إيماننا الديني، فيما لا نزال نلغي المعلومات التي ستمكن التلاميذ من التمييز بين لفورنرينا في لوحة رفاييل وبين مريم المجدليّة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أبناء جيلي في إيطاليا درسوا الكثير حول هوميروس ولم يتعرّفوا قط على أسفار موسى الخمسة (الكتب المقدّسة العبرية الأولى). لقد كانت دروس تاريخ الفن بشعةً في المدرسة الثانويّة. أمّا في حصص الأدب فكانوا يدرسوننا بورتشيلو شاعر فلورانسا ويغفلون أي ذكر لشكسبير. لكن بالرغم من ذلك، فقد تمكّنا من النفاذ إليها بجهود خاصة، أساساً لأن الناس والثقافة السائد
ة، أتاحا لبعض هذه المعلومات أن تصل إلينا.
وفي المحصّلة، فإنّ مأزق هؤلاء الشبان ذوي الخمسة عشر عاماً، والذين كنت أتحدّث عنهم تواً وقلت عنهم إنهم لم يستطيعوا التعرف على الحكماء الثلاثة، جعلني أدرك أن شبكة معلوماتنا الواسعة تقدّم لنا معلومات أقل حول وقائع مفيدة بالفعل، وتزوّدنا بمعارف أكثر حول أمور عديمة الفائدة في أغلب الأحوال، إن لم أقل في مطلق الظروف والشروط والوقائع!
ــــــ
جريدة الاتحاد ـ الإمارات
تاريخ النشر: الأحد 21 فبراير 2010
وفي المحصّلة، فإنّ مأزق هؤلاء الشبان ذوي الخمسة عشر عاماً، والذين كنت أتحدّث عنهم تواً وقلت عنهم إنهم لم يستطيعوا التعرف على الحكماء الثلاثة، جعلني أدرك أن شبكة معلوماتنا الواسعة تقدّم لنا معلومات أقل حول وقائع مفيدة بالفعل، وتزوّدنا بمعارف أكثر حول أمور عديمة الفائدة في أغلب الأحوال، إن لم أقل في مطلق الظروف والشروط والوقائع!
ــــــ
جريدة الاتحاد ـ الإمارات
تاريخ النشر: الأحد 21 فبراير 2010