هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.13K subscribers
3.1K photos
338 videos
61 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
ر حداثة وراهنية يجب الانتباه اليها. كثيرون كتبوا عن عذابات الهوية المزدوجة، أما أنا فلم أعرف هذا العذاب لأنّ تنوعي هو ثروتي. لماذا ينبغي ان نصور دائماً الشخص المتعدد الجنسيات أو الديانات أو اللغات على أنه شخص مأزوم، وأن صاحب الهوية الواحدة هو الأسعد في حياته. على المستوى الشخصي أرى أن عدم التنوع مسألة مقلقة وليس العكس.

> شكّل فوزك بجائزة غونكور العام الماضي عن روايتك «أغنية هادئة» مفاجأة عربية وفرنسية لكونك فزت بالجائزة الأدبية الأعرق في فرنسا باعتبار أنك ما زلت صغيرة في السنّ والتجربة. ماذا غيرت غونكور في حياتك. وهل كنت تتوقعين أو تتوقين إلى هذه الجائزة؟

- غونكــور غيرت كلّ شي في حياتي المهنــية. لكنني بصراحة لم أكن أتوقعها ولم أكــن أتوق إليها. كانت حلماً أدخره للأيــام المقبلـــة. كنت أقـــول في نفسي قد أفكـــر في الحصول عليهــا في سنّ الخامسة والأربعين مثلاً وبعــد أن يصبح لديّ عدد مقبول من الروايات.

> بدت مقدمة روايتك «اغنية هادئة» صادمة إذ كتبت الكلمات الأولى بلغة فجة وقاسية تتناقض تماماً مع العنوان الرئيس. هل كان صعباً عليك كتابة هذا المشهد الافتتاحي بكلّ هذه القسوة؟

- لم يكن مقبولاً أن تبدأ الرواية إلا من مشهد موت الطفل. لم أكن أفكر في ممارسة التشويق على حياة طفل صغير. هل يموت؟ هل تقتله المربية؟ ما هو مصيره؟ لذا بدأت جملتي الأولى «الطفل مات...» ومن ثم وصفت الحالة التي وجدت فيها جثته. وحين انتهيت من الصفحات الثلاث الأول، عرضتها على الناشر وقال لي ألا ألمسها بعد الآن ونصحني بأن أتركها جانباً وأكمل كتابتي. وبالفعل هذا ما حدث.

> لكنّ دوافع القتل عند الخادمة ظلّـت مشوشة إلى حد ما... هل تقصدت ذلك؟

- نعم فعلاً... ثمة أشياء لا تقبل الشرح. لم أكن أريد الخوض في اسباب قد تبدو مستهلكة أو كاريكاتورية. الهدف كان فعل القتل ذاته. وحين كتبت «أغنية هادئة» كنت أريد من خلالها الغوص في شخصية الخادمة أو المربية لكونها من أكثر الشخصيات إشكاليةً. حين كنت صغيرة كانت لدي مربية تهتم بي في المنزل واليوم لدي مربية تهتم بأطفالي. الموضوع يمسني إلى حد ما. كان يجب أن نتكلم عن هذه الشخصية الحاضرة والخفية. في الواقع، يُطلب منها أن تكون مسؤولة عن كل شيء وأمام الناس يجب أن تكون غائبة. هي موجودة في قلب المنزل ولكن يجب أن تبقى على الهامش، غير مرئية، وألا تزعج أحداً بحضورها.

> قبل كتابة هذه الرواية، اشتركت في محترفين للكتابة الروائية، أحدهما تابع لجريدة «لوموند» والآخر لدار نشر «غاليمار». هل ساعدك المحترف في بلورة موهبتك؟ وهل يمكن المحترف أن يصنع كاتباً؟

- لا أبداً، المحترف لا يصنع كاتباً ولا يساعد في تشكيل ملامحه الإبداعية. وأنا أتكلم هنا عن المحترفات في فرنسا لأنها تختلف كلياً عن المحترفات في الدول الناطقة بالإنكليزية والتي تعمل على تدريس التقنيات الأدبية ومقاربة الكتابة مع النظريات النقدية. المحترف الأدبي في فرنسا مهمته تشجيعية فقط.

