هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.14K subscribers
3.1K photos
337 videos
60 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
يظهر أنه يتحرك في عالم مختلف من المشاعر، عالم تكون فيه رغبة أوستيشا بالعيش المكثف طبيعية مهما كان الثَّمن، بل محببة، تتخطى كلياً ما يمت بصلة للأخلاق. لعجزه عن التجاوب بشكل إيجابي مع هذا، يصبح المراجع توجيهياً، مطالباً بالمفاهيم التقليدية مما ينبغي أن تكون عليه “المأساة” ومتذمراً من أن هاردي لم يكن مصيباً في أسلوبه.

هل يمكن أن يقال أي شيء مفيد أو موضِّح عن سوء الفهم أو النقاط العمياء هذه؟ بالتأكيد، في حالة توماس هاردي، يمكن للمرء القول إنه كان شائعاً إلى حدٍّ ما إساءة فهمه بهذه الطريقة، بطلب مبادئ أخلاقية لم يكن لها وجود هناك. احتجَّ المراجع موبري موريس ضد “تس من دوبرفيل” قائلاً: “هل للشعور العادي بالإنسانية ضد الإغواء، الزنا، والقتل أساس في صلب الأشياء؟” قصف مراجع آخر: “جود الفاحش”. هل يمكن أن يكون إذن أننا نملك قرينة هنا على أن كاتباً غير منسجم مع روح العصر. أو في حالات أخرى، حيث يحصل الجميع على كتاب-يوليسيس-وأنت لا، يعني أنك خارج الخط. أنت تعيش في عالم مختلف.

منذ بضع سنوات، بينما كنت أقرأ كتاب عن السيكولوجيا الجهازية، صادفت فكرة “الحادثة المبهمة”. الفكرة بسيطة إلى حد كاف. يلتقي شخصان من خلفيتين مختلفين تماماً ويصبحان متورطين في علاقة. ربما منجذبين جنسياً، انجذاباً متبادلاً، يصبحان صديقين حميمين. ثم يحدث أمر ما-ربما لقاء عائلة الآخر، مشاركة في حركة سياسية، تأمل ثمَّة فعالية جنسية معينة-يكشف لهما أنهما ينظران إلى الحياة بطريقتين مختلفتين تماماً. ليس فقط أنهما لا يتفقان، لكن إذا جاز لنا القول، لا يفهمان من أي مكان يأتي الآخر، وضع الشَّخص الآخر غير مفهوم، ربما مهدِّد.

لتوضيح الفكرة تعتمد عالمة النفس الإيطالية “فاليريا أوجاتزيو” في كتابها “الأقطاب الدلالية وعلم النفس المرضي في العائلة”، على شخصيتين من رواية ميلان كونديرا “خفَّة الكائن التي لا تحتمل”:

اتَّسمت علاقة (فرانز وسابينا) منذ البداية بحوادث مبهمة: يدعوها كونديرا “كلمات أسيء فهمها” ويطور مسرداً قصيراً منها…

عند نقطة ما، طرحت سابينا على فرانز سؤالاً: “لماذا لا تستعمل أحياناً قوتك علي؟”

أجاب فرانز: “لأن الحب يعني التَّخلي عن القوة”.

وسابينا أدركت أمرين: أولاً، أن كلمات فرانز كانت نبيلة وعادلة، ثانياً، أن فرانز، بهذه الكلمات، يستبعد نفسه في نظرها كشريك جنسي.

كثيراً ما أخبر فرانز سابينا عن أمه، ربما بنوع من الحسبة اللا واعية. تخيَّل أن قدرته على الإخلاص قد تجذب سابينا، وبالتالي قد تقتنع به. لم يعرف فرانز أن سابينا كانت منجذبة بالخيانة، وليس بالإخلاص.

ارتعد فرانز تقززاً عندما حدَّثته سابينا مرة عن تجوالها في المقابر. كانت المقابر بالنسبة له: “مزابل للحجر والعظام”، لكن بالنسبة لها، كانت المكان الوحيد الذي يذكِّرها بمسقط رأسها، بوهيميا.

أعجب فرانز بوطن سابينا. عندما حدثته عن نفسها وعن أصدقائها التشيك، سمع فرانز كلمات السِّجن، الاضطهاد، الدبابات في الشَّوارع، النُّزوح، ملصقات وأدب محظور، وسابينا بدت أكثر جمالاً، لأنه يستطيع أن يلمح من خلفها دراما وطنها المؤلمة… لم تشعر سابينا بالحب نحو تلك الدراما. كانت كلمات السِّجن، الاضطهاد، الكتب المحظورة، احتلال، ودبابات، قبيحة في نظرها، خلت من حبكة رومانسية في أبسط أشكالها.

