هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.14K subscribers
3.1K photos
336 videos
60 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
« ماكس أومبيلنت» هو نموذج صارخ لتحول الكائن البشري، ولعل أبرز الروايات العالمية التي تناولت المسألة نفسها رواية «فرانكشتاين» لـــ» ماري شيلي»، و رواية «دكتور جيكل ومستر هايد»، و «رواية الفيسكونت المشطور» للروائي إيتالو كالفينو. يكاد بطل الروائي « قسطنطين جيورجيو «يماثل مسخ فرانكشتاين ولكن الفارق أن بطل فرانكشتاين خلق قبيحًا، ووحيدًا، وغير مكتمل، بينما بطل جيورجيو هو إنسان وسيم وثري ومثقف ويعيش مع أسرته أي أنه كائن مكتمل عدا جلده الأسود يعكر عليه حياته، يتعرض للتشوه بسبب لونه هذا، يسعى من خلال التشويه الذي نكل به إلى تدمير كل شيء حوله، نسخة أفريقية، مشحونة بكم هائل بالكراهية، وعلى تناقض حاد أيضا مع شخصية بطل الروائي الإنجليزي «روبرت لويس ستيفنسون» فبطله رجل أبيض، لا يعاني من العنصرية، بل يحيا برفاهية، غير أنه من خلال تجاربه يصنع مشروبًا سحريًّا يحوله إلى كائن شرير. ولعل شخصية بطل إيتالو كالفينو يماثل في كينونته المتغيرة أومبيلنت. الكائن نفسه يتخبط في تناقضات هائلة ما بين الخير و الشر، يتصارعان في كيانه لكن جرعة الشرّ في روح ماكس تكتسح آدميته كليًّا. ربما لأن تحول بطل «شحاذو المعجزات» هو صنيعة مجتمع غير عادل، مجتمع عنصري. هذا التحول حطم فيه كل قيم النبل و الخير ليحل محلها الشرّ، الشرّ المحض ولا شيء آخر!
المعجزة لهؤلاء هو التخلص من الظلم و العبودية و التفريق العنصري.
" والبعض لا يليق بهم إلا أن تدعهم حيث كانوا قبل أن تعرفهم
ثم تريق على ذكراهم ذنوبا من ماء .. وتمضي "
** ذَنُوب : دَلْو عظيمة.

****

أويس بن عامر
روايتي - أحمد الملا

ما كنتُ متطلِّباً
ولم أشترط يوماً على ما يحدث
أخذتُ مما يليني من الصحن
ما يجيءُ كما هو
أخذتُ ما يدلُّ علي
وقلّبتُه بين يدَي
كأعطيةٍ ثمينة.

تقبّلتُ حياتي
مثلما أَدخلُ في روايةٍ بين غلافين
مؤلّفُها مجهول
منزوعةِ العنوان
سقطتْ بين يدَي صدفةً
أبحثُ في كلِّ سطر
في كلِّ صفحةٍ عنّي
ومتدرّجاً أشفقتُ على البطل
الذي لم يشبهْني
إلا متأخّرا.

كثيرا ما تخلّيتُ عنه
سخِرتُ من ضعفِه
تجاهلتُ أخطاءَه
وأهملتُ قراءتَهُ مرّاتٍ عدّة
حتى تنبّهَ
واستدارَ إلي.

ما يحدث ليس ما يُكتب
ما يكتب ليس ما تتذكّر
ما تتذكّر ليس ما تتمنّى
ما تتمنّى ليس ما تستطيع
ما تستطيعُ ليس ....

تأخرتُ طويلا
لأقول مرادي
مراداً جمعتُ فيه نِتَفاً من كلِّ رغباتي
رغباتي التي صَغُرتْ حتى صارت نقطةً في آخرِ السطر ؛

أن أختارَ الجملةَ التي أحفرُها
وأدفنُ فيها الراويَ بسَكِينة..