> منذ فترة يعيش الأدب المغربي الفرنكوفوني ذروته في فرنسا. وقد شكلّت مع كمال داوود «ثنائياً» لامعاً بحيث يكتب عنكما بوفرة في الصحف الفرنسية وتستضيفكما أهمّ البرامج الثقافية الفرنسية. ما الذي جعل منكما «نجمين» عربيين في فرنسا؟

- ببساطة لأننا نقول الأشياء كما نفكر بها. لا نسعى عبر كتابتنا إلى تدوير الزوايا من أجل ارضاء أحد. نقول ما نريد بالأسلوب الذي يقنعنا. نحاول في أعمالنا أن نكون أكثر انفتاحاً على الموضوعات والثقافات. كلانا يكتب في مكان لكننا نلتقي في الأفكار الأساسية وفي دفاعنا عن حرية الإنسان وضرورة نبذ الجهل والتعصب. الجيل الجديد ضجر من الخطابات القديمة وهو متعطش لسماع أصوات جديدة تقول الاشياء بصراحة دون مواربة أو خوف. أنا أكتب فعلاً ما أنا مقنعة به مع احترامي الدائم للرأي المخالف لآرائي.

> في كتابك الجديد «جنس وأكاذيب»، قدمت شهادات نساء مغربيات يعشن في الخفاء حياة أخرى لا تشبه حياتهنّ العامة، ما يكشف عن مقدار التناقض أو ربما الزيف الذي يعيشه هذا المجتمع. هل استطاع القرّاء المغاربة تقبّل الكتاب الذي أحدث عند خروجه صخباً وجدلاً ؟

- عندما نعيش في الغرب نعتاد على رؤية الحرية باعتبارها هدية تمنح صاحبها شعوراً بالراحة والسعادة. لكنني بعد نشر الكتاب، اكتشفت أنني أخطأت لأنني تعاملت مع الأمر كما أعيشه أنا وغيري في فرنسا. فالحرية في عالمنا العربي هي عذاب إن لم نقل مأساة. ففي حين يسعى المرء إلى تحقيق جزء من حريته يصبح عرضة للوحدة والانعزال بسبب كثرة النقد والرفض. الناس هنا يدفعون غالياً ثمن حريتهم الشخصية. من خلال لقاءاتي مع نساء مغربيات هنّ بطلات/ شاهدات كتابي، وجدت أن كثيرات منهن بدأن السير في درب حريتهن ثم قررن فجأة التراجع والعودة عن قرارهن خوفا من أثمان باهظة قد يفرضها عليهنّ المجتمع. إحداهنّ لجأت مثلا الى ترميم غشاء البكارة خوفا من الفضيحة، والثانية وافقت على الزواج من شخص يكبرها سناً ولا تحبه، خوفاً من العنوس
‏"آهٍ مِنْ قلبٍ ينكسرُ في النهايةِ
ولا أحدَ يعرفُ سرَّهُ
آهٍ مِنْ قلبٍ أشبهُ بمعزوفةٍ
وقعتْ بيدِ الجميعِ ولا أحدَ عرفَ سِرَّ عزفِها".

