هواجس غرفة العالم ( ليلى عبدالله )
7.15K subscribers
3.09K photos
334 videos
60 files
1.09K links
ثقافي ، فكري ، أدبي ، إنساني. .
Download Telegram
" _ هل فرغتما من إصلاح العالم ..؟
_ كلا يا أبي، لقد رأينا من الأفضل أن نصنع عالما جديدا"!

ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان | جيلبرت سينويه
"‏علمتني التجربة أن الطريقة الوحيدة لأصبح الفتاة التي أتخيلها هي الابتعاد عن الأشخاص الذين يدّعون معرفتي".

صافية الماريّة
" حين نبدأ في البحث عن كيفية أن نكون أكثر شهرة من غيرنا نكون قد ابتعدنا كثيرا عن البدايات حين كان الفن وسيلة للبحث عن معنى اندهاشنا لوجودنا في هذا العالم".

كارلوس ليسكانو
"‏من يستند على امرأة تُحبّه لا يسقط أبدا!".

مارك توين
" أعطني وعدا و دعني أعذب ضميرك"
" كقارئ، ليس عليك أن تكون ملماً بالجميع، وقارئاً للجميع، أنت لستَ صحافياً لتغطي المشهد، ولا ناقداً لتشرّحه، أنت شخص يحب أن يستمتع، ويعي، وينمو، حين تقرأ عدداً لا بأس به من النصوص الأدبية في شتى الأجناس أو النصوص الفكرية في مختلف الحقول، ستكون قد اخترت مجموعة جيدة من الكتابات المحببة إلى نفسك، ينبغي عليك أن تعيد قراءتها، وتستمتع بها، وتفهمها، وتنهل منها، وهذا يكفي.. يكفي لكي لا تصبح آلة قراءة. عليك بعدها أن لا تنساق وراء لهاث (جديد المطابع)، يمكن أن تتخير مجموعة كتب جديدة كل عام، على أن تقضي بقية العام في إعادة قراءة ما أحبته نفسك، والتفكير فيه، تصوّر أن كثيرين فقدوا القدرة على التفكير لكثرة ما يقرؤون كتباً جديدة، لن ترغب أن تصل لهذا الحال بالتأكيد، إنهم يخسرون فرصة تكشف غموض القراءة الأولى، وإعادة بناء الفكرة حول أي نص من جديد، لأنهم اختاروا الدخول في دوامة تتبع النتاجات الجديدة..
أظن أنك لا ترغب أن تكون قراءتك قراءة حفظ وتسميع، مثل الدروس في مدارسنا التي خلقت حاجزاً بين النص وقارئه، لأنها لم تمنحه فرصة الفهم والاستمتاع والمناقشة، لذا عليك أن تكون حريصاً على جعل القراءة فعلاً مختلفاً عن فعل الإحصاء السائد.
***
هذه مجرد أفكار أقولها لنفسي الآن، وأنا أقلّب صفحات ديوان المتنبي على الأدوبي ريدر" .

مهدي سلمان
أربع قصص قصيرة جداً للأرجنتيني انريكي اندرسون إمبرت*



-١-


تندم الزمن بشدّة عندما رأى ما فعله بذلكالمسكين: مغطى بالتجاعيد، بلا أسنان، يشكو الروماتيزم، شاب شعره وانحنى ظهره. قرر أن يساعده بطريقةٍ ما فمرر يدهعلى كل ما في ذلك المنزل: الأثاث والكتبواللوحات والأطباق ... ومنذ ذلك الوقتصار بمقدور العجوز أن يعيش، ما تبقى منحياته، على بيع ممتلكاته بأثمانٍ باهظة،تلك الممتلكات التي صارت الآن أنتيكاتنادرة.



