روايتي - أحمد الملا
ما كنتُ متطلِّباً
ولم أشترط يوماً على ما يحدث
أخذتُ مما يليني من الصحن
ما يجيءُ كما هو
أخذتُ ما يدلُّ علي
وقلّبتُه بين يدَي
كأعطيةٍ ثمينة.
تقبّلتُ حياتي
مثلما أَدخلُ في روايةٍ بين غلافين
مؤلّفُها مجهول
منزوعةِ العنوان
سقطتْ بين يدَي صدفةً
أبحثُ في كلِّ سطر
في كلِّ صفحةٍ عنّي
ومتدرّجاً أشفقتُ على البطل
الذي لم يشبهْني
إلا متأخّرا.
كثيرا ما تخلّيتُ عنه
سخِرتُ من ضعفِه
تجاهلتُ أخطاءَه
وأهملتُ قراءتَهُ مرّاتٍ عدّة
حتى تنبّهَ
واستدارَ إلي.
ما يحدث ليس ما يُكتب
ما يكتب ليس ما تتذكّر
ما تتذكّر ليس ما تتمنّى
ما تتمنّى ليس ما تستطيع
ما تستطيعُ ليس ....
تأخرتُ طويلا
لأقول مرادي
مراداً جمعتُ فيه نِتَفاً من كلِّ رغباتي
رغباتي التي صَغُرتْ حتى صارت نقطةً في آخرِ السطر ؛
أن أختارَ الجملةَ التي أحفرُها
وأدفنُ فيها الراويَ بسَكِينة..
30 أكتوبر 2017
ما كنتُ متطلِّباً
ولم أشترط يوماً على ما يحدث
أخذتُ مما يليني من الصحن
ما يجيءُ كما هو
أخذتُ ما يدلُّ علي
وقلّبتُه بين يدَي
كأعطيةٍ ثمينة.
تقبّلتُ حياتي
مثلما أَدخلُ في روايةٍ بين غلافين
مؤلّفُها مجهول
منزوعةِ العنوان
سقطتْ بين يدَي صدفةً
أبحثُ في كلِّ سطر
في كلِّ صفحةٍ عنّي
ومتدرّجاً أشفقتُ على البطل
الذي لم يشبهْني
إلا متأخّرا.
كثيرا ما تخلّيتُ عنه
سخِرتُ من ضعفِه
تجاهلتُ أخطاءَه
وأهملتُ قراءتَهُ مرّاتٍ عدّة
حتى تنبّهَ
واستدارَ إلي.
ما يحدث ليس ما يُكتب
ما يكتب ليس ما تتذكّر
ما تتذكّر ليس ما تتمنّى
ما تتمنّى ليس ما تستطيع
ما تستطيعُ ليس ....
تأخرتُ طويلا
لأقول مرادي
مراداً جمعتُ فيه نِتَفاً من كلِّ رغباتي
رغباتي التي صَغُرتْ حتى صارت نقطةً في آخرِ السطر ؛
أن أختارَ الجملةَ التي أحفرُها
وأدفنُ فيها الراويَ بسَكِينة..
30 أكتوبر 2017
إيتالو كالفينو: الهروب مـن الـقــنـافــذ | أحمد الزناتي
العدد 221 | 29 تشرين1 2017
في مقال قديم أُعيد نشره قبل أسبوعين بمناسبة ذكرى ميلاد الروائي إيتالو كالفينو (1941 – 1985)، يدرس الكاتب الإيطالي الكبير صنفيْن مِـن الكُــتـّاب: الكاتب الثعلب والكاتب الـقـنفذ. التشبيه قديم، وهو بــيــت مـنـسوب إلى الشاعـر الإغريقي آركيلوكوس يقول فيه: يعرف الثعلب أشياء كثيرة، لكن القنفذ يـعـرف شيئًا واحدًا كبيرًا.
تعليق كالفينو جاء ردًا على الناقد الأدبي الإيطالي جيدو آلمانسي (1931 – 2001)، الذي كتب مقالًا يناقش فيه المقولة ذاتها في معرض تحليله لبعض آراء المؤرّخ والفيلسوف الإجتماعي الإنجليزي إشعيا برلين (1909 – 1997)، الذي طوّر هذه المقولة ليؤسّس عليها مبادئ نظرية في علم السلوك (سلوك الثعالب وسلوك القنافذ)، أي السلوك الذي يسعى وراء أشياء كثيرة متنوعة، والسلوك الذي يتبنّى رؤية داخلية محددة تتسم بالثبات والشمولية.
بالرجوع إلى مقال إشعيا برلين، الذي عرضت له "صحيفة الجارديان" بتاريخ 6 أغسطس 2016 نجدّ أن الرجلّ يعطي نماذج لـمـمثّلي كل مدرسة: الكتّاب القنافذ يمثلهم دانتي ودوستويفسكي وإبسن ومارسيل بروست، بينما يمثل الثعالب شكسبير وبلزاك وجوتـه وموليير.
يعارض كالفينو هذا المبدأ بقوله أنّ ثنائية (الكاتب الثعلب- الكاتب القنفذ) ستقودنا إلى تصنيف مغاير تمامًا لتصنيفكَ (مخاطبًا آلمانسي)، هذا إذا ما اتفقّنا على تعريف الكاتب القنفذ بأنه الكاتب الذي تتبنى أعـمـالـه نـسـقًا فـكـريًا وأسلوبيًا واحدًا وثابتًا، بينما يتخّذ الكاتب الثعلب استراتيجيات سردية وأسلوبية مـرنة ومتباينة وفقًا لظروف العمل وشخوصه.
".. لنضرب مثلًا؛ آلبرتو مورافيا نموذج واضح للكاتب القنفذ، من حيث محافظته على نسق فكري واحـد لا يتبدّل، أيًا ما كان الموضوع، وأقصد هـنا سواء من لغة السرد أم من ناحية الأفكار ونظرة الكاتب العامة للعالم، بينما أغيّر أنا (أي كالفينو) من أسلوبي ومنهج كتابتي من عملٍ لآخر، لإنني أؤمن بأنّكَ لن تستطيع أن تنزل النهر نـفـسـه مرتين. يضيف كالفينو: الحقيقة أنني كاتب ثعلب، رغم أنني أحْـلـم بكوني قـنـفـذاً في جميع أحلامي، ورغم أني أحاول كتابة أعمال تحذو حذو "الـقـنـافـذ، إذا تأمّلتَ كل عملٍ منها على حدة."
يسوق كالفينو مثلًا آخر، وهو المخرج والكاتب الإيطالي باولو بازوليني، الذي وصفه بالثعلب بسبب تبنّيه استراتيجيات فنية وجمالية، تختلف مـن عمل لآخر(الكتابة بالعامية أحيانًا، والعودة إلى البلاغة الكلاسيكية القديمة أحيانًا أخرى)، لكن رؤية بازوليني للعالم تبقى- رغم تنوعها- متماسكة في نـسق فــكـري واحد.
يلاحظ كالفينو في المقال نفسه أن ثنائية الكاتب القنفذ/الكاتب الثعلب غير صالحة للتطبيق على الأجناس الأدبية كافّـة، وعلى الأخصّ على الأدب الإيطالي المعاصر، فيشرح:
"أعتقد أن المقصود بمنهج الكاتب القنفذ هو توظيف عدد محدود من التقنيات والأساليب السردية والتعبيرية، وهو ما يمكن أن يُعدّ، في الوقت ذاته، نقطة قوة باعتباره مــرادفًـا لانغماس الكاتب في ذاته في محاولته الكشف عن مناطق بكر لا يعرفها عن نفسه. بينما المنهج التجريبي في الإبداع، المنهج غير الخاضع لفكرةٍ أو نسق مُسبقيْن، المنهج الذي يسعى صاحبه لأن يعيش حيوات عديدة متناقضة، هو أسلوب الثعالب الذي أمثله أنا."
يعود كالفينو إلى مقولة الفيلسوف البريطاني إشعيا برلين، مُحاولًا تأويلها لتـخدم حُـلْـمه القديم الذي كان يحلُم فيه على الدوام بكونه كاتبًا قـنـفــذاً فيقول:"..الحقيقة أنّ مقولة إشعيا برلين صالحة للتطبيق على الأعمال الكلاسيكية العظيمة التي من خلالها يُمكن إدراج الكاتب القنفذ تحت مظلّة الكتّاب الكِبار، الذين يكتبون عملًا واحدًا عظيمًا، أقصد تلك الأعمال التي تعرف شيئًا واحدًا عظيمًا تسعى إليه طوال حياتها، في إشارة إلى مقولة آركيلوكوس.
بقليل مِن البحث في رسائل كالفينو، المنشور بعضها على شبكة المعلومات، نلاحظ أن الحُلْم الأكبر لديه تمثل في محاولة الخروج مِن عباءة جنس سـرديّ بعينه خشيه الوقوع في أسره طوال حياته، أي الهروب مِن حُلم القنافذ.
