هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.08K subscribers
3.12K photos
342 videos
63 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
كل يوم أحاول النجاة بكلمة جيدة!
عادةً أبدأ العمل في العاشرة صباحاً إن تملّكني الحماس، أو في الحادية عشرة إن لم أكن متحمسة، أبدأ بإعادة قراءة ما كتبت في اليوم السابق و/أو أعيد قراءة القصاصات التي أجدها جيّدة لكي (أضبط الإيقاع). ثم أكتب جملة. اقرأها بصوت عالٍ. ومن ثم أحذف الجملة. أنظر إلى الساعة وأتساءل في ما إذا كان من المبكر التفكير في ما أعدّه للغداء؟ أقول في نفسي أن تمكنت من كتابة 300 كلمة، آخذ استراحة وآكل، وأكتب جملة أخرى. أفكر في بعض الأحيان: "ما الهدف من كل هذا؟"، "هل ما أفعله يسعدني حقاً؟". حينها أحذف الجملة الثانية. أتحقق من بريدي الإلكتروني، أجد 15 رسالة جديدة. أردّ عليها في ذهني، لا أردّ عليها في الواقع. أكتب جملة هنا وجملة هناك. أجد سبع رسائل أخرى، رسائل لم أردّ عليها في الأيام الماضية. أطالب نفسي بكتابة 200 كلمة أخرى. في أحسن حالاتي، أتوقف عن مضايقة نفسي، وأتوقف عن المطالبة، والمساومة، ومراقبة الوقت، وأنغمس في إيقاع لا بأس به حتى أنسى أنني أعمل. الكتابة أشبه بالحفر. أحياناً أحفر ستين متراً في الأرض وأعود للأعلى جافة، وأحياناً لا، ولكنني لا أزال أبحث عن الماء.
حين أتممت روايتي Homegoing، وحين انشغلت بنجاحها وجولاتها بعيداً عن المنزل، لم أستطع إنجاز شيء حقيقي على الإطلاق، لا في غرف الفندق ولا على متن الطائرة. كنت أتساءل; "كيف يستطيع الكتّاب الآخرون ذلك؟ أقصد أولئك الذين ينشرون عملاً جديداً كل عام بالرغم من استمرارهم في جولاتهم؟". في كل مرّة أجلس على المكتب أحفر أعمق. ربما يحالفني الحظ وأحفر عميقاً كفاية، وربما ، ربما اتفاجأ مندهشة في مرحلة ما، لأجد ما أصبو إليه; لأجد اندفاع الماء الكبير الذي آمله وأتطلع إلى لقياه.

يا جياسي Yaa Gyasi 1989: روائية غانّية-أميركية. نشرت روايتها الأولى في 2016 وفازت بجائزة John Leonard لأفضل أول كتاب، وجائزة PEN/ Hemingway لأول كتاب خيالي ناجح، وجائزة المؤسسة الوطنية للكتّاب الأصغر من 35 عاماً
(لم تترجم الرواية حتى الآن)

المصدر
https://www.theguardian.com/books/2017/oct/28/yaa-gyasi-my-writing-day
‏كانت مُتعَبَة، كانت تحتاج إلى شجرة تنام عليها، وكنت أنا أقربَ غصن لها.
- هاروكي موراكامي
الهجرة غربًا: ‌‎رواية فانتازية، بدايتها تقليدية لكنها تتنامى الخيالية فيها تدريجيًّا في بقية الفصول بثيمة الأبواب السحرية التي يسافر عبرها الناس كما لو أنهم يعبرون آلة الزمن.
بشكل عام وجدتها باردة، رغم لعبة الروائي في تقنية السرد، أو ربما خذلت توقعاتي كقارئة؛ لأني توقعت أن تكون الأحداث أكثر استفزازًا لمخيلتي.
«المريض الإنكليزي» أفضل الكتب الفائزة بجائزة مان بوكر
http://fikrmag.com/cul_news.php?news_id=2233
#مجلة_فكر_الثقافية
‏" لم أطلب يداً تمسح دموع الفزع، ولم أُوقظ أحداً ليعانقني كي أهدأ..
علام يجب أن أكون ممنوناً؟

لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي "

- دوستويفسكي
" ‏أيّها الحُلم ؛ تواضع قليلاً وتحقّق".