فروغ فرخزاد
عشيقات الكاتب
إسماعيل غزالي

للكاتب حياة سرية، لا يكشفها للعلن. حياة غامضة منذورة للتكتم والعزلة والضباب. حياة ذات خصوصية دامغة يحرص ما استطاع أن لا يعرضها للإشهار والذيوع والإفشاء على نحو جماهيري. لا شيء يستأثر بالانتباه في حياة كاتب أكثر من اكتشاف سيرته الخاصة مع النساء. سيرته الخاصة مع عشيقاته بالأحرى.
إن أخطر النساء في حياة الكاتب هن العشيقات اللاوجود لهن إلا في خيال أعماله. هن الموديلات اللواتي صنعهن من سديم رؤاه، ونفخ فيهن من روحه ليجعلهن أكثر واقعية من نساء واقعه نفسه. نساء مفترضات لا يقتصر وجودهن المثير والمرعب على حدود تخييل النص ( رواية/ قصة قصيرة/ ...)، بل يتخطاه إلى وجود مواز، عاصف ومؤرق، في تضاعيف حياته اليومية.
هؤلاء العشيقات الخارجات من حدائق النصوص الحكائية، المشبعات بهواء الحلم والمحبوكات من سديم الرواية ومجاز السرد، يزهرن في غرابة يومه، يقلقن كينونته، ويؤرقن انصرافه العادي إلى نساء واقعه، حوله، معه، إلى جواره أو بعيدا عنه.
ما أن يتوهم الكاتب استيفاء رسم العشيقة المفترضة الكامنة في كوابيس لاوعيه، داخل نص ما، حتى يكتشف بعد حين إلى أنه لم يقبض إلا على سراب من حلمها الهارب باستمرار... هكذا يظل يركض وراء طيفها المريب في نص ثان، يفضي إلى آخر وهكذا دواليك إلى ما لانهاية.
أن تتحول امرأة متخيلة في رواية إلى امرأة واقعية، تظل تطارد الكاتب (صانعها ) في متاهات حياته المفخخة بالهذيان والسفر والقراءة والمغامرة والجنون، معناه أن الكاتب سقط في شرك خياله، ولن ينقذه من فداحة الكمين سوى أن تقتله الشخصية المتخيلة تلك، الخارجة من ضباب الرواية إلى صحراء معيشه اليومي.
لا طموح لكاتب أفضل من قتل ماكر كهذا تنجزه إحدى عشيقات نصوصه القوطية. الأمر يضمر سخرية لاذعة بشكل مفارق وكاريكاتوري، ولكنه نص النصوص.
بعيدا عن عشيقات السرد المفترضات في أعمال الكاتب، تطمح العشيقات الحقيقيات، العشيقات الواقعيات، ليصبحن متخيلات في كتاباته. مجمل النساء المحيطات بنار الكاتب، يحلمن في أن يصرن بقدرة قادر شخصيات ذات أثر خالد في رواية أو قصة قصيرة.
هؤلاء العشيقات المهووسات بخيال الكاتب، نادرا ما تجدهن منجذبات في الواقع إلى شخصيته،أو وسامته،إلى شكله أو هيئته كما هو، كشخص أو ذات من شخوص الحياة العادية بتجرد وانسلاخ عن عمله الفني.
قد يحدث هذا الإعجاب الكاسح على نحو متناغم يجمع بين عمل الكاتب وشخصيته، بين خياله وشكله المثير، ليست الوسامة بالضرورة ما يمكن أن يفتن امرأة أو عشيقة، بل شيء مريب، غامض، ومجهول يسحرها في كيمياء الكاتب مهما بدا قبيحا وشائه الملامح... شيء له علاقة برؤية جمالية إلى حضوره المرعب والعنيف بشكل رمزي.
عشيقات الكاتب لسن بالعدد المستفحل كما لدى نجم من نجوم السينما أوالغناء، فالكاتب يكتب لقارئ عكس المغني والممثل الذي يتوجه لجمهور. عشيقات الكاتب من صنف غير شائع، منحدرات من ألماس شديد الندرة، هن قارئات في المجمل ...
