لى الرغم مما تقوله الآن، إلا أن هناك العديد من الإشارت في روايتك الجديدة التي تحيلنا إلى وقائع عديدة معروفة في حياتك، أو سبق لك أن تناولتها في أعمالك السابقة؟
يرد أوستر على ملاحظتي متسائلًا: "بالطبع لا. ما هي هذه الإشارات أو الأحداث إذن؟".
*ما ترويه مثلاً عن موت مراهق بعد أن ضربته صاعقة أمام عينيك، لقد سبق أن تحدثت من قبل في عدد من حواراتك الصحافية عن موت مشابه عايشته أثناء شبابك، كما سبق أن كتبت عن الأمر ذاته من قبل.
أوستر: "حسنًا، هذا هو ما أقصده بمنبع السيرة الذاتية التي ينهل منها الكاتب في صياغة أعماله، وهو السبب ذاته الذي جعلني أكتب "1234". كنت صبيًا في الرابعة عشرة من عمري حين ذهبت إلى مخيّم صيفي في نيويورك بصحبة 19 صبيًا في مثل عمري، وأثناء المشي داخل إحدى الغابات بدأت عاصفة رعدية ضخمة في الاقتراب من نقطة تجمعنا داخل الغابة، وحين حاولنا الاحتماء من العاصفة بالزحف تحت مساحة من الأسلاك الشائكة القريبة، في محاولة منا للفرار والاحتماء، وجدت نفسي أزحف مباشرة خلف صبي لم يكن يبعد عني سوى سنتيمترات قليلة، وفجأة ضربته الصاعقة ليموت أمام عيني، حينها تراجعت ووقفت أرقب المشهد مذهولًا غير مصدق ما حدث للتو، عندها أيقنت أن أي شيء يمكن أن يحدث، في أي وقت، ومع أي كان".
غير المتوقع
"المصادفة" هي التيمة الأكبر في أعمال بول أوستر على الإطلاق، هي المفتاح أو الطاقة التكوينية التي تمنح رواياته الكثير من السحر فتزيد من قوة جاذبيتها أمام القراء: "لم أعد أستخدم كلمة "المصادفة" للإشارة إلى هذه التقنية في أعمالي، لأن الجميع يستمرون للأسف في ترديد الشيء نفسه في كل مناقشة لأعمالي، صارت لديّ كلمة جديدة أفضل أن أستخدمها وهي "غير المتوقع"، وهذا هو ما يهمني إيصاله إلى القارئ هنا: إن "غير المتوقع" هذا يحدث بانتظام وبشكل يومي في حيواتنا جميعًا، وإن الأمور لا تحدث بالطريقة التي تحدث بها غالبًا، بل على نحو عشوائي وغير متوقع أو في حسبان أحد".
يتردد أوستر قليلًا، كأنه يتخير الكلمة التي سيبدأ بها الحديث من جديد: "كانت تلك الحادثة واحدة من أكبر وأكثر التجارب إيلامًا في حياتي، يطاردني المشهد ذاته منذ حدوثه وحتى اليوم، وسبق لي - كما أشرت في حديثك - أن كتبت عن الحادثة ذاتها في إحدى قصص كتابي "دفتر اليوميات الأحمر"، وربما الآن أعاود الكتابة من جديد عن الحادثة ذاتها في محاولة مني لمعرفة الدروب الغريبة والمفاجئة وغير المتوقعة التي تتخذها الحياة أمام أعيننا، لكن موت صبيين مراهقين في "1234" لا علاقة له بهذه الحادثة، إلا في رصد فكرة الموت ذاتها في القصص الثلاث".
"ولأنه كان لابد من الخيال في النهاية"، يستطرد بول أوستر: "كتبت "1234"، خاصة وأن أغلب كتبي الأخيرة كانت غير خيالية، بدءًا من "حكاية الشتاء" و"رسالة من الأعماق"، وانتهاء بمراسلاتي مع "جي إم كوتزي"، فالعملان الأولان ينتميان إلى السيرة الذاتية الخالصة، وكانت المرة الأولى في حياتي التي أنظر فيها بجدية إلى الوراء، وأترصد طفولتي وسنوات مراهقتي وصباي من خلال الكتابة، وبطريقة واعية متسقة، أثناء كتابتي هذين العملين بدأت أتذكر أشياء كدت أن أنساها أو كنت قد نسيتها فعلًا.
"أما كتاب "رسالة من الأعماق" فله حكاية طريفة، وهي أن زوجتي الأولى فاجأتني قبل عدة سنوات بأنها لا تزال تحتفظ بما يقرب من 500 رسالة ورقية كنت قد أرسلتها إليها خلال أربع سنوات من حياتنا المشتركة، منذ كان عمري 19 عامًا حتى بلغت الثالثة والعشرين، وحين أرسلت لي نسخة من هذه الرسائل وبدأت في قراءتها، كنت كمن يلتقي شخصًا غريبًا تمامًا عليه، وحينها أدركت أنني فقدت أي اتصال بالشخص الذي كتب هذه الرسائل.
"وأعتقد أن تجربة كتابتي لهذين العملين في السيرة الذاتية هي التي كشفت لي مرحلة تكويني الأولى، كأن هذين الكتابين قوسان كبيرتان جعلتاني أعي هذه الفترة الغنية من حياتي، ومهدتا هذه التجربة الطريق أمامي لكتابة "1234"، إلى الدرجة التي تجعلني بت مؤمنًا اليوم تمامًا أنه لولا هذان الكتابان في السيرة الذاتية، لما كانت روايتي الجديدة ستظهر على هذا النحو، لأن المجال صار مفتوحًا أمامي لأطأ أرض الطفولة من جديد، ولكن من خلال أربع طفولات متخيلة لأربعة أشخاص يحملون الاسم ذاته، ربما هربًا من طفولتي الواقعية التي عشتها".
* إذن إصرارك على أن روايتك الجديدة ليست سيرة ذاتية...
يقاطعني أوستر صائحًا: "ليست سيرة" ويستطرد متحمسًا: "الأكثر إثارة بالنسبة لي هو أن تحيا مع شخصيات متخيلة، لقد كتبت بعض أعمال السيرة الذاتية والمذكرات، وهي أعمال لها مكانتها الكبيرة بداخلي، وفوق ذلك لا أعتبر هذه الأعمال مجرد سيرة ذاتية أو مذكرات، بل دراسة معمقة لفكرة ما أو نسق معيشي كنت عليه ذات يوم، حيث أتمكن من استخدام وقائع حياتي الخاصة في تتبع فكرة أو منظومة الحياة التي كنت أحياها آنذاك، إلا أن هذه الأعمال في السيرة الذاتية تبقى أقل إثارة بالنسبة لي من كتابتي لرواية يحكمها الخيال أولًا وأخيرًا، حتى
يرد أوستر على ملاحظتي متسائلًا: "بالطبع لا. ما هي هذه الإشارات أو الأحداث إذن؟".
*ما ترويه مثلاً عن موت مراهق بعد أن ضربته صاعقة أمام عينيك، لقد سبق أن تحدثت من قبل في عدد من حواراتك الصحافية عن موت مشابه عايشته أثناء شبابك، كما سبق أن كتبت عن الأمر ذاته من قبل.
أوستر: "حسنًا، هذا هو ما أقصده بمنبع السيرة الذاتية التي ينهل منها الكاتب في صياغة أعماله، وهو السبب ذاته الذي جعلني أكتب "1234". كنت صبيًا في الرابعة عشرة من عمري حين ذهبت إلى مخيّم صيفي في نيويورك بصحبة 19 صبيًا في مثل عمري، وأثناء المشي داخل إحدى الغابات بدأت عاصفة رعدية ضخمة في الاقتراب من نقطة تجمعنا داخل الغابة، وحين حاولنا الاحتماء من العاصفة بالزحف تحت مساحة من الأسلاك الشائكة القريبة، في محاولة منا للفرار والاحتماء، وجدت نفسي أزحف مباشرة خلف صبي لم يكن يبعد عني سوى سنتيمترات قليلة، وفجأة ضربته الصاعقة ليموت أمام عيني، حينها تراجعت ووقفت أرقب المشهد مذهولًا غير مصدق ما حدث للتو، عندها أيقنت أن أي شيء يمكن أن يحدث، في أي وقت، ومع أي كان".
غير المتوقع
"المصادفة" هي التيمة الأكبر في أعمال بول أوستر على الإطلاق، هي المفتاح أو الطاقة التكوينية التي تمنح رواياته الكثير من السحر فتزيد من قوة جاذبيتها أمام القراء: "لم أعد أستخدم كلمة "المصادفة" للإشارة إلى هذه التقنية في أعمالي، لأن الجميع يستمرون للأسف في ترديد الشيء نفسه في كل مناقشة لأعمالي، صارت لديّ كلمة جديدة أفضل أن أستخدمها وهي "غير المتوقع"، وهذا هو ما يهمني إيصاله إلى القارئ هنا: إن "غير المتوقع" هذا يحدث بانتظام وبشكل يومي في حيواتنا جميعًا، وإن الأمور لا تحدث بالطريقة التي تحدث بها غالبًا، بل على نحو عشوائي وغير متوقع أو في حسبان أحد".
يتردد أوستر قليلًا، كأنه يتخير الكلمة التي سيبدأ بها الحديث من جديد: "كانت تلك الحادثة واحدة من أكبر وأكثر التجارب إيلامًا في حياتي، يطاردني المشهد ذاته منذ حدوثه وحتى اليوم، وسبق لي - كما أشرت في حديثك - أن كتبت عن الحادثة ذاتها في إحدى قصص كتابي "دفتر اليوميات الأحمر"، وربما الآن أعاود الكتابة من جديد عن الحادثة ذاتها في محاولة مني لمعرفة الدروب الغريبة والمفاجئة وغير المتوقعة التي تتخذها الحياة أمام أعيننا، لكن موت صبيين مراهقين في "1234" لا علاقة له بهذه الحادثة، إلا في رصد فكرة الموت ذاتها في القصص الثلاث".
"ولأنه كان لابد من الخيال في النهاية"، يستطرد بول أوستر: "كتبت "1234"، خاصة وأن أغلب كتبي الأخيرة كانت غير خيالية، بدءًا من "حكاية الشتاء" و"رسالة من الأعماق"، وانتهاء بمراسلاتي مع "جي إم كوتزي"، فالعملان الأولان ينتميان إلى السيرة الذاتية الخالصة، وكانت المرة الأولى في حياتي التي أنظر فيها بجدية إلى الوراء، وأترصد طفولتي وسنوات مراهقتي وصباي من خلال الكتابة، وبطريقة واعية متسقة، أثناء كتابتي هذين العملين بدأت أتذكر أشياء كدت أن أنساها أو كنت قد نسيتها فعلًا.
"أما كتاب "رسالة من الأعماق" فله حكاية طريفة، وهي أن زوجتي الأولى فاجأتني قبل عدة سنوات بأنها لا تزال تحتفظ بما يقرب من 500 رسالة ورقية كنت قد أرسلتها إليها خلال أربع سنوات من حياتنا المشتركة، منذ كان عمري 19 عامًا حتى بلغت الثالثة والعشرين، وحين أرسلت لي نسخة من هذه الرسائل وبدأت في قراءتها، كنت كمن يلتقي شخصًا غريبًا تمامًا عليه، وحينها أدركت أنني فقدت أي اتصال بالشخص الذي كتب هذه الرسائل.
"وأعتقد أن تجربة كتابتي لهذين العملين في السيرة الذاتية هي التي كشفت لي مرحلة تكويني الأولى، كأن هذين الكتابين قوسان كبيرتان جعلتاني أعي هذه الفترة الغنية من حياتي، ومهدتا هذه التجربة الطريق أمامي لكتابة "1234"، إلى الدرجة التي تجعلني بت مؤمنًا اليوم تمامًا أنه لولا هذان الكتابان في السيرة الذاتية، لما كانت روايتي الجديدة ستظهر على هذا النحو، لأن المجال صار مفتوحًا أمامي لأطأ أرض الطفولة من جديد، ولكن من خلال أربع طفولات متخيلة لأربعة أشخاص يحملون الاسم ذاته، ربما هربًا من طفولتي الواقعية التي عشتها".
* إذن إصرارك على أن روايتك الجديدة ليست سيرة ذاتية...
يقاطعني أوستر صائحًا: "ليست سيرة" ويستطرد متحمسًا: "الأكثر إثارة بالنسبة لي هو أن تحيا مع شخصيات متخيلة، لقد كتبت بعض أعمال السيرة الذاتية والمذكرات، وهي أعمال لها مكانتها الكبيرة بداخلي، وفوق ذلك لا أعتبر هذه الأعمال مجرد سيرة ذاتية أو مذكرات، بل دراسة معمقة لفكرة ما أو نسق معيشي كنت عليه ذات يوم، حيث أتمكن من استخدام وقائع حياتي الخاصة في تتبع فكرة أو منظومة الحياة التي كنت أحياها آنذاك، إلا أن هذه الأعمال في السيرة الذاتية تبقى أقل إثارة بالنسبة لي من كتابتي لرواية يحكمها الخيال أولًا وأخيرًا، حتى
ولو استخدمت فيها نتفًا أو تفاصيل من حياتي الخاصة".