30 أكتوبر 2017
إيتالو كالفينو: الهروب مـن الـقــنـافــذ | أحمد الزناتي

العدد 221 | 29 تشرين1 2017

في مقال قديم أُعيد نشره قبل أسبوعين بمناسبة ذكرى ميلاد الروائي إيتالو كالفينو (1941 – 1985)، يدرس الكاتب الإيطالي الكبير صنفيْن مِـن الكُــتـّاب: الكاتب الثعلب والكاتب الـقـنفذ. التشبيه قديم، وهو بــيــت مـنـسوب إلى الشاعـر الإغريقي آركيلوكوس يقول فيه: يعرف الثعلب أشياء كثيرة، لكن القنفذ يـعـرف شيئًا واحدًا كبيرًا. 

تعليق كالفينو جاء ردًا على الناقد الأدبي الإيطالي جيدو آلمانسي (1931 – 2001)، الذي كتب مقالًا يناقش فيه المقولة ذاتها في معرض تحليله لبعض آراء المؤرّخ والفيلسوف الإجتماعي الإنجليزي إشعيا برلين (1909 – 1997)، الذي طوّر هذه المقولة ليؤسّس عليها مبادئ نظرية في علم السلوك (سلوك الثعالب وسلوك القنافذ)، أي السلوك الذي يسعى وراء أشياء كثيرة متنوعة، والسلوك الذي يتبنّى رؤية داخلية محددة تتسم بالثبات والشمولية.

بالرجوع إلى مقال إشعيا برلين، الذي عرضت له "صحيفة الجارديان" بتاريخ 6 أغسطس 2016 نجدّ أن الرجلّ يعطي نماذج لـمـمثّلي كل مدرسة: الكتّاب القنافذ يمثلهم دانتي ودوستويفسكي وإبسن ومارسيل بروست، بينما يمثل الثعالب شكسبير وبلزاك وجوتـه وموليير.

يعارض كالفينو هذا المبدأ بقوله أنّ ثنائية (الكاتب الثعلب- الكاتب القنفذ) ستقودنا إلى تصنيف مغاير تمامًا لتصنيفكَ (مخاطبًا آلمانسي)، هذا إذا ما اتفقّنا على تعريف الكاتب القنفذ بأنه الكاتب الذي تتبنى أعـمـالـه نـسـقًا فـكـريًا وأسلوبيًا واحدًا وثابتًا، بينما يتخّذ الكاتب الثعلب استراتيجيات سردية وأسلوبية مـرنة ومتباينة وفقًا لظروف العمل وشخوصه.

".. لنضرب مثلًا؛ آلبرتو مورافيا نموذج واضح للكاتب القنفذ، من حيث محافظته على نسق فكري واحـد لا يتبدّل، أيًا ما كان الموضوع، وأقصد هـنا سواء من لغة السرد أم من ناحية الأفكار ونظرة الكاتب العامة للعالم، بينما أغيّر أنا (أي كالفينو) من أسلوبي ومنهج كتابتي من عملٍ لآخر، لإنني أؤمن بأنّكَ لن تستطيع أن تنزل النهر نـفـسـه مرتين. يضيف كالفينو: الحقيقة أنني كاتب ثعلب، رغم أنني أحْـلـم بكوني قـنـفـذاً في جميع أحلامي، ورغم أني أحاول كتابة أعمال تحذو حذو "الـقـنـافـذ، إذا تأمّلتَ كل عملٍ منها على حدة."

يسوق كالفينو مثلًا آخر، وهو المخرج والكاتب الإيطالي باولو بازوليني، الذي وصفه بالثعلب بسبب تبنّيه استراتيجيات فنية وجمالية، تختلف مـن عمل لآخر(الكتابة بالعامية أحيانًا، والعودة إلى البلاغة الكلاسيكية القديمة أحيانًا أخرى)، لكن رؤية بازوليني للعالم تبقى- رغم تنوعها- متماسكة في نـسق فــكـري واحد.

