هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.15K subscribers
3.09K photos
334 videos
60 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
ترجمة القاص عبدالله ناصر
حلم لم يفسر من قبل

ترجمتها عن الصينية يارا المصري

يجلسُ المُفَسِّرُ في عريشةٍ إلى جانبِ الطريق، ينوبُ عن الآخرين في تسجيلِ أحلامِهم. مرَّت عدةُ سنواتٍ، سَجَّلَ خلاها الكثيرَ من الأفكار والأمور الغريبة. ودائماً يكون الوضعُ هكذا: المارة كلهم من هؤلاء الأشخاصِ العاديين، يدخلون العريشة، يظهر الارتباكُ على محياهم لحظةَ يدخلون، يجلسون على الأرض. يسرد بعضهم حُلمَه بجزالةٍ وأسلوبٍ عذب، الآخرُ يسرده وصفاً مملاً جامداً، البعض يطلق العنان لعواطفه، فيما يسرد البعض الآخر حُلمَه سردًا مُلغِزاً، لا يشبه أحدهم الآخر. أمَّا المُفَسِّرُ فيظلُّ صامتاً، لا يظهر على وجهه أي تغيير يُسَجِّلُ الأحلامَ حُلماً بعد الآخر، ويحفظها في مفكرةٍ سوداء، مِن ثَم يغادره العابرُ ناقماً.

مع مرور الوقت، قلَّ عددُ الأشخاصِ  الذين يحلمون، ويوماً بعد يوم ازداد شعورُ المُفَسِّرُ بالوحدةِ، لكنه كان يمد رأسه بإصرارٍ نحو الطريق ويترقب بلا كلل. كان يتوقُ إلى حُلمٍ لم يُفسِّره من قَبل، حيث يمتزج في الحلم فيضٌ  من دفءٍ ونورٍ يُوخزُ العين. لم يكن متأكداً من ظهور هذا الحلم في عقله بوضوح، بل كان واثقاً أنَّ ثمة فكرة موجودة. ولم يكن باستطاعته كذلك أن يُفسِّرَ هذا الحلم ويسجله في مفكرتِه السوداء. كان لا مفر من أن ينتظر ظهورَ شخصٍ  ما، شخص تطوف هذه الفكرة في باله وتظهر في حلمه، ثم يأتي إلى المُفَسِّرِ ويحكي له، وسينوب عنه في تسجيلها. وإذ كان ثمة الكثير من الحلقات المتشابكة والانعطافات الملتوية خلال ذلك، فلم يكن بيد المُفَسِّرِ حيلة سوى الانتظار.

تمر الأيام يوماً تلو الآخر، ولا يحكي القادمون عن الفكرةِ التي في قلب المُفَسِّرِ، كما أن تلك الفكرة لطالما كنت عصيةً على وضعها في كلمات، وكان الالتباسُ  كذلك عصياً على الإزاحة، كانت عزيمة المُفَسِّرِ تفترُ يوماً بعد الآخر وتغتم نفسه، لكنه كان يمد رأسه نحو الخارج بإصرار وعزيمة. شقَّقَ بردُ الشتاءِ يديه وقدميه، وتورَّمت مفاصله كخبز مانتو صغير بفعل رطوبةِ الربيع، وبدأ المطر يتسرب عبر تلك العريشة البسيطة المتهالكة.

وتوقف أغلب المارة عن قصِّ  أحلامهم له، وكانوا يرمقونه بنظرات باردة ويسيرون في طريقهم متعجلين، كان المُفَسِّرُ يتفحص كلاً منهم بتركيز، وفؤاده يتخبط بإيقاعٍ منتظمٍ بين أملٍ ويأس. وكانت تمر أيام لا يأتيه فيها إلَّا شخصٌ أو بضعةُ أشخاص، أحلامهم عاديةٌ جداً، رغم أن مضمونها يحوي فرحاً وابتهاجاً في فضاءٍ شاسع، أو أنَّ الحالمَ متشبثٌ بكهفٍ في أعماق الأرض؛ أو أن أحدهم يداهمه رعبٌ من حيوان شرس، أو الآخر ميتٌ يحيطه الظلامُ والوحشة. إلَّا أنَّ أيَّاً منهم لم يصف الفكرة التي تختلج في فؤاد المُفَسِّر.

ربما هذا نوعٌ من المعاناة؟ نوعٌ من تعذيبِ الذاتِ وتجريحِها؟

سأل المُفَسِّرُ نفسه مراتٍ عدة، ومرات عدة لم يجد إجابةً لأسئلته.

وما أن يغادره الحالمون، حتى يصيبه سطوع الفكرة التي لم تُفسَّرْ من قبل، باختلاجاتٍ في جسده بالكامل، تلك الاختلاجات ـــ تلك الاختلاجات بذاتها ـــ ما يجعله متيقناً من وجود تلك الفكرة، لهذا أعطى تلك الفكرة التي لم يُفسرها، تلك الفكرة التي لم تظهر جلية في ذهنه اسم «الريح» تظهر «الريح» حينما يغادره الحالمون.

كان يأتي إلى عريشته أشخاصٌ  تغدو أحلامهم أكثر غرابةً وعجباً، ويشتكون جميعاً من أنَّ الأشياء التي يرونها في أحلامهم عصيَّةٌ على التفسير، ولأنها عصيَّةٌ على التفسير، كان بعضهم يحكي نصف حلمه ويمضي حزيناً. أما المُفَسِّرُ، فيفهم كل هذا، يده تحمل المفكرة ذات الغلاف الأسود والقلم الحبر، متظاهراً بالإصغاء، لكنه في الحقيقة لا يسجل أي شيء، وحين يغادر الحالم، تظهر في ذهنه كالعادة تلك الفكرة التي تصيبه بالاختلاجات، ويغدو ذهنه خاوياً إلَّا من بعض أشياء تشبه الظلال تتأرجح هنا وهناك. لم يكن متيقناً، لكنه كان راضياً، يغلق المفكرة، ويجلس على الأرض مستقطعاً فترةَ استراحةٍ قصيرة، وقتُ الاستراحةِ طيب.