كما لو كانت موجودة في الواقع
*هل تعني أن التحدي الحقيقي الذي أردت لنا أن نراه في روايتك الجديدة، هو اختراعك لأربع حيوات تتجاور مع بعضها البعض، كما لو كنت ترصد لنا المصائر الخاصة التي كانت طفولتك مهيأة لها في وقت ما؟
أوستر: "لا بالطبع، وجائز جدًا، فهذا هو التخييل الذي أقصده، جوهر هذا التخييل المستمر خلال الكتابة هو أن يحب القراء هذه الحيوات الأربع للشخص ذاته، كما لو كانوا أشخاصًا موجودين بالفعل في الواقع الذي يعايشونه، مطلبنا الرئيسي جميعًا كقراء هو أن نصدق الواقع الحياتي لهذه الشخصيات المكتوبة على الورق، وإلا فلماذا نقرأ إذن؟ الأمر ذاته ينسحب على الكاتب، فإن كان يكتب حياة شخصياته دون أن يتورط معهم عاطفيًا فالأفضل له ألا يحاول كتابة الرواية".
فجأة انطلق رنين الهاتف المنزلي، فتراجع أوستر إلى الخلف قليلًا وهو يرفع السماعة إلى أذنه، أنصت وهو ينظر في البعيد ثم ارتفع صوت رد أوتوماتيكي، وضع السماعة واجمًا وهو يغمغم: "صارت شيخوختي إحدى مهام شركة التأمين الصحي، يتصلون بي ليخبروني بأحقيتي في الحصول على بعض الأدوية الضرورية، وهي أشياء أعلم تمامًا أنني لست في حاجة إليها.
"أين كنا، نعم، كنا نتحدث عن ضرورة تصديق القارئ لأحداث الرواية التي يقرأها، حتى وهو يعرف أنها مجرد أحداث متخيلة، وهذا هو مربط الفرس في "1234"، فمهمتي أثناء كتابتها كانت أن أكتب حيوات متخيلة لشخصيات غير موجودة، على أن أجعل القراء يصدقون أنها حقيقية، فهذا هو ما يفعله كل الكتاب في الحقيقة، لا أشعر أنني لاعب ماهر بالدمى أثناء الكتابة، لكنني أشعر بوجود الشخصيات التي أرسمها دائمًا، إنها موجودة وكامنة حولي باستمرار، ولكن الشخصيات الأربع التي تحمل اسم "فيرغسون" في "1234" تختلف عن بعضها البعض، فكل شخصية منها تطور نفسها بنفسها عبر طرق مختلفة ومتباينة، والأشياء الوحيدة التي تؤثر على حيواتها المختلفة هي الأسر التي خرجت منها والأماكن التي نشأت فيها، والمعطيات والظروف التاريخية التي مرت بها خلال حيواتها. لذلك ستجد في الرواية على سبيل المثال، أن أحد هؤلاء الـ"فيرغسون" على علاقة سيئة جدًّا مع والده، فيما ستجد "فيرغسون" آخر يفقد والده في وقت مبكر من حياته، ويكبر "فيرغسون" ثالث في ولاية نيوآرك، فيما يكبر رابع خارج المدينة، أحدهم يذهب إلى جامعة كولومبيا، والآخر يكتشف جنونه كفنان في باريس، وعلى هذا النحو كنت ألعب وأبدل في حيوات الشخصيات الأربع طوال الوقت".
ما زلنا محاصرين بالمشاكل
"هل تعرف ما هو الغريب في هذه الرواية"؟ يتساءل بول أوستر، ويواصل متنهدًّا: "أنني كنت أفكر في أن يكون عنوانها هو "فيرغسون"، ولكن ما إن كتبت العنوان حتى جال في ذهني الوقع الذي سيتركه لدى القراء الأميركيين تحديدًا، حين يتذكرون الحادثة التي شهدتها مدينة "فيرغسون" التابعة لولاية ميسوري، عندما أطلق شرطي أبيض الرصاص على شاب أسود وأعزل فقتله في الحال، حينها قررت تغيير العنوان كي لا يحيل إلى هذا الصراع العنصري الذي تشهده الولايات المتحدة كثيرًا في الآونة الأخيرة".
ويضيف: "هل تعرف أيضًا؟ ما من أحد من الذين كتبوا عن الرواية في الصحافة الإنجليزية أو الأميركية حتى الآن، التفت إلى أن الرواية ترصد الحياة الأميركية في الأعوام الخمسين الماضية، وصولاً إلى ما نعيشه اليوم من راهن يتشابه كثيرًا مع ما عشناه قبل نصف قرن، وهذه الملاحظة فاجأتني، لأن هذا الجانب بارز بقوة في الرواية، فنحن ما زلنا محاصرين بالمشاكل ذاتها، كأن هذه الأعوام لم تمرّ علينا ولم نتعلم منها شيئا، بل قد نكون أكثر انقسامًا من أي وقت مضى".
ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد
نشر بموقع "ضفة ثالثة" يوم 4 سبتمبر 2017
كما لو كانت موجودة في الواقع
*هل تعني أن التحدي الحقيقي الذي أردت لنا أن نراه في روايتك الجديدة، هو اختراعك لأربع حيوات تتجاور مع بعضها البعض، كما لو كنت ترصد لنا المصائر الخاصة التي كانت طفولتك مهيأة لها في وقت ما؟
أوستر: "لا بالطبع، وجائز جدًا، فهذا هو التخييل الذي أقصده، جوهر هذا التخييل المستمر خلال الكتابة هو أن يحب القراء هذه الحيوات الأربع للشخص ذاته، كما لو كانوا أشخاصًا موجودين بالفعل في الواقع الذي يعايشونه، مطلبنا الرئيسي جميعًا كقراء هو أن نصدق الواقع الحياتي لهذه الشخصيات المكتوبة على الورق، وإلا فلماذا نقرأ إذن؟ الأمر ذاته ينسحب على الكاتب، فإن كان يكتب حياة شخصياته دون أن يتورط معهم عاطفيًا فالأفضل له ألا يحاول كتابة الرواية".
فجأة انطلق رنين الهاتف المنزلي، فتراجع أوستر إلى الخلف قليلًا وهو يرفع السماعة إلى أذنه، أنصت وهو ينظر في البعيد ثم ارتفع صوت رد أوتوماتيكي، وضع السماعة واجمًا وهو يغمغم: "صارت شيخوختي إحدى مهام شركة التأمين الصحي، يتصلون بي ليخبروني بأحقيتي في الحصول على بعض الأدوية الضرورية، وهي أشياء أعلم تمامًا أنني لست في حاجة إليها.
"أين كنا، نعم، كنا نتحدث عن ضرورة تصديق القارئ لأحداث الرواية التي يقرأها، حتى وهو يعرف أنها مجرد أحداث متخيلة، وهذا هو مربط الفرس في "1234"، فمهمتي أثناء كتابتها كانت أن أكتب حيوات متخيلة لشخصيات غير موجودة، على أن أجعل القراء يصدقون أنها حقيقية، فهذا هو ما يفعله كل الكتاب في الحقيقة، لا أشعر أنني لاعب ماهر بالدمى أثناء الكتابة، لكنني أشعر بوجود الشخصيات التي أرسمها دائمًا، إنها موجودة وكامنة حولي باستمرار، ولكن الشخصيات الأربع التي تحمل اسم "فيرغسون" في "1234" تختلف عن بعضها البعض، فكل شخصية منها تطور نفسها بنفسها عبر طرق مختلفة ومتباينة، والأشياء الوحيدة التي تؤثر على حيواتها المختلفة هي الأسر التي خرجت منها والأماكن التي نشأت فيها، والمعطيات والظروف التاريخية التي مرت بها خلال حيواتها. لذلك ستجد في الرواية على سبيل المثال، أن أحد هؤلاء الـ"فيرغسون" على علاقة سيئة جدًّا مع والده، فيما ستجد "فيرغسون" آخر يفقد والده في وقت مبكر من حياته، ويكبر "فيرغسون" ثالث في ولاية نيوآرك، فيما يكبر رابع خارج المدينة، أحدهم يذهب إلى جامعة كولومبيا، والآخر يكتشف جنونه كفنان في باريس، وعلى هذا النحو كنت ألعب وأبدل في حيوات الشخصيات الأربع طوال الوقت".
ما زلنا محاصرين بالمشاكل
"هل تعرف ما هو الغريب في هذه الرواية"؟ يتساءل بول أوستر، ويواصل متنهدًّا: "أنني كنت أفكر في أن يكون عنوانها هو "فيرغسون"، ولكن ما إن كتبت العنوان حتى جال في ذهني الوقع الذي سيتركه لدى القراء الأميركيين تحديدًا، حين يتذكرون الحادثة التي شهدتها مدينة "فيرغسون" التابعة لولاية ميسوري، عندما أطلق شرطي أبيض الرصاص على شاب أسود وأعزل فقتله في الحال، حينها قررت تغيير العنوان كي لا يحيل إلى هذا الصراع العنصري الذي تشهده الولايات المتحدة كثيرًا في الآونة الأخيرة".
ويضيف: "هل تعرف أيضًا؟ ما من أحد من الذين كتبوا عن الرواية في الصحافة الإنجليزية أو الأميركية حتى الآن، التفت إلى أن الرواية ترصد الحياة الأميركية في الأعوام الخمسين الماضية، وصولاً إلى ما نعيشه اليوم من راهن يتشابه كثيرًا مع ما عشناه قبل نصف قرن، وهذه الملاحظة فاجأتني، لأن هذا الجانب بارز بقوة في الرواية، فنحن ما زلنا محاصرين بالمشاكل ذاتها، كأن هذه الأعوام لم تمرّ علينا ولم نتعلم منها شيئا، بل قد نكون أكثر انقسامًا من أي وقت مضى".
ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد
نشر بموقع "ضفة ثالثة" يوم 4 سبتمبر 2017
بعض الشخصيات في الحكاية تسمي نفسها بأسماء غريبة تناسب طباعها، حتى الكاتب يقف مشدوها حين يسمعها أثناء كتابته.
😏
😏
" كان القاتل المأجور يعيش في البيت الذي يقع على زاوية الشارع، واللص في المبنى المقابل، والعاشق على مقربةٍ منه، وفي نهاية الشارع تعيش الملكة وحدها. كان الشارع معتماً حتى إن الشمس لم تبدُ راغبةً بالسير فيه، لقد كان في الحقيقة شارعاً مزرياً.
كان القاتل رجلاً بسيطاً ودوداً ومحباً للمساعدة، لولا أنه وجد نفسه في تلك المهنة التي يشعر نحوها باعتزازٍ كبير. لم يقتل أحداً حتى الآن ولكنه يخطط اليوم لارتكاب جرائم متوحشة في منزله المدجج بمختلف أنواع الأسلحة التي يجهل كيفية استخدامها. ونظير ذلك يستلم نفقةً متواضعة موجهة إلى السيد / القاتل. كانت هيئته كقاتل تتيح له تجربة العديد من الأشياء التي كان محروماً منها : الشعور بالذنب، الخوف من القبض عليه، الحاجة إلى محو آثاره حتى لا يتعقبه أحد، التوبة والأمل بإصلاح طريقه في النهاية. لا يخرج من بيته إلا ليلاً حين يطمئن إلى خلو الشوارع من المارة، كان يفضّل الليالي الممطرة، ويلجأ في سبيل النجاة إلى دماثة اللص الذي لم يسرق شيئاً على الإطلاق ويقوم بكل الأعمال الرتيبة التي يوصيه بإنهائها.
كان اللص نحيلاً ورقيقاً، يميل إلى الصمت والانطواء. يمكنه السير خلف قطة دون أن تشعر به. كانت يداه في منتهى الأناقة والكفاءة ولكنه لم ولن يسرق أبداً. يحب فقط ذلك الخليط من الخيلاء واللاطمأنينة الذي يتمتع بهما اللص. كان على استعدادٍ دائم للفرار ولكن على طريقة الفرسان الأشاوس. يتقن الكذب ولا يلجأ إليه، يتقن فتح كل الأقفال ولكن الباب المفتوح بمقدوره أن يوقفه. لا فرق عنده على أية حال، لأن أحداً لا يمكنه سرقة السعادة التي تغمر المرء لكونه لصاً في الواقع.