إذا أراد كل من فرانز وسابينا المضي في علاقتهما نحو ما يتجاوز الطور الأول من الافتتان الجنسي الكثيف، سيتوجب على كل واحد منهما الانفتاح والتغير، أن يتعلم رؤية العالم بطريقة مختلفة. لكن على حد قول “أوجاتزيو”، بما أن ليس الجميع متحمسين للخروج من الوضعيات التي نشأوا عليها، سوف تنهار علاقات كثيرة عندما تعترضها “كلمات مساء فهمها”. هكذا انفصل فرانز وسابينا أخيراً. ومع ذلك هذه ليس نهاية المسألة تماماً. بعد أن انفصلا، بدأت سابينا تفتقد فرانز. في مقبرة مونبارناس، تجد نفسها فجأة قادرة على رؤية المقابر -وربما أيضاً على الإحساس بها-كما رآها فرانز. أن تفهم من أين كان قادماً. من ثم تتمنى لو أنها لم تكن برمة للغاية معه. حفزت الحادثة المبهمة لحظة النمو.

هل هناك تشابه مع الطريقة التي نقرأ بها؟ هل يمكن أن يكون الكتاب الذي يبدو في الأصل خاطئاً بوضوح بالنسبة إلينا، هو الكتاب نفسه الذي يسمح لنا بفهم شيء جديد حول أناس آخرين؟ لنفترض أننا عندما نبدأ برواية، الدعوة لمشاركة قصة، لأن نقترب من مجموعة من الشخصيات، تعمل مثل مهمة ايروتيكية. نحن مشدودون. يمكن أن تكون الصفحات الافتتاحية في الروايات مغوية على نحو رائع. يفتتح تولستوي رواية آنا كارنينا: “جميع العائلات السَّعيدة متشابهة، كل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها الخاصة”. أنا لست على يقين من أني أتفق حقاً مع كلا جانبي هذه الحكمة، لكن من في وسعه مقاومة مثل هذا الخبر الواعد؟ يعلن أورويل مقدماً لنا عالم 1984:”كان يوما بارداً ساطعاً في شهر نيسان، وكانت السَّاعات تدق الثالثة عشرة”. كيف لا يمكننا مواصلة القراءة. يفتتح بيتر بان: ” كبر جمي
أناس يتحركون في عوالم مختلفة كلياً من المشاعر عن عوالمنا.

نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من أخبار الأدب.

ترجمة أماني لازار
ع الأطفال فيما عدا واحد”. نريد أن نعرف من هو ذلك الفرد. تملك قصة  جيوفاني فيرجا العظيمة، الخبز الأسود، واحدة من أكثر العبارات الافتتاحية التي أعرفها جاذبية: “لم يكد الجار ناني يغمض عينيه، والكاهن لا يزال جالساً هناك في مقعده، حتى اندلعت الحرب بين الأطفال حول من عليه أن يدفع تكاليف الجنازة، لذلك طرد الكاهن ومرشة الماء المقدَّس تحت إبطه”.

ما إن نعلَق، عندئذٍ طالما يتقدم السَّرد ويأسرنا سوف لن يصعب علينا كثيراً التعامل مع أشياء لا نجدها منطقية. بل على العكس، أي تعقيدات مبكرة سوف تعترضنا باعتبارها غريبة، هي جزء من التشويق. لكن في نهاية المطاف، سوف نتقاعس مع بعض الروايات على الأقل. بعد مئة أو مئتي صفحة، سوف نبدأ بالشعور أن هذا ليس منطقياً وحسب. تقدم مراجعات مبكرة، لكن أيضاً الكثير من الردود حديثة العهد على كتاب لورنس “أبناء وعشاق”، مثالاً ممتازاً. طالما أن الرواية أمعنت النظر في طفولة موريل المخيفة، ترعرعه في ظل نزاع والديه العنيف، كان القراء متعاطفين. لكن عندما يبلغ الفتى الجبان سن الرشد يهرب الكثيرون، أتذكَّر أن هذا ما فعلته أمي عندما شجعتها على قراءة الكتاب.

كتب مراجع في مجلة TheNation: “يعاني الكتاب تغييراً جذرياً، ما يثير حزننا وذهولنا، وليس نحو شيء ثري وغريب، لكن نحو شيء هزيل ومبتذل -لابد أن المفردات استعملت بشكل متناقض بكل هذا الامتداد من الصراحة الشفوية المجفلة. يزداد شعورنا بهذا أكثر فأكثر بلا جدال، عندما نشمئز متعبين من المشاهد المتواصلة من الشغف الجنسي…”

يتساءل المرء إذا ما استوعب هذا القارئ لاحقاً أن بول عرَّف الخوف الذي يميز طفولته، خوف يكبحه بكل شكل من الأشكال، جنسياً قبل كل شيء، باعتباره عدوه الأول. هو مصمم على هزيمة الخوف، مصمم على الانفتاح على دوافع الحياة بدلاً من الإحجام عنها. لذا النصف الثاني من “أبناء وعشاق” على صلة مع النصف الأول بشكل ماثل للعيان ومؤكد.