وقد دار الحوارُ التالي بينه وبين أحد الحالمين:

الحالم: ما هذا الذي حكيتُه؟ إنه لا يضاهي عُشرَ ما رأيتُه، لا أستطيع أن أتحمل هذا الشعور بعد الآن، لِمَ لا أستطيع قصَّ كل شيء؟ إنه لأمرٌ مزعج! إنَّ الرياحَ هنا شديدةٌ للغاية.

المُفَسِّر: أوه!

الحالم: إنَّ كلَّ ما تسجله هنا محضُ هراء، ومع ذلك نأتي إليك، وكلنا نعلم أنك الشخص الوحيد هنا الذي بإمكانه تسجيل أحلامنا. أود أن أحكي كلَّ شيء، أخبرني، ربما ليست لدي مهارة الحكي؟

المُفَسِّر: بل حديثك مشوقٌ للغاية!

لا يكشف الحالمون على الإطلاق الأحلامَ والأفكارَ التي يُسرُّون بها للمُفَسِّرِ، وكأنه اتفاقٌ مُسبقٌ بينهما. أما هم، وبعد أن يحكوا أحلامهم، فيشعرون وكأنهم خبأوا كنزاً داخل عريشته المتهالكة. وفي حقيقة الأمر، فهم قلَّما يعودون بذاكرتهم إلى الأمور التي حكوها، لكنهم يتذكرون أنفسَهم وهم يحكون، لأن هذا كنزهم. كما أنهم لا يهتمون إذا كان المُفَسِّرُ يسجل في مفكرته أم لا، بل يهتمون بدخولهم العريشة
وحكيهم، ذلك الفِعل بذاته. رغم أنهم لا يكفُّون عن الشكوى والتذمر خلال حديثهم، وكأنهم نافدو الصبر، وكأنهم مفعمون بالسأم، إلا أنهم في دواخلهم راضون عن أنفسهم، ويشعرون ما أن يغادروا العريشة كأنهم أصبحوا أشخاصاً عاديين، راضين بأن يعتبروا ذاك التواصل الاستثنائي بينهم وبين المُفَسِّرِ سرهم الأعظم، راضين عن رؤية تلك المفكرة ذات الغلاف الأسود، تلك المفكرة السوداء التي تبعث في نفوسهم الحميمية، تبعث في نفوسهم شعوراً بالانتماء.

إلَّا أنَّ أحداً لم يتوقع أن يتخلى المُفَسِّرُ عنها، لأنَّ بها الكثير والعجيب من الأحلام، كما أنَّ الآخرين يعتبرونها كنز الحالمين. لكنه تخلى عنها، وفسر ذلك بنبرة فاترة أنها اختفت بلا أثر، وأبى أن يذكر أمرها ثانيةً.

لا تزال العريشة المتهالكة تستقبل قليلاً من الناس، وكما هي العادة، يجلس المُفَسِّرُ باستقامة والصرامةُ تكسو ملامحه، منصتاً إلى حكيهم، صامتاً طوال الوقت. ولم يؤثر اختفاء المفكرة على علاقتهم الاستثنائية، ومن بين المارة القادمين مَن جاء من قبل، ومَن يأتي لأول مرة. وفي دواخلهم كان بإمكانهم الشعور بفوائد اختفاء تلك المفكرة، ذلك لأن حديثهم أصبح أكثرَ ثقة.

وكلما أتوا إليه كانوا لا بد أن يبدأوا حديثهم بافتتاحية طويلة أو قصيرة، ثم مَن بإمكانه أن ينتبه إلى ما يقولونه؟ إنه لأمرٌ مستحيل. وإلى اليوم، وبعد مرور عدةُ سنوات، بإمكاننا إدراك أنه لم يكن ثمة مغزى لحديث هؤلاء الناس، إذ إنهم لا يثرثرون إلَّا بأحاديث لتضييع الوقت. أما المُفَسِّرُ، فلم يكن يصغي إليهم، بل كان يتظاهرُ بالإصغاء، وذهنه مشغولٌ بأمورٍ أخرى.

ونحن على ثقة بأنه منشغلٌ بتلك الفكرة العَدمية، تلك الفكرة التي تبعث في قلبه الاضطراب والقلق لدى مجيئها، لكنه يعلم ذلك المثل الذي يقول في العجلة الندامة، لذا لم يكن بيده غير أن يتصنع مظهراً متكلفاً، ويصغي إلى الأحلام المحكية، وبهذا يُصرِّفُ جزءاً من الوقت الطويل عبر هذا التأخير المُتعَمد. وتكرار الأمر علَّمه الصبر.

يرى المُفَسِّرُ شخصياً أنَّ تخلصه من المفكرة أمرٌ مريحٌ جداً، وحَسَنٌ أيضاً، لكن لا تزال ثمة بعض النقائض؛ من بينها ازدياد اعتماده على الحالمين، وتقسيم حياته إلى حالات حسب مجيء كل منهم، ولم يعد يذكر الوقت الذي قضاه في العريشة، وتلاشى إحساسه بالزمن تماماً. وكلما أراد أن يتذكر أمراً ما كان يتذكره هكذا: «حدث في ذلك اليوم الذي جاء فيه الرجلُ ذو الوجه الأسمر الذابل......» أو «بعد ظهر ذلك اليوم حين جاءت المرأةُ ذات الكَلَف......» أو «اليوم الذي لم يأتِ فيه أحد......» أو «الصباح الذي جاء فيه أحدهم لكنه لم يحكِ شيئاً ومضى......»، وهكذا.

وقد يبدو هذا التقسيم في مضمونه مريحاً، لكن بما أن عدد القادمين قليل، وبما أن ذاكرته تضعف تبعاً لقلة الحالمين، فقد كان هذا التقسيم يحمل من الإبهام والتضليل الشيءَ الكثير، وعُكِست الأمور، فإن حدثت أمور مربكة، كان من حسن حظه أنه أصبح لا يهتم بها، إذ أصبح لا مبالياً مع مرور الوقت.

وإذا جاء إليه شخصٌ أو أكثر في يوم واحد، فإنه يعتبر هذا اليوم عيداً، وحين يمضي الحالم، يجلس كعادته على الأرض، مستقيماً، تكسو ملامحَه صرامةٌ متناهية، ويختلج جسده وفؤاده بذلك الألق الذي لا يراه أحد، ولا حتى هو. وقلَّما تتكرر هذه اللحظة، ولَّما كان مدركاً لذلك، فلم يبدُ عليه القلق الشديد.