يلاحظ كالفينو في المقال نفسه أن ثنائية الكاتب القنفذ/الكاتب الثعلب غير صالحة  للتطبيق على الأجناس الأدبية كافّـة، وعلى الأخصّ على الأدب الإيطالي المعاصر، فيشرح:

"أعتقد أن المقصود بمنهج الكاتب القنفذ هو توظيف عدد محدود من التقنيات والأساليب السردية والتعبيرية، وهو ما يمكن أن يُعدّ، في الوقت ذاته، نقطة قوة باعتباره مــرادفًـا لانغماس الكاتب في ذاته في محاولته الكشف عن مناطق بكر لا يعرفها عن نفسه. بينما المنهج التجريبي في الإبداع، المنهج غير الخاضع لفكرةٍ أو نسق مُسبقيْن، المنهج الذي يسعى صاحبه لأن يعيش حيوات عديدة متناقضة، هو أسلوب الثعالب الذي أمثله أنا."

يعود كالفينو إلى مقولة الفيلسوف البريطاني إشعيا برلين، مُحاولًا تأويلها لتـخدم حُـلْـمه القديم الذي كان يحلُم فيه على الدوام بكونه كاتبًا قـنـفــذاً فيقول:"..الحقيقة أنّ مقولة إشعيا برلين صالحة للتطبيق على الأعمال الكلاسيكية العظيمة التي من خلالها يُمكن إدراج الكاتب القنفذ تحت مظلّة الكتّاب الكِبار، الذين يكتبون عملًا واحدًا عظيمًا، أقصد تلك الأعمال التي تعرف شيئًا واحدًا عظيمًا تسعى إليه طوال حياتها، في إشارة إلى مقولة آركيلوكوس.

بقليل مِن البحث في رسائل كالفينو، المنشور بعضها على شبكة المعلومات، نلاحظ أن الحُلْم الأكبر لديه تمثل في محاولة الخروج مِن عباءة جنس سـرديّ بعينه خشيه الوقوع في أسره طوال حياته، أي الهروب مِن حُلم القنافذ.

ففي رسالة مؤرّخة في ديسمبر 1949، بعث بها كالفينو إلى الناقد الإيطالي جينو بامبوليني الذي كتب مراجعةً لمجموعة كالفينو الثانية "الغراب يأتي أخيرًا"، يقول: ".. مشكلتي اليوم هي كيفية الهروب مِن الحدود التي فرضها عليّ ذلك النوع مِن الكتابة، أقصد من حصري داخل إطار كاتب المغامرات والحكايات الخرافية والهزلية، حصرًا لا أتمكن معه من التعبير عن نفسي، والتعرّف إليها."

وفي رسالةٍ أخرى بتاريخ مارس 1950، أرسلها كالفينو إلى الروائية الإيطالية الكبيرة إليسا مورانتي، يقول: "..الحقيقة أنني بالفعل سجين نـمـط محـدد من الكتابة، ولا بديل عن الهروب من ذلك النمط مهما كـلفني الأمر، أنا لا أسعى إلى كتابة عمل مختلف، بل إلى تحطيم ذلك الإيقاع السردي المتكرّر، وإلى التخلّص من الأصداء التي تصدح بها عباراتي..".

يبدو أن تأ
رجح كالفينو بين نمطي الكتابة السابقيْن، وهروبه من حُلم القنافذ الذي كان يُطارده، استمر حتى نهاية حياته. ففي كتابه النظري الأخير"ستّ محاضرات للألفية القادمة"، (إبداعات عالميّة/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 1999 ــــ ترجمة محمد الأسعد) الذي انتهى مِنها عشية سفره لإلقاء المحاضرات في جامعة هارفارد بحسب أرملته استير كالفينو، ولكنّه تُـوفي قبل السفر إثـر نزيف حاد في المخ، يضع كالفينو نظرته العامّة لجماليات الأدب، ويُجمل فيه عصاره تجاربه الإبداعية المعرفية في سـتّ محاضرات مـكـثفـة.

عناوين المحاضرات هي: الخــفّــة، السـرعة، الــدِقـة، الـوضـوح، التـعدّدية، وهي صفات لا يُمكنها إلا أن تصف ثعلبًا؛ خفيف الحركة، سريع الإيقاع، دقيق التصويب، واضح الهدف، متعدّد الحيّل. في هذا الكتاب يحاول كالفينو استكشاف مواطن الجمال في الأدب، مـتسائلًا ما الذي يصنع الأدب الحقيقي؟ وعلى مدار صفحات الكتاب الصغير (118 ورقة مـن القطع المتوسّط)، يناقش كالفينو المبادئ السابقة، التي هي خصال الكاتب الثعلب المتعدّد الـمـتحّـوِر، الذي طالما طمحَ كالفينو لأن يسكـن مخيّلته. محاضرات الكتاب في مجملها تنويعات على لحن واحد: لتـكـن متعددًا مثل الكون، إذا استعرنا عبارة فيرناندو بيسـوا.