😂
‏"إنني أقرأ، والغريب أنني قللت من الأعمال الروائية. لقد أمضيت عمري في قراءة الرواية، وتدريسها، ودراستها وكتابتها، لكن منذ تقاعدي بدأت أكرّس جزءاً من وقتي يومياً لقراءة التاريخ، لقد حلت القراءة محل الكتابة، وأخذ التاريخ يحرضني على الانتباه".

فيليب روث
روائي أميركي
" ‏حِيْنَمَا تكتبُ سيرةَ صديقٍ
افعَل ذلك كما لو أنك تأخَذ بثأره!".

غوستاف فلوبير
في مقال نشره الصحفي ستيفن سباركس على موقع "مراجعات الأدب الغرائبي" بتاريخ 14 يونيو 2014 يُوصَـف الروائي والناقد والمترجم والصحفي الفرنسي مارسيل شواب (1867-1905) بأنّه رجل المستقبل. يقول سباركس أنّ تاريخ الأدب العالمي حافل بعشرات الكُتّاب والشعراء الكبار الذين تعرّضوا -أثناء حياتهم- للإهمال أو التجاهل أو النسيان من قبل نقّادهم المعاصرين، لكنّ شواب كان على العكس تمامًا، إذ حظي الرجل بشهرة هائلة وانتشار واسعين على المستوييْن الجماهيري والنقدي أثناء حياته، إلا أنّه تعرّض للإهمال والنسيان بعد وفاته في سنّ مبكرة .
يقول سباركس: "مارسيل شواب واحد من الأدباء الذين تعتقد أنك لا تقرأ لهم، ولكنه وبفضل أعماله المميزة تجده داخل أعمال أدباء آخرين تأثّروا به مثل بورخيس، وأومبرتو إيكو وإيتالو كالفينو وغيرهم. فبورخيس يعترف في أكثر من لقاءٍ أنه كتب مجموعة "التاريخ الكوني للعار" تحت تأثير مباشر من كتاب شواب الشهير "حيوات مُتخيّلة". وينطبق الأمر ذاته على كتاب المخلوقات الوهمية، وغيرها.
في كتاب "حيوات مُتخيّلة"، وهو كتاب ينتمي إلى جنس الأدب الغرائبي، يرسم شواب في إطار قصصيّ لا يخلو من لمحات رعب وتشويق، حيوات بعض الشعراء القدامى، والآلهة، والسفّاحين، والقراصنة. يتألفّ الكتاب، الذي  نُشر في حلقات على صفحات جريدة   Le Journalفي الفترة من سنة 1894 حتى 1895، من اثنين وعشرين بورتريه متخيّل لاثنتين وعشرين شخصية، أغلبها تاريخيّ، ومزوّد بصورٍ لحيوات الأشخاص الذين تحكي عنهم قصص الكتاب. يحاول شواب في هذا الكتاب استعادة شخصيات تاريخية مغمورة، ليبعثها في قالب سرديّ جديد، مؤسسًا بذلك لسلالة أدبية جديدة، ظهرت وتطورّت في أوروبا بعد رحيله. حيث نلاحظ تأثرًا واضحًا لدى إيتالو كالفينو بأسلوب شواب القصصي في روايتيه "مدن غير مرئية" و"قلعة المصائر المتقاطعة". لمارسيل شواب دراسة صغيرة حول تاريخ الكتب المفقودة، (لم أعثر على ترجمة كاملة للدراسة إلى الغة الإنجليزية)، حاول فيها استقصاء تاريخ المؤلّفات العظيمة التي فُقِدت على مدار التاريخ، مُحاولًا استعادتها أو تخيّل مضمونها، وهي الفكرة التي كرّس لها أومبيرتو إيكو أغلب أعماله، أعني موضوع الولع بالكتابة عن أعمال مفقودة (كما في رواية اسم الوردة والجزء المفقود من كتاب أرسطو "فن الشعر"، وهو الجزء المتعلق بالكوميديا)، أو بتقصي تاريخ كتابٍ تحوم حوله الشبهات التاريخية (مثل بروتوكولات حكماء صهيون في رواية مقـبـرة براج)، أو بتأليف كتاب منحول، يكتبه ثلاثة أصدقاء بهدف تزجية أوقاتهم (كما في رواية بندول فوكو).