كان العاشق يعيش قصة حب وإن لم يجد امرأةً يحبها. يتنهد ويكتب أشعاراً رقيقة يتلوها على اللص الذي يملك أذناً موسيقية. كان قد جهز حتى بزّة الزواج وإن أخذت تتعفن في الخزانة ببطء. كان يشتري الزهور يومياً ويتركها تذبل. كان مبتهجاً وتعيساً في الوقت ذاته. بين حينٍ وآخر كان القاتل واللص والعاشق يتناولون وجبة العشاء معاً ويتحدثون عن الملكة. كانوا جميعاً يكنّون لها الكثير من الاحترام والتقدير. لم يروها أبداً، يعتقدون أن ذلك يعود إلى نبلها الشديد. كان القاتل يعتبر نفسه قائد جيشها بينما يظن اللص أنه وزيرها الخاص أما العاشق فقد كان زوجها المخلص. وفي أحد اللقاءات ساورهم الشك بأن الملكة قد ماتت وذلك نبلٌ عظيم أو أنها لم توجد في الأساس وهذا منتهى النبل. عندها شعر الجميع بأنهم بلا قيمة وغرقوا بالصمت."*
* جيورجيو مانقانيللي
ترجمتي
كان القاتل رجلاً بسيطاً ودوداً ومحباً للمساعدة، لولا أنه وجد نفسه في تلك المهنة التي يشعر نحوها باعتزازٍ كبير. لم يقتل أحداً حتى الآن ولكنه يخطط اليوم لارتكاب جرائم متوحشة في منزله المدجج بمختلف أنواع الأسلحة التي يجهل كيفية استخدامها. ونظير ذلك يستلم نفقةً متواضعة موجهة إلى السيد / القاتل. كانت هيئته كقاتل تتيح له تجربة العديد من الأشياء التي كان محروماً منها : الشعور بالذنب، الخوف من القبض عليه، الحاجة إلى محو آثاره حتى لا يتعقبه أحد، التوبة والأمل بإصلاح طريقه في النهاية. لا يخرج من بيته إلا ليلاً حين يطمئن إلى خلو الشوارع من المارة، كان يفضّل الليالي الممطرة، ويلجأ في سبيل النجاة إلى دماثة اللص الذي لم يسرق شيئاً على الإطلاق ويقوم بكل الأعمال الرتيبة التي يوصيه بإنهائها.
كان اللص نحيلاً ورقيقاً، يميل إلى الصمت والانطواء. يمكنه السير خلف قطة دون أن تشعر به. كانت يداه في منتهى الأناقة والكفاءة ولكنه لم ولن يسرق أبداً. يحب فقط ذلك الخليط من الخيلاء واللاطمأنينة الذي يتمتع بهما اللص. كان على استعدادٍ دائم للفرار ولكن على طريقة الفرسان الأشاوس. يتقن الكذب ولا يلجأ إليه، يتقن فتح كل الأقفال ولكن الباب المفتوح بمقدوره أن يوقفه. لا فرق عنده على أية حال، لأن أحداً لا يمكنه سرقة السعادة التي تغمر المرء لكونه لصاً في الواقع.
كان العاشق يعيش قصة حب وإن لم يجد امرأةً يحبها. يتنهد ويكتب أشعاراً رقيقة يتلوها على اللص الذي يملك أذناً موسيقية. كان قد جهز حتى بزّة الزواج وإن أخذت تتعفن في الخزانة ببطء. كان يشتري الزهور يومياً ويتركها تذبل. كان مبتهجاً وتعيساً في الوقت ذاته. بين حينٍ وآخر كان القاتل واللص والعاشق يتناولون وجبة العشاء معاً ويتحدثون عن الملكة. كانوا جميعاً يكنّون لها الكثير من الاحترام والتقدير. لم يروها أبداً، يعتقدون أن ذلك يعود إلى نبلها الشديد. كان القاتل يعتبر نفسه قائد جيشها بينما يظن اللص أنه وزيرها الخاص أما العاشق فقد كان زوجها المخلص. وفي أحد اللقاءات ساورهم الشك بأن الملكة قد ماتت وذلك نبلٌ عظيم أو أنها لم توجد في الأساس وهذا منتهى النبل. عندها شعر الجميع بأنهم بلا قيمة وغرقوا بالصمت."*
* جيورجيو مانقانيللي
ترجمتي
حلم لم يفسر من قبل
ترجمتها عن الصينية يارا المصري
يجلسُ المُفَسِّرُ في عريشةٍ إلى جانبِ الطريق، ينوبُ عن الآخرين في تسجيلِ أحلامِهم. مرَّت عدةُ سنواتٍ، سَجَّلَ خلاها الكثيرَ من الأفكار والأمور الغريبة. ودائماً يكون الوضعُ هكذا: المارة كلهم من هؤلاء الأشخاصِ العاديين، يدخلون العريشة، يظهر الارتباكُ على محياهم لحظةَ يدخلون، يجلسون على الأرض. يسرد بعضهم حُلمَه بجزالةٍ وأسلوبٍ عذب، الآخرُ يسرده وصفاً مملاً جامداً، البعض يطلق العنان لعواطفه، فيما يسرد البعض الآخر حُلمَه سردًا مُلغِزاً، لا يشبه أحدهم الآخر. أمَّا المُفَسِّرُ فيظلُّ صامتاً، لا يظهر على وجهه أي تغيير يُسَجِّلُ الأحلامَ حُلماً بعد الآخر، ويحفظها في مفكرةٍ سوداء، مِن ثَم يغادره العابرُ ناقماً.
مع مرور الوقت، قلَّ عددُ الأشخاصِ الذين يحلمون، ويوماً بعد يوم ازداد شعورُ المُفَسِّرُ بالوحدةِ، لكنه كان يمد رأسه بإصرارٍ نحو الطريق ويترقب بلا كلل. كان يتوقُ إلى حُلمٍ لم يُفسِّره من قَبل، حيث يمتزج في الحلم فيضٌ من دفءٍ ونورٍ يُوخزُ العين. لم يكن متأكداً من ظهور هذا الحلم في عقله بوضوح، بل كان واثقاً أنَّ ثمة فكرة موجودة. ولم يكن باستطاعته كذلك أن يُفسِّرَ هذا الحلم ويسجله في مفكرتِه السوداء. كان لا مفر من أن ينتظر ظهورَ شخصٍ ما، شخص تطوف هذه الفكرة في باله وتظهر في حلمه، ثم يأتي إلى المُفَسِّرِ ويحكي له، وسينوب عنه في تسجيلها. وإذ كان ثمة الكثير من الحلقات المتشابكة والانعطافات الملتوية خلال ذلك، فلم يكن بيد المُفَسِّرِ حيلة سوى الانتظار.
تمر الأيام يوماً تلو الآخر، ولا يحكي القادمون عن الفكرةِ التي في قلب المُفَسِّرِ، كما أن تلك الفكرة لطالما كنت عصيةً على وضعها في كلمات، وكان الالتباسُ كذلك عصياً على الإزاحة، كانت عزيمة المُفَسِّرِ تفترُ يوماً بعد الآخر وتغتم نفسه، لكنه كان يمد رأسه نحو الخارج بإصرار وعزيمة. شقَّقَ بردُ الشتاءِ يديه وقدميه، وتورَّمت مفاصله كخبز مانتو صغير بفعل رطوبةِ الربيع، وبدأ المطر يتسرب عبر تلك العريشة البسيطة المتهالكة.
وتوقف أغلب المارة عن قصِّ أحلامهم له، وكانوا يرمقونه بنظرات باردة ويسيرون في طريقهم متعجلين، كان المُفَسِّرُ يتفحص كلاً منهم بتركيز، وفؤاده يتخبط بإيقاعٍ منتظمٍ بين أملٍ ويأس. وكانت تمر أيام لا يأتيه فيها إلَّا شخصٌ أو بضعةُ أشخاص، أحلامهم عاديةٌ جداً، رغم أن مضمونها يحوي فرحاً وابتهاجاً في فضاءٍ شاسع، أو أنَّ الحالمَ متشبثٌ بكهفٍ في أعماق الأرض؛ أو أن أحدهم يداهمه رعبٌ من حيوان شرس، أو الآخر ميتٌ يحيطه الظلامُ والوحشة. إلَّا أنَّ أيَّاً منهم لم يصف الفكرة التي تختلج في فؤاد المُفَسِّر.
ربما هذا نوعٌ من المعاناة؟ نوعٌ من تعذيبِ الذاتِ وتجريحِها؟
سأل المُفَسِّرُ نفسه مراتٍ عدة، ومرات عدة لم يجد إجابةً لأسئلته.
وما أن يغادره الحالمون، حتى يصيبه سطوع الفكرة التي لم تُفسَّرْ من قبل، باختلاجاتٍ في جسده بالكامل، تلك الاختلاجات ـــ تلك الاختلاجات بذاتها ـــ ما يجعله متيقناً من وجود تلك الفكرة، لهذا أعطى تلك الفكرة التي لم يُفسرها، تلك الفكرة التي لم تظهر جلية في ذهنه اسم «الريح» تظهر «الريح» حينما يغادره الحالمون.
كان يأتي إلى عريشته أشخاصٌ تغدو أحلامهم أكثر غرابةً وعجباً، ويشتكون جميعاً من أنَّ الأشياء التي يرونها في أحلامهم عصيَّةٌ على التفسير، ولأنها عصيَّةٌ على التفسير، كان بعضهم يحكي نصف حلمه ويمضي حزيناً. أما المُفَسِّرُ، فيفهم كل هذا، يده تحمل المفكرة ذات الغلاف الأسود والقلم الحبر، متظاهراً بالإصغاء، لكنه في الحقيقة لا يسجل أي شيء، وحين يغادر الحالم، تظهر في ذهنه كالعادة تلك الفكرة التي تصيبه بالاختلاجات، ويغدو ذهنه خاوياً إلَّا من بعض أشياء تشبه الظلال تتأرجح هنا وهناك. لم يكن متيقناً، لكنه كان راضياً، يغلق المفكرة، ويجلس على الأرض مستقطعاً فترةَ استراحةٍ قصيرة، وقتُ الاستراحةِ طيب.
وقد دار الحوارُ التالي بينه وبين أحد الحالمين:
الحالم: ما هذا الذي حكيتُه؟ إنه لا يضاهي عُشرَ ما رأيتُه، لا أستطيع أن أتحمل هذا الشعور بعد الآن، لِمَ لا أستطيع قصَّ كل شيء؟ إنه لأمرٌ مزعج! إنَّ الرياحَ هنا شديدةٌ للغاية.
المُفَسِّر: أوه!
الحالم: إنَّ كلَّ ما تسجله هنا محضُ هراء، ومع ذلك نأتي إليك، وكلنا نعلم أنك الشخص الوحيد هنا الذي بإمكانه تسجيل أحلامنا. أود أن أحكي كلَّ شيء، أخبرني، ربما ليست لدي مهارة الحكي؟
المُفَسِّر: بل حديثك مشوقٌ للغاية!
لا يكشف الحالمون على الإطلاق الأحلامَ والأفكارَ التي يُسرُّون بها للمُفَسِّرِ، وكأنه اتفاقٌ مُسبقٌ بينهما. أما هم، وبعد أن يحكوا أحلامهم، فيشعرون وكأنهم خبأوا كنزاً داخل عريشته المتهالكة. وفي حقيقة الأمر، فهم قلَّما يعودون بذاكرتهم إلى الأمور التي حكوها، لكنهم يتذكرون أنفسَهم وهم يحكون، لأن هذا كنزهم. كما أنهم لا يهتمون إذا كان المُفَسِّرُ يسجل في مفكرته أم لا، بل يهتمون بدخولهم العريشة
ترجمتها عن الصينية يارا المصري
يجلسُ المُفَسِّرُ في عريشةٍ إلى جانبِ الطريق، ينوبُ عن الآخرين في تسجيلِ أحلامِهم. مرَّت عدةُ سنواتٍ، سَجَّلَ خلاها الكثيرَ من الأفكار والأمور الغريبة. ودائماً يكون الوضعُ هكذا: المارة كلهم من هؤلاء الأشخاصِ العاديين، يدخلون العريشة، يظهر الارتباكُ على محياهم لحظةَ يدخلون، يجلسون على الأرض. يسرد بعضهم حُلمَه بجزالةٍ وأسلوبٍ عذب، الآخرُ يسرده وصفاً مملاً جامداً، البعض يطلق العنان لعواطفه، فيما يسرد البعض الآخر حُلمَه سردًا مُلغِزاً، لا يشبه أحدهم الآخر. أمَّا المُفَسِّرُ فيظلُّ صامتاً، لا يظهر على وجهه أي تغيير يُسَجِّلُ الأحلامَ حُلماً بعد الآخر، ويحفظها في مفكرةٍ سوداء، مِن ثَم يغادره العابرُ ناقماً.
مع مرور الوقت، قلَّ عددُ الأشخاصِ الذين يحلمون، ويوماً بعد يوم ازداد شعورُ المُفَسِّرُ بالوحدةِ، لكنه كان يمد رأسه بإصرارٍ نحو الطريق ويترقب بلا كلل. كان يتوقُ إلى حُلمٍ لم يُفسِّره من قَبل، حيث يمتزج في الحلم فيضٌ من دفءٍ ونورٍ يُوخزُ العين. لم يكن متأكداً من ظهور هذا الحلم في عقله بوضوح، بل كان واثقاً أنَّ ثمة فكرة موجودة. ولم يكن باستطاعته كذلك أن يُفسِّرَ هذا الحلم ويسجله في مفكرتِه السوداء. كان لا مفر من أن ينتظر ظهورَ شخصٍ ما، شخص تطوف هذه الفكرة في باله وتظهر في حلمه، ثم يأتي إلى المُفَسِّرِ ويحكي له، وسينوب عنه في تسجيلها. وإذ كان ثمة الكثير من الحلقات المتشابكة والانعطافات الملتوية خلال ذلك، فلم يكن بيد المُفَسِّرِ حيلة سوى الانتظار.