قيل الكثير جداً عن “استعمالات الأدب”، التي تربطها دوماً تقريباً علاقة مع كوننا نصبح أكثر تحرراً وشفقة عندما نقرأ عن الظلم. أنا أشك كثيراً فيما إذا كان سلوكنا يتغير نهائياً بهذا النحو. مع ذلك، بجذبنا نحو رؤى مختلفة تماماً عن رؤانا وغريبة، ربما تفتح الروايات، وحتى إذا كنا في الأصل نعافها قرفاً، أعيننا على عوالم مختلفة من مشاعر عن مشاعرنا. بعد سنوات كثيرة، في قراءة ثالثة أو رابعة، منذ دراسة الأدب الإنجليزي ومن ثم تدريسه، ظلت ترغمني على العودة إليها، بدأت أخيراً أنظر بعين العطف نحو ليوبولد بلوم. حيث ستيفان ديدالوس ببساطة “سوف لن يخدم” وهو ممتعض على الدوام من أي شخص يحتج عليه، دوماً مصمم على بلوغ القمة، بلوم هو أكثر من سعيد في أن يخدم زوجته، أن يحضر لها فطورها، ويناولها الكتب التي ترميها على الأرض، ربما لأن لديه حياة داخلية فكرية ينسحب نحوها حيث يشعر بالراحة وفي بيته. هو شفقة الخاسر السمح، الرجل مصمم على ألا يكون مستاءً، وفي هذا الجانب هو النقيض لستيفان. في النهاية إنه بالضبط هذا السخاء من بلوم ما يجعل مولي تواصل الاستجابة له بـ “نعم” حتى عند انجذابها إلى آخرين. وبالرغم من أن هذه سوف لن تكون أبداً طريقتي في العمل، بعد تأمل طويل في الكتاب، رحت أشعر أن موقفه أصيل-وأن هناك حقاً أناس مثل هذا، والشخصية ليست مجرد مبرر لصفحات لا نهائية من التفكير الشِّعري.

أتذكَّر على نحو مماثل تغيير الموقف من كتاب نيكولسون بيكر “The Fermata ” 1994. عندما راجعت في الأصل هذه القصة عن رجل يستعمل قدرته السحرية على إيقاف حياة كل شخص آخر بينما يظل فاعلاً ليعري نساء جميلات فحسب ويستمني على المشهد، بدت لي ممارسة محرجة إلى حد ما في إيروتيكية أدبية. لكن بعد أن قسوت على بيكر فيما نشرته، أدركت تدريجياً أن ما كانت روايته تتحدث عنه هو الأمنيات المتضاربة في رغبة أن تعيش حياة حتى التمام، أن تكون مخلاً تماماً، ومع ذلك في الوقت نفسه، لا تسبب لأحد بالدمار، ولا تترك أدنى أثر من نفسك على الآخرين-بمعنى آخر، أن تبقى، على الأقل غير مؤذ على الإطلاق إن لم نقل نقياً تماماً. وهذا بدا لي فجأة مثيراً للاهتمام كطريقة لرؤية “الأدب” عموماً، تجربة بديلية، أحياناً مخلة لا تتسبب بأي أذى.

هذا لا يعني على الإطلاق أن كل رواية لا تستميلنا سوف تثبت في نهاية المطاف فائدتها. لكن حيث نجد أنفسنا على مواجهة مع أحجية مكتملة-كانت “سبع سنوات” تأليف بيتر شتام (2010) رواية أخرى بدا لي أن شخصياتها تسير في طرق غير منطقية -ربما حري بنا أن نمنح الكاتب الإفادة من الشَّك، أو العودة إلى الكتاب بعد وضعه جانباً إلى حين. بالتأكيد كانت العودة إلى شتام مستحقة العناء. لأنه بعكس الناس الذين نلتقيهم في حياتنا، الأشخاص في الروايات ليسوا بحاجة لأن يكونوا متوعدين. سوف لن يتحدثوا بسوء عن توانينا كي يبينوا أنهم يملكون قيماً أخرى مختلفة تماماً عن قيمنا. وعلى الرغم من أننا ربما لن نكون قادرين أبداً على تقبل هذه القيم، إنه لآسر ومفيد أن تدرك أن هناك
الكتاب: "حكاية قارئ شغوف (محترف)"

المؤلف: روبرت غوتليب

تاريخ النشر: 26 يناير 2017

الناشر: فارار وشتراوس وجيرو

عدد الصفحات: 352   صفحة

 

يسرد كتاب "حكاية قارئ شغوف (محترف)"، لمؤلفه روبرت غوتليب، خبايا واستنتاجات كاتب/مثقف، وقارئ نهم، أمضى 60 عامًا يقرأ ويبحث، ويفتش بين الأغلفة والصفحات، في سائر الحضارات ومختلف الثقافات، إذ يبين أن النصيحة التي تتردد عبر العصور والأزمان تلخصها بداهة عبارة الحضّ على الاطلاع، ومفتاحها البديهي، الذي يتمثل في القراءة.

وقد استخدم المؤلف في كتابه، وصفًا للقارئ باللغة الإنجليزية مفاده: (avid)، وهي كلمة مشتقة من أصول اللغة اللاتينية، حيث تشير إلى معاني الحرص الشغوف والاهتمام الفائق والتوق المتواصل- بل والطلب إلى حد الاشتهاء.