يختتم كالفينو محاضرته السادسة والأخيرة بالعبارة التالية، والتي ربما كانت آخر عبارة خطّها قلم كالفينو قبل رحيله:

"....ها أنا أصل إلى نهاية دفاعي عن الرواية كشبكةٍ واسعة. قد يعترض معترض بالقول أنه كلما مال العمل نحو تعدّدية الاحتمالات أكثر، كلما انفصل عن النواة الواحدة التي هي ذات الكاتب، وانفصل عن نزاهته الذاتية واكتشافه لحقيقته الخاصّة به... ولكن .. مَـن نحن؟ مَن هو كل واحد منا إن لم نكن مُـركـبًا من تجارب ومعلومات وكتب قرأناها وأشياء متخيّلة؟ كل حياة هي موسوعة، مكتبة، مخزن أشياء، سلسلة مـن الأساليب، ويمكن أن يُستبدل كل شيء باستمرار. لكن الجواب الأقرب إلى قلبي ربما كان شيئًا آخر، فكّروا بما يمكن أن يكون عليه الأمر في حالة امتلاك عمل روائي مُتصوّر من خارج الذات، عمل يسمح لنا بالإفلات من منظور الذات الفردية المحدود."

تتعدّد إشارات كالفينو في كتابه السابق إلى خورخي لويس بورخيس، الذي قال يومًا أن الكتابة ما هي إلا حُلم مُـوجّــه، وعلى الكاتب أن يحدد انحيازاته الجمالية، أي حُلم عليه أن يحقــقـه، وأي حُلم عليه أن يتجاوزه.

*****

خاص بأوكسجين
رفـّي لمتعة القراءة - أريكة وكتاب وكوب من القهوة
http://raffy.ws/books/view_book/247309
‏يحاول الكاتب طوال مشواره الكتابي الهروب من حلم الفنافذ . كما يذهب إيتالو كالفينو، الحلم نفسه كان يراوده في كل كتابة.
الكتب التي لا نفهمها-تيم باركس

ما الذي يجري عندما، ببساطة، لا يبدو لك كتاب ما معقولاً؟ ربما أحد الكتب الكلاسيكية التي يشيد بها الجميع. أو كتاب جديد طلبَ منك التعليق عليه، أو كتاب أوصى به ناشر بحماس.

لا أعني أنَّك تجد الأسلوب شاقاً، أو سير الكتاب بطيئاً، بل ببساطة، تجد أن الشَّخصيات، تأملاتها، أولوياتها، طريقة تفاعلها، غير معقولة حقاً. تشعر بأنَّك تفقدها في الظَّلام. وردُّ فعلك المحتَّم، لا سيَّما إذا كنت قارئاً محنَّكاً، هو أن هذا لابد أن يكون خطأ المؤلِّف. هو، أو هي، ليس راصداً جيداً للحياة.

إن رواية “يوليسيس” هي الشَّاهد الأكثر درامية على هذا في سيرتي القرائية، أو كانت كذلك: يعرف “ليوبولد بلوم” أن زوجته تخطط لخيانته مع المتبجح السُّوقي “بليز بويلان”. إنه أمر يهتم له بعمق. إنه محزنٌ ومخز. ولكنه ينفق صفحة تلو أخرى متأملاً في شتى أشكال الأمور الأخرى، مفكراً في أحاجي وألاعيب لفظية، ممتلئاً بالدهشة أمام معروضات في واجهة متجر، وأصوات، وروائح.