في أدب مارسيل شواب ملمح آخر مهم؛ وهو رغبته في تحويل الكتابة إلى وسيلة لردّ الجميل، أو دربًا لاستعادة المفقود، فيصير الأدب هجمة مُرتدّة ضد فعل الموت، وتصبح الكتابة ترجمة وفيّة لرغبة الإنسان الأزلية في القيام برحلة إلى عالم الموتى لاستعادتهم إلى عالم الأحياء، على نحو ما فعل دانتي آليجيري في الكوميديا الإلهية، التي كتبها بأجزائها الثلاثة الضخمة المعقّدة ليستعيد لمحةً من معشوقته بياتريس. فالحصول على نظرة عابرة أو ابتسامة خاطفة مِـن الراحلين مسألة شاقّة، لكنها جديرة بالتعب والمغامرة. يتجلّى ذلك بوضوح في رواية شواب "كتاب مونيل"، التي نُشرت للمرة الأولى سنة 1894، فاعتبرها الوسط الأدبي وقت ظهورها "إنجيل المذهب الرمزي" الجديد في فرنسا، وأشاد بها أدباء كبار من أمثال أندريه جيد وألفريد جاري، ثم صدرت ترجمتها إلى الإنجليزية سنة 2012 عن دار Wakefield.
تضرب هذه الرواية على الوتر المحبّب إلى نفس شواب؛ فهي خليط من الأحلام والحكايات الخرافية والشذرات التأملية. إلا أنها تحاول اختصار غاية الأدب، بأنه محاولة لاستعادة المفقود من خلال الكلمات، التي تبقى بعد مَـن كتبها ومَـنْ كُتِبتْ عنه. الجميل أنّ محاولة الاستعادة نفسها لا تُستكمَلُ دون تجربة، ولا دون رحلة، وهو ما حققه شواب في الرواية. أصل القصّة حقيقيّ، وهي إعادة تخيّل لعلاقة شواب بفتاة ليل اسمها لويزا، كان قد تعرّف إليها سنة 1891 وهام بحبها قبل وفاتها بين ذراعيه بعد فترة قصيرة من معرفـتـهـما. يُحاول شواب في الرواية إعادة حبيبته المفقودة إلى الحياة من خلال ثلاثة فصول.
أسماء الفصول بالترتيب: كلمات مونيل، وأخوات مونيل ومونيل. الفصول الثلاثة أنشودة رثـاء مُهداة إلى الحبيبة المفقودة؛ فالفصل الأول قصيدة طويلة، تعثر فيها مونيل على السارد (شواب) بمحض الصدفة، فـتحدِّثه عن دور فتيات الليل البريئات في إسعاد البشر، مُـسـتـدعــيةً شخصية "سونيا" من رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي للتدليل على نُبل موقفها، أو ربما هو تبرير قدّمه شواب لمسلك محبوبته في الحياة، ففتيات الليل ملائكة مثلهن مثل الممرضات أو الأمهات اللاتي ترعــيـن أبناء غيرهنّ.
في الفصل الثاني من الرواية يحكي شواب، دونما التزام بحبكة أو تسلسلٍ سرديّ، قصصًا شعبية خرافية تشبه حكايات السندريلا وحكايات الأخوين جريم، وهي حكايات متشظية، لا رابط بينها، ولا ته
دف سوى للتسرية عن مونيل/لويزا وإسعاد أوقاتها. وفي الفصل الثالث تظهر مونيل من جديد في دور بائعة مصابيح، تعيش وسط مجموعة من الأطفال، لا يفعلون شيئًا سوى اللعب، تاركين العمل والشقاء جانبًا. الفصل رمزٌ واضح للطفولة التي انتهتْ إليها مونيل أو لويزا.
في ختام الرواية يكون الموت هو النهاية الطبيعية المحتومة؛ فيختتم شواب روايته بالكلمات التالية:
"..وصلتُ مكانًا مظلمًا وضيقًا، لكنه مفعم بروائح البنفسج الحزين. لم يكن أمامي سبيل لتحاشي الوصول إلى ذلك المكان الذي كان أشبه بمـمـشى طـويل، مرّرتُ بأناملي على وجه كنتُ أعرفه يومًا، بدا له الوجه غارقًا تحت أطراف أصابعي، عندها صرتُ على يقين أنني عثرت على مونيل.. نائمة وحدها في هذا المكان المُظلم.".
يقول مترجم الكتاب كيت شولتر في مقدمّة الرواية: " لقد علّمتـه المعشوقة المفقودة مونيل أن يرى الحياة من منظور مختلف، أن يعثر على السعادة الحقيقية في القصص والحكايات وفي لُـعـب الأطفال. علّمته أيضًا، ربما دون أن تنطق كلمة واحدة، أنّ الأكاذيب البريئة التي نؤمن بها في الطفولة (يقصد الحكايات) ليست مضلّلة ولا مؤذية، بل نافعة ومُـبـهـجـة، وأنّ اليقين الذي نظن أنفسنا قد بلغناه في مرحلة النضوج، هو الشيء المؤذي بعينه، هو الشيء الذي لا طائل من ورائه".
*
خاص بأوكسجين