ففي رسالة مؤرّخة في ديسمبر 1949، بعث بها كالفينو إلى الناقد الإيطالي جينو بامبوليني الذي كتب مراجعةً لمجموعة كالفينو الثانية "الغراب يأتي أخيرًا"، يقول: ".. مشكلتي اليوم هي كيفية الهروب مِن الحدود التي فرضها عليّ ذلك النوع مِن الكتابة، أقصد من حصري داخل إطار كاتب المغامرات والحكايات الخرافية والهزلية، حصرًا لا أتمكن معه من التعبير عن نفسي، والتعرّف إليها."
وفي رسالةٍ أخرى بتاريخ مارس 1950، أرسلها كالفينو إلى الروائية الإيطالية الكبيرة إليسا مورانتي، يقول: "..الحقيقة أنني بالفعل سجين نـمـط محـدد من الكتابة، ولا بديل عن الهروب من ذلك النمط مهما كـلفني الأمر، أنا لا أسعى إلى كتابة عمل مختلف، بل إلى تحطيم ذلك الإيقاع السردي المتكرّر، وإلى التخلّص من الأصداء التي تصدح بها عباراتي..".
يبدو أن تأ
العدد 221 | 29 تشرين1 2017
في مقال قديم أُعيد نشره قبل أسبوعين بمناسبة ذكرى ميلاد الروائي إيتالو كالفينو (1941 – 1985)، يدرس الكاتب الإيطالي الكبير صنفيْن مِـن الكُــتـّاب: الكاتب الثعلب والكاتب الـقـنفذ. التشبيه قديم، وهو بــيــت مـنـسوب إلى الشاعـر الإغريقي آركيلوكوس يقول فيه: يعرف الثعلب أشياء كثيرة، لكن القنفذ يـعـرف شيئًا واحدًا كبيرًا.
تعليق كالفينو جاء ردًا على الناقد الأدبي الإيطالي جيدو آلمانسي (1931 – 2001)، الذي كتب مقالًا يناقش فيه المقولة ذاتها في معرض تحليله لبعض آراء المؤرّخ والفيلسوف الإجتماعي الإنجليزي إشعيا برلين (1909 – 1997)، الذي طوّر هذه المقولة ليؤسّس عليها مبادئ نظرية في علم السلوك (سلوك الثعالب وسلوك القنافذ)، أي السلوك الذي يسعى وراء أشياء كثيرة متنوعة، والسلوك الذي يتبنّى رؤية داخلية محددة تتسم بالثبات والشمولية.
بالرجوع إلى مقال إشعيا برلين، الذي عرضت له "صحيفة الجارديان" بتاريخ 6 أغسطس 2016 نجدّ أن الرجلّ يعطي نماذج لـمـمثّلي كل مدرسة: الكتّاب القنافذ يمثلهم دانتي ودوستويفسكي وإبسن ومارسيل بروست، بينما يمثل الثعالب شكسبير وبلزاك وجوتـه وموليير.
يعارض كالفينو هذا المبدأ بقوله أنّ ثنائية (الكاتب الثعلب- الكاتب القنفذ) ستقودنا إلى تصنيف مغاير تمامًا لتصنيفكَ (مخاطبًا آلمانسي)، هذا إذا ما اتفقّنا على تعريف الكاتب القنفذ بأنه الكاتب الذي تتبنى أعـمـالـه نـسـقًا فـكـريًا وأسلوبيًا واحدًا وثابتًا، بينما يتخّذ الكاتب الثعلب استراتيجيات سردية وأسلوبية مـرنة ومتباينة وفقًا لظروف العمل وشخوصه.
".. لنضرب مثلًا؛ آلبرتو مورافيا نموذج واضح للكاتب القنفذ، من حيث محافظته على نسق فكري واحـد لا يتبدّل، أيًا ما كان الموضوع، وأقصد هـنا سواء من لغة السرد أم من ناحية الأفكار ونظرة الكاتب العامة للعالم، بينما أغيّر أنا (أي كالفينو) من أسلوبي ومنهج كتابتي من عملٍ لآخر، لإنني أؤمن بأنّكَ لن تستطيع أن تنزل النهر نـفـسـه مرتين. يضيف كالفينو: الحقيقة أنني كاتب ثعلب، رغم أنني أحْـلـم بكوني قـنـفـذاً في جميع أحلامي، ورغم أني أحاول كتابة أعمال تحذو حذو "الـقـنـافـذ، إذا تأمّلتَ كل عملٍ منها على حدة."
يسوق كالفينو مثلًا آخر، وهو المخرج والكاتب الإيطالي باولو بازوليني، الذي وصفه بالثعلب بسبب تبنّيه استراتيجيات فنية وجمالية، تختلف مـن عمل لآخر(الكتابة بالعامية أحيانًا، والعودة إلى البلاغة الكلاسيكية القديمة أحيانًا أخرى)، لكن رؤية بازوليني للعالم تبقى- رغم تنوعها- متماسكة في نـسق فــكـري واحد.
يلاحظ كالفينو في المقال نفسه أن ثنائية الكاتب القنفذ/الكاتب الثعلب غير صالحة للتطبيق على الأجناس الأدبية كافّـة، وعلى الأخصّ على الأدب الإيطالي المعاصر، فيشرح:
"أعتقد أن المقصود بمنهج الكاتب القنفذ هو توظيف عدد محدود من التقنيات والأساليب السردية والتعبيرية، وهو ما يمكن أن يُعدّ، في الوقت ذاته، نقطة قوة باعتباره مــرادفًـا لانغماس الكاتب في ذاته في محاولته الكشف عن مناطق بكر لا يعرفها عن نفسه. بينما المنهج التجريبي في الإبداع، المنهج غير الخاضع لفكرةٍ أو نسق مُسبقيْن، المنهج الذي يسعى صاحبه لأن يعيش حيوات عديدة متناقضة، هو أسلوب الثعالب الذي أمثله أنا."
يعود كالفينو إلى مقولة الفيلسوف البريطاني إشعيا برلين، مُحاولًا تأويلها لتـخدم حُـلْـمه القديم الذي كان يحلُم فيه على الدوام بكونه كاتبًا قـنـفــذاً فيقول:"..الحقيقة أنّ مقولة إشعيا برلين صالحة للتطبيق على الأعمال الكلاسيكية العظيمة التي من خلالها يُمكن إدراج الكاتب القنفذ تحت مظلّة الكتّاب الكِبار، الذين يكتبون عملًا واحدًا عظيمًا، أقصد تلك الأعمال التي تعرف شيئًا واحدًا عظيمًا تسعى إليه طوال حياتها، في إشارة إلى مقولة آركيلوكوس.
بقليل مِن البحث في رسائل كالفينو، المنشور بعضها على شبكة المعلومات، نلاحظ أن الحُلْم الأكبر لديه تمثل في محاولة الخروج مِن عباءة جنس سـرديّ بعينه خشيه الوقوع في أسره طوال حياته، أي الهروب مِن حُلم القنافذ.
ففي رسالة مؤرّخة في ديسمبر 1949، بعث بها كالفينو إلى الناقد الإيطالي جينو بامبوليني الذي كتب مراجعةً لمجموعة كالفينو الثانية "الغراب يأتي أخيرًا"، يقول: ".. مشكلتي اليوم هي كيفية الهروب مِن الحدود التي فرضها عليّ ذلك النوع مِن الكتابة، أقصد من حصري داخل إطار كاتب المغامرات والحكايات الخرافية والهزلية، حصرًا لا أتمكن معه من التعبير عن نفسي، والتعرّف إليها."
وفي رسالةٍ أخرى بتاريخ مارس 1950، أرسلها كالفينو إلى الروائية الإيطالية الكبيرة إليسا مورانتي، يقول: "..الحقيقة أنني بالفعل سجين نـمـط محـدد من الكتابة، ولا بديل عن الهروب من ذلك النمط مهما كـلفني الأمر، أنا لا أسعى إلى كتابة عمل مختلف، بل إلى تحطيم ذلك الإيقاع السردي المتكرّر، وإلى التخلّص من الأصداء التي تصدح بها عباراتي..".
يبدو أن تأ
رجح كالفينو بين نمطي الكتابة السابقيْن، وهروبه من حُلم القنافذ الذي كان يُطارده، استمر حتى نهاية حياته. ففي كتابه النظري الأخير"ستّ محاضرات للألفية القادمة"، (إبداعات عالميّة/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1999 ــــ ترجمة محمد الأسعد) الذي انتهى مِنها عشية سفره لإلقاء المحاضرات في جامعة هارفارد بحسب أرملته استير كالفينو، ولكنّه تُـوفي قبل السفر إثـر نزيف حاد في المخ، يضع كالفينو نظرته العامّة لجماليات الأدب، ويُجمل فيه عصاره تجاربه الإبداعية المعرفية في سـتّ محاضرات مـكـثفـة.