يبدأ المؤلف من مرحلة طفولته المبكرة: اختار جده أن يعلمه القراءة في سن الرابعة، فكان أن أمضى سائر مراحل حياته، من المدرسة إلى الجامعة، في «حالة.. قراءة»، لدرجة أنه كانت تفوته مواعيد حصص الدراسة أو المحاضرة، إذ يكون غارقًا وقتها بين دفتي كتاب ما. وكان يضيف إلى هذا الجانب محاولة استخدام أو استثمار دراهمه القليلة، كما يعترف في سطور الكتاب، من أجل شراء بطاقات المسارح، كي يشهد عملاً دراميًّا أو ينال متعة الإصغاء إلى إبداع موسيقى محدد: بين إبداعات الكونشيرتو وتنويعات موسيقى السيمفوني.

ويحكي مؤلف الكتاب أن هذه البدايات هي التي دفعته إلى أن يطرق أبواب العمل لدى مؤسسات الطباعة والنشر، وعلى رأسها دار «سيمون آند شوستر» الشهيرة في أمريكا. وكان قد أمضى معظم سنوات العمر، متنقلاً بين دور النشر والإصدار العديدة.

وعلى مدار أكثر من 60 سنة، كما يؤكد في فصول هذا الكتاب، ظل منكّبًا على «تحرير» الكتب، التي يضعها كبار المؤلفين.

وتقول كلمات ميشيل دين: إن قلمه كونه محررًا ترك لمساته على المخطوطات والنصوص الأصلية لمعظم المؤلفين والكتّاب الأمريكيين والإنجليز في القرن العشرين، ذلك ابتداء من الكاتبة- الشاعرة الأمريكية توني موريسون، مرورًا بالمبدع، أديب كتب الجاسوسية الأشهر، جون لوكاريه. وليس انتهاء بنجمة السينما «كاترين هيبورن»، بل والرئيس الأمريكي بيل كلينتون شخصيًّا.

المؤلف يستخدم فعل «يلتهم» عندما يتكلم عن عاداته في مطالعة الكتب سواء تلك التي اختارها شغفًا وتفضيلاً، أو تلك التي يكلفونه بمراجعتها وتحريرها وتقويم أسلوبها، بحيث يقدمها إلى جماهير القارئين في أدق صياغة وأبهى صورة، وباسم مؤلفيها الأصليين بطبيعة الحال.
1
Forwarded from عصير الكتب
الميل الأدبي الروائي. سحر الغواية وهندسة التشكيل

*******************************************************

سعيدة تاقي*

"إن الرواية التي لا تغيِّر المؤلِّف ولا القرّاء ليست ضرورية." موريس نادو

فكرة المبتدأ:
كيف سأستطيع؟ ومن أين ستتولد الفكرة الأولى؟ وكيف ستتدفق باقي الأفكار إلى أن تؤول في تراصِّها وانتظامها إلى توليف مكتمل ومتناسق؟
أسئلة بديهية يواجه بها كل يوم من يكتب أو يبدع أو ينتج أو يخلق شيئا جديدا غير مسبوق في ماهـيته أو هـويته أو تمَـرُّده. ففي عالم الخلـق والكـشف والتجـلي كلٌّ مُيَّسر لما يحـتكِـم إليه من أدوات إبـداع أو تقـعيد أو نـقـد أو ترميم أو تحليل أو نظر أو تقويـم. ومهما اختلفت الأدوات وتباينت الطرق وتعددت الطرائق تكمُن في الأصل خلف كل فِعْـلٍ نـواة/فـكرة. لكن أيسـتطيع الميل الأدبي أن يكون واعيا بما سيؤول إليه مساره قبل المنتهى و نفض اليد من كل اشتغال؟. ليست الإجابات إلا تحييناً لاحـتمال مؤقَّت لكل تلك الاستفهامات، و قد يكـون ذلك سبـبا من بين الأسـبـاب التي جعـلـت البعـض لا يـتـوانى عن تخـصيـص كـتب أو مقالات أو مقدمات كتب للإجابات، بينما أحجم الآخرون عن دخول هذا النفق مكتفين بما ينثرونه في مفاصل أعمالهم وحواراتهم من كشف لبعض ملامح مختبراتهم السرية.
لننصت لبعض ما قد كتبوه، أو نثروه.