كان يعلم أنَّ الحالمين سيأتون، غير مدفوعين بإرادتِهم الخاصة، فقد كانت الإرادةُ التي تدفعهم إلى المجيء كامنةً في قلبه. وقلَّما يمد رأسَه الآن متأملاً الطريق، كان يبدو في حالةٍ هادئةٍ معظم الوقت، ولمحة القلق الوحيدة التي تظهر عليه هي حين قدوم الحالم، لأنه يعلم ماذا سيحدث بعدها، فنراه فيما بعد مكوَّماً لدى هبوب الرياح الباردة، نافخاً مفاصل أصابعه المنتفخة كمانتو صغير، وفي عينيه يتراقص فرحٌ مجنون لا يمكن وصفه.

يقول العديد من الناس إنَّ المُفَسِّرَ ما هو إلَّا محضُ وهم، لأنه لم يقدر على إثبات نفسه. وهم على صواب، فلم يكن هناك سجلٌّ زمنيٌّ لوجود هذا الشخص، وقد حدث ذلك في منتصف مهنته وأواخرها. وكان ينكمش داخل صَدَفته العجيبة تلك، ولم يستطع أحد في النهاية أن يقتفي أثره، وكل ما رأوه مجرد صَدَفَة خاوية إلى جانب الطريق، تشبه هذا النوع من الصَدَف الرائج. ويزعم بعضهم من وقتٍ لآخر أنَّ صوتَ المُفَسِّرِ ينبعثُ من أعماقِ كهفٍ سحيقٍ ويصلُ إلى أذنه، لكن الكهف في الحقيقة يقبع عميقاً لا يُسبَرُ غوره، لذا حين ينبعثُ ذلك الصوتُ إلى أذنه، يكون أشبه ببكاءِ النمل.

ليس ثمة فائدة تُرجى من تلك المزاعم. هذا صحيح. نحن نرى المُفسِّرَ كلَّ يومٍ جالساً داخل العريشة، في الهيئةِ ذاتها، بأسلوبه ذاته. والغريب في الأمر أنه كلما أردنا أن نعتبره واحداً منا، تحدث تعقيداتٌ غير متوقعة. وقد روينا عن حياته الشخصية وتواصله الغامض مع الناس، لكن هذا كله كان من وجهة نظره محاولةً لتفسير كل ما حدث، ولا يعتقد أحد أنه أمرٌ ممكن إذا ما وضعنا هذا جانباً، وأردنا أن نح
لله بشكل مستقل.

وتقريباً لم يتذكر أحد أيَّ تفصيلةٍ تخصه، جملةٍ، تعبيرٍ، حركةٍ، كلماتٍ مكتوبةٍ أو غيرها. كلُّ شيءٍ عنه، وكلُّ وجودِه كامنٌ في حكيه، أمَّا ذلك الحكي، فكان غامضاً، يفتقدُ إلى مدى زمني. الأمرُ الأهم، أنه لم يكن بوسعِ أحد أن يحكي قصتَه بلغتنا. لم نسمع حكيه بوضوح، لم يسمعه أحدٌ من قبل.

تسان شيوي

اسمها الحقيقي دينغ شياو هوا، وُلِدَت العام 1953 في مقاطعة هونان في الصين. من أبرز كتاب تيار الأدب الطليعي وواحدة من أهم الكاتبات الصينيات المعاصرات. بدأت نشر أعمالها العام 1985. تُرجمت أعمالها إلى العديد من اللغات منها الإنجليزية واليابانية والفرنسية والإيطالية. العام 2015، رُشِّحَت لجائزة نيوستاد الدولية للأدب. فاز عملها «الحبيب الأخير» بجائزة أفضل كتاب مترجم في الولايات المتحدة، كما رُشِّحَت لجائزة صحيفة الإندبندنت للأدب الأجنبي.
عينا سيلينا
قصة برناردو كوردون (الأرجنتين)
ترجمة: صالح علماني