-٢-


عدت إلى البيت في ساعات الفجر الأولى،مثقلاً بالنعاس والتعب. وعندما دخلت كانالظلام دامساً، وكي لا أوقظ أحداً مشيتبحذر حتى الدرج الحلزوني الذي يقود إلىغرفتي. وما إن وضعت قدمي بصعوبةعلى الدرج حتى تساءلتُ ما إذا كان هذاالبيت بيتي أم بيتاً آخر يشبهه. كلماصعدت خشيت أن يكون ذلك الولد الآخر -قد يكون مثلي تماماً - نائماً في غرفتي،ربما كان يحلم بي، وأنا أصعد الدرجالحلزوني بهذه الطريقة. وصلتْ، فتحتالباب فوجدته هناك، أو لعله كان أنا، الغرفةمضاءة بنور القمر. جالساً بعينين متسعتينعلى السرير. أخذنا لوهلة نحدق لبعضناالبعض. ابتسمنا، بدت ابتسامته شبيهةبتلك التي على شفتيّ، كما لو أنها علىالمرآة. أحدنا كان مخطئاً. " من يحلمبالآخر؟ " صرخ أحدنا أو ربما صرخنا معاً.وفي تلك اللحظة تناهت إلى سمعناخطوات قادمة من الدرج الحلزوني. اتحدنامعاً بحركةٍ واحدة، وهكذا أخذنا نحلم بأنالذي يصعد الدرج هو أنا مرةً أخرى.



-٣-


كان ماريانو ضابطاً في إحدى محافظاتبوينس آيرس. وفي إحدى الأماسي هرعتإحدى الجارات وهي تصرخ: " لقد انتحرزوجي. " " هدئي من روعك يا سيدتي. "اعتمر ماريانو قبعته وحمل سلاحه، ومضىبرفقة الخفير إلى بيت المرأة التي لم تكفعن الكلام والأنين : " إنه خطئي، نعم أناالمذنبة، أنا المذنبة. تشاجرنا فقال إنه لميعد قادراً على تحملي أكثر من ذلك. أقفلَعلى نفسه الغرفة وضغط على الزناد. آه ياللكارثة! الآن عندما حملتُ بطفلٍ آخر." 

طرق ماريانو الباب بقوة، وبما أن أحداً لميُجِب، كسر الباب بقدمه. كان الرجل ممدداًعلى السرير ينظر إليه بهدوء، والمسدسعلى الطاولة الجانبية.

" ماذا؟ ألم تمُت؟ "

" لا، يا سيدي. "

" والطلقة؟ "

" أطلقتها على السقف. تشاجرت معزوجتي فأغلقت الباب وأطلقت علىالسقف حتى ألقنها درساً."

كاد ماريانو أن يضربه ولكنه عدل عن رأيه.أخذ المسدس من الطاولة وأعطاه الرجلقائلاً: " والآن أطلق النار، ستنتحر صدقاًهذه المرة." 

أخذ الرجل المسدس، أطلق رصاصةً علىماريانو، ورصاصةً أخرى على الخفير،وثالثة على زوجته، أما الرصاصة الأخيرةفأطلقها مرةً أخرى على السقف.


-٤-


كل الرجال، أنت وأنا والجميع تحتالمراقبة الدائمة للحيوانات التي تترصد عنبعد أدنى تحركاتنا، تحاصرنا أحياناً،وتدّعي اللامبالاة في أحيانٍ أخرى. هليعود السبب إلى اكتشافهم خطورتناالشديدة مما جعلهم يستعدون لشنّ الحربعلينا؟ لا أدري، ولكنهم قطعاً - وعلى كلدرجات السلم الحيواني - يشاهدونوينتظرون. البعض يتظاهر بالفرار، ويختبئالبعض الآخر. البعض يسمح لنا باصطيادهحتى يسترق إلينا النظر من أقفاص حديقةالحيوان. بعض الحيوانات تقترب كما لوأنها مشتتة أو غير مهتمة ولكنها مثل أولئكالمحققين الذين يتنكرون بهيئة المشردينويقطعون الشارع بضجر. ذات مرة، جاءتأنثى السنجاب لتلعب معي، لاحظتُ علىالفور بأنها تريد مهادنتي ولما رفضتُمواصلة اللعب معها ذهبتْ بعيداً. صدقني،إنهم يدبرون أمراً ما. أملنا الوحيد - عاجلاًأو آجلاً - أن يؤول الأمر إلى كلبٍ يكشف لناخطة الحيوانات السرية، فهو الحيوانالوحيد الذي بمقدوره - من أجل أن يسديلنا هذه الخدمة - أن يخون الآخرين. ألمتلاحظ كيف يبدو الكلب أحياناً كما لو أنهيود إخبارنا بأمرٍ ما؟

* ترجمة عبدالله ناصر
" أنا متعفن بالأدب ".