أحمد الزناتي

روائي وقاص من مصر. من رواياته "البساط الفيروزي: في ذكر ما جرى ليونس السمّان" 2017، و"ماضي" 2017.
حارسُ المقبرة
 
قصة للكاتب الصيني: لي جيان وو
ترجمتها عن الصينية: يارا المصري
 
كان حارسُ المقبرة هذا مثل زهرةٍ صفراء أعلى القبر توغلت في حياتي بدون جهد، ونشرت عطرَها المثيرَ الفواح، وسلبت روحي المدينية. وفي هذا الربيع المزهر، كان هذا الشيخ القروي الأحمق وكأنه أذابَ نهراً جليدياً، مُبدداً كآبتي بخفة وسرعة، وبغموضٍ أيضاً. كان غريباً عني تماماً، لكن الأمر بدا وكأننا عملنا معاً منذ سنوات ولنا إيقاعٌ واحد.
 
لم أقترب منه بل تفحصته بنظري وكأنني أتأملُ شجرةَ سرو، تأملتُ رفيقَ المقابر الذي يشبه شجرة السرو في تمايل عوده المستقيم، وكأنَّه لا يرى بعينيه، بل ينصتُ بقلبه، ينصتُ إليَّ أنا الذي أشبه عصفورَ صباحٍ هائم، يترك أنشودةً صامتةً في غابات الصنوبر والسرو. وهو، شجرة السرو العتيقة، قال بلا مبالاة وفتور، كما لو كان يستقبلُ زيارة العصفور كل صباح، وبحرارة ذلك، وكأنه يحيِّي سمساراً يرتاد القرية دوماً:
ــ صباح الخير!
 