في الأصيل الذي جعله الحر مائلاً إلى البياض، بدت عينا سيلينا كأنهما بئرا ماء بارد. فلم أعد أبتعد عنها، وكأنني وجدت فيها ظل شجرة صفصاف وسط الحقل الذي تلهبه الشمس. لكن رأي أمي كان مختلفاً: «هي التي سعت إليكَ، تلك المنحطة»، هذا ما قالته لي. وكالعادة لم أجرؤ على مخالفتها. ولكن، إذا لم تخني الذاكرة فإنني أنا الذي ظللت إلى جوار سيلينا وبي رغبة في النظر إليها كل لحظة. ومنذ ذلك اليوم صرت أساعدها في القطاف، ولم يرق ذلك أيضاً لأمي المعتادة على الأساليب التي علمتنا إياها في الأسرة. أعني، العمل الشاق المتواصل دون التفكير بأي شيء آخر. وكل ما كنا نكسبه نعطيه لأمي، دون أن نُبقي لأنفسنا بيزو واحداً. فعجوزنا هي التي تتولى دوماً نفقات البيت ونفقاتنا.
لقد تزوج أخي قبلي، لأنه أكبر مني سناً، ولأن زوجته روبيرتا بدت محبة للعمل وصموتاً مثل بغلة. فهي لم تتدخل في شؤون الأسرة واستمر كل شيء على حاله، حتى أننا لم نعد ننتبه بعد وقت قصير إلى وجود امرأة غريبة في البيت. أما سيلينا فكان أمرها مختلفاً. فهي تبدو ضعيفة وغير مناسبة للعمل. ولهذا كانت أمي تكلفها بأقسى أعمال الحقل، لترى إن كانت ستتعلم أخيراً.
ولسوء حظ سيلينا فقط، خطر لها أنه يمكننا بعد زواجنا أن نقيم في بيت مستقل، وأن أحتفظ بنقودي لنفسي. وقد قلت لها إنني لن أفعل هذا بأمي مقابل أي شيء في الدنيا. وشاء سوء الطالع أن تعلم العجوز بفكرة سيلينا. فصارت تعاملها على أنها مجنونة ولم تغفر لها أبداً. لقد خجلتُ خجلاً شديداً لأن زوجتي تفكر بطريقة مختلفة عنا جميعاً. وآلمني أن أرى أمي شاكية. كما أنها أنبتني لأني لم أعد أشتغل جيداً كالسابق، وكانت هذه هي الحقيقة المحضة. فالواقع أنني كنت أقضي وقتاً طويلاً إلى جانب سيلينا، وكانت المسكينة تنحل يوماً بعد يوم، لكن عينيها بالمقابل كانتا تكبران. وهذا بالتحديد ما كان يفتنني: عيناها الكبيرتان. ولم أكن أملّ من النظر فيهما أبداً.
مرت سنة أخرى، وساءت الأمور أكثر. فروبيرتا التي تعمل في الحقل مثل أتان قد أنجبت ابنها الثاني. كانت أمي تبدو سعيدة، لأن روبيرتا، مثلها تماماً، تنجب ذكوراً للعمل. أما من سيلينا فلم نحصل على أولاد، حتى ولا على مولودة أنثى. لم أكن أشعر أنني بحاجة إلى أولاد. لكن أمي كانت تؤنبنا. ولم أجرؤ على مخالفتها أبداً، وخصوصاً حين تكون غاضبة، مثلما كانت في ذلك اليوم الذي استدعتنا فيه، نحن ابنيها، لتقول لنا إنه لا بد من التخلص من إزعاج سيلينا في البيت، وإنها ستتولى هي نفسها هذا الأمر. بعد ذلك بقيت تتحدث إلى أخي. وقد أحزنني هذا كثيراً، لأننا لم نعد كالسابق، حين كنا نحلّ كل شيء معاً. فأمي تتفق الآن مع أخي على انفراد. وعند المساء رأيتهما يذهبان في العربة ومعهما قدر ولفافة قماش. ففكرت بأنهما ذاهبان إلى الجبل للبحث عن أعشاب برية أو عن تميمة من أجل إشفاء سيلينا. ولم أجرؤ على سؤالهما شيئاً. فقد كنت أخشى دوماً رؤية أمي غاضبة.
في اليوم التالي أخبرتنا والدتي بأننا سنخرج يوم الأحد في نزهة إلى النهر. لم يكن يبدو عليها أبداً أنها محبة للنزهات أيام الآحاد أو في أي يوم آخر، لأن العمل لم يكن ينقصنا في البيت أو في الحقل. لكن ما جعلني أستغرب الأمر هو أنها أمرت سيلينا بالمجيء معنا، فيما كان على روبيرتا البقاء في البيت لتتولى شؤونه وشؤون الصغيرين.
لقد تذكرتُ في يوم الأحد ذاك الأزمنة القديمة، حين كنا صغاراً. وبدت أمي سعيدة وأكثر شباباً، فقد جهزت الطعام للنزهة وربطت الحصان إلى العربة، ثم أخذتنا إلى حيث منحنى النهر.
كان الوقت ظهراً، وكان الجو حاراً كأنه الفرن. طلبت أمي من سيلينا أن تذهب لتدفن دمجانة النبيذ في رمال النهر الباردة. وأعطتها كذلك القدر الملفوفة بقطعة القماش.
ـ افتحي هذه عند النهر، واغسلي البندورة التي فيها جيداً كي نصنع السلطة.
بقينا وحدنا وليس لدينا كالعادة ما نقوله. وفجأة سمعتُ صرخة من سيلينا أوقفت شعر بدني. ثم أنها نادت بصرخة كصرخة حيوان جامح. أردت أن أركض نحوها، لكنني فكرت بأعمال السحر واعتراني خوف شديد. ثم إن أمي طلبت مني ألا أتحرك من مكاني.
جاءت سيلينا مترنحة وكأنها قد شربت وحدها كل النبيذ الذي حملته إلى النهر لتبرده. ولم تفعل شيئاً آخر سوى النظر إليّ نظرة عميقة بهاتيك العينين، ثم انهارت على الأرض. انحنت أمي فوقها، وتفحصت جسد سيلينا بدقة. وأشارت قائلة:
ـ هنا، تحت المرفق.
وقال أخي:
ـ هنا بالضبط لدغتْ الأفعى.
كانا يتفحصان بعيون متفاهمة. وفتحت سيلينا عينيها وعادت تنظر إليّ وتلعثمتْ قائلة:
ـ أفعى. كانت هناك أفعى في القدر.
نظرتُ إلى أمي، فوضعتْ إصبعها على جبهتها لتشير إلى أن سيلينا قد أصيبت بالجنون. والحقيقة أنها لم تكن تبدو بكامل وعيها: كان صوتها يرتعش، ولم تكن تكمل نطق الكلمات، مثل مخمور متلعثم اللسان.
أردتُ أن أضغط على ذراعها كي لا يسري السم فيه، لكن أمي قالت إن الوقت قد فات، ولم أجرؤ على مخالفتها. حينئذ قلت إنه
يتوجب علينا أن ننقلها بالعربة إلى القرية. ولم ترد أمي عليّ. كانت تضغط شفتيها، ففهمتُ أنها آخذة بالغضب. عادت سيلينا تفتح عينيها، وبحثت عني بنظرها. حاولتْ النهوض، وخطر لنا جميعاً أن السم لم يكن قوياً بما يكفي. حينئذ أمسكتني أمي من ذراعي وقالت لي:
ـ لا يمكن إصلاح هذا إلا بطريقة واحدة. يجب أن نجعلها تركض.
ساعدني شقيقي على رفعها عن الأرض. قلنا لها إنه عليها أن تركض لتشفى. الحقيقة أنه يصعب علي أي كان الركض في مثل تلك الحالة: فالسم يصبح أسوأ عند الركض ومفعوله أسرع. لكنني لم اجرؤ على مجادلة أمي، ولم يكن يبدو على سيلينا أنها تفهم شيئاً. كانت كلها عينين ـ وأي عينين!ـ تنظر إليّ وتشير لي برأسها أن نعم، لأنها لم تعد قادرة على تحريك لسانها.
حينئذ صعدنا إلى العربة، وانطلقنا عائدين إلى بيتنا. لم تكن سيلينا قادرة على تحريك ساقيها إلا بمشقة، ولم أعرف إن كان ذلك بفعل السم أو لخوفها من الموت. كانت عيناها تكبران أكثر فأكثر، ولم تكن ترفع نظرها عني، وكأنه لا وجود لشيء آخر في الدنيا سواي. كنت أفتح لها ذراعي وأنا في العربة مثلما يفعلون حين يعلّمون طفلاً صغيراً المشي، وكانت هي تفتح ذراعيها كذلك، مترنحة مثل سكران. وفجأة وصل السم إلى قلبها وهوت على الأرض مثل عصفور صغير.
سهرنا على جثتها ودفناها في اليوم التالي في الحقل. ذهبت أمي إلى القرية للإبلاغ عن الحادث. واستمرت الحياة كالعادة، إلى أن جاء في مساء أحد الأيام مفوض تشانيارال مع شرطيين وقادونا إلى القرية، ثم إلى سجن ريسيستنثيا.
يقولون إن روبيرتا هي التي نقلت للقرية حكاية الأفعى في القدر. ونحن الذين كنا نظنها صموتاً كبغلة! لقد كانت تتصنع دوماً لتبدو وكأنها ذبابة ميتة، ولكنها استولت أخيراً على البيت وعلى العربة وعلى كل شيء.
ما أسفنا عليه حقاً، أنا وأخي، هو ابتعادنا عن العجوز حين نقلوها، وإلى الأبد، إلى سجن النساء. لكنني لا أشعر في الحقيقة بأنني في حالة سيئة، فالعمل في السجن أقل والأكل أفضل مما كان عليه في الحقل. والشيء الوحيد الذي أريد أن أنساه، ولو لليلة واحدة، هو عينا سيلينا حين كانت تركض وراء العربة.