بورخيس
أنا واحدٌ من هؤلاء البشر ، الذين يفضلون البقاء بلا رفقة ، ولكى أكون أكثر دقة ، أنا شخص لا أجد فى الوحدة أى أَلَم أو عناء. ولا أجد فى قضاء ساعة أو ساعتين يوميا فى الركض وحيداً بدون التحدُّث مع أحد ، وقضاء أربع أو خمس ساعات أُخرى فى مكتبى وحيداً ، شئٌ صعب أو مُمل. حيثُ إننى لدى هذه النزعة مُنذ طفولتى ، فمثلاً عندما يكون لدى خيار ، كُنت دائما ما أُفضل قراءة الكُتب فى عُزلة تامة أو الإستغراق فى الإستماع الى الموسيقى ، عن تواجدى مع أى شخص آخر.فأنا دائما لدى أشياء لفعلها وحيداً...!

--هاروكى موركامى

ترجمة: Mohamed Esmat
ما لا يفسر

"كان لها طفلان توأمان. كانت تلبسهما الثياب نفسها، وتعد لهما طعام الإفطار نفسه كل صباح.
كانا يتصرفان بالطريقة ذاتها، وكان يبدو أن لهما الشخصية نفسها. حصل الاثنان على الدرجات نفسها في المدرسة، وأصيب الاثنان في الركبة نفسها في اليوم ذاته، وفي الساعة ذاتها، وقعا في حب الفتاة نفسها، وكانا يتحدثان في الوقت ذاته ليقولا الأشياء ذاتها، كانا ينامان في السرير ذاته، تحت غطائه الأزرق الرقيق. وكانت تسترق الخطى إلى أحدهما (دائما هو ذاته)، وتهمس في أذنه :
"أنت أعز أبنائي".

للإسباني خوان خاسينتو رينخيل

#قصة_قصيرة_جدا
الكفـن / للكاتب الهندي : بريمشاند


ترجمها راكشاندا جليل وهانوكولينز‏



جلس الأب والابن بصمت عند باب كوخهما، بجانب نار خامدة، في حين كانت "بوديه"، زوجة الابن الشابة، تتقلب في فراشها، تعاني ألم المخاض. كانت تطلق من حين لآخر صرخة حادة تجعلهما يجفلان. وكانت ليلة من ليالي الشتاء. وقد نامت الطبيعة تحت غطاء ثقيل من الصمت وغرقت القرية كلها تحت جناح الظلمة.‏ قال (جيسوا): (يبدو أنها لن تنجو. أمضيت طول اليوم تركض غادياً ورائحاً، أدخل وألق نظرة عليها.‏


أجاب (مادهاف) بلهجة غاضبة: (إذا كانت ستموت، لماذا لا تقوم بذلك وتنتهي؟ ماذا أستفيد من النظر إليها؟).‏ ـ أنت شخص بلا قلب. ما هذه الخيانة لشخص عشت معه عاماً كاملاً.‏ ـ لا أستطيع أن أراها وهي تتضور من الألم.‏ إنهم من عائلة ( شامارس) من أدنى عائلات الطّوائف المنبوذة ، لأنهم يعملون بجلود الحيوانات ، واكتسب هذان الشخصان بالتحديد سمعة سيئة في القرية كلها.‏ كان "جيسو" سيء السمعة ؛ لأنه يعمل يوماً وينقطع ثلاثة أيام. أما (مادهاف) فقد كان شخصاً غير ملتزم ، إذا عمل لمدة نصف ساعة ، فإنه يتوقف ليدخن غليونه لمدة نصف ساعة ، لـهذا كان نادراً ما يحصلان على عمل ، وإذا كان لديهما حفنة من الحبوب في المنزل فإنهما يقلعان عن العمل.‏ يومان من التضور جوعاً يمكن أن يحثا "جيسو" على تسلّق شجرة ، واقتلاع بعض الأغصان الصالحة للوقود ، ليذهب "مادهادف" ويبيعها في السوق ، بعد هذا يتسكع الاثنان طالما أنهما يملكان مالاً.‏


لم يكن هناك بطالة في القرية ، إذ إنها قرية مزارعين ، وهناك الكثير من الأعمال اليومية التي يمكن أن يقوم بها الرجل النشيط ، ويُستدعى هذان الاثنان فقط عندما يكون رب العمل مستعداً لأن يقنع بالحصول على عمل شخص واحد من الاثنين معاً.‏ لو كان هذا الشخصان ناسكين متجولين ، فإنهما لن يتلقيا دعوة لممارسة طقوس الرّضا والثبات والضبط والنظام تلك هي طبيعتهما ، أتت إليهما بالفطرة ، كانت حياتهما غريبة حقاً ، لا يذخر منزلهما بأية ممتلكات دنيوية سوى قدرين من الفخار، ويغطيان عري جسديهما ببعض الأسمال البالية ، ويمضيان في الحياة ..