تمر الأيام يوماً تلو الآخر، ولا يحكي القادمون عن الفكرةِ التي في قلب المُفَسِّرِ، كما أن تلك الفكرة لطالما كنت عصيةً على وضعها في كلمات، وكان الالتباسُ كذلك عصياً على الإزاحة، كانت عزيمة المُفَسِّرِ تفترُ يوماً بعد الآخر وتغتم نفسه، لكنه كان يمد رأسه نحو الخارج بإصرار وعزيمة. شقَّقَ بردُ الشتاءِ يديه وقدميه، وتورَّمت مفاصله كخبز مانتو صغير بفعل رطوبةِ الربيع، وبدأ المطر يتسرب عبر تلك العريشة البسيطة المتهالكة.
وتوقف أغلب المارة عن قصِّ أحلامهم له، وكانوا يرمقونه بنظرات باردة ويسيرون في طريقهم متعجلين، كان المُفَسِّرُ يتفحص كلاً منهم بتركيز، وفؤاده يتخبط بإيقاعٍ منتظمٍ بين أملٍ ويأس. وكانت تمر أيام لا يأتيه فيها إلَّا شخصٌ أو بضعةُ أشخاص، أحلامهم عاديةٌ جداً، رغم أن مضمونها يحوي فرحاً وابتهاجاً في فضاءٍ شاسع، أو أنَّ الحالمَ متشبثٌ بكهفٍ في أعماق الأرض؛ أو أن أحدهم يداهمه رعبٌ من حيوان شرس، أو الآخر ميتٌ يحيطه الظلامُ والوحشة. إلَّا أنَّ أيَّاً منهم لم يصف الفكرة التي تختلج في فؤاد المُفَسِّر.
ربما هذا نوعٌ من المعاناة؟ نوعٌ من تعذيبِ الذاتِ وتجريحِها؟
سأل المُفَسِّرُ نفسه مراتٍ عدة، ومرات عدة لم يجد إجابةً لأسئلته.
وما أن يغادره الحالمون، حتى يصيبه سطوع الفكرة التي لم تُفسَّرْ من قبل، باختلاجاتٍ في جسده بالكامل، تلك الاختلاجات ـــ تلك الاختلاجات بذاتها ـــ ما يجعله متيقناً من وجود تلك الفكرة، لهذا أعطى تلك الفكرة التي لم يُفسرها، تلك الفكرة التي لم تظهر جلية في ذهنه اسم «الريح» تظهر «الريح» حينما يغادره الحالمون.
كان يأتي إلى عريشته أشخاصٌ تغدو أحلامهم أكثر غرابةً وعجباً، ويشتكون جميعاً من أنَّ الأشياء التي يرونها في أحلامهم عصيَّةٌ على التفسير، ولأنها عصيَّةٌ على التفسير، كان بعضهم يحكي نصف حلمه ويمضي حزيناً. أما المُفَسِّرُ، فيفهم كل هذا، يده تحمل المفكرة ذات الغلاف الأسود والقلم الحبر، متظاهراً بالإصغاء، لكنه في الحقيقة لا يسجل أي شيء، وحين يغادر الحالم، تظهر في ذهنه كالعادة تلك الفكرة التي تصيبه بالاختلاجات، ويغدو ذهنه خاوياً إلَّا من بعض أشياء تشبه الظلال تتأرجح هنا وهناك. لم يكن متيقناً، لكنه كان راضياً، يغلق المفكرة، ويجلس على الأرض مستقطعاً فترةَ استراحةٍ قصيرة، وقتُ الاستراحةِ طيب.
وقد دار الحوارُ التالي بينه وبين أحد الحالمين:
الحالم: ما هذا الذي حكيتُه؟ إنه لا يضاهي عُشرَ ما رأيتُه، لا أستطيع أن أتحمل هذا الشعور بعد الآن، لِمَ لا أستطيع قصَّ كل شيء؟ إنه لأمرٌ مزعج! إنَّ الرياحَ هنا شديدةٌ للغاية.
المُفَسِّر: أوه!
الحالم: إنَّ كلَّ ما تسجله هنا محضُ هراء، ومع ذلك نأتي إليك، وكلنا نعلم أنك الشخص الوحيد هنا الذي بإمكانه تسجيل أحلامنا. أود أن أحكي كلَّ شيء، أخبرني، ربما ليست لدي مهارة الحكي؟
المُفَسِّر: بل حديثك مشوقٌ للغاية!
لا يكشف الحالمون على الإطلاق الأحلامَ والأفكارَ التي يُسرُّون بها للمُفَسِّرِ، وكأنه اتفاقٌ مُسبقٌ بينهما. أما هم، وبعد أن يحكوا أحلامهم، فيشعرون وكأنهم خبأوا كنزاً داخل عريشته المتهالكة. وفي حقيقة الأمر، فهم قلَّما يعودون بذاكرتهم إلى الأمور التي حكوها، لكنهم يتذكرون أنفسَهم وهم يحكون، لأن هذا كنزهم. كما أنهم لا يهتمون إذا كان المُفَسِّرُ يسجل في مفكرته أم لا، بل يهتمون بدخولهم العريشة
وحكيهم، ذلك الفِعل بذاته. رغم أنهم لا يكفُّون عن الشكوى والتذمر خلال حديثهم، وكأنهم نافدو الصبر، وكأنهم مفعمون بالسأم، إلا أنهم في دواخلهم راضون عن أنفسهم، ويشعرون ما أن يغادروا العريشة كأنهم أصبحوا أشخاصاً عاديين، راضين بأن يعتبروا ذاك التواصل الاستثنائي بينهم وبين المُفَسِّرِ سرهم الأعظم، راضين عن رؤية تلك المفكرة ذات الغلاف الأسود، تلك المفكرة السوداء التي تبعث في نفوسهم الحميمية، تبعث في نفوسهم شعوراً بالانتماء.
إلَّا أنَّ أحداً لم يتوقع أن يتخلى المُفَسِّرُ عنها، لأنَّ بها الكثير والعجيب من الأحلام، كما أنَّ الآخرين يعتبرونها كنز الحالمين. لكنه تخلى عنها، وفسر ذلك بنبرة فاترة أنها اختفت بلا أثر، وأبى أن يذكر أمرها ثانيةً.
لا تزال العريشة المتهالكة تستقبل قليلاً من الناس، وكما هي العادة، يجلس المُفَسِّرُ باستقامة والصرامةُ تكسو ملامحه، منصتاً إلى حكيهم، صامتاً طوال الوقت. ولم يؤثر اختفاء المفكرة على علاقتهم الاستثنائية، ومن بين المارة القادمين مَن جاء من قبل، ومَن يأتي لأول مرة. وفي دواخلهم كان بإمكانهم الشعور بفوائد اختفاء تلك المفكرة، ذلك لأن حديثهم أصبح أكثرَ ثقة.
وكلما أتوا إليه كانوا لا بد أن يبدأوا حديثهم بافتتاحية طويلة أو قصيرة، ثم مَن بإمكانه أن ينتبه إلى ما يقولونه؟ إنه لأمرٌ مستحيل. وإلى اليوم، وبعد مرور عدةُ سنوات، بإمكاننا إدراك أنه لم يكن ثمة مغزى لحديث هؤلاء الناس، إذ إنهم لا يثرثرون إلَّا بأحاديث لتضييع الوقت. أما المُفَسِّرُ، فلم يكن يصغي إليهم، بل كان يتظاهرُ بالإصغاء، وذهنه مشغولٌ بأمورٍ أخرى.
ونحن على ثقة بأنه منشغلٌ بتلك الفكرة العَدمية، تلك الفكرة التي تبعث في قلبه الاضطراب والقلق لدى مجيئها، لكنه يعلم ذلك المثل الذي يقول في العجلة الندامة، لذا لم يكن بيده غير أن يتصنع مظهراً متكلفاً، ويصغي إلى الأحلام المحكية، وبهذا يُصرِّفُ جزءاً من الوقت الطويل عبر هذا التأخير المُتعَمد. وتكرار الأمر علَّمه الصبر.
يرى المُفَسِّرُ شخصياً أنَّ تخلصه من المفكرة أمرٌ مريحٌ جداً، وحَسَنٌ أيضاً، لكن لا تزال ثمة بعض النقائض؛ من بينها ازدياد اعتماده على الحالمين، وتقسيم حياته إلى حالات حسب مجيء كل منهم، ولم يعد يذكر الوقت الذي قضاه في العريشة، وتلاشى إحساسه بالزمن تماماً. وكلما أراد أن يتذكر أمراً ما كان يتذكره هكذا: «حدث في ذلك اليوم الذي جاء فيه الرجلُ ذو الوجه الأسمر الذابل......» أو «بعد ظهر ذلك اليوم حين جاءت المرأةُ ذات الكَلَف......» أو «اليوم الذي لم يأتِ فيه أحد......» أو «الصباح الذي جاء فيه أحدهم لكنه لم يحكِ شيئاً ومضى......»، وهكذا.
وقد يبدو هذا التقسيم في مضمونه مريحاً، لكن بما أن عدد القادمين قليل، وبما أن ذاكرته تضعف تبعاً لقلة الحالمين، فقد كان هذا التقسيم يحمل من الإبهام والتضليل الشيءَ الكثير، وعُكِست الأمور، فإن حدثت أمور مربكة، كان من حسن حظه أنه أصبح لا يهتم بها، إذ أصبح لا مبالياً مع مرور الوقت.
وإذا جاء إليه شخصٌ أو أكثر في يوم واحد، فإنه يعتبر هذا اليوم عيداً، وحين يمضي الحالم، يجلس كعادته على الأرض، مستقيماً، تكسو ملامحَه صرامةٌ متناهية، ويختلج جسده وفؤاده بذلك الألق الذي لا يراه أحد، ولا حتى هو. وقلَّما تتكرر هذه اللحظة، ولَّما كان مدركاً لذلك، فلم يبدُ عليه القلق الشديد.
كان يعلم أنَّ الحالمين سيأتون، غير مدفوعين بإرادتِهم الخاصة، فقد كانت الإرادةُ التي تدفعهم إلى المجيء كامنةً في قلبه. وقلَّما يمد رأسَه الآن متأملاً الطريق، كان يبدو في حالةٍ هادئةٍ معظم الوقت، ولمحة القلق الوحيدة التي تظهر عليه هي حين قدوم الحالم، لأنه يعلم ماذا سيحدث بعدها، فنراه فيما بعد مكوَّماً لدى هبوب الرياح الباردة، نافخاً مفاصل أصابعه المنتفخة كمانتو صغير، وفي عينيه يتراقص فرحٌ مجنون لا يمكن وصفه.
يقول العديد من الناس إنَّ المُفَسِّرَ ما هو إلَّا محضُ وهم، لأنه لم يقدر على إثبات نفسه. وهم على صواب، فلم يكن هناك سجلٌّ زمنيٌّ لوجود هذا الشخص، وقد حدث ذلك في منتصف مهنته وأواخرها. وكان ينكمش داخل صَدَفته العجيبة تلك، ولم يستطع أحد في النهاية أن يقتفي أثره، وكل ما رأوه مجرد صَدَفَة خاوية إلى جانب الطريق، تشبه هذا النوع من الصَدَف الرائج. ويزعم بعضهم من وقتٍ لآخر أنَّ صوتَ المُفَسِّرِ ينبعثُ من أعماقِ كهفٍ سحيقٍ ويصلُ إلى أذنه، لكن الكهف في الحقيقة يقبع عميقاً لا يُسبَرُ غوره، لذا حين ينبعثُ ذلك الصوتُ إلى أذنه، يكون أشبه ببكاءِ النمل.
ليس ثمة فائدة تُرجى من تلك المزاعم. هذا صحيح. نحن نرى المُفسِّرَ كلَّ يومٍ جالساً داخل العريشة، في الهيئةِ ذاتها، بأسلوبه ذاته. والغريب في الأمر أنه كلما أردنا أن نعتبره واحداً منا، تحدث تعقيداتٌ غير متوقعة. وقد روينا عن حياته الشخصية وتواصله الغامض مع الناس، لكن هذا كله كان من وجهة نظره محاولةً لتفسير كل ما حدث، ولا يعتقد أحد أنه أمرٌ ممكن إذا ما وضعنا هذا جانباً، وأردنا أن نح
إلَّا أنَّ أحداً لم يتوقع أن يتخلى المُفَسِّرُ عنها، لأنَّ بها الكثير والعجيب من الأحلام، كما أنَّ الآخرين يعتبرونها كنز الحالمين. لكنه تخلى عنها، وفسر ذلك بنبرة فاترة أنها اختفت بلا أثر، وأبى أن يذكر أمرها ثانيةً.
لا تزال العريشة المتهالكة تستقبل قليلاً من الناس، وكما هي العادة، يجلس المُفَسِّرُ باستقامة والصرامةُ تكسو ملامحه، منصتاً إلى حكيهم، صامتاً طوال الوقت. ولم يؤثر اختفاء المفكرة على علاقتهم الاستثنائية، ومن بين المارة القادمين مَن جاء من قبل، ومَن يأتي لأول مرة. وفي دواخلهم كان بإمكانهم الشعور بفوائد اختفاء تلك المفكرة، ذلك لأن حديثهم أصبح أكثرَ ثقة.