ترجمة : صالح علماني
" الفقير يشتري الجريدة
و الغني يشتري رئيس التحرير ".

ليونيد شيبارشين
بعد القبض علي تشي جيفارا في مخبئه الأخير بوشاية من راعي أغنام.
سأل أحدهم الراعي الفقير : لماذا وشيت عن رجل قضى حياته في الدفاع عنكم و عن حقوقكم ؟
فأجاب الراعي : كانت حروبه مع الجنود تروع أغنامي!
يقول محمد رشيد رضا : "الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير !"
أرونداتي روي: كتبت عن كشمير لأواجه آثامي الشخصية

أجرى الحوار رينيه فان ستيبريان
ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد



بعد عشرين عامًا على النجاح الكبير الذي حققته روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة" (1997)، ها هي الكاتبة الهندية المثيرة للجدل "أرونداتي روي" تصدر روايتها الثانية في مشوارها الأدبي تحت عنوان "وزارة السعادة القصوى"، تقول: "لم يعد إصدار رواية جديدة حدثًا اليوم، وأصبح من الغباء أن أضطر في كل مرّة إلى شرح الأسباب التي جعلتني أتوقف كل هذه الأعوام عن الكتابة الروائية". بدأت "روي" كتابة روايتها الأولى في العام 1992، والتي تكاد تكون سيرة ذاتية لكاتبتها، وعكفت على نسج خيوطها لمدة خمسة أعوام، قبل أن تصدر في 1997 لتصنع زلزالًا في كل لغة تترجم إليها.



ولدت "أرونداتي روي" في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1961 من أم سورية مسيحية وأب بنغالي يدين بالهندوسية، وتعود جذور أمها "ماري روي"، والتي برزت هي الأخرى كمناضلة في مجال حقوق المرأة، إلى القبائل السريانية التي هاجرت قبل عقود من الشام إلى الهند، كان أول ظهور لاسم "أرونداتي روي" على الساحة الدولية حين حصدت روايتها الأولى، في مفاجأة غير متوقعة، جائزة البوكر الشهيرة سنة 1997، خاصة وأن "روي" كانت مجهولة تمامًا على المستوى الدولي آنذاك، وعلى العكس من الكثيرين الذين علقوا على الكاتبة الموهوبة الكثير من الآمال، تركت "روي" نجاحها الأدبي جانبًا، وتفرغت لنشاطها السياسي الاستثنائي كمدافعة عن حقوق الأقليات في بلدها الهند.



ليس لدى "روي" ما تخشاه، حتى وإن كان الموت المشهر عبر العديد من فوّهات كارهيها من السياسيين ومافيات الدم البشري، تناصر الفقراء والمعدمين وتقف بالمرصاد لألاعيب رجال الأعمال والشركات الأخطبوطية عابرة القارات، قضت طفولتها في ولاية كيرالا وذهبت إلى مدارسها لتنهي مراحل تعليمها الأساسية هناك، قبل أن تنتقل إلى الجامعة لتدرس الهندسة المعمارية بجامعة نيودلهي.



"صارت كل كتابة عن العنف الدائر اليوم في الهند تتهم بالابتذال، وبالتالي صار الجميع ينصرفون عن تناول المجازر اليومية بحق الكثير من الأقليات خوفًا من وصمهم بهذه التهمة"، تقول "روي" وهي تقودني إلى مجلسنا في غرفتها بفندق شيراتون القريب من مطار أمستردام الدولي، حيث ستغادر بعدها إلى بروكسل لتوقع الترجمة الهولندية لروايتها الجديدة "وزارة السعادة القصوى". لحسن الحظ لم تؤثر الإضاءة السيئة للغرفة على مزاج "روي" أثناء الحوار، تحدثت بحماس عن قضية كشمير كما لو كانت طائرًا يحلق فوق جبل، وأنهت كلامها قائلة إنها لم تعد تشعر بالتفاؤل حين تفكر في المستقبل القريب لبلدها الهند: "الكثير من القراء وجدوا أن روايتي الجديدة بها العديد من الرموز والإسقاطات السياسية، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل البشع الذي تنتهجه الهند تجاه الطبقات الفقيرة، خاصة طبقة الـ"داليت" أو "المنبوذين"، والتي تحتل أدنى مرتبة في النظام الطبقي الهندوسي في الهند".