كانت حياتهما خالية من كلّّ الاهتمامات الدنيوية ، ويرزحان تحت الدَّين ، يكيل لـهما الناس الشتائم ، أو حتى يضربونهما ، ولكنهما لا يهتمان بشيء في العالم ، وهما شديدا الفقر حتى إنه لا أحد يتوقع أن يسترد دينه منهم ، مع ذلك يقوم بعضهم بإقراضهم القليل أحياناً.


ويقومان بسرقة بعض حبات البطاطس أو البازلاء من حقول الآخرين ويشويانها أو يقتلعان حزمة من عيدان قصب السكر ليمصّاها في أثناء الليل ، وقد أمضى (جيسوا) ستين عاماً من هذه الحياة التوكلية ، ويسير (مادهاف)، كابن بار، على خطى والده ، وهو بذلك يضفي المزيد من البريق على سمعة والده.‏ يجلس الاثنان الآن أمام النار، يشويان حبات البطاطس التي سبق أن اقتلعاها من حقل أحدهم ، توفيت زوجة (جيسو) منذ زمن طويل ، وتزوج "مادهاف" العام الفائت ، منذ دخلت زوجته منزلهم ، أقامت نوعاً من النظام في حياتهما الفوضوية ، وجاهدت كي تتخم معدتي هذين البائسين الوقحين ، وبوجودها ، ازداد كسل الأب والابن عما قبل ، وكذلك غرورهم ، فإذا أراد أحد أن يستخدمهم في عمل ما ، فإنهما يطلبان بوقاحة ضعف الأجر العادي.


هاهي المرأة الآن تحتضر وهي تعاني آلام الولادة ، بينما يجلسان ينتظران موتها ؛ كي يتمكنا من النوم بهدوء وسلام.‏ تناول (جيسو) حبة أخرى من البطاطس ، وقال وهو يقشرها: (اذهب وانظر ماذا حلّ بها. لابد أنها تحت تأثير شيطان ما ، وإلا ما الأمر؟ إذا طلبنا المخلّص الروحي، لن يرضى بأقل من روبيه).‏


كان (مادهاف) يخشى أنه إذا دخل الكوخ ، فإن "جيسو" سيقضي على معظم حبات البطاطس. لذا قال: (أنا أخشى الدخول).‏ ـ وممّ تخشى؟ سأكون هنا.‏ ـ لم لا تذهب وتراها؟‏ ـ عندما توفيت زوجتي، لم أتحرك من أمام سريرها طول ثلاثة أيام ، وفكّرْ فقط بأنها ستخجل مني إذا رأيتها مستلقية بهذا الشكل ، أليس كذلك؟ أنا لم أر حتى وجهها من خلف الخمار، فكيف الآن أرى جسدها المكشوف؟ لن تكون بحالة تسمح لـها بستر حشمتها ، إذا رأتني أمامها لن تتمكن من الحركة بحرية.‏ ـ كنت أفكر ماذا سيحدث لو كان هناك طفل؟ لا يوجد لدينا زنجبيل ، أو سكر أو زيت ، تلك الأشياء التي يحتاجها المرء لمثل هذه المناسبات.‏ ـ سنهتم بكل شيء، أرجو أن يمنحنا الإله الكريم طفلاً ، إن الأشخاص ذاتهم الذين يرفضون إعطاءنا بيزة واحدة ، سيدعوننا غداً لإعطائنا روبيات ، كان لدي تسعة صبية ، ولم يكن يوجد شيء في المنزل ، ولكن كلّّ مرة كان الله يساعدنا في محنتنا بطريقة أو بأخرى.‏ لا عجب أن تكون لـ "جيسو" مثل هذه النظرة في مجتمع تكون فيه حياة الكثير من الكادحين ليلاً نهاراً أقل من حياة "جيسو"، بينما تكون حياة أولئك الذين يعرفون كيف يستغلون الفلاحين، أكثر غنى. ويمكن أن يقول أحدهم إن (جيسو) أكثر ذكاء من الفلاحين، فبدلاً من أن ينضم إلى جماهير الكادحين الأغبياء ، التحق بعصابة الثرثارين الت
افهين السيئة السمعة ، على الرغم من أنه لا يملك الإرادة لإتباع قوانين الثرثارين المقاومين وتعليماتهم.