وكلما أتوا إليه كانوا لا بد أن يبدأوا حديثهم بافتتاحية طويلة أو قصيرة، ثم مَن بإمكانه أن ينتبه إلى ما يقولونه؟ إنه لأمرٌ مستحيل. وإلى اليوم، وبعد مرور عدةُ سنوات، بإمكاننا إدراك أنه لم يكن ثمة مغزى لحديث هؤلاء الناس، إذ إنهم لا يثرثرون إلَّا بأحاديث لتضييع الوقت. أما المُفَسِّرُ، فلم يكن يصغي إليهم، بل كان يتظاهرُ بالإصغاء، وذهنه مشغولٌ بأمورٍ أخرى.
ونحن على ثقة بأنه منشغلٌ بتلك الفكرة العَدمية، تلك الفكرة التي تبعث في قلبه الاضطراب والقلق لدى مجيئها، لكنه يعلم ذلك المثل الذي يقول في العجلة الندامة، لذا لم يكن بيده غير أن يتصنع مظهراً متكلفاً، ويصغي إلى الأحلام المحكية، وبهذا يُصرِّفُ جزءاً من الوقت الطويل عبر هذا التأخير المُتعَمد. وتكرار الأمر علَّمه الصبر.
يرى المُفَسِّرُ شخصياً أنَّ تخلصه من المفكرة أمرٌ مريحٌ جداً، وحَسَنٌ أيضاً، لكن لا تزال ثمة بعض النقائض؛ من بينها ازدياد اعتماده على الحالمين، وتقسيم حياته إلى حالات حسب مجيء كل منهم، ولم يعد يذكر الوقت الذي قضاه في العريشة، وتلاشى إحساسه بالزمن تماماً. وكلما أراد أن يتذكر أمراً ما كان يتذكره هكذا: «حدث في ذلك اليوم الذي جاء فيه الرجلُ ذو الوجه الأسمر الذابل......» أو «بعد ظهر ذلك اليوم حين جاءت المرأةُ ذات الكَلَف......» أو «اليوم الذي لم يأتِ فيه أحد......» أو «الصباح الذي جاء فيه أحدهم لكنه لم يحكِ شيئاً ومضى......»، وهكذا.
وقد يبدو هذا التقسيم في مضمونه مريحاً، لكن بما أن عدد القادمين قليل، وبما أن ذاكرته تضعف تبعاً لقلة الحالمين، فقد كان هذا التقسيم يحمل من الإبهام والتضليل الشيءَ الكثير، وعُكِست الأمور، فإن حدثت أمور مربكة، كان من حسن حظه أنه أصبح لا يهتم بها، إذ أصبح لا مبالياً مع مرور الوقت.
وإذا جاء إليه شخصٌ أو أكثر في يوم واحد، فإنه يعتبر هذا اليوم عيداً، وحين يمضي الحالم، يجلس كعادته على الأرض، مستقيماً، تكسو ملامحَه صرامةٌ متناهية، ويختلج جسده وفؤاده بذلك الألق الذي لا يراه أحد، ولا حتى هو. وقلَّما تتكرر هذه اللحظة، ولَّما كان مدركاً لذلك، فلم يبدُ عليه القلق الشديد.
كان يعلم أنَّ الحالمين سيأتون، غير مدفوعين بإرادتِهم الخاصة، فقد كانت الإرادةُ التي تدفعهم إلى المجيء كامنةً في قلبه. وقلَّما يمد رأسَه الآن متأملاً الطريق، كان يبدو في حالةٍ هادئةٍ معظم الوقت، ولمحة القلق الوحيدة التي تظهر عليه هي حين قدوم الحالم، لأنه يعلم ماذا سيحدث بعدها، فنراه فيما بعد مكوَّماً لدى هبوب الرياح الباردة، نافخاً مفاصل أصابعه المنتفخة كمانتو صغير، وفي عينيه يتراقص فرحٌ مجنون لا يمكن وصفه.
يقول العديد من الناس إنَّ المُفَسِّرَ ما هو إلَّا محضُ وهم، لأنه لم يقدر على إثبات نفسه. وهم على صواب، فلم يكن هناك سجلٌّ زمنيٌّ لوجود هذا الشخص، وقد حدث ذلك في منتصف مهنته وأواخرها. وكان ينكمش داخل صَدَفته العجيبة تلك، ولم يستطع أحد في النهاية أن يقتفي أثره، وكل ما رأوه مجرد صَدَفَة خاوية إلى جانب الطريق، تشبه هذا النوع من الصَدَف الرائج. ويزعم بعضهم من وقتٍ لآخر أنَّ صوتَ المُفَسِّرِ ينبعثُ من أعماقِ كهفٍ سحيقٍ ويصلُ إلى أذنه، لكن الكهف في الحقيقة يقبع عميقاً لا يُسبَرُ غوره، لذا حين ينبعثُ ذلك الصوتُ إلى أذنه، يكون أشبه ببكاءِ النمل.
ليس ثمة فائدة تُرجى من تلك المزاعم. هذا صحيح. نحن نرى المُفسِّرَ كلَّ يومٍ جالساً داخل العريشة، في الهيئةِ ذاتها، بأسلوبه ذاته. والغريب في الأمر أنه كلما أردنا أن نعتبره واحداً منا، تحدث تعقيداتٌ غير متوقعة. وقد روينا عن حياته الشخصية وتواصله الغامض مع الناس، لكن هذا كله كان من وجهة نظره محاولةً لتفسير كل ما حدث، ولا يعتقد أحد أنه أمرٌ ممكن إذا ما وضعنا هذا جانباً، وأردنا أن نح
لله بشكل مستقل.
وتقريباً لم يتذكر أحد أيَّ تفصيلةٍ تخصه، جملةٍ، تعبيرٍ، حركةٍ، كلماتٍ مكتوبةٍ أو غيرها. كلُّ شيءٍ عنه، وكلُّ وجودِه كامنٌ في حكيه، أمَّا ذلك الحكي، فكان غامضاً، يفتقدُ إلى مدى زمني. الأمرُ الأهم، أنه لم يكن بوسعِ أحد أن يحكي قصتَه بلغتنا. لم نسمع حكيه بوضوح، لم يسمعه أحدٌ من قبل.
تسان شيوي
اسمها الحقيقي دينغ شياو هوا، وُلِدَت العام 1953 في مقاطعة هونان في الصين. من أبرز كتاب تيار الأدب الطليعي وواحدة من أهم الكاتبات الصينيات المعاصرات. بدأت نشر أعمالها العام 1985. تُرجمت أعمالها إلى العديد من اللغات منها الإنجليزية واليابانية والفرنسية والإيطالية. العام 2015، رُشِّحَت لجائزة نيوستاد الدولية للأدب. فاز عملها «الحبيب الأخير» بجائزة أفضل كتاب مترجم في الولايات المتحدة، كما رُشِّحَت لجائزة صحيفة الإندبندنت للأدب الأجنبي.
وتقريباً لم يتذكر أحد أيَّ تفصيلةٍ تخصه، جملةٍ، تعبيرٍ، حركةٍ، كلماتٍ مكتوبةٍ أو غيرها. كلُّ شيءٍ عنه، وكلُّ وجودِه كامنٌ في حكيه، أمَّا ذلك الحكي، فكان غامضاً، يفتقدُ إلى مدى زمني. الأمرُ الأهم، أنه لم يكن بوسعِ أحد أن يحكي قصتَه بلغتنا. لم نسمع حكيه بوضوح، لم يسمعه أحدٌ من قبل.
تسان شيوي
اسمها الحقيقي دينغ شياو هوا، وُلِدَت العام 1953 في مقاطعة هونان في الصين. من أبرز كتاب تيار الأدب الطليعي وواحدة من أهم الكاتبات الصينيات المعاصرات. بدأت نشر أعمالها العام 1985. تُرجمت أعمالها إلى العديد من اللغات منها الإنجليزية واليابانية والفرنسية والإيطالية. العام 2015، رُشِّحَت لجائزة نيوستاد الدولية للأدب. فاز عملها «الحبيب الأخير» بجائزة أفضل كتاب مترجم في الولايات المتحدة، كما رُشِّحَت لجائزة صحيفة الإندبندنت للأدب الأجنبي.
عينا سيلينا
قصة برناردو كوردون (الأرجنتين)
ترجمة: صالح علماني
في الأصيل الذي جعله الحر مائلاً إلى البياض، بدت عينا سيلينا كأنهما بئرا ماء بارد. فلم أعد أبتعد عنها، وكأنني وجدت فيها ظل شجرة صفصاف وسط الحقل الذي تلهبه الشمس. لكن رأي أمي كان مختلفاً: «هي التي سعت إليكَ، تلك المنحطة»، هذا ما قالته لي. وكالعادة لم أجرؤ على مخالفتها. ولكن، إذا لم تخني الذاكرة فإنني أنا الذي ظللت إلى جوار سيلينا وبي رغبة في النظر إليها كل لحظة. ومنذ ذلك اليوم صرت أساعدها في القطاف، ولم يرق ذلك أيضاً لأمي المعتادة على الأساليب التي علمتنا إياها في الأسرة. أعني، العمل الشاق المتواصل دون التفكير بأي شيء آخر. وكل ما كنا نكسبه نعطيه لأمي، دون أن نُبقي لأنفسنا بيزو واحداً. فعجوزنا هي التي تتولى دوماً نفقات البيت ونفقاتنا.
لقد تزوج أخي قبلي، لأنه أكبر مني سناً، ولأن زوجته روبيرتا بدت محبة للعمل وصموتاً مثل بغلة. فهي لم تتدخل في شؤون الأسرة واستمر كل شيء على حاله، حتى أننا لم نعد ننتبه بعد وقت قصير إلى وجود امرأة غريبة في البيت. أما سيلينا فكان أمرها مختلفاً. فهي تبدو ضعيفة وغير مناسبة للعمل. ولهذا كانت أمي تكلفها بأقسى أعمال الحقل، لترى إن كانت ستتعلم أخيراً.
ولسوء حظ سيلينا فقط، خطر لها أنه يمكننا بعد زواجنا أن نقيم في بيت مستقل، وأن أحتفظ بنقودي لنفسي. وقد قلت لها إنني لن أفعل هذا بأمي مقابل أي شيء في الدنيا. وشاء سوء الطالع أن تعلم العجوز بفكرة سيلينا. فصارت تعاملها على أنها مجنونة ولم تغفر لها أبداً. لقد خجلتُ خجلاً شديداً لأن زوجتي تفكر بطريقة مختلفة عنا جميعاً. وآلمني أن أرى أمي شاكية. كما أنها أنبتني لأني لم أعد أشتغل جيداً كالسابق، وكانت هذه هي الحقيقة المحضة. فالواقع أنني كنت أقضي وقتاً طويلاً إلى جانب سيلينا، وكانت المسكينة تنحل يوماً بعد يوم، لكن عينيها بالمقابل كانتا تكبران. وهذا بالتحديد ما كان يفتنني: عيناها الكبيرتان. ولم أكن أملّ من النظر فيهما أبداً.
مرت سنة أخرى، وساءت الأمور أكثر. فروبيرتا التي تعمل في الحقل مثل أتان قد أنجبت ابنها الثاني. كانت أمي تبدو سعيدة، لأن روبيرتا، مثلها تماماً، تنجب ذكوراً للعمل. أما من سيلينا فلم نحصل على أولاد، حتى ولا على مولودة أنثى. لم أكن أشعر أنني بحاجة إلى أولاد. لكن أمي كانت تؤنبنا. ولم أجرؤ على مخالفتها أبداً، وخصوصاً حين تكون غاضبة، مثلما كانت في ذلك اليوم الذي استدعتنا فيه، نحن ابنيها، لتقول لنا إنه لا بد من التخلص من إزعاج سيلينا في البيت، وإنها ستتولى هي نفسها هذا الأمر. بعد ذلك بقيت تتحدث إلى أخي. وقد أحزنني هذا كثيراً، لأننا لم نعد كالسابق، حين كنا نحلّ كل شيء معاً. فأمي تتفق الآن مع أخي على انفراد. وعند المساء رأيتهما يذهبان في العربة ومعهما قدر ولفافة قماش. ففكرت بأنهما ذاهبان إلى الجبل للبحث عن أعشاب برية أو عن تميمة من أجل إشفاء سيلينا. ولم أجرؤ على سؤالهما شيئاً. فقد كنت أخشى دوماً رؤية أمي غاضبة.
في اليوم التالي أخبرتنا والدتي بأننا سنخرج يوم الأحد في نزهة إلى النهر. لم يكن يبدو عليها أبداً أنها محبة للنزهات أيام الآحاد أو في أي يوم آخر، لأن العمل لم يكن ينقصنا في البيت أو في الحقل. لكن ما جعلني أستغرب الأمر هو أنها أمرت سيلينا بالمجيء معنا، فيما كان على روبيرتا البقاء في البيت لتتولى شؤونه وشؤون الصغيرين.
لقد تذكرتُ في يوم الأحد ذاك الأزمنة القديمة، حين كنا صغاراً. وبدت أمي سعيدة وأكثر شباباً، فقد جهزت الطعام للنزهة وربطت الحصان إلى العربة، ثم أخذتنا إلى حيث منحنى النهر.