في روايتها الجديدة، نشعر أن "روي" أصبحت بعيدة تمامًا عن الخيال الروائي الذي تبدّى في روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة"، في "وزارة السعادة القصوى" نجدها تكتب بطريقة أبعد ما تكون عن التخييل الروائي، بل أقرب إلى الرواية الوثائقية منها إلى الخيالية، حيث نجد في ثنايا الرواية العديد من التقارير الصحفية وطلبات اللجوء والشهادات الشخصية لأفراد من طبقة الداليت الهندية، إلى جوار العديد من الشخصيات الفرعية والعابرة، لتغطي الرواية عدة عقود من تاريخ الهند المعاصر.

الشخصيتان الرئيسيتان في رواية "روي" الجديدة هما الخنثى (هيجرا – أنجوم) الذي يعيش بإحدى مقابر العاصمة الهندية دلهي، والآخر هو المهندس المعماري الحر "تيلو" الذي عانى من صدمة كبيرة في كشمير. تسخّر أرونداتي روي روايتها الجديدة لمناقشة قضية كشمير على نطاق واسع، حتى تكاد لا تترك شيئًا يُذكر للخيال الروائي. ومعروف أن روي سخّرت سنواتها العشرين السابقة في الدفاع عن قضية كشمير من خلال كتاباتها الوثائقية ونشاطها كمدافعة عن حقوق الإنسان.



وإن كانت أرونداتي روي توقفت عشرين عامًا عن الكتابة الروائية، إلا أنها تملك رصيدًا مهمًا من الكتب السياسية التي لاقت رواجًا في العالم الناطق بالإنكليزية وكذلك في بلدها الهند، والتي تدور في غالبيتها حول السياسات الكونية والعولمة المتوحشة والحرب على الإرهاب، وعودة الاستعمار الأميركي لينتشر من جديد في عدد من المستعمرات الغربية العتيقة، كالعراق وأفغانستان وباكستان والهند، ومن هذه الكتب: "نهاية الخيال" (1998)، "ثمن العيش" (1999)، "علم جبر العدالة اللانهائية" (2001)، "سياسات القوة" (2001)، "حديث الحرب" (2003)، إضافة إلى كتابها المهم "دليل القارئ العادي إلى الإمبراطورية" والصادر سنة 2004.



إلى أي مدى ترين أهمية كتاباتك السياسية التي قدمتها على مدى الأعوام العشرين الماضية في بناء روايتك الجديدة؟
لهذه السنوات الطويلة من اهتمامي بالسياسة أهمية كب
يرة في تشكل روايتي الجديدة بالطبع، لقد سافرت إلى جميع أنحاء وقرى الهند المنسية خلال الأعوام العشرين الماضية، ورأيت الأشياء التي لم يكن يتسنى لي رؤيتها وأنا جالسة خلف شاشة كمبيوتري الشخصي، من خلال هذه الرحلات المستمرة إلى جنبات الهند ومناطقه المنسية، لاحظت أن الهوة تتسع بين المدن والقرى المحيطة بها، ولا أعني هنا الهوة الاقتصادية بقدر ما أعني الهوة الثقافية، في بعض المدن يبنون السدود المائية من دون أية دراسة للتأثير الذي سيخلفه بناء هذا السد على العديد من القرى الأخرى، يسخرون في المدن من قضايا الفقراء الذين يعيشون في القرى والضواحي الفقيرة التي تنعدم فيها أية بنية تحتية من أي نوع، ثم تأتي السياسة الهندية لتسكت عن قضية كشمير[1]، لن تستطيع أبدًا فهم ما يحدث في كشمير لو أنك اكتفيت بما تذكره منشورات نشطاء حقوق الإنسان أو التقارير الصحفية أو الكتابات الوثائقية المدعومة بآلاف الحقائق التاريخية، لن تستوعب قضية كشمير من دون أن تزاوج بين ما يحدث على أرضها من فظائع واقعية وبين الخيال الأدبي.



ولكن لماذا تناولت القضية من خلال قالب الرواية؟ أكانت هذه هي الوسيلة المناسبة لإيصال رسالتك؟

الخيال هو السبيل الوحيد من وجهة نظري لتناول قضية معقدة وشائكة مثل قضية كشمير، في الكتابات غير المتخيلة تجد نفسك داخل جدال لا ينتهي حول الموقف الهندي من كشمير والعكس، أما من خلال الكتابة الروائية فأنت تضع العالم كله تحت عينيك، لتظهره من جديد إلى الآخرين من الزاوية التي تريدها، من خلال تناولك لخبرات إنسانية لمستها أو عايشتها بنفسك، حين تنطلق من هذه النقطة لن تتساءل حول مدى صلاحية هذا الخطاب الروائي لإيصال رسالتك من عدمه، لأن المحاولة ذاتها تستحق الخوض فيها أكثر من إيصال الرسالة أو عدم إيصالها، لم يكن لديّ غرض محدد من كتابتي عن قضية كشمير، ولست في حاجة إلى التوصل إلى استنتاجات جديدة غير التي أؤمن بها منذ سنوات، لكني مؤمنة تمامًا بأن الخيال يحسن الواقع. لم أكتب هذا العمل كي يفهم القراء خارج الهند ما يحدث في كشمير، ولكن لطرح العديد من الأسئلة الملحة ومن بينها: كيف يرى الهنود سلطتهم السياسية وهي تمارس الإرهاب العلني ضد أهل كشمير؟ وما هو المبرر الأخلاقي الذي يتكئ عليه القاتل وهو يقوم بارتكاب جرائم حرب؟ أنا مقتنعة بأن كشمير سوف تدمر الهند في نهاية المطاف لأنها تمتلك القاعدة الأخلاقية الرئيسية التي تبنى عليها المجتمعات.