وهكذا، في حين أصبح بعض أفراد العصابة المتنافرة زعماء كباراً في القرية ، فإن الجميع يشير إليهم بإصبع الاستهجان ، وعلى أية حال ، كان (جيسو) سعيداً ، أولاً لأنه على الرغم من أسماله البالية ، فهو على الأقل غير مضطر لممارسة الأعمال القاصمة للظهر التي يقوم بها الفلاحون؛ بالإضافة إلى أنه لا أحد يمكنه أن يستغل بشكل غير مناسب بساطته وبراءته.‏ كان الأب والابن يتناولان البطاطس المشوية ، ويأكلانها ساخنة جداً ؛ لأنهما لم يأكلا شيئاً منذ البارحة، لا صبر لـهما الآن حتى تبرد فحرقا لسانيهما عدة مرات.


بعد التقشير فلا تبدو الطبقة الخارجية ساخنة جداً ، ولكن حالما يضع المرء لسانه عليها ، فإن الحرارة الداخلية تحرق اللسان والحلق والحنك ، كان من الأفضل ابتلاع تلك الجمرة الحارة بدلاً من إبقائها في الفم ، وحالما تصل إلى المعدة ، هناك ما يكفي من المواد لتبريدها.
وهكذا كان الاثنان يبتلعان حبات البطاطس الساخنة بأسرع ما يمكن ، على الرغم من أن الجهد الذي بذلاه ملأ أعينهم بالدموع.‏ في هذه اللحظة ، تذكر "جيسو" حفل زفاف "تاكو" الذي حضره منذ عشرين عاماً ، سيبقى يذكر طول حياته التخمة التي خبرها في ذلك العرس ، وما تزال ذكراها حية في داخله ، قال: (لا أنسى ما حييت ذلك الاحتفال, لم آكل حتى التخمة كتلك المرة. قدمت عائلة العروس وجبة بوريس لكل شخص ، كبيراً كان أم صغيراً ، حصل فيه على وجبة مطبوخة بزبد أصلي، وصلصة الثمار والأعشاب ، ولبن مبهر، ثلاثة أنواع من الخضار، خضار بالكاري ، ولبن مخثر، وحلويات ، كيف أصف لك نكهة الطعام ومذاقه ، وليس هناك نقص في أي شيء ، ويمكنك أن تطلب ما تريد وتأكل قدر ما تريد.


أكل الجميع إلى درجة أنهم لم يعودوا قادرين على شرب قطرة ماء ، واستمر الخدم في وضع المزيد من المعجنات اللذيذة المستديرة والساخنة في أطباقنا ، كنا نخبرهم بأننا لا نريد المزيد ، حتى إننا كنا نضع أيدينا فوق أطباقنا لنمنعهم من وضع الطعام ، إلا أنهم يصرون على تزويدنا بالمزيد.


وبعد أن غسل الجميع أفواههم، قدموا (التنبول) وحب الهال أيضاً ، ولكنني كنت أبعد ما أكون عن التفكير بأوراق (التنبول) ، كنت بالكاد أستطيع الوقوف على قدمي ، هرعت إلى دثاري ، واستلقيت عليه ، كم كان (ثاكور) رجلاً كبير القلب .‏ قال (مادهوف)، بعد أن استمتع في مخيلته بمذاق كلّّ طبق من هذه الأطباق الشهية: (لا أحد يقيم لنا مثل هذه الاحتفالات الآن).‏ ـ ومن يقيم مثل هذه الاحتفالات الآن؟ كان ذلك وقتاً مختلفاً تماماً ، الآن كلّّ شخص يفكر في أسهل الأمور وأرخصها ، لا ينفقون على حفلات الزواج ، لا ينفقون على الجنائز ، يجب على أحدهم أن يسأل مثل هؤلاء الناس أين سيخبئون كلّّ تلك الثروة التي ادخروها عن طريق سلبهم للفقراء..؟ عندما يتعلق الأمر بالادخار فإنهم لا يفكرون إطلاقاً بأسهل الطرق وأرخصها، وعندما يصل الأمر إلى إنفاق بعض هذا المال، يبدؤون الكلام عن التوفير.‏