هؤلاء العشيقات القارئات، المشحوذات بألق الذكاء الجارح، يزججن بالكاتب في وضع محرج حين يتخطى مكرهن سقف مكره، حين يلجأن إلى فراغات كتاباته ويتحصن بالبياضات الأشد غواية ونسيانا في تضاعيف نصوصه. هؤلاء العشيقات القارئات يضعنه على حافة عزلاء يطل منها على وجهه الآخر في قعر الهاوية. هؤلاء العشيقات القارئات يعرضن حياته على الدوام إلى خطر اصطدامات مع أقنعته، مع أشباحه، مع حقيقته المخادعة، مع عريه أو موته بالأحرى. هؤلاء العشيقات من يكشفن الجانب الآخر من الغابة في حياته، ونصه معا، من يرفعن عن نظرته الملتبسة ضباب المسافة إلى الحواشي العظيمة التي لم يكن يراها على جانبي طريق مجازفاته. هؤلاء العشيقات القارئات لسن من دمى راحة الجندي بعد المعركة، ولا دمى استعراض / ستربتيز لدخول معركة جديدة، إنهن جرح المعركة نفسها، تاريخها السري، لغتها المنسية ونجوم قطبية في غسقها الأبدي...
هؤلاء العشيقات القارئات الماسكات بحبل مفتول من أثر أعمال الكاتب ( ربما الأثر الذي لم يكتبه بعد )، وأثر شخصيته الاستيهامية، حتما يتحول حبلهن إلى أنشوطة مشنقة للكاتب إن لم يتدارك الكاتب أثر السحر، إذ لا خلاص له سوى أن يمشي على الحبل نفسه كبهلوان ...
العشيقات القارئات يمهرن وجه الكاتب بكدمات غير مرئية، مجملها زائل يتراكم مثل غبار أو رماد في غرفة مظلمة في داخله، وبعضها يخلد على نحو أبدي، موشومة خدوشهن أو نابتة كعشب على صخرة مائية يقاوم تموجات التيار وعنفه المندلق... هؤلاء العشيقات اللواتي يتماهين مع أعمال الكاتب، إذ يتضاعف الكتاب إلى مكتبة في مخيلاتهن، ينتزعن جذر المؤلف من أقاصي عزلته، ويقذفن به داخل معترك مراياهن، المرايا الشيطانية التي تجنح به في تضاعيف كوابيس لانهائية...
عشيقات عابرات رسمن بلدغاتهن خرائط على جلده، وعشيقات أبديات على نحو نادر يقمن داخل حلمه ، دائمات الهسهسة في أذنه، لا رياح تمحو أزيز غنائهن وملمس شفاههن التي تقوض عالمه وتنزلق به في نفق طويل يفضي به إلى خلاء حقيقته ال
مفزعة...
والعشيقات الأخريات، غير القارئات... هؤلاء اللواتي يجهلن هويته وطبيعة عمله الفني... هؤلاء اللواتي ينظرن إليه بانسلاخ عن كتابته ورنين إسمه الأدبي... ينظرن إليه بعين الشبهة واللاطمئنان، وإن يبدو مختلفا فحدوسهن مرتابة في كيمياء الرجل، يجسسن المادة الغريبة التي صنع منها مكره، خداعه، ذكاؤه ولؤمه... غير مؤتمنات لدماثته المزيفة، للباقته الخبيثة، لأناقته المريبة... وإذ يكتشفنه كائنا من لغة أخرى، لم يسبق لوجهه العجيب أن عبر مراياهن الخاصة... هنا يستقصين هويته اللصوصية، معدنه الإجرامي وغموضه البوليسي، إلى أن يقعن على الخيط المتوقد لحضوره المنفلت... كاتب !!! كائن خيالي إذن... وكيفما كانت شبهة الخيال التي تزج بالكاتب في صنف المخلوقات الشائهة، فتوصيف المجنون الذي يلازمه عند هؤلاء العشيقات يتحول إلى ملاذ ...
حياة الكاتب غير ممكنة بدون عشيقات مرعبات، والعشيقات يتجددن مع كل نص، مع كل مقال، مع كل لقاء أدبي هنا وهناك... لكل عشيقة حياتها الخاصة تحت سقف كتاب من كتبه. ونادرة هي العشيقات اللواتي يعشن تحت سقف تجربته بالكامل. كل عنوان من التجربة تتمترس خلفه نوعية من النساء. وأما عنوان التجربة ككل، فمنذور لامرأة تسكن في الطرف الآخر للغد. لم يصطدم بها بعد...
والعشيقات لهن أثر الكتابة ذاته، إنهن ينهبن حياته وجسده، ويقوضن وجوده. يشعر الكاتب بأن ضلعا من عمره قد انهار وتلاشى ما أن ينتهي من تجربة كتابة رواية، كذلك يشعر مع امرأة استأثرت بمنطقة من مناطق كينونته. وهكذا ينمحي في معترك الكتابة والنساء معا إلى أن يتحول إلى شبح...