عناوين المحاضرات هي: الخــفّــة، السـرعة، الــدِقـة، الـوضـوح، التـعدّدية، وهي صفات لا يُمكنها إلا أن تصف ثعلبًا؛ خفيف الحركة، سريع الإيقاع، دقيق التصويب، واضح الهدف، متعدّد الحيّل. في هذا الكتاب يحاول كالفينو استكشاف مواطن الجمال في الأدب، مـتسائلًا ما الذي يصنع الأدب الحقيقي؟ وعلى مدار صفحات الكتاب الصغير (118 ورقة مـن القطع المتوسّط)، يناقش كالفينو المبادئ السابقة، التي هي خصال الكاتب الثعلب المتعدّد الـمـتحّـوِر، الذي طالما طمحَ كالفينو لأن يسكـن مخيّلته. محاضرات الكتاب في مجملها تنويعات على لحن واحد: لتـكـن متعددًا مثل الكون، إذا استعرنا عبارة فيرناندو بيسـوا.
يختتم كالفينو محاضرته السادسة والأخيرة بالعبارة التالية، والتي ربما كانت آخر عبارة خطّها قلم كالفينو قبل رحيله:
"....ها أنا أصل إلى نهاية دفاعي عن الرواية كشبكةٍ واسعة. قد يعترض معترض بالقول أنه كلما مال العمل نحو تعدّدية الاحتمالات أكثر، كلما انفصل عن النواة الواحدة التي هي ذات الكاتب، وانفصل عن نزاهته الذاتية واكتشافه لحقيقته الخاصّة به... ولكن .. مَـن نحن؟ مَن هو كل واحد منا إن لم نكن مُـركـبًا من تجارب ومعلومات وكتب قرأناها وأشياء متخيّلة؟ كل حياة هي موسوعة، مكتبة، مخزن أشياء، سلسلة مـن الأساليب، ويمكن أن يُستبدل كل شيء باستمرار. لكن الجواب الأقرب إلى قلبي ربما كان شيئًا آخر، فكّروا بما يمكن أن يكون عليه الأمر في حالة امتلاك عمل روائي مُتصوّر من خارج الذات، عمل يسمح لنا بالإفلات من منظور الذات الفردية المحدود."
تتعدّد إشارات كالفينو في كتابه السابق إلى خورخي لويس بورخيس، الذي قال يومًا أن الكتابة ما هي إلا حُلم مُـوجّــه، وعلى الكاتب أن يحدد انحيازاته الجمالية، أي حُلم عليه أن يحقــقـه، وأي حُلم عليه أن يتجاوزه.
*****
خاص بأوكسجين
عناوين المحاضرات هي: الخــفّــة، السـرعة، الــدِقـة، الـوضـوح، التـعدّدية، وهي صفات لا يُمكنها إلا أن تصف ثعلبًا؛ خفيف الحركة، سريع الإيقاع، دقيق التصويب، واضح الهدف، متعدّد الحيّل. في هذا الكتاب يحاول كالفينو استكشاف مواطن الجمال في الأدب، مـتسائلًا ما الذي يصنع الأدب الحقيقي؟ وعلى مدار صفحات الكتاب الصغير (118 ورقة مـن القطع المتوسّط)، يناقش كالفينو المبادئ السابقة، التي هي خصال الكاتب الثعلب المتعدّد الـمـتحّـوِر، الذي طالما طمحَ كالفينو لأن يسكـن مخيّلته. محاضرات الكتاب في مجملها تنويعات على لحن واحد: لتـكـن متعددًا مثل الكون، إذا استعرنا عبارة فيرناندو بيسـوا.
يختتم كالفينو محاضرته السادسة والأخيرة بالعبارة التالية، والتي ربما كانت آخر عبارة خطّها قلم كالفينو قبل رحيله:
"....ها أنا أصل إلى نهاية دفاعي عن الرواية كشبكةٍ واسعة. قد يعترض معترض بالقول أنه كلما مال العمل نحو تعدّدية الاحتمالات أكثر، كلما انفصل عن النواة الواحدة التي هي ذات الكاتب، وانفصل عن نزاهته الذاتية واكتشافه لحقيقته الخاصّة به... ولكن .. مَـن نحن؟ مَن هو كل واحد منا إن لم نكن مُـركـبًا من تجارب ومعلومات وكتب قرأناها وأشياء متخيّلة؟ كل حياة هي موسوعة، مكتبة، مخزن أشياء، سلسلة مـن الأساليب، ويمكن أن يُستبدل كل شيء باستمرار. لكن الجواب الأقرب إلى قلبي ربما كان شيئًا آخر، فكّروا بما يمكن أن يكون عليه الأمر في حالة امتلاك عمل روائي مُتصوّر من خارج الذات، عمل يسمح لنا بالإفلات من منظور الذات الفردية المحدود."
تتعدّد إشارات كالفينو في كتابه السابق إلى خورخي لويس بورخيس، الذي قال يومًا أن الكتابة ما هي إلا حُلم مُـوجّــه، وعلى الكاتب أن يحدد انحيازاته الجمالية، أي حُلم عليه أن يحقــقـه، وأي حُلم عليه أن يتجاوزه.
*****
خاص بأوكسجين
رفـّي لمتعة القراءة - أريكة وكتاب وكوب من القهوة
http://raffy.ws/books/view_book/247309
http://raffy.ws/books/view_book/247309
http://raffy.ws/books/view_book/247309 أريكة وكتاب و كوب من القهوة .
يحاول الكاتب طوال مشواره الكتابي الهروب من حلم الفنافذ . كما يذهب إيتالو كالفينو، الحلم نفسه كان يراوده في كل كتابة.
الكتب التي لا نفهمها-تيم باركس
ما الذي يجري عندما، ببساطة، لا يبدو لك كتاب ما معقولاً؟ ربما أحد الكتب الكلاسيكية التي يشيد بها الجميع. أو كتاب جديد طلبَ منك التعليق عليه، أو كتاب أوصى به ناشر بحماس.
لا أعني أنَّك تجد الأسلوب شاقاً، أو سير الكتاب بطيئاً، بل ببساطة، تجد أن الشَّخصيات، تأملاتها، أولوياتها، طريقة تفاعلها، غير معقولة حقاً. تشعر بأنَّك تفقدها في الظَّلام. وردُّ فعلك المحتَّم، لا سيَّما إذا كنت قارئاً محنَّكاً، هو أن هذا لابد أن يكون خطأ المؤلِّف. هو، أو هي، ليس راصداً جيداً للحياة.
إن رواية “يوليسيس” هي الشَّاهد الأكثر درامية على هذا في سيرتي القرائية، أو كانت كذلك: يعرف “ليوبولد بلوم” أن زوجته تخطط لخيانته مع المتبجح السُّوقي “بليز بويلان”. إنه أمر يهتم له بعمق. إنه محزنٌ ومخز. ولكنه ينفق صفحة تلو أخرى متأملاً في شتى أشكال الأمور الأخرى، مفكراً في أحاجي وألاعيب لفظية، ممتلئاً بالدهشة أمام معروضات في واجهة متجر، وأصوات، وروائح.
قرأت الكتاب أولاً في سني مراهقتي، ثم قرأته مرة ثانية في الجامعة، عندما كنت في العشرينيات من عمري، يمكن أن أقدِّر أن بلوم، ربما لم يبدُ قادراً على مواجهة زوجته، لكني لا أستطيع تخيُّل أن الحالة الفاجعة، مع كل ما ترتبه من آثار على حياته المستقبلية، ليست تطرق في رأسه آناء النَّهار. بالتأكيد، لخيانة مثل هذه، أن تشغل تفكيره كلياً في النحو الأكثر إلحاحاً واستحواذيه. وبالتالي بدا لي أن حبكة الكتاب قد وضعت بشكل عرضي للغاية كمجرد وسيلة لـ “تيار الوعي” عند جويس، فرصة لكتابة صفحة غنائية بعد أخرى عن عالم عادي. لو كان الكتاب نشر للتو وطلب مني كتابة واحدة من أولى التقييمات، كان لمراجعتي أن تكون مختلطة، على الأقل. لكن من ناحية أخرى، لو ننظر إلى مراجعات مبكرة كتبت عن كثير من الروايات التي تعتبر الآن تحفاً أدبية، ربما نجد بين الردود الإيجابية الكثيرة أمثلة متكررة عن قراء محنكين، الذين، ببساطة، فاتتهم الفكرة عن حسن نية.