البذرة والشجرة:
يرى غابرييل غارسيا ماركيز أن سؤال "كيف تُكتب الرواية؟" (ترجمة صالح علماني) يحتمل إجابات متنوعة بحسب من يوجه السؤال، وقد يُمَكِّن هذا التنويع من الوصول إلى الحقيقة، لأن "أكثر من يسألون أنفسهم كيف تُكتب الرواية هم الروائيون بالذات. ونحن نقدم لأنفسنا أيضا إجابة مختلفة في كل مرة." ويضيف: "أنا أعني بالطبع الكتاب الذين يؤمنون أن الأدب هو فن موجَّه لتحسين العالم. أما الآخرون ممن يرون أنه فن مكرَّس لتحسين حساباتهم المصرفية، فلديهم معادلات للكتابة ليست صائبة وحسب، بل ويمكن حلّها بدقة متناهية كأنها معادلات رياضية. والناشرون يعرفون ذلك."
ويثير ماركيز الانتباه في سياق استعراضه لما يفرضه على أفكاره أو بذرات نصوصه من رقابة تفضي بها أحيانا إلى سلة المهملات بعد تمزيقها بطريقة لا يمكن معها إعادة ترقيعها ثانية، إلى أن المسألة ليست في كتابة رواية ـ أو قصة قصيرة ـ وإنما في كتابتها بجدية، حتى ولو لم تُبَعْ فيما بعد ولم تَنَل أية جائزة، فوفق منظور ماركيز الشيء الوحيد الذي يفوق الحديث في الأدب هو صناعة الأدب الجيد. ويستحضر في ضوء ذلك الحادث الذي علَّمه ضرورة أن يكون التمزيق غير قابل لإعادة الترقيع. وهو حادث استعادة صديقه الشاعر خورخي غيتان لفصل كامل كان ماركيز قد انتزعه من روايته الأولى "عاصفة الأوراق" ومزقه، وكانت الرواية قد نشرت حينها. لكن صديقه الشاعر استعاده من سلة المهملات ورقّعه بنهمه الذي لا يرتوي نحو الأدب ـ أمام استسلام ماركيز لإلحاحه ، ونشر الفصل على أنه قصة قصيرة قوبلت بعدها بأفضل إطراء من جانب النقاد والقراء. وبعيدا عن معرض المقارنة بين الرواية والقصة القصيرة يؤكد ماركيز: "إن تمزيق القصص القصيرة أمر لا مناص منه، لأن كتابتها أشبه بصب الإسمنت المسلح. أما كتابة الرواية فهي أشبه ببناء الآجر. وهذا يعني أنه إذا لم تنجح القصة القصيرة من المحاولة الأولى فالأفضل عدم الإصرار على كتابتها. بينما الأمر في الرواية أسهل من ذلك: إذ من الممكن العودة للبدء فيها من جديد."

الجذر للأرض والأفرع للسماء:
يورد إرنسـتو سـاباتو في معرض حـديثه عن "الكـتابـة بين الخطـط والأعـمال" ضمن مـؤلفه المدهـش "الـكـاتب وأشـباحه" (نقله عدنان المـبارك إلى اللغة العربية تحت عنوان "الكاتب و كوابيسه") حكايةَ دوستويفسكي مع إحدى أشهر رواياته؛ فقد "كان في نية دوستويفسكي كتابة مقال تعليمي يحارب الإدمان على الكحول في روسيا، تحت عنوان "السكيرون"، لكن بدل ذلك جاءت روايته "الجريمة و العقاب".
ويؤكد أمبرتو إيكو أن الرغبة هي حافز مشروعه الروائي الذي افتتحه بين السنة السادسة والأربعين و الثامنة والأربعين من عمره بكتابة روايته الأولى "اسم الوردة"، حيث يقول في مقاله "كيف أكتب؟": "إن القول إن رغبة ما استبدت بي لكتابة رواية يبدو لي سببا كافيا". (ضمنت ماريا تيريزا هذا المقال في كتابها المَبـني على أسئلة عديدة وجهتها إلى مجموعة من الـكـتاب، تتعلق بطـرائـقهم في الـكـتابة ومنها السؤال المحور "كيف أكتب؟" الذي يجيب عليه إيكو في المقال. ترجمه سعيد بن كراد مع مقالين آخرين لإيكو ضمن كتاب "آليات الكتابة السردية".).
يلاحق أمبرتو إيكو ضمن مقاله الأفكار/الصور الأولى التي ولَّدت رواياته "اسم الوردة" و "بندول فوكو" و"جزيرة اليوم السابق" و"باودولينو". (كانت روايـتاه الأخيرتان "مقبرة براغ" و "العدد صفر" لحظة تدوينه للمقال مخطَّطين قيد الإعداد والبناء.) ويعرض فيه طقوسه في الكتابة الإبداعية ودوافعه وصيرورات تشييده لعوالمه التسريدية بدءً من فكرة البذر
Forwarded from عصير الكتب
ة إلى بناء العالم إلى إبداع الأسلوب. وإيكو مثلما هو معروف عنه ينشغل بالـبحث في الجـزئيات الدقـيقة والتنقيب عن تفاصيل الأشياء والأمكنة والشخصيات قصد رسم عالمه السردي بكل دقة. لأجل ذلك توقف عن الكتابة لمدة سنة كاملة وهو يشتغل على "اسم الوردة"، وتوقف لأكثر من سنتين اثنتين بالنسبة إلى "بندول فوكو"، لكي يقرأ ويرسم الخطاطات. فالعالم الذي يخترعه عليه أن يكون دقيقا كي يتحرك داخله بثقـة مطلقة. ففي حالة "اسم الوردة" يقول: "رسمت العديد من المـتاهات وتصاميم لأديرة استنادا إلى رسوم أخرى واستنادا إلى أماكن زرتها، ذلك أنني كنت أود أن يشتغل كل شيء. وكنت أود أن أعرف المدة الزمنية التي يستغرقها تنقل شخصيتين من مكان إلى آخر وهما تتجاذبان أطراف الحديث. وهذا ما كان يحدد مدة الحوار." قد يكون الأمر غير ذي تأثير على تطور القصة وإيكو يؤمن بأن الأثر ضئيل لكنه رغم ذلك إن لم يستوف الأمر لا يمكنه سرد أي شيء. إنها رغبة جارفة في خلق ألـفة داخل الـمكان الموصوف تمده بالـقدرة على الـكـتابة والسرد، وحاجة ملحة للتعرف على شخصياته حتى يتمكنوا من القول أو الفعل عندما يعطيهم الكلمة أو يدفعهم لفعل شيء ما. لأجل ذلك رسم بورتريهات جل رهـبان الدير عن رواية "اسم الوردة". وقضى ليالي كثيرة في معهد الـموسيقى والفنون إلى أن تغلق أبوابه؛ ففيه تدور بعض مغامرات قصة "بندول فوكو". يقول عن هذه الرواية: "أشير في "بندول فوكو" إلى وجود دارين للنشر مانيزيو وغراماند ضمن مؤسستين متجاورتين وبينهما ممر بمدخل له ثلاث درجات. لقد قمت بحسابات كثيرة لمعرفة هل بالإمكان قيام ممر بين العمارتين، وهل يجب القيام بتسوية للأرض من خلال تصاميم عديدة. إن القارئ يصعد تلك الدرجات دون الانتباه إلى ذلك (أعتقد) ولكن الأمر كان بالنسبة إلي أساسياً."