قرأت الكتاب أولاً في سني مراهقتي، ثم قرأته مرة ثانية في الجامعة، عندما كنت في العشرينيات من عمري، يمكن أن أقدِّر أن بلوم، ربما لم يبدُ قادراً على مواجهة زوجته، لكني لا أستطيع تخيُّل أن الحالة الفاجعة، مع كل ما ترتبه من آثار على حياته المستقبلية، ليست تطرق في رأسه آناء النَّهار. بالتأكيد، لخيانة مثل هذه، أن تشغل تفكيره كلياً في النحو الأكثر إلحاحاً واستحواذيه. وبالتالي بدا لي أن حبكة الكتاب قد وضعت بشكل عرضي للغاية كمجرد وسيلة لـ “تيار الوعي” عند جويس، فرصة لكتابة صفحة غنائية بعد أخرى عن عالم عادي. لو كان الكتاب نشر للتو وطلب مني كتابة واحدة من أولى التقييمات، كان لمراجعتي أن تكون مختلطة، على الأقل. لكن من ناحية أخرى، لو ننظر إلى مراجعات مبكرة كتبت عن كثير من الروايات التي تعتبر الآن تحفاً أدبية، ربما نجد بين الردود الإيجابية الكثيرة أمثلة متكررة عن قراء محنكين، الذين، ببساطة، فاتتهم الفكرة عن حسن نية.

ههنا يكتب الناقد العظيم “جون ميدلتون موري” عن د. ه. لورنس:

رواية “نساء عاشقات” هي عبارة عن خمسمئة صفحة من اتِّقاد مشبوب العاطفة، موجة تلو أخرى من كتابة مثارة، طنَّانة، مدفوعة نحو ثمَّة نهاية خفيَّة وبعيدة، الضَّرب الخفي الثابت من بحر مظلم وبعيد المنال في عالم سفلي سكانه معروفون بهذا وحده: أنهم يتقلبون على الدَّوام، كالملاعين، في سعار من وعي جنسي بعضهم لبعض. يؤمن مبتكرهم أنه يستطيع تمييز تلوِّي الواحد من تلوِّي الآخر… بالنسبة له هم مختلفون بعمق وكلية، بالنسبة لنا لا فرق بينهم.

لا يسع موري رؤية ما يميِّز شخصيات لورنس، نتيجة لذلك لا تبدو له الميلودراما منطقية، والحبكة تصبح رتيبة. فشله هو الأكثر طرافة باعتبار أنه كان صديقاً للورنس بالفعل، من المفترض أن موري كان مدركاً تماماً لهواجس لورنس. بعد تدريس “نساء عاشقات” للعديد من السَّنوات، أجد أن الشَّخصيات تكاد تكون موضَّحة أكثر من اللازم، تكاد تكون تخطيطية. لا يستطيع جودرون وجيرالد كثنائي، الإفلات من منطق النزاع، على الواحد أن يهيمن على الآخر.  يعيش كل منهما في خوف من أن يهزمه الآخر. العلاقة بالنسبة إليهما هي حرب. بالمقابل، بيركن وأورسولا مدركان لمخاطر النِّزاع. يعيشان في خوف من أنهما سوف يقعان في الفخ الذي وقع فيه الثنائي الآخر. إنه واضح تماماً على نحو مؤلم. الخوف في كل مكان ودوماً متعلِّق بالنزاع، بطريقة أو بأخرى. لكن موري، ولو أنه كان ناقداً ممتازاً وبعدة أوجه يصف الكتاب وصفاً جيداً، لم يتمكن من رؤيته. لم يخطر له أن هناك أناس يعيشون بهذه الطريقة.

ينطبق الأمر نفسه على هذا المعاصر المجهول لتوماس هاردي، مراجعاً روايته العظيمة “عودة المواطن” في مجلة الـ “Spectator ” عام 1879:

تبدو مأساة السَّيد هاردي محددة بالكآبة عمداً. إنها تمنحنا جرعة من البؤس الإنساني، بدلاً من اللوعة الإنسانية-من عجز رجل عن أن يكون عظيماً في المعاناة، أو أي شيء آخر، بدلاً من عظمته في معاناة… التياع البطل خالص، بؤس صرف، ليس لوعة من أعمق الأشكال وأنبلها، التي يسعها أن تبصر أملاً في المستقبل وتندم على أخطاء الماضي.