ههنا يكتب الناقد العظيم “جون ميدلتون موري” عن د. ه. لورنس:
رواية “نساء عاشقات” هي عبارة عن خمسمئة صفحة من اتِّقاد مشبوب العاطفة، موجة تلو أخرى من كتابة مثارة، طنَّانة، مدفوعة نحو ثمَّة نهاية خفيَّة وبعيدة، الضَّرب الخفي الثابت من بحر مظلم وبعيد المنال في عالم سفلي سكانه معروفون بهذا وحده: أنهم يتقلبون على الدَّوام، كالملاعين، في سعار من وعي جنسي بعضهم لبعض. يؤمن مبتكرهم أنه يستطيع تمييز تلوِّي الواحد من تلوِّي الآخر… بالنسبة له هم مختلفون بعمق وكلية، بالنسبة لنا لا فرق بينهم.
لا يسع موري رؤية ما يميِّز شخصيات لورنس، نتيجة لذلك لا تبدو له الميلودراما منطقية، والحبكة تصبح رتيبة. فشله هو الأكثر طرافة باعتبار أنه كان صديقاً للورنس بالفعل، من المفترض أن موري كان مدركاً تماماً لهواجس لورنس. بعد تدريس “نساء عاشقات” للعديد من السَّنوات، أجد أن الشَّخصيات تكاد تكون موضَّحة أكثر من اللازم، تكاد تكون تخطيطية. لا يستطيع جودرون وجيرالد كثنائي، الإفلات من منطق النزاع، على الواحد أن يهيمن على الآخر. يعيش كل منهما في خوف من أن يهزمه الآخر. العلاقة بالنسبة إليهما هي حرب. بالمقابل، بيركن وأورسولا مدركان لمخاطر النِّزاع. يعيشان في خوف من أنهما سوف يقعان في الفخ الذي وقع فيه الثنائي الآخر. إنه واضح تماماً على نحو مؤلم. الخوف في كل مكان ودوماً متعلِّق بالنزاع، بطريقة أو بأخرى. لكن موري، ولو أنه كان ناقداً ممتازاً وبعدة أوجه يصف الكتاب وصفاً جيداً، لم يتمكن من رؤيته. لم يخطر له أن هناك أناس يعيشون بهذه الطريقة.
ينطبق الأمر نفسه على هذا المعاصر المجهول لتوماس هاردي، مراجعاً روايته العظيمة “عودة المواطن” في مجلة الـ “Spectator ” عام 1879:
تبدو مأساة السَّيد هاردي محددة بالكآبة عمداً. إنها تمنحنا جرعة من البؤس الإنساني، بدلاً من اللوعة الإنسانية-من عجز رجل عن أن يكون عظيماً في المعاناة، أو أي شيء آخر، بدلاً من عظمته في معاناة… التياع البطل خالص، بؤس صرف، ليس لوعة من أعمق الأشكال وأنبلها، التي يسعها أن تبصر أملاً في المستقبل وتندم على أخطاء الماضي.
بصورة خاصَّة، كان لدى المراجع مشكلات مع الشَّخصية التي هي روح الكتاب بأشكال عديدة:
لا تؤنِّب بطلة القصَّة الشَّهوانية ببرودة، يوستيشيا فاي، نفسها أبداً ولو للحظة على تقلِّب وفقر عواطفها. بل على العكس، لا تشعر بأن لأي شيء يعتمل في داخلها علاقة بالصَّواب والخطأ على الإطلاق، أو بوجود أمر كالمسؤولية.
شهوانية ببرودة هو إجمال ممتاز لشخصية “أوستيشا”. قرأ الناقد بعناية وبذهن منفتح. لكنه لا يستطيع تقبُّل أن يكون لمثل هؤلاء الناس وجود، أو أنه إذا كان لهم وجود فإنه من الواجب تقديمهم لنا في روايات جديرة باهتمامنا وشفقتنا. تلمح إشارات عديدة-“ندم”، “مسؤولية”-أنه يفكر بالحياة بالمعنى الأخلاقي، الخير والشَّر، ويتوقع أن يراها ممثلة بهذه الطريقة. لا يسعه تجاوز واقعة أن هاردي
ما الذي يجري عندما، ببساطة، لا يبدو لك كتاب ما معقولاً؟ ربما أحد الكتب الكلاسيكية التي يشيد بها الجميع. أو كتاب جديد طلبَ منك التعليق عليه، أو كتاب أوصى به ناشر بحماس.
لا أعني أنَّك تجد الأسلوب شاقاً، أو سير الكتاب بطيئاً، بل ببساطة، تجد أن الشَّخصيات، تأملاتها، أولوياتها، طريقة تفاعلها، غير معقولة حقاً. تشعر بأنَّك تفقدها في الظَّلام. وردُّ فعلك المحتَّم، لا سيَّما إذا كنت قارئاً محنَّكاً، هو أن هذا لابد أن يكون خطأ المؤلِّف. هو، أو هي، ليس راصداً جيداً للحياة.
إن رواية “يوليسيس” هي الشَّاهد الأكثر درامية على هذا في سيرتي القرائية، أو كانت كذلك: يعرف “ليوبولد بلوم” أن زوجته تخطط لخيانته مع المتبجح السُّوقي “بليز بويلان”. إنه أمر يهتم له بعمق. إنه محزنٌ ومخز. ولكنه ينفق صفحة تلو أخرى متأملاً في شتى أشكال الأمور الأخرى، مفكراً في أحاجي وألاعيب لفظية، ممتلئاً بالدهشة أمام معروضات في واجهة متجر، وأصوات، وروائح.
قرأت الكتاب أولاً في سني مراهقتي، ثم قرأته مرة ثانية في الجامعة، عندما كنت في العشرينيات من عمري، يمكن أن أقدِّر أن بلوم، ربما لم يبدُ قادراً على مواجهة زوجته، لكني لا أستطيع تخيُّل أن الحالة الفاجعة، مع كل ما ترتبه من آثار على حياته المستقبلية، ليست تطرق في رأسه آناء النَّهار. بالتأكيد، لخيانة مثل هذه، أن تشغل تفكيره كلياً في النحو الأكثر إلحاحاً واستحواذيه. وبالتالي بدا لي أن حبكة الكتاب قد وضعت بشكل عرضي للغاية كمجرد وسيلة لـ “تيار الوعي” عند جويس، فرصة لكتابة صفحة غنائية بعد أخرى عن عالم عادي. لو كان الكتاب نشر للتو وطلب مني كتابة واحدة من أولى التقييمات، كان لمراجعتي أن تكون مختلطة، على الأقل. لكن من ناحية أخرى، لو ننظر إلى مراجعات مبكرة كتبت عن كثير من الروايات التي تعتبر الآن تحفاً أدبية، ربما نجد بين الردود الإيجابية الكثيرة أمثلة متكررة عن قراء محنكين، الذين، ببساطة، فاتتهم الفكرة عن حسن نية.
ههنا يكتب الناقد العظيم “جون ميدلتون موري” عن د. ه. لورنس:
رواية “نساء عاشقات” هي عبارة عن خمسمئة صفحة من اتِّقاد مشبوب العاطفة، موجة تلو أخرى من كتابة مثارة، طنَّانة، مدفوعة نحو ثمَّة نهاية خفيَّة وبعيدة، الضَّرب الخفي الثابت من بحر مظلم وبعيد المنال في عالم سفلي سكانه معروفون بهذا وحده: أنهم يتقلبون على الدَّوام، كالملاعين، في سعار من وعي جنسي بعضهم لبعض. يؤمن مبتكرهم أنه يستطيع تمييز تلوِّي الواحد من تلوِّي الآخر… بالنسبة له هم مختلفون بعمق وكلية، بالنسبة لنا لا فرق بينهم.
لا يسع موري رؤية ما يميِّز شخصيات لورنس، نتيجة لذلك لا تبدو له الميلودراما منطقية، والحبكة تصبح رتيبة. فشله هو الأكثر طرافة باعتبار أنه كان صديقاً للورنس بالفعل، من المفترض أن موري كان مدركاً تماماً لهواجس لورنس. بعد تدريس “نساء عاشقات” للعديد من السَّنوات، أجد أن الشَّخصيات تكاد تكون موضَّحة أكثر من اللازم، تكاد تكون تخطيطية. لا يستطيع جودرون وجيرالد كثنائي، الإفلات من منطق النزاع، على الواحد أن يهيمن على الآخر. يعيش كل منهما في خوف من أن يهزمه الآخر. العلاقة بالنسبة إليهما هي حرب. بالمقابل، بيركن وأورسولا مدركان لمخاطر النِّزاع. يعيشان في خوف من أنهما سوف يقعان في الفخ الذي وقع فيه الثنائي الآخر. إنه واضح تماماً على نحو مؤلم. الخوف في كل مكان ودوماً متعلِّق بالنزاع، بطريقة أو بأخرى. لكن موري، ولو أنه كان ناقداً ممتازاً وبعدة أوجه يصف الكتاب وصفاً جيداً، لم يتمكن من رؤيته. لم يخطر له أن هناك أناس يعيشون بهذه الطريقة.