من الزهرة إلى الثمرة
لئن صرح إرنستو ساباتو بأن "الأعمال التالية للروائي مثل المدن المشيّدة على أنقاض السابقة، فرغم أنها جديدة فهي تجـسّد الخـلود وتلقي توكيدها في وجود حكايات شخصيات وأحوال وأهواء ونظرات ووجوه عائدة باستمرار." فإن ماريو بارغاس يوسا يرى أن كل القصص التخييلية هي "هندسات معمارية تنتصب بالمخيلة والحرفية استنادا إلى بعض الأحداث والأشخاص والظروف التي تركت أثرا في ذاكرة الكاتب وحركت خياله المبدع الذي راح يبني، انطلاقا من تلك البذرة، عالما متكاملا شديد الغنى والتنوع إلى حد يبدو معه، أحيانا، أنه من المستحيل التعرف فيه على المادة الأولية المأخوذة من السيرة الذاتية التي كانت أساسه ومبتدأه، والتي هي بطريقة ما صلة الوصل السرية لأي قصة تخيلية بعالمها ونظيرها: الواقع الواقعي."
ويعلن يوسا ضمن رسائله لكل روائي شاب (ترجمها صالح علماني) أن من يمتلك الميل الأدبي عليه أن يعيش ممارسة ذلك الميل بوصفه المكافأة الأفضل التي يمكن له أن ينالها نتيجة لثمرات ميله. "فالكاتب يشعر في أعماقه بأن الكتابة في نظره هي أفضل طريقة ممكنة للعيش، بصرف النظر عن النتائج الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية التي يمكن له أن يحققها من خلال ما يكتبه." والميل الأدبي مع يوسا استعداد أولي فطري مصاغ في الطفولة أو الشباب المبكر، ويأتي الخيار العقلاني لتعزيزه وليس لصنعه. بيد أن ذلك الميل الأدبي في عرف يوسا ليس تزجية للوقت أو رياضة أو لعبة راقية تُمارس في أوقات الفـراغ. "إنه انكباب حصري و إقصائي لما عداه، وشأن له أولوية لا يمكن أن يُقدّم عليه شيء آخر، وعبودية مختارة بحرية، تجعل من ضحاياها (من ضحاياها المحظوظين) عبيداً... ذلك أن الميل الأدبي يتغذى على حياة الكاتب، بصورة لا تزيد و لا تنقص عن تغذي الدودة الوحيدة المتطاولة على الأجساد التي تقتحمها... إن من تبنى هذا الميل الجميل والمُمْتَص لا يكتب ليعيش، بل يعيش ليكتب."

بعـدَ الرّحـيق.. بعْـضُه
يقر ساباتو: "ليس هناك أمر أكثر خطلا من مطالبة الأدب بشهادة اجتماعية وسياسية. فأن تكتب بكامل الحرية يعني الكتابة بدون أي مطالب أخرى. وإذا كان الفنان يمتلك العمق فهو بلا شك يعطي الشهادة على ذاته والعالم الذي يحيا فيه، وعلى المصير الإنساني في أزمانه. ولأن الإنسان مخلوق سياسي و اقتصادي و اجتماعي و ميتافيزيقي فإن العمل الفني سيكون ـ و بالعمق الذي يناسبه ـ وثيقة الكينونة في زمان و مكان محددين."
و يجيب في آخر كتابه "الكاتب و أشباحه" عن سؤال: من المبدع؟ فيقول: " إنه الإنسان الذي يعثر في شيء معروف (جيدا) على أشياء غير معروفة."