ثمة جملة في روايتك تقولين فيها: "أوه، إنها فقط كشمير"! وأبرزت صحيفة النيويوركر الجملة ذاتها معتبرة أن نبرتك فيها كانت جد ساخرة، هل بالفعل كتبت هذه الجملة على سبيل السخرية أم الغضب مما يحدث هناك أم اليأس من إصلاح القضية برمتها؟

لم أكتبها وفي عقلي أحد هذه الاحتمالات الثلاثة، بل فقط لأنها النبرة الواقعية التي تناسب ما يحدث هناك من إرهاب يومي وجرائم حرب، بل لا يمكننا حتى أن نقول إنها نبرة إحباط، فليس هناك على المستوى الدولي من يهتم بقضية كشمير، لم ترتفع قضية كشمير إلى مستوى القضية الفلسطينية، والتي تتم مناقشتها باستمرار على المستوى الدولي دون أن يحدث فيها أي تغيير من أي نوع، هي ليست جملة ساخرة، وليست جملة غضب أو احتقار، بل بحث عن معنى للقضية، أنا أسميها جملة "رحيمة"، تكتب عن قضية تعالج بدون رحمة منذ عقود، جملة كتبتها كاتبة هندية تحاول التعبير عن مخاوفها تجاه مستقبل شعبها وبلدها، فهذا هو دوري المنوط بي ولن أتخلى عن الالتزام به حتى الموت، كتبت هذه الرواية لتسجيل رؤيتي الخاصة جدًا لقضية كشمير من خلال تاريخي الشخصي، عوضًا عن كتابة رواية عن الاستعمار أو الإمبريالية الجديدة، إنها مسألة مثيرة لاهتمامي بقوة أن أكتب عن كشمير من خلال تاريخي الشخصي، لأن ذلك يجعلني أواجه آثامي الشخصية تجاه هذه القضية.



يتساءل المحامي "تيلو" في الرواية قائلًا: "كم من الدماء يمكن لرواية أن تحتمل؟" هل توصلت إلى الجواب الآن بعد صدور الرواية؟

تحتمل الرواية كل ما يسال هناك من دماء بشكل يومي، ألاحظ ومنذ سنوات كيف تم محو العديد من الموضوعات السياسية الساخنة من الأدب الهندي المعاصر، خذ مثلًا موضوع تقسيم المجتمع الهندي على أساس التنوع الروحي والكرمة في الهندوسية إلى أربع مجموعات، حيث يؤمن الهنود أن براهما خلق أربع مراتب من الناس: الأولى هي "براهمين" وهي الطبقة الكهنوتية والمعلمة، والثانية هي "كشاتريا" وهي طبقة المحاربين والحكام، والثالثة "فيشيا" وهي طبقة المزارعين والتجار، والرابعة والأخيرة هي "شودرا" طبقة الخدم والعمال. أغلب الكتاب ألغوا هذا الموضوع الرئيسي في الذهنية الهندية من تناولهم أو حتى النقاش حوله، وهو الموضوع ذاته الذي تناوله كتاب جنوب أفريقيا قبل ثلاثين عامًا من الآن، أي الفصل العنصري القائم على تقسيم الناس إلى طبقات من خلال دينهم أو عرقهم أو لون بشرتهم، كذلك لا يجب أن ننسى أنه منذ العام 1947 لم يمر يوم في الهند دون أن ينزل الجيش ضد الشعب في منطقة ما من البل
الماضية، لم يعد هناك أحد يتفحص لحظته الراهنة كما كنا نقول قبل عشرين عامًا من الآن، لأن الإيقاع السريع واللاهث اليوم جعل من عملية تفحصك للحظتك الراهنة شيئا عبثيا تمامًا، لأن اللحظة لم تعد راهنة كما كانت عليه في السابق، فبمجرد تفحصك لها صارت في الماضي، وما أعنيه هنا أننا صرنا نحيا لحظة مزدحمة بالمعلومات التي تأتيك عبر عشرات الشاشات المحيطة بك، بدءًا من شاشة هاتفك المحمول الموصول بغابة الإنترنت، وانتهاءً بشاشات قنوات الإعلام التي توجه تفكيرك حيثما تشاء، لم تعد اللحظة اليوم كما كانت عليه قبل عشرين عامًا، وهذا النقص الحاد في اللحظات الحقيقية الصادقة هو ما يجعلنا اليوم أكثر قابلية للانهيار، أشخاصًا وبلدانًا وثقافات.

[1] نزاع إقليمي بين الهند وباكستان من ناحية، وبين الهند وجمهورية الصين الشعبية من ناحية أخرى حول إقليم كشمير الواقع في الشمال الغربي لشبه القارة الهندية. نشبت بسببه العديد من الحروب والمواجهات العسكرية بين البلدين في الأعوام 1947، 1965، 1971، تبعها مؤتمرات قمة، سعيًا إلى حل المشكلة التي زاد خطرها بعد انضمام الدولتين إلى النادي النووي.



ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد
المصدر: صحيفة NRC الهولندية
نشر على موقع "ضفة ثالثة" بتاريخ 13 سبتمبر 2017
اد، ثمة مذابح بشرية عديدة وقعت في الهند دون أن يكتب عنها أحد، لا من الكتّاب أو الشعراء أو حتى الصحفيين الهنود، العنف والإبادة التي تتم يوميًا ضد مسلمي الهند موجودة منذ عشرات السنين، لكنها صارت اليوم مقبولة من قبل الكثيرين، تشارك فيها قوات الشرطة والجيش ويباركها السياسيون تحت قبة البرلمان، كثير من الهندوس يتجرأون على قتل أي مسلم لو اقترب من بقرة بدعوى أنها مقدسة، ولا يجب على غير من يعبدونها الاقتراب منها، يقتل المسلمون في الطرقات دون شرطة أو محاكمات، بل يقتلون لو تسبب أحدهم في حادثة سير في الطريق، وسياسيًا يتم النظر اليوم إلى رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" على أنه تقدمي، لذلك تتظاهر بلدان العالم بأنها لم تر ولم تسمع شيئًا مما يحدث داخل الهند من مذابح ضد الأقليات، وهذا شيء مرعب، ويجعلني أفكر في أي مستقبل ذلك الذي ينتظرنا لو بقينا على هذا النحو؟ لذلك أردت أن أكتب عن هذه الحالة المريبة من الصمت.