ينطبق الأمر نفسه على هذا المعاصر المجهول لتوماس هاردي، مراجعاً روايته العظيمة “عودة المواطن” في مجلة الـ “Spectator ” عام 1879:
تبدو مأساة السَّيد هاردي محددة بالكآبة عمداً. إنها تمنحنا جرعة من البؤس الإنساني، بدلاً من اللوعة الإنسانية-من عجز رجل عن أن يكون عظيماً في المعاناة، أو أي شيء آخر، بدلاً من عظمته في معاناة… التياع البطل خالص، بؤس صرف، ليس لوعة من أعمق الأشكال وأنبلها، التي يسعها أن تبصر أملاً في المستقبل وتندم على أخطاء الماضي.
بصورة خاصَّة، كان لدى المراجع مشكلات مع الشَّخصية التي هي روح الكتاب بأشكال عديدة:
لا تؤنِّب بطلة القصَّة الشَّهوانية ببرودة، يوستيشيا فاي، نفسها أبداً ولو للحظة على تقلِّب وفقر عواطفها. بل على العكس، لا تشعر بأن لأي شيء يعتمل في داخلها علاقة بالصَّواب والخطأ على الإطلاق، أو بوجود أمر كالمسؤولية.
شهوانية ببرودة هو إجمال ممتاز لشخصية “أوستيشا”. قرأ الناقد بعناية وبذهن منفتح. لكنه لا يستطيع تقبُّل أن يكون لمثل هؤلاء الناس وجود، أو أنه إذا كان لهم وجود فإنه من الواجب تقديمهم لنا في روايات جديرة باهتمامنا وشفقتنا. تلمح إشارات عديدة-“ندم”، “مسؤولية”-أنه يفكر بالحياة بالمعنى الأخلاقي، الخير والشَّر، ويتوقع أن يراها ممثلة بهذه الطريقة. لا يسعه تجاوز واقعة أن هاردي
يظهر أنه يتحرك في عالم مختلف من المشاعر، عالم تكون فيه رغبة أوستيشا بالعيش المكثف طبيعية مهما كان الثَّمن، بل محببة، تتخطى كلياً ما يمت بصلة للأخلاق. لعجزه عن التجاوب بشكل إيجابي مع هذا، يصبح المراجع توجيهياً، مطالباً بالمفاهيم التقليدية مما ينبغي أن تكون عليه “المأساة” ومتذمراً من أن هاردي لم يكن مصيباً في أسلوبه.
هل يمكن أن يقال أي شيء مفيد أو موضِّح عن سوء الفهم أو النقاط العمياء هذه؟ بالتأكيد، في حالة توماس هاردي، يمكن للمرء القول إنه كان شائعاً إلى حدٍّ ما إساءة فهمه بهذه الطريقة، بطلب مبادئ أخلاقية لم يكن لها وجود هناك. احتجَّ المراجع موبري موريس ضد “تس من دوبرفيل” قائلاً: “هل للشعور العادي بالإنسانية ضد الإغواء، الزنا، والقتل أساس في صلب الأشياء؟” قصف مراجع آخر: “جود الفاحش”. هل يمكن أن يكون إذن أننا نملك قرينة هنا على أن كاتباً غير منسجم مع روح العصر. أو في حالات أخرى، حيث يحصل الجميع على كتاب-يوليسيس-وأنت لا، يعني أنك خارج الخط. أنت تعيش في عالم مختلف.
منذ بضع سنوات، بينما كنت أقرأ كتاب عن السيكولوجيا الجهازية، صادفت فكرة “الحادثة المبهمة”. الفكرة بسيطة إلى حد كاف. يلتقي شخصان من خلفيتين مختلفين تماماً ويصبحان متورطين في علاقة. ربما منجذبين جنسياً، انجذاباً متبادلاً، يصبحان صديقين حميمين. ثم يحدث أمر ما-ربما لقاء عائلة الآخر، مشاركة في حركة سياسية، تأمل ثمَّة فعالية جنسية معينة-يكشف لهما أنهما ينظران إلى الحياة بطريقتين مختلفتين تماماً. ليس فقط أنهما لا يتفقان، لكن إذا جاز لنا القول، لا يفهمان من أي مكان يأتي الآخر، وضع الشَّخص الآخر غير مفهوم، ربما مهدِّد.
لتوضيح الفكرة تعتمد عالمة النفس الإيطالية “فاليريا أوجاتزيو” في كتابها “الأقطاب الدلالية وعلم النفس المرضي في العائلة”، على شخصيتين من رواية ميلان كونديرا “خفَّة الكائن التي لا تحتمل”:
اتَّسمت علاقة (فرانز وسابينا) منذ البداية بحوادث مبهمة: يدعوها كونديرا “كلمات أسيء فهمها” ويطور مسرداً قصيراً منها…
عند نقطة ما، طرحت سابينا على فرانز سؤالاً: “لماذا لا تستعمل أحياناً قوتك علي؟”
أجاب فرانز: “لأن الحب يعني التَّخلي عن القوة”.
وسابينا أدركت أمرين: أولاً، أن كلمات فرانز كانت نبيلة وعادلة، ثانياً، أن فرانز، بهذه الكلمات، يستبعد نفسه في نظرها كشريك جنسي.
كثيراً ما أخبر فرانز سابينا عن أمه، ربما بنوع من الحسبة اللا واعية. تخيَّل أن قدرته على الإخلاص قد تجذب سابينا، وبالتالي قد تقتنع به. لم يعرف فرانز أن سابينا كانت منجذبة بالخيانة، وليس بالإخلاص.
ارتعد فرانز تقززاً عندما حدَّثته سابينا مرة عن تجوالها في المقابر. كانت المقابر بالنسبة له: “مزابل للحجر والعظام”، لكن بالنسبة لها، كانت المكان الوحيد الذي يذكِّرها بمسقط رأسها، بوهيميا.
أعجب فرانز بوطن سابينا. عندما حدثته عن نفسها وعن أصدقائها التشيك، سمع فرانز كلمات السِّجن، الاضطهاد، الدبابات في الشَّوارع، النُّزوح، ملصقات وأدب محظور، وسابينا بدت أكثر جمالاً، لأنه يستطيع أن يلمح من خلفها دراما وطنها المؤلمة… لم تشعر سابينا بالحب نحو تلك الدراما. كانت كلمات السِّجن، الاضطهاد، الكتب المحظورة، احتلال، ودبابات، قبيحة في نظرها، خلت من حبكة رومانسية في أبسط أشكالها.
إذا أراد كل من فرانز وسابينا المضي في علاقتهما نحو ما يتجاوز الطور الأول من الافتتان الجنسي الكثيف، سيتوجب على كل واحد منهما الانفتاح والتغير، أن يتعلم رؤية العالم بطريقة مختلفة. لكن على حد قول “أوجاتزيو”، بما أن ليس الجميع متحمسين للخروج من الوضعيات التي نشأوا عليها، سوف تنهار علاقات كثيرة عندما تعترضها “كلمات مساء فهمها”. هكذا انفصل فرانز وسابينا أخيراً. ومع ذلك هذه ليس نهاية المسألة تماماً. بعد أن انفصلا، بدأت سابينا تفتقد فرانز. في مقبرة مونبارناس، تجد نفسها فجأة قادرة على رؤية المقابر -وربما أيضاً على الإحساس بها-كما رآها فرانز. أن تفهم من أين كان قادماً. من ثم تتمنى لو أنها لم تكن برمة للغاية معه. حفزت الحادثة المبهمة لحظة النمو.
هل هناك تشابه مع الطريقة التي نقرأ بها؟ هل يمكن أن يكون الكتاب الذي يبدو في الأصل خاطئاً بوضوح بالنسبة إلينا، هو الكتاب نفسه الذي يسمح لنا بفهم شيء جديد حول أناس آخرين؟ لنفترض أننا عندما نبدأ برواية، الدعوة لمشاركة قصة، لأن نقترب من مجموعة من الشخصيات، تعمل مثل مهمة ايروتيكية. نحن مشدودون. يمكن أن تكون الصفحات الافتتاحية في الروايات مغوية على نحو رائع. يفتتح تولستوي رواية آنا كارنينا: “جميع العائلات السَّعيدة متشابهة، كل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها الخاصة”. أنا لست على يقين من أني أتفق حقاً مع كلا جانبي هذه الحكمة، لكن من في وسعه مقاومة مثل هذا الخبر الواعد؟ يعلن أورويل مقدماً لنا عالم 1984:”كان يوما بارداً ساطعاً في شهر نيسان، وكانت السَّاعات تدق الثالثة عشرة”. كيف لا يمكننا مواصلة القراءة. يفتتح بيتر بان: ” كبر جمي
هل يمكن أن يقال أي شيء مفيد أو موضِّح عن سوء الفهم أو النقاط العمياء هذه؟ بالتأكيد، في حالة توماس هاردي، يمكن للمرء القول إنه كان شائعاً إلى حدٍّ ما إساءة فهمه بهذه الطريقة، بطلب مبادئ أخلاقية لم يكن لها وجود هناك. احتجَّ المراجع موبري موريس ضد “تس من دوبرفيل” قائلاً: “هل للشعور العادي بالإنسانية ضد الإغواء، الزنا، والقتل أساس في صلب الأشياء؟” قصف مراجع آخر: “جود الفاحش”. هل يمكن أن يكون إذن أننا نملك قرينة هنا على أن كاتباً غير منسجم مع روح العصر. أو في حالات أخرى، حيث يحصل الجميع على كتاب-يوليسيس-وأنت لا، يعني أنك خارج الخط. أنت تعيش في عالم مختلف.