ـ لابد أنك أكلت عشرين (بوريس)؟‏ ـ أكلت أكثر من عشرين.‏ ـ أنا كنت سآكل أكثر من خمسين.‏ ـ ما كنت لآكل أقل من خمسين ، كنت شاباً قوياً فظّاً ، أنت بالكاد تبلغ نصف حجمي.‏ بعد أن انتهيا من أكل حبات البطاطس ، شربا قليلاً من الماء ، وفي نفس المكان ، أمام النار الخامدة ، لفا جسديهما بمئزريهما ، واستسلما للنوم ، كانا يبدوان كثعبانين كبيرين ملتفين ، وما تزال "بودية" تئن .‏ في الصباح دخل "مادهاف" الكوخ ، فرأى أن زوجته أصبحت باردة ، كان الذباب يطن حول وجهها وكانت عيناها المتحجرتان تحدقان نحو الأعلى ، والغبار يلف جسدها ، أما الطفل فقد مات في أحشائها.‏


هرع ( مادهاف) ليخبر (جيسو) ، وبدأ الاثنان بالصراخ والعويل وضرب الصدور ، وعندما سمع الجيران بكاءهما وعويلهم هرعوا إليهما وحاولوا ، حسب عادة قديمة ، أن يواسوا المحروم ، على أية حال لم يكن هناك وقت للانغماس بحزن مفرط ، فعليهما أن يفكرا بتـأمين الكفن وخشبة المحرقة ، كان المال نادر الوجود في منزلهم كندرة اللحم في عش النسر .‏ توجه الأب والابن ، وهما يبكيان لرؤية زمندار القرية ، كان الزمندار يكره رؤية الرجلين ، وقد قام في مناسبات عدة بجلدهما بيديه من أجل السرقة أو لعدم حضورهم للعمل على الرغم من وعودهم بذلك ، سألهم الآن : ( ما خطبكما ؟ لماذا تبكيان ؟ نادراً ما أراكما هذه الأيام ، يبدو أنكما لا ترغبان بالعيش في هذه القرية بعد الآن ) .‏ قال (جيسو) وقد طأطأ رأسه وعيناه مغرورقتان بالدموع : (يا سيدي ، لقد حلت بنا مصيبة ، لقد ماتت زوجة ( مادهاف ) الليلة الماضية ، عانت من الألم طول الليل ، بينما جلسنا نحن الاثنين إلى جانبها ، فعلنا ما بوسعنا ، قدمنا لـها الدواء، ولكن كي لا نطيل عليك ، رحلت عنا ، والآن لم يبق لنا من يقدم لنا لقمة الطعام يا سيدي ، لقد هلكنا ، دُمِّرت حياتنا ، أنت سيدنا وزعيمنا ، لا أحد غيرك يمكن أن يؤمن لنا محرقة كريمة ، لقد أن
فقنا القليل الذي كنَّا نملكه على العناية بها وعلى الأدوية ، والآن إذا سمح كرم سيادتكم ، لحصلت الفقيدة على شعائرها الأخيرة ، فأي باب يمكن أن نطرق غير بابك ؟ .‏ كان الزمندار صهيب رجلاً كريماً ، ولكن إظهار الكرم لـ (جيسو) كان أشبه بمحاولة صبغ ملاءة سوداء ، ودّ الزمندار (صهيب) لو يقول لـه اذهب إلى الجحيم ، فعادة لا يتكلف الرجل مشقة القدوم حتى إذا أرسل في طلبه .