بدت تحيته وكأنها أطولُ فاصلةٍ في جُملةٍ في حياته، انسابت بلطفٍ من بين شفتيه. لم يكن في حاجة لأن أجيبه، ولم أجبه كذلك، بل أومأتُ إليه برأسي وتركته إلى حيث يقبع قبرٌ صغيرٌ لا تزال تربته مائلةً إلى الصُّفرِة، ثم انحنيت تجاه القبر متأملاً شاهده القصير، فقال لي الحارس هامساً:
ــ لقد نمت الحشائش ولم يُدفن إلَّا العام الماضي فحسب!
 
صبيٌّ عمره أربعة عشر عاماً، لم يُحفر على شاهدِ القبر غيرُ اسمه. مات في نضارةِ صباه ولم يتذوق طعمَ الحياة، لأنه ما أن بدأ يختبرها حتى وافته المنية، تاركاً خلفه بضع كلماتٍ ـــ بضعَ كلماتٍ مُعمَّمةٍ بعاطفةٍ إنسانية لا حدود لها، وحزن والديه، ودموع إخوته، إشارةٌ لتخميناتنا. ثم ما الأقل صلابة من شاهد القبر؟ ما الأقل خلوداً من الكلمات؟ ما الذكرى الأقل قسوة من الولع؟ “نمت حشائش!” هذه أخبارُ الحياةِ الوحيدة. وبعد أن تمر العديد من السنوات، سيتآكل شاهدُ القبر، وستفنى الكلمات، ويتبدد الولع، إلَّا العشب الأخضر لن يتوقف عن النمو، سينمو سنةً تلو الأخرى، إلى أن يحجب تآكلَ الشاهد، ويحلُّ محلَّ قوةِ الإنسان كلها.
لقد أطاح ذلك بقبعاتنا المختالة ذات الشُّرَّابةِ الحمراء، وكشفت عن كون الحياة شيئاً ما أجرد. وربما يُضيِّع المرءُ سنواته عبثاً في صخب الحياة، لكن حين تأتي ساعةُ الموت، يلومُ السماءَ والناسَ ويصبح كثيرَ التذمر، قائلاً إنَّه لم يحقق شيئاً في حياته، ومن ثم يسكب دموعاً مُرَّة. ثم ما أن يلفظ أنفاسَه الأخيرة ــــ ولذلك يُدفن هنا، يكون تلك المَرَّة وحيداً حقاً، ولكن قبل أن يمر عامٌ على موته، تغطى قبره الحشائش، وكأنها تخبرنا بدلاً عنه، أنَّ له أهميةً الآن. والطبيعة قادرة على فعل أي شيء، أي إنها قادرة أن تحول قبحها إلى لطفها، وتشكل وقاراً ذا منزلةٍ سامية. وفي سكينة لا يمكن وصفها، أحسستُ بسلام الطبيعة، وهدأت روحي وكأنني خرجت من حفلٍ موسيقي مهيب.
ثم هل ثمة ما يبعث على السكينة أكثر من هذا كله؟ هل ربما حارس المقبرة الغامض ذاك؟ الذي يحرس مقابر غيره وهو على وشك أن يتحول إلى كومة من تراب، وسيموت بهدوء كما عاش حياته. ولعله عديم فائدة، مثل شجر الصنوبر، وشواهد القبور، والعشب الأخضر، وضوء الشمس، تلك الأشياء التي تزين المقبرة الكئيبة. ربما عمل طوال حياته مثل الجاموس في الحقل إلى أن شاخ، ولم يتذكره أحد وكأنه صديق قديم مات منذ سنوات عديدة حقرناه ووضعناه في خانة الأموات. أما هو فقد تقبَّل حظَّه العاثر، ورضي بقدره، لأنه كان في البدء مثل الحيوان، أو، لا، مثل النباتات، تعيش فجأة، وتموت فجأة. ثم هل هناك مَن هو أقرب من الطبيعة منه؟ أليس هو الطبيعة بذاتها؟