منذ بضع سنوات، بينما كنت أقرأ كتاب عن السيكولوجيا الجهازية، صادفت فكرة “الحادثة المبهمة”. الفكرة بسيطة إلى حد كاف. يلتقي شخصان من خلفيتين مختلفين تماماً ويصبحان متورطين في علاقة. ربما منجذبين جنسياً، انجذاباً متبادلاً، يصبحان صديقين حميمين. ثم يحدث أمر ما-ربما لقاء عائلة الآخر، مشاركة في حركة سياسية، تأمل ثمَّة فعالية جنسية معينة-يكشف لهما أنهما ينظران إلى الحياة بطريقتين مختلفتين تماماً. ليس فقط أنهما لا يتفقان، لكن إذا جاز لنا القول، لا يفهمان من أي مكان يأتي الآخر، وضع الشَّخص الآخر غير مفهوم، ربما مهدِّد.
لتوضيح الفكرة تعتمد عالمة النفس الإيطالية “فاليريا أوجاتزيو” في كتابها “الأقطاب الدلالية وعلم النفس المرضي في العائلة”، على شخصيتين من رواية ميلان كونديرا “خفَّة الكائن التي لا تحتمل”:
اتَّسمت علاقة (فرانز وسابينا) منذ البداية بحوادث مبهمة: يدعوها كونديرا “كلمات أسيء فهمها” ويطور مسرداً قصيراً منها…
عند نقطة ما، طرحت سابينا على فرانز سؤالاً: “لماذا لا تستعمل أحياناً قوتك علي؟”
أجاب فرانز: “لأن الحب يعني التَّخلي عن القوة”.
وسابينا أدركت أمرين: أولاً، أن كلمات فرانز كانت نبيلة وعادلة، ثانياً، أن فرانز، بهذه الكلمات، يستبعد نفسه في نظرها كشريك جنسي.
كثيراً ما أخبر فرانز سابينا عن أمه، ربما بنوع من الحسبة اللا واعية. تخيَّل أن قدرته على الإخلاص قد تجذب سابينا، وبالتالي قد تقتنع به. لم يعرف فرانز أن سابينا كانت منجذبة بالخيانة، وليس بالإخلاص.
ارتعد فرانز تقززاً عندما حدَّثته سابينا مرة عن تجوالها في المقابر. كانت المقابر بالنسبة له: “مزابل للحجر والعظام”، لكن بالنسبة لها، كانت المكان الوحيد الذي يذكِّرها بمسقط رأسها، بوهيميا.
أعجب فرانز بوطن سابينا. عندما حدثته عن نفسها وعن أصدقائها التشيك، سمع فرانز كلمات السِّجن، الاضطهاد، الدبابات في الشَّوارع، النُّزوح، ملصقات وأدب محظور، وسابينا بدت أكثر جمالاً، لأنه يستطيع أن يلمح من خلفها دراما وطنها المؤلمة… لم تشعر سابينا بالحب نحو تلك الدراما. كانت كلمات السِّجن، الاضطهاد، الكتب المحظورة، احتلال، ودبابات، قبيحة في نظرها، خلت من حبكة رومانسية في أبسط أشكالها.
إذا أراد كل من فرانز وسابينا المضي في علاقتهما نحو ما يتجاوز الطور الأول من الافتتان الجنسي الكثيف، سيتوجب على كل واحد منهما الانفتاح والتغير، أن يتعلم رؤية العالم بطريقة مختلفة. لكن على حد قول “أوجاتزيو”، بما أن ليس الجميع متحمسين للخروج من الوضعيات التي نشأوا عليها، سوف تنهار علاقات كثيرة عندما تعترضها “كلمات مساء فهمها”. هكذا انفصل فرانز وسابينا أخيراً. ومع ذلك هذه ليس نهاية المسألة تماماً. بعد أن انفصلا، بدأت سابينا تفتقد فرانز. في مقبرة مونبارناس، تجد نفسها فجأة قادرة على رؤية المقابر -وربما أيضاً على الإحساس بها-كما رآها فرانز. أن تفهم من أين كان قادماً. من ثم تتمنى لو أنها لم تكن برمة للغاية معه. حفزت الحادثة المبهمة لحظة النمو.
هل هناك تشابه مع الطريقة التي نقرأ بها؟ هل يمكن أن يكون الكتاب الذي يبدو في الأصل خاطئاً بوضوح بالنسبة إلينا، هو الكتاب نفسه الذي يسمح لنا بفهم شيء جديد حول أناس آخرين؟ لنفترض أننا عندما نبدأ برواية، الدعوة لمشاركة قصة، لأن نقترب من مجموعة من الشخصيات، تعمل مثل مهمة ايروتيكية. نحن مشدودون. يمكن أن تكون الصفحات الافتتاحية في الروايات مغوية على نحو رائع. يفتتح تولستوي رواية آنا كارنينا: “جميع العائلات السَّعيدة متشابهة، كل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها الخاصة”. أنا لست على يقين من أني أتفق حقاً مع كلا جانبي هذه الحكمة، لكن من في وسعه مقاومة مثل هذا الخبر الواعد؟ يعلن أورويل مقدماً لنا عالم 1984:”كان يوما بارداً ساطعاً في شهر نيسان، وكانت السَّاعات تدق الثالثة عشرة”. كيف لا يمكننا مواصلة القراءة. يفتتح بيتر بان: ” كبر جمي
أناس يتحركون في عوالم مختلفة كلياً من المشاعر عن عوالمنا.
نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من أخبار الأدب.
ترجمة أماني لازار
نشرت هذه الترجمة في العدد الأخير من أخبار الأدب.
ترجمة أماني لازار
ع الأطفال فيما عدا واحد”. نريد أن نعرف من هو ذلك الفرد. تملك قصة جيوفاني فيرجا العظيمة، الخبز الأسود، واحدة من أكثر العبارات الافتتاحية التي أعرفها جاذبية: “لم يكد الجار ناني يغمض عينيه، والكاهن لا يزال جالساً هناك في مقعده، حتى اندلعت الحرب بين الأطفال حول من عليه أن يدفع تكاليف الجنازة، لذلك طرد الكاهن ومرشة الماء المقدَّس تحت إبطه”.
ما إن نعلَق، عندئذٍ طالما يتقدم السَّرد ويأسرنا سوف لن يصعب علينا كثيراً التعامل مع أشياء لا نجدها منطقية. بل على العكس، أي تعقيدات مبكرة سوف تعترضنا باعتبارها غريبة، هي جزء من التشويق. لكن في نهاية المطاف، سوف نتقاعس مع بعض الروايات على الأقل. بعد مئة أو مئتي صفحة، سوف نبدأ بالشعور أن هذا ليس منطقياً وحسب. تقدم مراجعات مبكرة، لكن أيضاً الكثير من الردود حديثة العهد على كتاب لورنس “أبناء وعشاق”، مثالاً ممتازاً. طالما أن الرواية أمعنت النظر في طفولة موريل المخيفة، ترعرعه في ظل نزاع والديه العنيف، كان القراء متعاطفين. لكن عندما يبلغ الفتى الجبان سن الرشد يهرب الكثيرون، أتذكَّر أن هذا ما فعلته أمي عندما شجعتها على قراءة الكتاب.
كتب مراجع في مجلة TheNation: “يعاني الكتاب تغييراً جذرياً، ما يثير حزننا وذهولنا، وليس نحو شيء ثري وغريب، لكن نحو شيء هزيل ومبتذل -لابد أن المفردات استعملت بشكل متناقض بكل هذا الامتداد من الصراحة الشفوية المجفلة. يزداد شعورنا بهذا أكثر فأكثر بلا جدال، عندما نشمئز متعبين من المشاهد المتواصلة من الشغف الجنسي…”
يتساءل المرء إذا ما استوعب هذا القارئ لاحقاً أن بول عرَّف الخوف الذي يميز طفولته، خوف يكبحه بكل شكل من الأشكال، جنسياً قبل كل شيء، باعتباره عدوه الأول. هو مصمم على هزيمة الخوف، مصمم على الانفتاح على دوافع الحياة بدلاً من الإحجام عنها. لذا النصف الثاني من “أبناء وعشاق” على صلة مع النصف الأول بشكل ماثل للعيان ومؤكد.