بصورة خاصَّة، كان لدى المراجع مشكلات مع الشَّخصية التي هي روح الكتاب بأشكال عديدة:

لا تؤنِّب بطلة القصَّة الشَّهوانية ببرودة، يوستيشيا فاي، نفسها أبداً ولو للحظة على تقلِّب وفقر عواطفها. بل على العكس، لا تشعر بأن لأي شيء يعتمل في داخلها علاقة بالصَّواب والخطأ على الإطلاق، أو بوجود أمر كالمسؤولية.

شهوانية ببرودة هو إجمال ممتاز لشخصية “أوستيشا”. قرأ الناقد بعناية وبذهن منفتح. لكنه لا يستطيع تقبُّل أن يكون لمثل هؤلاء الناس وجود، أو أنه إذا كان لهم وجود فإنه من الواجب تقديمهم لنا في روايات جديرة باهتمامنا وشفقتنا. تلمح إشارات عديدة-“ندم”، “مسؤولية”-أنه يفكر بالحياة بالمعنى الأخلاقي، الخير والشَّر، ويتوقع أن يراها ممثلة بهذه الطريقة.  لا يسعه تجاوز واقعة أن هاردي
يظهر أنه يتحرك في عالم مختلف من المشاعر، عالم تكون فيه رغبة أوستيشا بالعيش المكثف طبيعية مهما كان الثَّمن، بل محببة، تتخطى كلياً ما يمت بصلة للأخلاق. لعجزه عن التجاوب بشكل إيجابي مع هذا، يصبح المراجع توجيهياً، مطالباً بالمفاهيم التقليدية مما ينبغي أن تكون عليه “المأساة” ومتذمراً من أن هاردي لم يكن مصيباً في أسلوبه.

هل يمكن أن يقال أي شيء مفيد أو موضِّح عن سوء الفهم أو النقاط العمياء هذه؟ بالتأكيد، في حالة توماس هاردي، يمكن للمرء القول إنه كان شائعاً إلى حدٍّ ما إساءة فهمه بهذه الطريقة، بطلب مبادئ أخلاقية لم يكن لها وجود هناك. احتجَّ المراجع موبري موريس ضد “تس من دوبرفيل” قائلاً: “هل للشعور العادي بالإنسانية ضد الإغواء، الزنا، والقتل أساس في صلب الأشياء؟” قصف مراجع آخر: “جود الفاحش”. هل يمكن أن يكون إذن أننا نملك قرينة هنا على أن كاتباً غير منسجم مع روح العصر. أو في حالات أخرى، حيث يحصل الجميع على كتاب-يوليسيس-وأنت لا، يعني أنك خارج الخط. أنت تعيش في عالم مختلف.

منذ بضع سنوات، بينما كنت أقرأ كتاب عن السيكولوجيا الجهازية، صادفت فكرة “الحادثة المبهمة”. الفكرة بسيطة إلى حد كاف. يلتقي شخصان من خلفيتين مختلفين تماماً ويصبحان متورطين في علاقة. ربما منجذبين جنسياً، انجذاباً متبادلاً، يصبحان صديقين حميمين. ثم يحدث أمر ما-ربما لقاء عائلة الآخر، مشاركة في حركة سياسية، تأمل ثمَّة فعالية جنسية معينة-يكشف لهما أنهما ينظران إلى الحياة بطريقتين مختلفتين تماماً. ليس فقط أنهما لا يتفقان، لكن إذا جاز لنا القول، لا يفهمان من أي مكان يأتي الآخر، وضع الشَّخص الآخر غير مفهوم، ربما مهدِّد.

لتوضيح الفكرة تعتمد عالمة النفس الإيطالية “فاليريا أوجاتزيو” في كتابها “الأقطاب الدلالية وعلم النفس المرضي في العائلة”، على شخصيتين من رواية ميلان كونديرا “خفَّة الكائن التي لا تحتمل”:

اتَّسمت علاقة (فرانز وسابينا) منذ البداية بحوادث مبهمة: يدعوها كونديرا “كلمات أسيء فهمها” ويطور مسرداً قصيراً منها…

عند نقطة ما، طرحت سابينا على فرانز سؤالاً: “لماذا لا تستعمل أحياناً قوتك علي؟”

أجاب فرانز: “لأن الحب يعني التَّخلي عن القوة”.