* روائية وأستاذة وباحثة جامعية من المغرب.
" إن الفن في حد ذاته وربما الأدب بوجه خاص ، رفض للعالم القائم وتعبير عن النقصان وعن قلق الوجود ، إن من يشعرون بالراحة لأحوالهم ويعشقون الحياة عموماً ويرضون عن حياتهم خصوصاً لا يحتاجون أبداً لاختراع عالم موازٍ عن طريق الكلمات ."
***
- نانسي هيوستن : مؤلفة كتاب أساتذة اليأس
أخيرًا يأتي الغراب و قصص أخرى لإيتالو كالفينو

ليلى عبدالله

إيتالو كالفينو صاحب الحكايات المشطورة والتاريخية الخيالية، قال عنه الكاتب والروائي كارلوس فوينتس: «إن القارئ لا يجد صعوبة في أن يدرك بأن رواية ما غير متوقعة من روايات الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو. إذ يكفي بعد قراءتها أن يشعر بالحسد تجاه هذا الكاتب الذي استطاع أن يهتدي إلى الفكرة قبل أن تهتدي إليها أنت. وهكذا تكون كل روايات إيتالو كالفينو ما ترغب أنت أيضا و بشدة في أن تكتبه».
وهذا ما يشعر به القارئ حين يقرأ كتابه القصصي «مختارات قصصية إيتالو كالفينو» ترجمها سمير القصير ونشرتها دار صحارى/‌‌‌‌‌‏ الطبعة تعود لعام 2000م. ما يميّز هذه المجموعة هي أنها مختارة من عدة مجموعات قصصية كتبها كالفينو في فترات زمنية مختلفة وفي الوقت نفسه تحتوي كل مجموعة على قصص متنوعة من حيث مضمونها وأسلوبها بل وشخصيتها أيضا. من الخصائص الكتابية التي عُرف بها إيتالو كالفينو في كتابة القصة القصيرة تحديدًا هو بناء أحداثه باتخاذ بطل واحد في مجمل عمله السردي، حيث الشخصية نفسها تظهر للقارئ في مواقف وأحداث متقلبة غير أنها تمضي في مجموعة قصصية واحدة، فعادة في كتابة المجموعات القصصية يتكئ الكاتب على شخصيات عديدة من خلالها يطرح أفكاره وتوجهاته غير أن كالفينو يستعرض حزمة أفكاره الغريبة، ولكن عبر شخصية واحدة نظهر في كل مرة في حدث قصصي مغاير، يُلبس البطل نفسه أدوارًا تعبّر عن توجهاته في العالم.
في هذا الكتاب مختاراته القصصية مستقاة من عدة شخصيات، كل شخصية تمثل نفسها ومضامينها في المجموعة، المجموعة الأولى مع شخصية «ماركو فالدو»، و المجموعة الثانية مع شخصية «بالومار»، أما المجموعة الثالثة فهي تتناول عدة شخصيات لكنها تنطوي على الأيقونة نفسها وهي «الحرب» عنونها بـــ«أخيرا يأتي الغراب»، ختمها بحكايتين من كتاباته الأولى. تناول كالفينو شخصية «ماركو فالدو» من خلال ست قصص حملت عناوين كالتالي: أطفال بابو ناتاله، غابة على الأوتوستراد، الصحفة، الحمام البلدي، دخان وريح وفقاعات صابون، حيث النهر أكثر زرقة.
يتقلب ماركو فالدو هنا في عدة أدوار، فهو بابو ناتاله أي بابا نويل للأطفال في إيطاليا، حيث تجبره شركة الدعايات التي يعمل بها أن يتنكر في زي بابا نويل ويقدم الهدايا لأبناء الأثرياء، ويجد نفسه يقدم هدايا غريبة لطفل أحد هؤلاء الأغنياء مثل مطرقة خشبية ذات رأس ضخم ومقلاع حجارة وكبريت، ينبهر الطفل الذي يحصل على هذه الأدوات لأول مرة في حياته وهو الذي اعتاد على هدايا باهظة الثمن، فيقوم باستخدامها، بالمطرقة يكسر كل ألعابه وكل الكريستالات، ثم يتناول الهدية الثانية فيقصف بالمقلاع كل ما يجده هدفًا للتصويب من كرات زجاجية على شجرة الميلاد إلى الثريات الفاخرة، أما الهدية الثالثة وكانت أخطرها. بعود كبريت أضرم النار في كل شيء بينما الطفل يقفز من الفرح. مع ذلك لم يسرّح من العمل بل هنئ على توظيفه للعب المدمرة التي صارت موضة، وصارت للشركة مكسبًا تجاريًّا!