قيل الكثير جداً عن “استعمالات الأدب”، التي تربطها دوماً تقريباً علاقة مع كوننا نصبح أكثر تحرراً وشفقة عندما نقرأ عن الظلم. أنا أشك كثيراً فيما إذا كان سلوكنا يتغير نهائياً بهذا النحو. مع ذلك، بجذبنا نحو رؤى مختلفة تماماً عن رؤانا وغريبة، ربما تفتح الروايات، وحتى إذا كنا في الأصل نعافها قرفاً، أعيننا على عوالم مختلفة من مشاعر عن مشاعرنا. بعد سنوات كثيرة، في قراءة ثالثة أو رابعة، منذ دراسة الأدب الإنجليزي ومن ثم تدريسه، ظلت ترغمني على العودة إليها، بدأت أخيراً أنظر بعين العطف نحو ليوبولد بلوم. حيث ستيفان ديدالوس ببساطة “سوف لن يخدم” وهو ممتعض على الدوام من أي شخص يحتج عليه، دوماً مصمم على بلوغ القمة، بلوم هو أكثر من سعيد في أن يخدم زوجته، أن يحضر لها فطورها، ويناولها الكتب التي ترميها على الأرض، ربما لأن لديه حياة داخلية فكرية ينسحب نحوها حيث يشعر بالراحة وفي بيته. هو شفقة الخاسر السمح، الرجل مصمم على ألا يكون مستاءً، وفي هذا الجانب هو النقيض لستيفان. في النهاية إنه بالضبط هذا السخاء من بلوم ما يجعل مولي تواصل الاستجابة له بـ “نعم” حتى عند انجذابها إلى آخرين. وبالرغم من أن هذه سوف لن تكون أبداً طريقتي في العمل، بعد تأمل طويل في الكتاب، رحت أشعر أن موقفه أصيل-وأن هناك حقاً أناس مثل هذا، والشخصية ليست مجرد مبرر لصفحات لا نهائية من التفكير الشِّعري.
أتذكَّر على نحو مماثل تغيير الموقف من كتاب نيكولسون بيكر “The Fermata ” 1994. عندما راجعت في الأصل هذه القصة عن رجل يستعمل قدرته السحرية على إيقاف حياة كل شخص آخر بينما يظل فاعلاً ليعري نساء جميلات فحسب ويستمني على المشهد، بدت لي ممارسة محرجة إلى حد ما في إيروتيكية أدبية. لكن بعد أن قسوت على بيكر فيما نشرته، أدركت تدريجياً أن ما كانت روايته تتحدث عنه هو الأمنيات المتضاربة في رغبة أن تعيش حياة حتى التمام، أن تكون مخلاً تماماً، ومع ذلك في الوقت نفسه، لا تسبب لأحد بالدمار، ولا تترك أدنى أثر من نفسك على الآخرين-بمعنى آخر، أن تبقى، على الأقل غير مؤذ على الإطلاق إن لم نقل نقياً تماماً. وهذا بدا لي فجأة مثيراً للاهتمام كطريقة لرؤية “الأدب” عموماً، تجربة بديلية، أحياناً مخلة لا تتسبب بأي أذى.
هذا لا يعني على الإطلاق أن كل رواية لا تستميلنا سوف تثبت في نهاية المطاف فائدتها. لكن حيث نجد أنفسنا على مواجهة مع أحجية مكتملة-كانت “سبع سنوات” تأليف بيتر شتام (2010) رواية أخرى بدا لي أن شخصياتها تسير في طرق غير منطقية -ربما حري بنا أن نمنح الكاتب الإفادة من الشَّك، أو العودة إلى الكتاب بعد وضعه جانباً إلى حين. بالتأكيد كانت العودة إلى شتام مستحقة العناء. لأنه بعكس الناس الذين نلتقيهم في حياتنا، الأشخاص في الروايات ليسوا بحاجة لأن يكونوا متوعدين. سوف لن يتحدثوا بسوء عن توانينا كي يبينوا أنهم يملكون قيماً أخرى مختلفة تماماً عن قيمنا. وعلى الرغم من أننا ربما لن نكون قادرين أبداً على تقبل هذه القيم، إنه لآسر ومفيد أن تدرك أن هناك
ما إن نعلَق، عندئذٍ طالما يتقدم السَّرد ويأسرنا سوف لن يصعب علينا كثيراً التعامل مع أشياء لا نجدها منطقية. بل على العكس، أي تعقيدات مبكرة سوف تعترضنا باعتبارها غريبة، هي جزء من التشويق. لكن في نهاية المطاف، سوف نتقاعس مع بعض الروايات على الأقل. بعد مئة أو مئتي صفحة، سوف نبدأ بالشعور أن هذا ليس منطقياً وحسب. تقدم مراجعات مبكرة، لكن أيضاً الكثير من الردود حديثة العهد على كتاب لورنس “أبناء وعشاق”، مثالاً ممتازاً. طالما أن الرواية أمعنت النظر في طفولة موريل المخيفة، ترعرعه في ظل نزاع والديه العنيف، كان القراء متعاطفين. لكن عندما يبلغ الفتى الجبان سن الرشد يهرب الكثيرون، أتذكَّر أن هذا ما فعلته أمي عندما شجعتها على قراءة الكتاب.
كتب مراجع في مجلة TheNation: “يعاني الكتاب تغييراً جذرياً، ما يثير حزننا وذهولنا، وليس نحو شيء ثري وغريب، لكن نحو شيء هزيل ومبتذل -لابد أن المفردات استعملت بشكل متناقض بكل هذا الامتداد من الصراحة الشفوية المجفلة. يزداد شعورنا بهذا أكثر فأكثر بلا جدال، عندما نشمئز متعبين من المشاهد المتواصلة من الشغف الجنسي…”
يتساءل المرء إذا ما استوعب هذا القارئ لاحقاً أن بول عرَّف الخوف الذي يميز طفولته، خوف يكبحه بكل شكل من الأشكال، جنسياً قبل كل شيء، باعتباره عدوه الأول. هو مصمم على هزيمة الخوف، مصمم على الانفتاح على دوافع الحياة بدلاً من الإحجام عنها. لذا النصف الثاني من “أبناء وعشاق” على صلة مع النصف الأول بشكل ماثل للعيان ومؤكد.
قيل الكثير جداً عن “استعمالات الأدب”، التي تربطها دوماً تقريباً علاقة مع كوننا نصبح أكثر تحرراً وشفقة عندما نقرأ عن الظلم. أنا أشك كثيراً فيما إذا كان سلوكنا يتغير نهائياً بهذا النحو. مع ذلك، بجذبنا نحو رؤى مختلفة تماماً عن رؤانا وغريبة، ربما تفتح الروايات، وحتى إذا كنا في الأصل نعافها قرفاً، أعيننا على عوالم مختلفة من مشاعر عن مشاعرنا. بعد سنوات كثيرة، في قراءة ثالثة أو رابعة، منذ دراسة الأدب الإنجليزي ومن ثم تدريسه، ظلت ترغمني على العودة إليها، بدأت أخيراً أنظر بعين العطف نحو ليوبولد بلوم. حيث ستيفان ديدالوس ببساطة “سوف لن يخدم” وهو ممتعض على الدوام من أي شخص يحتج عليه، دوماً مصمم على بلوغ القمة، بلوم هو أكثر من سعيد في أن يخدم زوجته، أن يحضر لها فطورها، ويناولها الكتب التي ترميها على الأرض، ربما لأن لديه حياة داخلية فكرية ينسحب نحوها حيث يشعر بالراحة وفي بيته. هو شفقة الخاسر السمح، الرجل مصمم على ألا يكون مستاءً، وفي هذا الجانب هو النقيض لستيفان. في النهاية إنه بالضبط هذا السخاء من بلوم ما يجعل مولي تواصل الاستجابة له بـ “نعم” حتى عند انجذابها إلى آخرين. وبالرغم من أن هذه سوف لن تكون أبداً طريقتي في العمل، بعد تأمل طويل في الكتاب، رحت أشعر أن موقفه أصيل-وأن هناك حقاً أناس مثل هذا، والشخصية ليست مجرد مبرر لصفحات لا نهائية من التفكير الشِّعري.