قد لا تعني كثرة العشيقات شيئا للكاتب، وقد يكتفي بما لا يتعدى عدد أصابعه... وبالمقابل، ثمة امرأة واحدة تستأثر بمعنى وجوده بالكامل، امرأة غامضة يصنع أثرها الغريب جمع العشيقات عن آخرهن في مفرد، كغابة يؤول حشدها اللانهائي في شجرة عزلاء.

أو هي امرأة غامضة منشطرة وموزعة في شظايا كل العشيقات على نحو لامحدود أيضا، كشجرة عزلاء يؤول مفردها إلى الحشد اللانهائي للغابة.
"‏لدي أسباب قليلة للخروج من المنزل، لكن لدي عشرات الأسباب كي أبقى في المنزل لأيام، أولها متعة الكسل والتمتع بالوقت المستمر الذي لاينقطع."

خالد خليفة
‏“أنتَ لا تحب أحداً لأجل مظهره ، ملابسه ، أو سيارته الفارهة بل لأنه تصدُر مِنهُ موسيقى لا يَسمعها أحدٌ غيرك ..!”

-
أوسكار وايلد
" لقد أضحى متورطاً فجأة بكل هذا، ولكن ما هذا الذي تورط به؟ كلمات؛ كلمات تحمل في داخلها دمار العالم. ".