وسابينا أدركت أمرين: أولاً، أن كلمات فرانز كانت نبيلة وعادلة، ثانياً، أن فرانز، بهذه الكلمات، يستبعد نفسه في نظرها كشريك جنسي.

كثيراً ما أخبر فرانز سابينا عن أمه، ربما بنوع من الحسبة اللا واعية. تخيَّل أن قدرته على الإخلاص قد تجذب سابينا، وبالتالي قد تقتنع به. لم يعرف فرانز أن سابينا كانت منجذبة بالخيانة، وليس بالإخلاص.

ارتعد فرانز تقززاً عندما حدَّثته سابينا مرة عن تجوالها في المقابر. كانت المقابر بالنسبة له: “مزابل للحجر والعظام”، لكن بالنسبة لها، كانت المكان الوحيد الذي يذكِّرها بمسقط رأسها، بوهيميا.

أعجب فرانز بوطن سابينا. عندما حدثته عن نفسها وعن أصدقائها التشيك، سمع فرانز كلمات السِّجن، الاضطهاد، الدبابات في الشَّوارع، النُّزوح، ملصقات وأدب محظور، وسابينا بدت أكثر جمالاً، لأنه يستطيع أن يلمح من خلفها دراما وطنها المؤلمة… لم تشعر سابينا بالحب نحو تلك الدراما. كانت كلمات السِّجن، الاضطهاد، الكتب المحظورة، احتلال، ودبابات، قبيحة في نظرها، خلت من حبكة رومانسية في أبسط أشكالها.

إذا أراد كل من فرانز وسابينا المضي في علاقتهما نحو ما يتجاوز الطور الأول من الافتتان الجنسي الكثيف، سيتوجب على كل واحد منهما الانفتاح والتغير، أن يتعلم رؤية العالم بطريقة مختلفة. لكن على حد قول “أوجاتزيو”، بما أن ليس الجميع متحمسين للخروج من الوضعيات التي نشأوا عليها، سوف تنهار علاقات كثيرة عندما تعترضها “كلمات مساء فهمها”. هكذا انفصل فرانز وسابينا أخيراً. ومع ذلك هذه ليس نهاية المسألة تماماً. بعد أن انفصلا، بدأت سابينا تفتقد فرانز. في مقبرة مونبارناس، تجد نفسها فجأة قادرة على رؤية المقابر -وربما أيضاً على الإحساس بها-كما رآها فرانز. أن تفهم من أين كان قادماً. من ثم تتمنى لو أنها لم تكن برمة للغاية معه. حفزت الحادثة المبهمة لحظة النمو.

هل هناك تشابه مع الطريقة التي نقرأ بها؟ هل يمكن أن يكون الكتاب الذي يبدو في الأصل خاطئاً بوضوح بالنسبة إلينا، هو الكتاب نفسه الذي يسمح لنا بفهم شيء جديد حول أناس آخرين؟ لنفترض أننا عندما نبدأ برواية، الدعوة لمشاركة قصة، لأن نقترب من مجموعة من الشخصيات، تعمل مثل مهمة ايروتيكية. نحن مشدودون. يمكن أن تكون الصفحات الافتتاحية في الروايات مغوية على نحو رائع. يفتتح تولستوي رواية آنا كارنينا: “جميع العائلات السَّعيدة متشابهة، كل عائلة تعيسة هي تعيسة على طريقتها الخاصة”. أنا لست على يقين من أني أتفق حقاً مع كلا جانبي هذه الحكمة، لكن من في وسعه مقاومة مثل هذا الخبر الواعد؟ يعلن أورويل مقدماً لنا عالم 1984:”كان يوما بارداً ساطعاً في شهر نيسان، وكانت السَّاعات تدق الثالثة عشرة”. كيف لا يمكننا مواصلة القراءة. يفتتح بيتر بان: ” كبر جمي