كان الوقت ظهراً، وكان الجو حاراً كأنه الفرن. طلبت أمي من سيلينا أن تذهب لتدفن دمجانة النبيذ في رمال النهر الباردة. وأعطتها كذلك القدر الملفوفة بقطعة القماش.
ـ افتحي هذه عند النهر، واغسلي البندورة التي فيها جيداً كي نصنع السلطة.
بقينا وحدنا وليس لدينا كالعادة ما نقوله. وفجأة سمعتُ صرخة من سيلينا أوقفت شعر بدني. ثم أنها نادت بصرخة كصرخة حيوان جامح. أردت أن أركض نحوها، لكنني فكرت بأعمال السحر واعتراني خوف شديد. ثم إن أمي طلبت مني ألا أتحرك من مكاني.
جاءت سيلينا مترنحة وكأنها قد شربت وحدها كل النبيذ الذي حملته إلى النهر لتبرده. ولم تفعل شيئاً آخر سوى النظر إليّ نظرة عميقة بهاتيك العينين، ثم انهارت على الأرض. انحنت أمي فوقها، وتفحصت جسد سيلينا بدقة. وأشارت قائلة:
ـ هنا، تحت المرفق.
وقال أخي:
ـ هنا بالضبط لدغتْ الأفعى.
كانا يتفحصان بعيون متفاهمة. وفتحت سيلينا عينيها وعادت تنظر إليّ وتلعثمتْ قائلة:
ـ أفعى. كانت هناك أفعى في القدر.
نظرتُ إلى أمي، فوضعتْ إصبعها على جبهتها لتشير إلى أن سيلينا قد أصيبت بالجنون. والحقيقة أنها لم تكن تبدو بكامل وعيها: كان صوتها يرتعش، ولم تكن تكمل نطق الكلمات، مثل مخمور متلعثم اللسان.
أردتُ أن أضغط على ذراعها كي لا يسري السم فيه، لكن أمي قالت إن الوقت قد فات، ولم أجرؤ على مخالفتها. حينئذ قلت إنه
قصة برناردو كوردون (الأرجنتين)
ترجمة: صالح علماني
في الأصيل الذي جعله الحر مائلاً إلى البياض، بدت عينا سيلينا كأنهما بئرا ماء بارد. فلم أعد أبتعد عنها، وكأنني وجدت فيها ظل شجرة صفصاف وسط الحقل الذي تلهبه الشمس. لكن رأي أمي كان مختلفاً: «هي التي سعت إليكَ، تلك المنحطة»، هذا ما قالته لي. وكالعادة لم أجرؤ على مخالفتها. ولكن، إذا لم تخني الذاكرة فإنني أنا الذي ظللت إلى جوار سيلينا وبي رغبة في النظر إليها كل لحظة. ومنذ ذلك اليوم صرت أساعدها في القطاف، ولم يرق ذلك أيضاً لأمي المعتادة على الأساليب التي علمتنا إياها في الأسرة. أعني، العمل الشاق المتواصل دون التفكير بأي شيء آخر. وكل ما كنا نكسبه نعطيه لأمي، دون أن نُبقي لأنفسنا بيزو واحداً. فعجوزنا هي التي تتولى دوماً نفقات البيت ونفقاتنا.
لقد تزوج أخي قبلي، لأنه أكبر مني سناً، ولأن زوجته روبيرتا بدت محبة للعمل وصموتاً مثل بغلة. فهي لم تتدخل في شؤون الأسرة واستمر كل شيء على حاله، حتى أننا لم نعد ننتبه بعد وقت قصير إلى وجود امرأة غريبة في البيت. أما سيلينا فكان أمرها مختلفاً. فهي تبدو ضعيفة وغير مناسبة للعمل. ولهذا كانت أمي تكلفها بأقسى أعمال الحقل، لترى إن كانت ستتعلم أخيراً.
ولسوء حظ سيلينا فقط، خطر لها أنه يمكننا بعد زواجنا أن نقيم في بيت مستقل، وأن أحتفظ بنقودي لنفسي. وقد قلت لها إنني لن أفعل هذا بأمي مقابل أي شيء في الدنيا. وشاء سوء الطالع أن تعلم العجوز بفكرة سيلينا. فصارت تعاملها على أنها مجنونة ولم تغفر لها أبداً. لقد خجلتُ خجلاً شديداً لأن زوجتي تفكر بطريقة مختلفة عنا جميعاً. وآلمني أن أرى أمي شاكية. كما أنها أنبتني لأني لم أعد أشتغل جيداً كالسابق، وكانت هذه هي الحقيقة المحضة. فالواقع أنني كنت أقضي وقتاً طويلاً إلى جانب سيلينا، وكانت المسكينة تنحل يوماً بعد يوم، لكن عينيها بالمقابل كانتا تكبران. وهذا بالتحديد ما كان يفتنني: عيناها الكبيرتان. ولم أكن أملّ من النظر فيهما أبداً.
مرت سنة أخرى، وساءت الأمور أكثر. فروبيرتا التي تعمل في الحقل مثل أتان قد أنجبت ابنها الثاني. كانت أمي تبدو سعيدة، لأن روبيرتا، مثلها تماماً، تنجب ذكوراً للعمل. أما من سيلينا فلم نحصل على أولاد، حتى ولا على مولودة أنثى. لم أكن أشعر أنني بحاجة إلى أولاد. لكن أمي كانت تؤنبنا. ولم أجرؤ على مخالفتها أبداً، وخصوصاً حين تكون غاضبة، مثلما كانت في ذلك اليوم الذي استدعتنا فيه، نحن ابنيها، لتقول لنا إنه لا بد من التخلص من إزعاج سيلينا في البيت، وإنها ستتولى هي نفسها هذا الأمر. بعد ذلك بقيت تتحدث إلى أخي. وقد أحزنني هذا كثيراً، لأننا لم نعد كالسابق، حين كنا نحلّ كل شيء معاً. فأمي تتفق الآن مع أخي على انفراد. وعند المساء رأيتهما يذهبان في العربة ومعهما قدر ولفافة قماش. ففكرت بأنهما ذاهبان إلى الجبل للبحث عن أعشاب برية أو عن تميمة من أجل إشفاء سيلينا. ولم أجرؤ على سؤالهما شيئاً. فقد كنت أخشى دوماً رؤية أمي غاضبة.
في اليوم التالي أخبرتنا والدتي بأننا سنخرج يوم الأحد في نزهة إلى النهر. لم يكن يبدو عليها أبداً أنها محبة للنزهات أيام الآحاد أو في أي يوم آخر، لأن العمل لم يكن ينقصنا في البيت أو في الحقل. لكن ما جعلني أستغرب الأمر هو أنها أمرت سيلينا بالمجيء معنا، فيما كان على روبيرتا البقاء في البيت لتتولى شؤونه وشؤون الصغيرين.
لقد تذكرتُ في يوم الأحد ذاك الأزمنة القديمة، حين كنا صغاراً. وبدت أمي سعيدة وأكثر شباباً، فقد جهزت الطعام للنزهة وربطت الحصان إلى العربة، ثم أخذتنا إلى حيث منحنى النهر.
كان الوقت ظهراً، وكان الجو حاراً كأنه الفرن. طلبت أمي من سيلينا أن تذهب لتدفن دمجانة النبيذ في رمال النهر الباردة. وأعطتها كذلك القدر الملفوفة بقطعة القماش.
ـ افتحي هذه عند النهر، واغسلي البندورة التي فيها جيداً كي نصنع السلطة.
بقينا وحدنا وليس لدينا كالعادة ما نقوله. وفجأة سمعتُ صرخة من سيلينا أوقفت شعر بدني. ثم أنها نادت بصرخة كصرخة حيوان جامح. أردت أن أركض نحوها، لكنني فكرت بأعمال السحر واعتراني خوف شديد. ثم إن أمي طلبت مني ألا أتحرك من مكاني.
جاءت سيلينا مترنحة وكأنها قد شربت وحدها كل النبيذ الذي حملته إلى النهر لتبرده. ولم تفعل شيئاً آخر سوى النظر إليّ نظرة عميقة بهاتيك العينين، ثم انهارت على الأرض. انحنت أمي فوقها، وتفحصت جسد سيلينا بدقة. وأشارت قائلة:
ـ هنا، تحت المرفق.
وقال أخي:
ـ هنا بالضبط لدغتْ الأفعى.
كانا يتفحصان بعيون متفاهمة. وفتحت سيلينا عينيها وعادت تنظر إليّ وتلعثمتْ قائلة:
ـ أفعى. كانت هناك أفعى في القدر.
نظرتُ إلى أمي، فوضعتْ إصبعها على جبهتها لتشير إلى أن سيلينا قد أصيبت بالجنون. والحقيقة أنها لم تكن تبدو بكامل وعيها: كان صوتها يرتعش، ولم تكن تكمل نطق الكلمات، مثل مخمور متلعثم اللسان.
أردتُ أن أضغط على ذراعها كي لا يسري السم فيه، لكن أمي قالت إن الوقت قد فات، ولم أجرؤ على مخالفتها. حينئذ قلت إنه
يتوجب علينا أن ننقلها بالعربة إلى القرية. ولم ترد أمي عليّ. كانت تضغط شفتيها، ففهمتُ أنها آخذة بالغضب. عادت سيلينا تفتح عينيها، وبحثت عني بنظرها. حاولتْ النهوض، وخطر لنا جميعاً أن السم لم يكن قوياً بما يكفي. حينئذ أمسكتني أمي من ذراعي وقالت لي:
ـ لا يمكن إصلاح هذا إلا بطريقة واحدة. يجب أن نجعلها تركض.
ساعدني شقيقي على رفعها عن الأرض. قلنا لها إنه عليها أن تركض لتشفى. الحقيقة أنه يصعب علي أي كان الركض في مثل تلك الحالة: فالسم يصبح أسوأ عند الركض ومفعوله أسرع. لكنني لم اجرؤ على مجادلة أمي، ولم يكن يبدو على سيلينا أنها تفهم شيئاً. كانت كلها عينين ـ وأي عينين!ـ تنظر إليّ وتشير لي برأسها أن نعم، لأنها لم تعد قادرة على تحريك لسانها.
حينئذ صعدنا إلى العربة، وانطلقنا عائدين إلى بيتنا. لم تكن سيلينا قادرة على تحريك ساقيها إلا بمشقة، ولم أعرف إن كان ذلك بفعل السم أو لخوفها من الموت. كانت عيناها تكبران أكثر فأكثر، ولم تكن ترفع نظرها عني، وكأنه لا وجود لشيء آخر في الدنيا سواي. كنت أفتح لها ذراعي وأنا في العربة مثلما يفعلون حين يعلّمون طفلاً صغيراً المشي، وكانت هي تفتح ذراعيها كذلك، مترنحة مثل سكران. وفجأة وصل السم إلى قلبها وهوت على الأرض مثل عصفور صغير.
سهرنا على جثتها ودفناها في اليوم التالي في الحقل. ذهبت أمي إلى القرية للإبلاغ عن الحادث. واستمرت الحياة كالعادة، إلى أن جاء في مساء أحد الأيام مفوض تشانيارال مع شرطيين وقادونا إلى القرية، ثم إلى سجن ريسيستنثيا.
يقولون إن روبيرتا هي التي نقلت للقرية حكاية الأفعى في القدر. ونحن الذين كنا نظنها صموتاً كبغلة! لقد كانت تتصنع دوماً لتبدو وكأنها ذبابة ميتة، ولكنها استولت أخيراً على البيت وعلى العربة وعلى كل شيء.
ما أسفنا عليه حقاً، أنا وأخي، هو ابتعادنا عن العجوز حين نقلوها، وإلى الأبد، إلى سجن النساء. لكنني لا أشعر في الحقيقة بأنني في حالة سيئة، فالعمل في السجن أقل والأكل أفضل مما كان عليه في الحقل. والشيء الوحيد الذي أريد أن أنساه، ولو لليلة واحدة، هو عينا سيلينا حين كانت تركض وراء العربة.
ترجمة : صالح علماني
ـ لا يمكن إصلاح هذا إلا بطريقة واحدة. يجب أن نجعلها تركض.
ساعدني شقيقي على رفعها عن الأرض. قلنا لها إنه عليها أن تركض لتشفى. الحقيقة أنه يصعب علي أي كان الركض في مثل تلك الحالة: فالسم يصبح أسوأ عند الركض ومفعوله أسرع. لكنني لم اجرؤ على مجادلة أمي، ولم يكن يبدو على سيلينا أنها تفهم شيئاً. كانت كلها عينين ـ وأي عينين!ـ تنظر إليّ وتشير لي برأسها أن نعم، لأنها لم تعد قادرة على تحريك لسانها.
حينئذ صعدنا إلى العربة، وانطلقنا عائدين إلى بيتنا. لم تكن سيلينا قادرة على تحريك ساقيها إلا بمشقة، ولم أعرف إن كان ذلك بفعل السم أو لخوفها من الموت. كانت عيناها تكبران أكثر فأكثر، ولم تكن ترفع نظرها عني، وكأنه لا وجود لشيء آخر في الدنيا سواي. كنت أفتح لها ذراعي وأنا في العربة مثلما يفعلون حين يعلّمون طفلاً صغيراً المشي، وكانت هي تفتح ذراعيها كذلك، مترنحة مثل سكران. وفجأة وصل السم إلى قلبها وهوت على الأرض مثل عصفور صغير.