والقصص الأخرى تجري على المنوال نفسه، لكن في عائلة فالدو، الأب مع أطفاله، حيث يسعون إلى تدمير الطبيعة مرة من خلال قطع الأخشاب للحصول على التدفئة، ومرة لصيد حمام بلدي أو أسماك ملوثة بالكيماويات من البحر، كل ذلك لإبراز كيف أن المنع والقمع كانا يسيّران حياة الناس البسطاء في ذلك الوقت؛ فرغم تفشي الفقر والجوع والبرد كان التدمير يجري دون تشف أو رغبة في الانتقام من شيء بل نابع من بساطة شخصيات ماركو فالدو وأطفاله، وتمتعهم بلحظاتهم الآنية بطرافة وخفة ظل في آن، وكانت المسار الوحيد لثورة نحو القمع لكن بأسلوب ناعم دون إقلاق السلطات بذلك، دون لفت أنظارهم بالتذمر بل كانوا يسعون إلى الطبيعة لإيجاد حلول لأحوالهم المعيشية القاهرة. وقد تميزت القصص هنا بأبعادها الاجتماعية المنطلقة من بيئة يغلبها البساطة، والأفق القصصي في تناوله للأفكار غلب عليه المتعة عبر شخصيات طبعت بالطرافة وحس الفكاهة لمعايشة محيطهم الصغير.
أما شخصية «بالومار» فقد تناولها كالفينو في خمس قصص: الثدي العاري، قراءة موجة، سيف الشمس، العالم ينظر إلى العالم، الخف غير المتجانس. في هذه العناوين تنطوي شخصية «بالومار» الرجل الذي يسعى إلى التأمل في الطبيعة وصلتها بالإنسان من خلال التفكر الغريب حول ظواهر يراها الآخرون مسلّمة غير أن بالومار يرى أنها يمكن أن تؤخذ تلك المعتقدات بنحو مختلف لو أن المرء غيّر يقينه حولها. ولعل قصة الثدي العاري تبرز هذه الفكرة، فبالومار يصطدم حين تجواله على الشاطئ بامرأة تتشمس بصدر عار، في البداية يحاول تجنبها غير أنه يرى أنه لو فعل ذلك فكأنه يثبت معتقدات الآخرين حول الجزء العاري من جسد المرأة؛ لذا يختار أن يتأمله بكونه جزءًا من جسد، وحين يدنو من المرأة كي يعزز رؤيته تتأفف المرأة وتتغطى من الفضولي النزق، وهنا يدرك بالومار أن انطباعاته وحده لا تكفي كي يقاوم بها حتى يسّلم بها غيره أيضا. وتمضي بقية القصص على هذا المغزى من ا
نطباعات فكرية وفلسفية، تجري في تهويمات قد يجدها القارئ مملة أو كتبت بجرعة فكرية مكثفة طغت على خاصية المتعة التي يتوق لها القارئ في مطالعة القصص القصيرة، لتحقيق خاصية الاكتمال هو الفكرة و المتعة، وهنا في قصص هذا القسم غلبت الفكرة والبعد الفلسفي على المتعة.
أكمل قصص المجموعة وأكثرها فرادة من حيث المضمون وتناول الشخصيات هي «أخيرًا يأتي الغراب»، وقد تزعمت هنا «الحرب» بمعانيها الكبيرة كالمقاومة والعدو والجاسوس الفاشي غير أنه جسّدها في القصص بأسلوب هادئ بل ملتبس أيضا، ففي القصة الأولى «أخيرًا يأتي الغراب» وهي أكمل قصص المجموعة. صبي تحظى رماياته بإعجاب الجميع فيأخذ بندقية من الجنود ويغدو كل من في الطبيعة من عصافير وأرانب هدفًا له، حتى العدو المختبئ يغدو هدفًا يقضي عليه برصاصته المنطلقة بدقة نحو النسر الشارة المطرزة على سترته بينما غراب يحوم حول رأسه، يصيب هدفًا مفترضًا غير أنه حقيقي وهنا الصدمة المحضة. وبقية القصص تأتي على منوال الحرب تكون مواجهة بين طرفين، بين جندي وعدو، بين مقاوم وجاسوس، بين الناس كافة ولغم يلقى في البحر، بين ملك وملازم، بين عجوز وامرأة بدينة.
في المنحى نفسه يمرّر كالفينو قصصه، برز ذلك في الحكايتين الأخيرتين من المجموعة «أحاديث حول الأهمية» و«هناك من يقنع»، فهي بين شعب اعتاد أن يكون مروّضًا في يد سلطات تحظر الحياة وقت ما تشاء وترفع عنها الحظر وقت ما يحلو لها.
‏"كم تخطئ المرأة بحق نفسها حين تتوقع أن يبني لها الرجل العالم الذي تريده، بدلا من أن تخلقه بنفسها".

أناييس نن
‏"إن الموهبة في حاجة إلى حب .. إنها في حاجة أن تُفهم."

دوستويفسكي
"فوق شفاهنا الصَّغيرة الباسمة
استقرَّ الدبوس الحديد
حين ضغطتِ السكرتيرة ساهيةً على الكباسة
كي تثبت صورنا المدرسية.
الآن.. كبرنا
وكما كان متوقعاً
كلما حاولنا الكلام،
تقاطر
من أفواهنا
الصدأ.".

سكينة حبيب الله
" في المجتمعات الأبوية كمجتمعنا يضع الولد الذكر الأول القواعد كلها، ويقترح القوانين ولا يبقى شيء للثاني، يبقى له اللعب و التخيّل" .

أورهان باموق متحدثًا عن نفسه و أخيه.

#محظوظ_الولد_الثاني 😏 و أنا البنت رقم ٩ يعني محظوظة تسع مرات. 😆
أصدقائي الأحبة، سأكون متواجدة يوم الجمعة 11/10 لتوقيع كتابي " أريكة وكتاب و كوب من القهوة " في دار مداد J1 القاعة 4 ..

ألتقيكم بحب