أبناء الأزمنة الأخيرة | فيصل الحبيني

الرسمة: صاحب الظل الطويل . للكاتبة و المترجمة بثينة الإبراهيم.
‏"أنا مجموعة من الانتصارات الصغيرة
والهزائم الكبيرة
وأنا مندهش
أنني وصلت من هناك إلى هنا
دون أن أرتكب جريمة قتل"

-لا تحاول، بوكوڤسكي
" الذي قتلوه ودفنوه
لأنّه أكل ثمرة
نَبَتَ هيكلُه العظميّ
وصار شجرة."

وديع سعادة
"البطل يحارب مع نفسه، والآخرون يحاربون مع العالم ".

فيلم المرحاض
«حين كنا نستقل سيارة الخال أحيانًا أو والدي بلباسهما العسكري هما المثالان الممكنان الذين رأينا أن قدرنا الممكن والوحيد هو في اقتفاء آثارهما.
زحامنا مع المئات أمام معسكر «الجيوان» للالتحاق متطوعين في العسكرية وكأنها نهاية الشوط الذي ركضنا فيه مع الزمن.هكذا مضت تمامًا دورة حياة «عبدالكريم» أو «كريم» إحدى شخصيات الكاتب الروائي «ناصر الظفيري» في روايته «المسطر»، حيث صار «كريم» على يقين أنه قدره كإنسان «بدون» لا يحمل أوراقًا ثبوتية هو أن يقتفي آثار والده وكل رجل من «البدون» في الكويت.
في روايته «المسطر» لا تزال قضية «البدون» هي هاجس الروائي «ناصر الظفيري» ولكنه هنا على نقيض باقي رواياته السابقات يضع خلاصًا واحدًا، خلاصًا نهائيًّا أمام «البدون»، وهذا الخلاص هو الهجرة أو النفي أو وطنًا بديلاً مهما بدت أو قسّت التسمية!
لقد خاضت شخصيات الظفيري صراعات حادة مع أنفسهم والسلطة، مع لقب «البدون» مع إشكاليات هوية ملتبسة، مع مطاردة أحلام لم تنجم عنها سوى خيبات أمل هائلة رصّت رضوضًا في الروح والذاكرة، وكأن كل شخصية في رواياته السابقة كانوا مرحلة وخيارات أيضا أمام بطل روايته الجديدة «المسطر»، الذي منحه اسم «رومي راضي» وهنا البطل لم يغيّر اسمه كما باقي شخصياته في روايات سابقة، بل أضاف لاسمه لقبًا منحه كل ما لم يحصل عليه في البلد الذي ولد فيه.
لقد حصل بطل «المسطر» على كل شيء، حصل على المنفى الذي احتضنه بحب ورعاية شاملة، حصل على والدين، على حياة مرفهة، على منزل فخم، على وظيفة مرموقة، لقد اختار «رومي» قدره بعيدًا عن اقتفاء آثار خاله «ضيدان» الذي شكّل في الرواية الوجه النهائي لقدر «البدون» في الكويت حيث الهلاك كشيء مجهول الهوية وكأنه لم يكن يوما رغم كل التضحيات والتفاني الذي قدمه للدفاع عن الوطن منذ التحاقه في معسكر الجيوان حتى لحظة انكفائه على ذاته في قوقعة عزلته المديدة حين سُرح من الخدمة! لقد وضع الظفيري بطل روايته «رومي» تحت الاختبار.
بدت شخصياته مشطورة من حيث اختيار قدرها، فــ«كريم» هو الوجه الآخر المضاد لوجه «رومي» كلاهما كانا صديقين، ترعرعا في بساطة عشش الجهراء، تخرجا معًا من الثانوية العامة ولكنها وجدا أنفسهما أمام خيار واحد أيضًا «معسكر الجيران» يتلبسون أدوار السابقين تمامًا وكأن الحياة قالب كبير متوحد! لكن «رومي» على عكس «كريم» عزم الهجرة وحصل عليه وتغيرت حياته كليًّا عن حياة «كريم» الذي بقي يعاني العدم من كل شيء!
يمكن القول بــأن «رومي راضي جيبسون» هو المرحلة الأكمل للإنسان «البدون» في الكويت، فـــ«علي شومان» في رواية «الصهد» و«فهد العوّاد» في رواية «كاليسكا» اختارا النفي بعد صراعات حادة مع ذواتهم ومع غيرهم، غادرا ولم تغادر الكويت قلوبهم، ثم جاء في «المسطر» ليؤكد أن شخصية «الخال ضيدان» الامتداد النمطي لكل من «علي شومان» وفهد العوّاد «هو مرحلة ماثلة أيضا أمام كل من «كريم» و«رومي» وغيره من شباب «البدون»، الأول كان خياره البقاء و الثاني كان خياره الرحيل، والفارق هنا النموذج الأكمل في «رومي» أنه لم يحن إلى الكويت بل غادرها غضًا وبلا تجارب وبلا ذكريات تشرخ ذاكرته و جعلته متقلبًا، غادرها دون أن يلتفت للوراء ولو للحظة، ربما لأنه لم يتورط بالحب، بامرأة كما وقع مع «علي شومان» و«فهد العوّاد». كأن الحب وكأن المرأة هما الورطة الأكبر والألذ حيث ينساق القدر إلى نهايات غير محمودة البتة لمن هو «بدون». كأن لا حق لهم في الحب كما لا حق لهم في وطن شرعي؛ فحتى هذا الخيار لم يكن متاحًا في حالة بطل «المسطر» كأنه بدد كل ما يربطه بأرض الكويت، فهجرها بكل ما فيها، بأمه وخاله و بيته!
جاءت رواية المسطر مكثّفة بتركيب سردي مبتكر في ثلاثة فصول، كتبها الظفيري بتركيز وبكثافة واضحة مطوعًا السرد لحكاية روايته بلا تفاصيل خارجة عن القضية الأساس و كل شخصية عبرت عن نفسها بأريحية، فكريم كان هو «الناشر» الفصل الأول للرواية، بينما كان «رومي» هو الراوي الفصل الثاني من الرواية، وأخيرًا الخال عضيدان حمل على عاتقه الفصل الأخير من الرواية حيث كان هو «الرواية» التي كتبها ابن أخته «رومي رامي» أي الحكاية بأكملها، وقد حمّل كل شخصية من الشخصيات الثلاث زمنًا كأنه يسرد من خلالها ليس قضية «البدون» فحسب بل قدرهم على تعاقب الأزمنة، حيث كان «كريم» هو وجه الحاضر للإنسان البدون في الكويت، وكان «رومي» هو المستقبل الذي تمرد على حاضر كان سيكون ضحيته لو أنه انساق كما «كريم»، و الماضي الذي مثله «الخال عضيدان». أما المكان في الرواية فلا تزال «الجهراء» هي المكان الأزلي في كل روايات الظفيري، المكان الذي تكشط الشخصية عن ذاتها بعد تخبط مرير مع أقدارها، لكن المنفى لم يكن «كندا» بل بدأ بفرنسا و انتهى بأمريكا، عندما غادر «رومي» الكويت إلى «فرنسا»، كان ذلك في ثمانينات القرن الماضي حيث زمن الرواية، في ذلك الزمن كانت فرنسا لا تزال تستقبل المختلفين وترحب بهم عدا المهاجرين الشرعيين، لكن فرنسا اليوم لم تعد هي الم
نفى المتاح، فهي تأنف اليوم عن استقبال المسلمين ناهيك عن المهاجرين غير الشرعيين الذين أصبحوا «بدونا» لا يملكون أوراقًا ثبوتية كأي « بدون» كويتي، ولعل حال الإنسان «البدون» في الكويت تكاد تتماثل مع حال «البدون» في فرنسا، و قد عرض الروائي الفرنسي « يانيك هاينيل» في رواية «الثعالب الشاحبة» ما يكابده الإنسان «البدون» في فرنسا على يد السلطات، والرواية بحد ذاتها كتبت من أجل الضحيتين الذين قتلا على يد الشرطة الفرنسية لتقوم بعدها ثورة الثعالب الشاحبة التي يقودها فرنسيون ثوار والمهاجرين غير الشرعيين تنديدًا بسياسات السلطات الفرنسية التعسفيّة بحق الإنسانية!. وهنا في رواية «المسطر» لا يضع القارئ أمام سؤال الهوية بل أمام الخلاص الوحيد حيث لا خيار للبدون في الكويت سوى في الرحيل والهروب والنفي بل كشط هويته من جذور ميتة لا حياة فيها ولا امتداد بل أضحت تاريخًا من العذاب.