وتضيف روي: "ما زلنا عندما نريد التحدث عن الهند نجد أنفسنا نتحدث عن الغاندية والروحانية فقط، كأن هناك نوعًا من الضغوط تمارس كي لا يتناول الكتَّاب ما يحدث من أهوال ضد بعض الفئات والطبقات والإثنيات في الهند، كما لو كانت الكتابة عن العنف لا تتناسب مع الفن، أو كما لو كان العنف والدم سيأتيان على حساب دقة الرواية وجمالها. وهنا أود أن أقول: هلا توقفنا عن ترديد مثل هذه المقولات عديمة الفائدة؟ لا يمكنك تناول قضية كشمير فقط من خلال الدراسات الجنسانية أو السياسية أو الأكاديمية للتقسيم الطبقي تبعًا للكرمة، لأن كل هذه الأمور متشابكة ومعقدة داخل البشر أنفسهم، وبالتالي فإن الرواية هي الفضاء الأمثل لمناقشة هذه القضية".



هل اختيارك لموضوع الرواية الجريء والحساس على المستوى السياسي الهندي له علاقة بما قالته مواطنتك الكاتبة "بانكاج ميشرا" مؤخرًا حول "تسليع الأدب الهندي الجديد على طريقة وجبات ماكدونالد السريعة"، وأن الرواية القادمة من الهند "صار عليها أن تلتزم بالصورة المعهودة عن الأدب الهندي، وإلا فلن تحقق النجاح المرجو منها دوليًا؟" هل كتبت روايتك كي تقدمي بديلًا لن يجرؤ عليه أحد سواك؟

لا أعرف، بالنسبة لي لا ينطبق ما قالته "ميشرا" على جميع كتاب وأدباء الهند، لكن ما أعتقد أنه يتخطى مشكلة اختيار موضوع الروايات، وفي صناعة الكتاب ككل، هو أن الروايات الهندية صارت كالسينما الهندية، تستهدف مستهلكًا بعينه، صار عليك في الهند أن تشرح في ثلاث كلمات فقط عن ماذا تدور روايتك كي تجد لها سوقًا، الكاتب يفعل ذلك مع الناشر، والناشر يفعل ذلك مع المكتبات التي ستوزع الرواية، وتفعل المكتبات الشيء ذاته مع القارئ الذي سيشتري الرواية، وهو ما يمنحني الشعور بأن عملية النشر في الهند صارت كما لو كانت تقدم منتجًا صناعيًا يخرج حسب مواصفات معينة على عملك الإبداعي الالتزام بها؟ كأنك لا تكتب روايتك الخاصة، بل تقدم حرفتك في تقديم ما يطلبه السوق، وهو ما جعل من الأدب الهندي الجديد مجرد كتابات مدجنة، حيث لا جديد يمكنك اكتشافه، فالتركيز على رغبات المستهلك أثناء الكتابة يحد من قوة الخيال لديك ككاتب، وهو السبب ذاته الذي يجعل من صناعة الكتاب بأكملها تدور حول قوائم الكتب الأكثر مبيعًا أو ما يسمونه بظاهرة "البيست سيلر". ربما لكل هذه الأسباب التي أوردتها أجد من الغباء أن أشرح كل مرة لماذا توقفت عن الكتابة لمدة عشرين عامًا، وفي كل مرة كنت أرد على السؤال بسؤال آخر: ولمَ لا؟ وحينها لا يأتيني أي رد على سؤالي، فبمجرد أن تقرر أن تصبح جزءًا من صناعة "الأكثر مبيعًا"، وتهتم بسلوكيات وأذواق المستهلكين وعجلة الإنتاج بدلًا من الاهتمام بالخلق الفني المختلف، فأنت تضع مستقبلك ككاتب حقيقي على المحك، الكتابة يجب أن تكون تجربة خطيرة وغير مأمونة العواقب، أنا جد سعيدة اليوم أن اسمي مدعوم بنجاح روايتي الأولى "إله الأشياء الصغيرة"، وأقولها بصدق أن هذا النجاح هو ما شجعني اليوم على تقديم روايتي الجديدة بعد كل هذه السنوات من التوقف.



شخصياتك الرئيسية في روايتك الجديدة "وزارة السعادة القصوى" لا حدود لها. وكذلك قضية كشمير في حد ذاتها قائمة على نزاع حدودي. هل لهذا السبب تبدو روايتك الجديدة أقل تقليدية وأكثر تجريبًا من عملك الروائي الأول؟

المضحك في الأمر أنه عندما صدرت "إله الأشياء الصغيرة" في 1997 لم يجد أحد أنها رواية تقليدية، الآن صارت تقليدية بفضل الأعوام العشرين التي مرت على صدورها، أنا مؤمنة بأنه لا يجب على الكاتب أن يكرر فكرة روايته الناجحة في رواية أخرى، وهو ما جعلني أكتب شيئًا مختلفًا تمامًا عن روايتي الأولى، "إله الأشياء الصغيرة" كانت تحكي عن عائلة هندية، في الرواية الجديدة ليست هناك أية روابط عائلية بين الشخصيات التي أتناولها، بل تتكون الرواية كلها من شظايا وثائقية ونتف محكية. وهي الطريقة الأنسب اليوم في رأيي لكتابة الرواية، تغير الكثير في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم خلال الأعوام العشرين
" الطريق إلى البيت " في زمن الحرب تكاد تكون مستحيلة!
هذه القصة القصيرة من مجموعة " قبل أن تبرد القهوة " للكاتب السوري " رامي طويل " Rami Tawil تحكي عن مأساة عائلية سورية غادرت منزلها هربا من الحرب ، ليفتك بهم منجل الموت في طريق محفوف بالقذائف!
العنوان سحب ذاكرتي إلى فيلم صيني مذهل عنوانه " العودة إلى البيت " للمخرج الصيني " جانج ييمو" 2014م ، حيث تكون العودة إلى البيت مكلفة للغاية، يعود الزوج الذي كان مسجونا في زمن الزعيم ماو إلى منزله ليصطدم بزوجته التي فقدت ذاكرتها في اللحظة التي رفضت فيها فتح الباب له بعد محاولة هربه من رجال ماو ، وتظل تلاحقها لعنة الباب المغلق ، لتشرعه بعد القبض عليه على أمل عودته ، وحين يعود بعد أعوام طويلة يجد نفسه غريبا أمام امرأة خسرت ذاكرتها لحظة خسرانها كل شيء.