سهرنا على جثتها ودفناها في اليوم التالي في الحقل. ذهبت أمي إلى القرية للإبلاغ عن الحادث. واستمرت الحياة كالعادة، إلى أن جاء في مساء أحد الأيام مفوض تشانيارال مع شرطيين وقادونا إلى القرية، ثم إلى سجن ريسيستنثيا.
يقولون إن روبيرتا هي التي نقلت للقرية حكاية الأفعى في القدر. ونحن الذين كنا نظنها صموتاً كبغلة! لقد كانت تتصنع دوماً لتبدو وكأنها ذبابة ميتة، ولكنها استولت أخيراً على البيت وعلى العربة وعلى كل شيء.
ما أسفنا عليه حقاً، أنا وأخي، هو ابتعادنا عن العجوز حين نقلوها، وإلى الأبد، إلى سجن النساء. لكنني لا أشعر في الحقيقة بأنني في حالة سيئة، فالعمل في السجن أقل والأكل أفضل مما كان عليه في الحقل. والشيء الوحيد الذي أريد أن أنساه، ولو لليلة واحدة، هو عينا سيلينا حين كانت تركض وراء العربة.
ترجمة : صالح علماني
الواجبات الثلاثة – كازنتزاكي | وجود
http://wjoood.com/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%83%D9%8A/
http://wjoood.com/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D9%83%D9%8A/
Wjoood
الواجبات الثلاثة – كازنتزاكي | وجود
نجيء من هاوية مظلمة، وننتهي إلى هاوية مظلمة، ونسمّي الفاصل المضيء بينهما: الحياة. حالما
" الفقير يشتري الجريدة
و الغني يشتري رئيس التحرير ".
ليونيد شيبارشين
و الغني يشتري رئيس التحرير ".
ليونيد شيبارشين
بعد القبض علي تشي جيفارا في مخبئه الأخير بوشاية من راعي أغنام.
سأل أحدهم الراعي الفقير : لماذا وشيت عن رجل قضى حياته في الدفاع عنكم و عن حقوقكم ؟
فأجاب الراعي : كانت حروبه مع الجنود تروع أغنامي!
يقول محمد رشيد رضا : "الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير !"
سأل أحدهم الراعي الفقير : لماذا وشيت عن رجل قضى حياته في الدفاع عنكم و عن حقوقكم ؟
فأجاب الراعي : كانت حروبه مع الجنود تروع أغنامي!
يقول محمد رشيد رضا : "الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير !"
أرونداتي روي: كتبت عن كشمير لأواجه آثامي الشخصية
أجرى الحوار رينيه فان ستيبريان
ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد
بعد عشرين عامًا على النجاح الكبير الذي حققته روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة" (1997)، ها هي الكاتبة الهندية المثيرة للجدل "أرونداتي روي" تصدر روايتها الثانية في مشوارها الأدبي تحت عنوان "وزارة السعادة القصوى"، تقول: "لم يعد إصدار رواية جديدة حدثًا اليوم، وأصبح من الغباء أن أضطر في كل مرّة إلى شرح الأسباب التي جعلتني أتوقف كل هذه الأعوام عن الكتابة الروائية". بدأت "روي" كتابة روايتها الأولى في العام 1992، والتي تكاد تكون سيرة ذاتية لكاتبتها، وعكفت على نسج خيوطها لمدة خمسة أعوام، قبل أن تصدر في 1997 لتصنع زلزالًا في كل لغة تترجم إليها.
ولدت "أرونداتي روي" في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1961 من أم سورية مسيحية وأب بنغالي يدين بالهندوسية، وتعود جذور أمها "ماري روي"، والتي برزت هي الأخرى كمناضلة في مجال حقوق المرأة، إلى القبائل السريانية التي هاجرت قبل عقود من الشام إلى الهند، كان أول ظهور لاسم "أرونداتي روي" على الساحة الدولية حين حصدت روايتها الأولى، في مفاجأة غير متوقعة، جائزة البوكر الشهيرة سنة 1997، خاصة وأن "روي" كانت مجهولة تمامًا على المستوى الدولي آنذاك، وعلى العكس من الكثيرين الذين علقوا على الكاتبة الموهوبة الكثير من الآمال، تركت "روي" نجاحها الأدبي جانبًا، وتفرغت لنشاطها السياسي الاستثنائي كمدافعة عن حقوق الأقليات في بلدها الهند.
ليس لدى "روي" ما تخشاه، حتى وإن كان الموت المشهر عبر العديد من فوّهات كارهيها من السياسيين ومافيات الدم البشري، تناصر الفقراء والمعدمين وتقف بالمرصاد لألاعيب رجال الأعمال والشركات الأخطبوطية عابرة القارات، قضت طفولتها في ولاية كيرالا وذهبت إلى مدارسها لتنهي مراحل تعليمها الأساسية هناك، قبل أن تنتقل إلى الجامعة لتدرس الهندسة المعمارية بجامعة نيودلهي.
"صارت كل كتابة عن العنف الدائر اليوم في الهند تتهم بالابتذال، وبالتالي صار الجميع ينصرفون عن تناول المجازر اليومية بحق الكثير من الأقليات خوفًا من وصمهم بهذه التهمة"، تقول "روي" وهي تقودني إلى مجلسنا في غرفتها بفندق شيراتون القريب من مطار أمستردام الدولي، حيث ستغادر بعدها إلى بروكسل لتوقع الترجمة الهولندية لروايتها الجديدة "وزارة السعادة القصوى". لحسن الحظ لم تؤثر الإضاءة السيئة للغرفة على مزاج "روي" أثناء الحوار، تحدثت بحماس عن قضية كشمير كما لو كانت طائرًا يحلق فوق جبل، وأنهت كلامها قائلة إنها لم تعد تشعر بالتفاؤل حين تفكر في المستقبل القريب لبلدها الهند: "الكثير من القراء وجدوا أن روايتي الجديدة بها العديد من الرموز والإسقاطات السياسية، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل البشع الذي تنتهجه الهند تجاه الطبقات الفقيرة، خاصة طبقة الـ"داليت" أو "المنبوذين"، والتي تحتل أدنى مرتبة في النظام الطبقي الهندوسي في الهند".
في روايتها الجديدة، نشعر أن "روي" أصبحت بعيدة تمامًا عن الخيال الروائي الذي تبدّى في روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة"، في "وزارة السعادة القصوى" نجدها تكتب بطريقة أبعد ما تكون عن التخييل الروائي، بل أقرب إلى الرواية الوثائقية منها إلى الخيالية، حيث نجد في ثنايا الرواية العديد من التقارير الصحفية وطلبات اللجوء والشهادات الشخصية لأفراد من طبقة الداليت الهندية، إلى جوار العديد من الشخصيات الفرعية والعابرة، لتغطي الرواية عدة عقود من تاريخ الهند المعاصر.
الشخصيتان الرئيسيتان في رواية "روي" الجديدة هما الخنثى (هيجرا – أنجوم) الذي يعيش بإحدى مقابر العاصمة الهندية دلهي، والآخر هو المهندس المعماري الحر "تيلو" الذي عانى من صدمة كبيرة في كشمير. تسخّر أرونداتي روي روايتها الجديدة لمناقشة قضية كشمير على نطاق واسع، حتى تكاد لا تترك شيئًا يُذكر للخيال الروائي. ومعروف أن روي سخّرت سنواتها العشرين السابقة في الدفاع عن قضية كشمير من خلال كتاباتها الوثائقية ونشاطها كمدافعة عن حقوق الإنسان.
وإن كانت أرونداتي روي توقفت عشرين عامًا عن الكتابة الروائية، إلا أنها تملك رصيدًا مهمًا من الكتب السياسية التي لاقت رواجًا في العالم الناطق بالإنكليزية وكذلك في بلدها الهند، والتي تدور في غالبيتها حول السياسات الكونية والعولمة المتوحشة والحرب على الإرهاب، وعودة الاستعمار الأميركي لينتشر من جديد في عدد من المستعمرات الغربية العتيقة، كالعراق وأفغانستان وباكستان والهند، ومن هذه الكتب: "نهاية الخيال" (1998)، "ثمن العيش" (1999)، "علم جبر العدالة اللانهائية" (2001)، "سياسات القوة" (2001)، "حديث الحرب" (2003)، إضافة إلى كتابها المهم "دليل القارئ العادي إلى الإمبراطورية" والصادر سنة 2004.
إلى أي مدى ترين أهمية كتاباتك السياسية التي قدمتها على مدى الأعوام العشرين الماضية في بناء روايتك الجديدة؟
لهذه السنوات الطويلة من اهتمامي بالسياسة أهمية كب
أجرى الحوار رينيه فان ستيبريان
ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد
بعد عشرين عامًا على النجاح الكبير الذي حققته روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة" (1997)، ها هي الكاتبة الهندية المثيرة للجدل "أرونداتي روي" تصدر روايتها الثانية في مشوارها الأدبي تحت عنوان "وزارة السعادة القصوى"، تقول: "لم يعد إصدار رواية جديدة حدثًا اليوم، وأصبح من الغباء أن أضطر في كل مرّة إلى شرح الأسباب التي جعلتني أتوقف كل هذه الأعوام عن الكتابة الروائية". بدأت "روي" كتابة روايتها الأولى في العام 1992، والتي تكاد تكون سيرة ذاتية لكاتبتها، وعكفت على نسج خيوطها لمدة خمسة أعوام، قبل أن تصدر في 1997 لتصنع زلزالًا في كل لغة تترجم إليها.
ولدت "أرونداتي روي" في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1961 من أم سورية مسيحية وأب بنغالي يدين بالهندوسية، وتعود جذور أمها "ماري روي"، والتي برزت هي الأخرى كمناضلة في مجال حقوق المرأة، إلى القبائل السريانية التي هاجرت قبل عقود من الشام إلى الهند، كان أول ظهور لاسم "أرونداتي روي" على الساحة الدولية حين حصدت روايتها الأولى، في مفاجأة غير متوقعة، جائزة البوكر الشهيرة سنة 1997، خاصة وأن "روي" كانت مجهولة تمامًا على المستوى الدولي آنذاك، وعلى العكس من الكثيرين الذين علقوا على الكاتبة الموهوبة الكثير من الآمال، تركت "روي" نجاحها الأدبي جانبًا، وتفرغت لنشاطها السياسي الاستثنائي كمدافعة عن حقوق الأقليات في بلدها الهند.
ليس لدى "روي" ما تخشاه، حتى وإن كان الموت المشهر عبر العديد من فوّهات كارهيها من السياسيين ومافيات الدم البشري، تناصر الفقراء والمعدمين وتقف بالمرصاد لألاعيب رجال الأعمال والشركات الأخطبوطية عابرة القارات، قضت طفولتها في ولاية كيرالا وذهبت إلى مدارسها لتنهي مراحل تعليمها الأساسية هناك، قبل أن تنتقل إلى الجامعة لتدرس الهندسة المعمارية بجامعة نيودلهي.
"صارت كل كتابة عن العنف الدائر اليوم في الهند تتهم بالابتذال، وبالتالي صار الجميع ينصرفون عن تناول المجازر اليومية بحق الكثير من الأقليات خوفًا من وصمهم بهذه التهمة"، تقول "روي" وهي تقودني إلى مجلسنا في غرفتها بفندق شيراتون القريب من مطار أمستردام الدولي، حيث ستغادر بعدها إلى بروكسل لتوقع الترجمة الهولندية لروايتها الجديدة "وزارة السعادة القصوى". لحسن الحظ لم تؤثر الإضاءة السيئة للغرفة على مزاج "روي" أثناء الحوار، تحدثت بحماس عن قضية كشمير كما لو كانت طائرًا يحلق فوق جبل، وأنهت كلامها قائلة إنها لم تعد تشعر بالتفاؤل حين تفكر في المستقبل القريب لبلدها الهند: "الكثير من القراء وجدوا أن روايتي الجديدة بها العديد من الرموز والإسقاطات السياسية، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل البشع الذي تنتهجه الهند تجاه الطبقات الفقيرة، خاصة طبقة الـ"داليت" أو "المنبوذين"، والتي تحتل أدنى مرتبة في النظام الطبقي الهندوسي في الهند".
في روايتها الجديدة، نشعر أن "روي" أصبحت بعيدة تمامًا عن الخيال الروائي الذي تبدّى في روايتها الأولى "إله الأشياء الصغيرة"، في "وزارة السعادة القصوى" نجدها تكتب بطريقة أبعد ما تكون عن التخييل الروائي، بل أقرب إلى الرواية الوثائقية منها إلى الخيالية، حيث نجد في ثنايا الرواية العديد من التقارير الصحفية وطلبات اللجوء والشهادات الشخصية لأفراد من طبقة الداليت الهندية، إلى جوار العديد من الشخصيات الفرعية والعابرة، لتغطي الرواية عدة عقود من تاريخ الهند المعاصر.