أتذكَّر على نحو مماثل تغيير الموقف من كتاب نيكولسون بيكر “The Fermata ” 1994. عندما راجعت في الأصل هذه القصة عن رجل يستعمل قدرته السحرية على إيقاف حياة كل شخص آخر بينما يظل فاعلاً ليعري نساء جميلات فحسب ويستمني على المشهد، بدت لي ممارسة محرجة إلى حد ما في إيروتيكية أدبية. لكن بعد أن قسوت على بيكر فيما نشرته، أدركت تدريجياً أن ما كانت روايته تتحدث عنه هو الأمنيات المتضاربة في رغبة أن تعيش حياة حتى التمام، أن تكون مخلاً تماماً، ومع ذلك في الوقت نفسه، لا تسبب لأحد بالدمار، ولا تترك أدنى أثر من نفسك على الآخرين-بمعنى آخر، أن تبقى، على الأقل غير مؤذ على الإطلاق إن لم نقل نقياً تماماً. وهذا بدا لي فجأة مثيراً للاهتمام كطريقة لرؤية “الأدب” عموماً، تجربة بديلية، أحياناً مخلة لا تتسبب بأي أذى.
هذا لا يعني على الإطلاق أن كل رواية لا تستميلنا سوف تثبت في نهاية المطاف فائدتها. لكن حيث نجد أنفسنا على مواجهة مع أحجية مكتملة-كانت “سبع سنوات” تأليف بيتر شتام (2010) رواية أخرى بدا لي أن شخصياتها تسير في طرق غير منطقية -ربما حري بنا أن نمنح الكاتب الإفادة من الشَّك، أو العودة إلى الكتاب بعد وضعه جانباً إلى حين. بالتأكيد كانت العودة إلى شتام مستحقة العناء. لأنه بعكس الناس الذين نلتقيهم في حياتنا، الأشخاص في الروايات ليسوا بحاجة لأن يكونوا متوعدين. سوف لن يتحدثوا بسوء عن توانينا كي يبينوا أنهم يملكون قيماً أخرى مختلفة تماماً عن قيمنا. وعلى الرغم من أننا ربما لن نكون قادرين أبداً على تقبل هذه القيم، إنه لآسر ومفيد أن تدرك أن هناك
الكتاب: "حكاية قارئ شغوف (محترف)"
المؤلف: روبرت غوتليب
تاريخ النشر: 26 يناير 2017
الناشر: فارار وشتراوس وجيرو
عدد الصفحات: 352 صفحة
يسرد كتاب "حكاية قارئ شغوف (محترف)"، لمؤلفه روبرت غوتليب، خبايا واستنتاجات كاتب/مثقف، وقارئ نهم، أمضى 60 عامًا يقرأ ويبحث، ويفتش بين الأغلفة والصفحات، في سائر الحضارات ومختلف الثقافات، إذ يبين أن النصيحة التي تتردد عبر العصور والأزمان تلخصها بداهة عبارة الحضّ على الاطلاع، ومفتاحها البديهي، الذي يتمثل في القراءة.
وقد استخدم المؤلف في كتابه، وصفًا للقارئ باللغة الإنجليزية مفاده: (avid)، وهي كلمة مشتقة من أصول اللغة اللاتينية، حيث تشير إلى معاني الحرص الشغوف والاهتمام الفائق والتوق المتواصل- بل والطلب إلى حد الاشتهاء.
يبدأ المؤلف من مرحلة طفولته المبكرة: اختار جده أن يعلمه القراءة في سن الرابعة، فكان أن أمضى سائر مراحل حياته، من المدرسة إلى الجامعة، في «حالة.. قراءة»، لدرجة أنه كانت تفوته مواعيد حصص الدراسة أو المحاضرة، إذ يكون غارقًا وقتها بين دفتي كتاب ما. وكان يضيف إلى هذا الجانب محاولة استخدام أو استثمار دراهمه القليلة، كما يعترف في سطور الكتاب، من أجل شراء بطاقات المسارح، كي يشهد عملاً دراميًّا أو ينال متعة الإصغاء إلى إبداع موسيقى محدد: بين إبداعات الكونشيرتو وتنويعات موسيقى السيمفوني.
ويحكي مؤلف الكتاب أن هذه البدايات هي التي دفعته إلى أن يطرق أبواب العمل لدى مؤسسات الطباعة والنشر، وعلى رأسها دار «سيمون آند شوستر» الشهيرة في أمريكا. وكان قد أمضى معظم سنوات العمر، متنقلاً بين دور النشر والإصدار العديدة.
وعلى مدار أكثر من 60 سنة، كما يؤكد في فصول هذا الكتاب، ظل منكّبًا على «تحرير» الكتب، التي يضعها كبار المؤلفين.
وتقول كلمات ميشيل دين: إن قلمه كونه محررًا ترك لمساته على المخطوطات والنصوص الأصلية لمعظم المؤلفين والكتّاب الأمريكيين والإنجليز في القرن العشرين، ذلك ابتداء من الكاتبة- الشاعرة الأمريكية توني موريسون، مرورًا بالمبدع، أديب كتب الجاسوسية الأشهر، جون لوكاريه. وليس انتهاء بنجمة السينما «كاترين هيبورن»، بل والرئيس الأمريكي بيل كلينتون شخصيًّا.
المؤلف يستخدم فعل «يلتهم» عندما يتكلم عن عاداته في مطالعة الكتب سواء تلك التي اختارها شغفًا وتفضيلاً، أو تلك التي يكلفونه بمراجعتها وتحريرها وتقويم أسلوبها، بحيث يقدمها إلى جماهير القارئين في أدق صياغة وأبهى صورة، وباسم مؤلفيها الأصليين بطبيعة الحال.
المؤلف: روبرت غوتليب
تاريخ النشر: 26 يناير 2017
الناشر: فارار وشتراوس وجيرو
عدد الصفحات: 352 صفحة
يسرد كتاب "حكاية قارئ شغوف (محترف)"، لمؤلفه روبرت غوتليب، خبايا واستنتاجات كاتب/مثقف، وقارئ نهم، أمضى 60 عامًا يقرأ ويبحث، ويفتش بين الأغلفة والصفحات، في سائر الحضارات ومختلف الثقافات، إذ يبين أن النصيحة التي تتردد عبر العصور والأزمان تلخصها بداهة عبارة الحضّ على الاطلاع، ومفتاحها البديهي، الذي يتمثل في القراءة.
وقد استخدم المؤلف في كتابه، وصفًا للقارئ باللغة الإنجليزية مفاده: (avid)، وهي كلمة مشتقة من أصول اللغة اللاتينية، حيث تشير إلى معاني الحرص الشغوف والاهتمام الفائق والتوق المتواصل- بل والطلب إلى حد الاشتهاء.
يبدأ المؤلف من مرحلة طفولته المبكرة: اختار جده أن يعلمه القراءة في سن الرابعة، فكان أن أمضى سائر مراحل حياته، من المدرسة إلى الجامعة، في «حالة.. قراءة»، لدرجة أنه كانت تفوته مواعيد حصص الدراسة أو المحاضرة، إذ يكون غارقًا وقتها بين دفتي كتاب ما. وكان يضيف إلى هذا الجانب محاولة استخدام أو استثمار دراهمه القليلة، كما يعترف في سطور الكتاب، من أجل شراء بطاقات المسارح، كي يشهد عملاً دراميًّا أو ينال متعة الإصغاء إلى إبداع موسيقى محدد: بين إبداعات الكونشيرتو وتنويعات موسيقى السيمفوني.
ويحكي مؤلف الكتاب أن هذه البدايات هي التي دفعته إلى أن يطرق أبواب العمل لدى مؤسسات الطباعة والنشر، وعلى رأسها دار «سيمون آند شوستر» الشهيرة في أمريكا. وكان قد أمضى معظم سنوات العمر، متنقلاً بين دور النشر والإصدار العديدة.
وعلى مدار أكثر من 60 سنة، كما يؤكد في فصول هذا الكتاب، ظل منكّبًا على «تحرير» الكتب، التي يضعها كبار المؤلفين.
وتقول كلمات ميشيل دين: إن قلمه كونه محررًا ترك لمساته على المخطوطات والنصوص الأصلية لمعظم المؤلفين والكتّاب الأمريكيين والإنجليز في القرن العشرين، ذلك ابتداء من الكاتبة- الشاعرة الأمريكية توني موريسون، مرورًا بالمبدع، أديب كتب الجاسوسية الأشهر، جون لوكاريه. وليس انتهاء بنجمة السينما «كاترين هيبورن»، بل والرئيس الأمريكي بيل كلينتون شخصيًّا.
المؤلف يستخدم فعل «يلتهم» عندما يتكلم عن عاداته في مطالعة الكتب سواء تلك التي اختارها شغفًا وتفضيلاً، أو تلك التي يكلفونه بمراجعتها وتحريرها وتقويم أسلوبها، بحيث يقدمها إلى جماهير القارئين في أدق صياغة وأبهى صورة، وباسم مؤلفيها الأصليين بطبيعة الحال.
❤1