هو ليس بحاجة إلى الحكمة، ولا إلى النتاج الثانوي التي تخلفه الحكمة ـــ الوجاهة الزائفة. وهو كمثل المخلوقات الأخرى، له القدرة على الاعتناء بنفسه، لكن القدرة والزمن يتلاشيان في الوقت ذاته، أو كمثل المخلوقات الأخرى أو الأمواج، تتبدد تدريجياً في تيار الطبيعة، تبدد في تيار الطبيعة الهادئ العظيم! هو ليس موجوداً، فالطبيعة تمثل وجوده. وإن عاش، فهو يمثل أعجوبة الطبيعة، وإن مات، فهو يُكمِلُ جمالها. وهو يقوم بمهامه مثل حركة الشمس والقمر والنجوم في مدارها، مثل تعاقب الليل والنهار، بدون أن يترك أي أثرٍ في العالم.
لهذا تقدمتُ نحوه وجلست على المذبح إلى جانبه، وشرعت أتفحص وجهه الأسمر وكأنني أتفحص كائناً غريباً. لم يكن ثمة شيء ما مثير في ملامحه، كان مثل غيره من كبار السن الكادحين في الريف؛ وجهه مسكون بالتجاعيد العميقة، له عينان حزينتان ذات نظرةٍ لا مبالية، ووجه نحيل ذو ملامح حادة. ماذا يمكنني أن أستشف من هذه الملامح الفجة؟ هل يخبئ حزن رجل وحيد مثلي أنا القادم من المدينة؟ نبهتني حركته أنه أكثر من تجسيد للطبيعة، أنَّ له خبرةً روحية، وأنني وهو نملكُ درجةَ تَقَبُّلِ الفرح والألم ذاتها، لهذا لم أتمالك نفسي وسألته:
ـ أين تعيش؟
نظرت إلى جهة الغرب حيث أشارت يده، إلى قطعة أرض قريبة من المقبرة، بها كوخ من القش مر
بع بعض الشيء، وثمة سور منخفض من أعواد الذرة الرفيعة والذرة يحيط به.
ــ هل تعيش بمفردك؟
تردد برهة، من ثم حكّ رأسه وأشار إلى رسمة بقرة وغمغم قائلاً:” أعيش معهما.”
كان ثمة بقرة صفراء عجفاء تسحب جرافة عريضة وتُقلِّب تربة الشتاء المتجمدة، وصبيٌّ عمره ثلاثة أو أربعة عشر عاماً يتبعها.
ــ أليس هذا ابنك؟
ــ ليس لدي أبناء.
ومن نبرته الجافة أدركت أنني كنتُ متطفلاً، وجرحت إحساسه الذي جاهد في كتمانه قدر ما استطاع، لذا لزمنا الصمت، وكأن كلَّاً منا يضمرُ عداوةً للآخر، متربصاً بالفرصة ليظهر انتصاره على الآخر. وشيئاً فشيئاً شعرت بالتعاطف يغمرني ، ولم أشأ أن أُظهره، بل التفتُ وتأملتُ الكوخ قبالتي المُعرض للتهدم في أي وقت.
يا له من انسجام! حيث كل شيء خلاب ونابض بالحياة. لكن حزن المرء لا يمتدُ إلى إشقاء نفسه فحسب، بل يمتزج حزنه بالطبيعة ويخلق  حزناً باهتاً مُكتملاً. لم أجرؤ على سؤاله مرة أخرى، فقد كنت أعلم على كل حال أنَّ الروح ستظل هائمةً أبداً، والجسد الذي تكمن فيه الروح سيظل جميلاً أبداً، مثل الطبيعة ستكون في انسجام أبداً. أما الإنسان، هذا الذي يهيم وحيداً في الكون وسط غيره، فليس ثمة فرق بينه وبينهم. وإذ أغادر حارس المقبرة الخرف، شعرتُ أنني انتكهت خصوصيته، أنا الغريب الذي أنتمي إلى عالم آخر.