الشخصيتان الرئيسيتان في رواية "روي" الجديدة هما الخنثى (هيجرا – أنجوم) الذي يعيش بإحدى مقابر العاصمة الهندية دلهي، والآخر هو المهندس المعماري الحر "تيلو" الذي عانى من صدمة كبيرة في كشمير. تسخّر أرونداتي روي روايتها الجديدة لمناقشة قضية كشمير على نطاق واسع، حتى تكاد لا تترك شيئًا يُذكر للخيال الروائي. ومعروف أن روي سخّرت سنواتها العشرين السابقة في الدفاع عن قضية كشمير من خلال كتاباتها الوثائقية ونشاطها كمدافعة عن حقوق الإنسان.
وإن كانت أرونداتي روي توقفت عشرين عامًا عن الكتابة الروائية، إلا أنها تملك رصيدًا مهمًا من الكتب السياسية التي لاقت رواجًا في العالم الناطق بالإنكليزية وكذلك في بلدها الهند، والتي تدور في غالبيتها حول السياسات الكونية والعولمة المتوحشة والحرب على الإرهاب، وعودة الاستعمار الأميركي لينتشر من جديد في عدد من المستعمرات الغربية العتيقة، كالعراق وأفغانستان وباكستان والهند، ومن هذه الكتب: "نهاية الخيال" (1998)، "ثمن العيش" (1999)، "علم جبر العدالة اللانهائية" (2001)، "سياسات القوة" (2001)، "حديث الحرب" (2003)، إضافة إلى كتابها المهم "دليل القارئ العادي إلى الإمبراطورية" والصادر سنة 2004.
إلى أي مدى ترين أهمية كتاباتك السياسية التي قدمتها على مدى الأعوام العشرين الماضية في بناء روايتك الجديدة؟
لهذه السنوات الطويلة من اهتمامي بالسياسة أهمية كب
يرة في تشكل روايتي الجديدة بالطبع، لقد سافرت إلى جميع أنحاء وقرى الهند المنسية خلال الأعوام العشرين الماضية، ورأيت الأشياء التي لم يكن يتسنى لي رؤيتها وأنا جالسة خلف شاشة كمبيوتري الشخصي، من خلال هذه الرحلات المستمرة إلى جنبات الهند ومناطقه المنسية، لاحظت أن الهوة تتسع بين المدن والقرى المحيطة بها، ولا أعني هنا الهوة الاقتصادية بقدر ما أعني الهوة الثقافية، في بعض المدن يبنون السدود المائية من دون أية دراسة للتأثير الذي سيخلفه بناء هذا السد على العديد من القرى الأخرى، يسخرون في المدن من قضايا الفقراء الذين يعيشون في القرى والضواحي الفقيرة التي تنعدم فيها أية بنية تحتية من أي نوع، ثم تأتي السياسة الهندية لتسكت عن قضية كشمير[1]، لن تستطيع أبدًا فهم ما يحدث في كشمير لو أنك اكتفيت بما تذكره منشورات نشطاء حقوق الإنسان أو التقارير الصحفية أو الكتابات الوثائقية المدعومة بآلاف الحقائق التاريخية، لن تستوعب قضية كشمير من دون أن تزاوج بين ما يحدث على أرضها من فظائع واقعية وبين الخيال الأدبي.
ولكن لماذا تناولت القضية من خلال قالب الرواية؟ أكانت هذه هي الوسيلة المناسبة لإيصال رسالتك؟
الخيال هو السبيل الوحيد من وجهة نظري لتناول قضية معقدة وشائكة مثل قضية كشمير، في الكتابات غير المتخيلة تجد نفسك داخل جدال لا ينتهي حول الموقف الهندي من كشمير والعكس، أما من خلال الكتابة الروائية فأنت تضع العالم كله تحت عينيك، لتظهره من جديد إلى الآخرين من الزاوية التي تريدها، من خلال تناولك لخبرات إنسانية لمستها أو عايشتها بنفسك، حين تنطلق من هذه النقطة لن تتساءل حول مدى صلاحية هذا الخطاب الروائي لإيصال رسالتك من عدمه، لأن المحاولة ذاتها تستحق الخوض فيها أكثر من إيصال الرسالة أو عدم إيصالها، لم يكن لديّ غرض محدد من كتابتي عن قضية كشمير، ولست في حاجة إلى التوصل إلى استنتاجات جديدة غير التي أؤمن بها منذ سنوات، لكني مؤمنة تمامًا بأن الخيال يحسن الواقع. لم أكتب هذا العمل كي يفهم القراء خارج الهند ما يحدث في كشمير، ولكن لطرح العديد من الأسئلة الملحة ومن بينها: كيف يرى الهنود سلطتهم السياسية وهي تمارس الإرهاب العلني ضد أهل كشمير؟ وما هو المبرر الأخلاقي الذي يتكئ عليه القاتل وهو يقوم بارتكاب جرائم حرب؟ أنا مقتنعة بأن كشمير سوف تدمر الهند في نهاية المطاف لأنها تمتلك القاعدة الأخلاقية الرئيسية التي تبنى عليها المجتمعات.
ثمة جملة في روايتك تقولين فيها: "أوه، إنها فقط كشمير"! وأبرزت صحيفة النيويوركر الجملة ذاتها معتبرة أن نبرتك فيها كانت جد ساخرة، هل بالفعل كتبت هذه الجملة على سبيل السخرية أم الغضب مما يحدث هناك أم اليأس من إصلاح القضية برمتها؟
لم أكتبها وفي عقلي أحد هذه الاحتمالات الثلاثة، بل فقط لأنها النبرة الواقعية التي تناسب ما يحدث هناك من إرهاب يومي وجرائم حرب، بل لا يمكننا حتى أن نقول إنها نبرة إحباط، فليس هناك على المستوى الدولي من يهتم بقضية كشمير، لم ترتفع قضية كشمير إلى مستوى القضية الفلسطينية، والتي تتم مناقشتها باستمرار على المستوى الدولي دون أن يحدث فيها أي تغيير من أي نوع، هي ليست جملة ساخرة، وليست جملة غضب أو احتقار، بل بحث عن معنى للقضية، أنا أسميها جملة "رحيمة"، تكتب عن قضية تعالج بدون رحمة منذ عقود، جملة كتبتها كاتبة هندية تحاول التعبير عن مخاوفها تجاه مستقبل شعبها وبلدها، فهذا هو دوري المنوط بي ولن أتخلى عن الالتزام به حتى الموت، كتبت هذه الرواية لتسجيل رؤيتي الخاصة جدًا لقضية كشمير من خلال تاريخي الشخصي، عوضًا عن كتابة رواية عن الاستعمار أو الإمبريالية الجديدة، إنها مسألة مثيرة لاهتمامي بقوة أن أكتب عن كشمير من خلال تاريخي الشخصي، لأن ذلك يجعلني أواجه آثامي الشخصية تجاه هذه القضية.
يتساءل المحامي "تيلو" في الرواية قائلًا: "كم من الدماء يمكن لرواية أن تحتمل؟" هل توصلت إلى الجواب الآن بعد صدور الرواية؟
تحتمل الرواية كل ما يسال هناك من دماء بشكل يومي، ألاحظ ومنذ سنوات كيف تم محو العديد من الموضوعات السياسية الساخنة من الأدب الهندي المعاصر، خذ مثلًا موضوع تقسيم المجتمع الهندي على أساس التنوع الروحي والكرمة في الهندوسية إلى أربع مجموعات، حيث يؤمن الهنود أن براهما خلق أربع مراتب من الناس: الأولى هي "براهمين" وهي الطبقة الكهنوتية والمعلمة، والثانية هي "كشاتريا" وهي طبقة المحاربين والحكام، والثالثة "فيشيا" وهي طبقة المزارعين والتجار، والرابعة والأخيرة هي "شودرا" طبقة الخدم والعمال. أغلب الكتاب ألغوا هذا الموضوع الرئيسي في الذهنية الهندية من تناولهم أو حتى النقاش حوله، وهو الموضوع ذاته الذي تناوله كتاب جنوب أفريقيا قبل ثلاثين عامًا من الآن، أي الفصل العنصري القائم على تقسيم الناس إلى طبقات من خلال دينهم أو عرقهم أو لون بشرتهم، كذلك لا يجب أن ننسى أنه منذ العام 1947 لم يمر يوم في الهند دون أن ينزل الجيش ضد الشعب في منطقة ما من البل
ولكن لماذا تناولت القضية من خلال قالب الرواية؟ أكانت هذه هي الوسيلة المناسبة لإيصال رسالتك؟
الخيال هو السبيل الوحيد من وجهة نظري لتناول قضية معقدة وشائكة مثل قضية كشمير، في الكتابات غير المتخيلة تجد نفسك داخل جدال لا ينتهي حول الموقف الهندي من كشمير والعكس، أما من خلال الكتابة الروائية فأنت تضع العالم كله تحت عينيك، لتظهره من جديد إلى الآخرين من الزاوية التي تريدها، من خلال تناولك لخبرات إنسانية لمستها أو عايشتها بنفسك، حين تنطلق من هذه النقطة لن تتساءل حول مدى صلاحية هذا الخطاب الروائي لإيصال رسالتك من عدمه، لأن المحاولة ذاتها تستحق الخوض فيها أكثر من إيصال الرسالة أو عدم إيصالها، لم يكن لديّ غرض محدد من كتابتي عن قضية كشمير، ولست في حاجة إلى التوصل إلى استنتاجات جديدة غير التي أؤمن بها منذ سنوات، لكني مؤمنة تمامًا بأن الخيال يحسن الواقع. لم أكتب هذا العمل كي يفهم القراء خارج الهند ما يحدث في كشمير، ولكن لطرح العديد من الأسئلة الملحة ومن بينها: كيف يرى الهنود سلطتهم السياسية وهي تمارس الإرهاب العلني ضد أهل كشمير؟ وما هو المبرر الأخلاقي الذي يتكئ عليه القاتل وهو يقوم بارتكاب جرائم حرب؟ أنا مقتنعة بأن كشمير سوف تدمر الهند في نهاية المطاف لأنها تمتلك القاعدة الأخلاقية الرئيسية التي تبنى عليها المجتمعات.
ثمة جملة في روايتك تقولين فيها: "أوه، إنها فقط كشمير"! وأبرزت صحيفة النيويوركر الجملة ذاتها معتبرة أن نبرتك فيها كانت جد ساخرة، هل بالفعل كتبت هذه الجملة على سبيل السخرية أم الغضب مما يحدث هناك أم اليأس من إصلاح القضية برمتها؟
لم أكتبها وفي عقلي أحد هذه الاحتمالات الثلاثة، بل فقط لأنها النبرة الواقعية التي تناسب ما يحدث هناك من إرهاب يومي وجرائم حرب، بل لا يمكننا حتى أن نقول إنها نبرة إحباط، فليس هناك على المستوى الدولي من يهتم بقضية كشمير، لم ترتفع قضية كشمير إلى مستوى القضية الفلسطينية، والتي تتم مناقشتها باستمرار على المستوى الدولي دون أن يحدث فيها أي تغيير من أي نوع، هي ليست جملة ساخرة، وليست جملة غضب أو احتقار، بل بحث عن معنى للقضية، أنا أسميها جملة "رحيمة"، تكتب عن قضية تعالج بدون رحمة منذ عقود، جملة كتبتها كاتبة هندية تحاول التعبير عن مخاوفها تجاه مستقبل شعبها وبلدها، فهذا هو دوري المنوط بي ولن أتخلى عن الالتزام به حتى الموت، كتبت هذه الرواية لتسجيل رؤيتي الخاصة جدًا لقضية كشمير من خلال تاريخي الشخصي، عوضًا عن كتابة رواية عن الاستعمار أو الإمبريالية الجديدة، إنها مسألة مثيرة لاهتمامي بقوة أن أكتب عن كشمير من خلال تاريخي الشخصي، لأن ذلك يجعلني أواجه آثامي الشخصية تجاه هذه القضية.
يتساءل المحامي "تيلو" في الرواية قائلًا: "كم من الدماء يمكن لرواية أن تحتمل؟" هل توصلت إلى الجواب الآن بعد صدور الرواية؟
تحتمل الرواية كل ما يسال هناك من دماء بشكل يومي، ألاحظ ومنذ سنوات كيف تم محو العديد من الموضوعات السياسية الساخنة من الأدب الهندي المعاصر، خذ مثلًا موضوع تقسيم المجتمع الهندي على أساس التنوع الروحي والكرمة في الهندوسية إلى أربع مجموعات، حيث يؤمن الهنود أن براهما خلق أربع مراتب من الناس: الأولى هي "براهمين" وهي الطبقة الكهنوتية والمعلمة، والثانية هي "كشاتريا" وهي طبقة المحاربين والحكام، والثالثة "فيشيا" وهي طبقة المزارعين والتجار، والرابعة والأخيرة هي "شودرا" طبقة الخدم والعمال. أغلب الكتاب ألغوا هذا الموضوع الرئيسي في الذهنية الهندية من تناولهم أو حتى النقاش حوله، وهو الموضوع ذاته الذي تناوله كتاب جنوب أفريقيا قبل ثلاثين عامًا من الآن، أي الفصل العنصري القائم على تقسيم الناس إلى طبقات من خلال دينهم أو عرقهم أو لون بشرتهم، كذلك لا يجب أن ننسى أنه منذ العام 1947 لم يمر يوم في الهند دون أن ينزل الجيش ضد الشعب في منطقة ما من البل