والآن عندما أراد شيئاً أتى بكلماته المتملقة ، يا لـه من متسول كسول ..! ولكنه يعلم أنها ليست اللحظة المناسبة لإطلاق العنان لغضبه ، أو فرض عقوبات ، ورغماً عنه سحب روبيتين ، ورمى بهما على الأرض ، إلا أنه لم يتلفظ بكلمة تعاطف واحدة ، لم يقل كلمة واحدة ، ولم ينظر إلى (جيسو) ، كأنه قام بواجبه ، وأزاح حملاً عن كاهله ؛ ولأن الزمندار أعطى روبيتين فكيف يمكن لمرابيّ القرية وتجار القرية أن يجرؤوا على الرفض؟ عرف (جيسو) كيف ينشر خبر حصوله على المال من الزمندار (صهيب ) بعضهم أعطاه آنيتين ، بعضهم الآخر ساهم بأربع أنات ، وفي مدة ساعة ، تمكن (جيسو) من جمع مبلغ مُرضٍ يصل إلى خمس روبيات ، وحصل على بعض الحبوب من مكان ما ، وبعض الخشب من مكان آخر ، وعند الظهر توجه مع ابنه مادهوف لشراء الكفن ، تبرع بعض الأشخاص بقطع شرائح من خشب البامبو من أجل المحرقة. ، وأتى بعض النساء الرحيمات لإلقاء نظرة على الجثمان ، ذرفن بعض الدموع على عجزها وذهبن .‏ لدى وصولهما إلى السوق قال (جيسو) : (سيكون هناك ما يكفي من الخشب لحرقها ، أليس كذلك مادهاف ؟)‏ ـ أوه ، نعم ، لدينا ما يكفي من الخشب ، نحتاج فقط إلى الكفن .‏ ـ إذن لنذهب ونشتري نوعاً رخيصاً .‏


ـ نعم ، هذا صحيح ، سيكون الوقت ليلاً عندما نحمل الجثمان إلى المحرقة ، من سينظر إلى الكفن في الظلام ؟‏ ـ يا لـها من عادة مريعة.. ! من لا يملك حتى خرقة بالية يغطي بها عريه في أثناء حياته ، يحتاج إلى كفن جديد ومن صنف جيد بعد مماته .‏ ـ والكفن يحترق مع الجثمان ، أليس كذلك ؟‏ ـ أو تعتقد أنه يبقى سالماً ؟ لو كنا نملك هذه الروبيات الخمس من قبل ، كنا قادرين على شراء الدواء لـها .‏ استطاع كلّّ منهما قراءة أفكار الآخر ، لذا تسكعا في السوق بعض الوقت ، يتوقفان عند كلّّ دكان لتجارة الأقمشة : الحرير والقطن، إلا أنهما لم يعثرا على طلبهما ، كان الظلام قَدْ حل في هذا الوقت ، بشيءٍ من الإلهام الإلهي ، وجدا نفسيهما أمام حانة تودّي ، فدخلا بموافقة متبادلة غير ملفوظة ، وحالما أصبحا في الداخل ، وقفا لبرهة لا يدريان ما يفعلان ، ثم اقترب (جيسو) من الطاولة وقال: ( أعطنا زجاجة يا سيدي ) .‏


ثم طلب بعض الوجبات الخفيفة ، وسمكاً مقليّاً ، وجلس الأب والابن على الشرفة ، وبدآ يشربان بصمت أنيس .‏ بعد أن تجرعا بعض الكؤوس ، ثمل الاثنان بابتهاج تام.‏ قال (جيسو): ( ما الفائدة من وضع كفن فوقها ؟ إنه برغم كلّّ شيء يحترق مع الجثمان ، لن يبقى ليذهب معها إلى مقرها الثاني ) .‏ تكلم (مادهوف) وهو ينظر إلى السماء ، وكأنه يناشد الآلهة على الشهادة ببراءته الكاملة في الموضوع: ( إنَّها طريقة الحياة ، وإلا لماذا يدفع الناس آلاف الروبيات للبراهما ؟ من الذي يضمن إذا كان المرء سيستردها في العالم الآخر ؟ )‏ ـ الأغنياء يملكون مالاً يحرقونه ، إذاً دعهم يفعلون ذلك ، أما نحن فماذا نملك؟‏ ـ ولكن ماذا سنقول للآخرين ؟ ألن يسأل الناس أين الكفن ؟‏ ضحك (جيسو) وقال: (يا للجحيم سنقول إن المال سقط من حزام خصرنا ، بحثنا عنه ولكن لم نجده ، ربما لن يصدقوننا ولكن نفس الأشخاص سيعطوننا المال مرة أخرى ).‏ ضحك (مادهوف) أيضاً على هذه الثرثرة غير المتوقعة ، وقال : (كانت امرأة طيبة ، المسكينة ..! حتى بوفاتها ضمنت لنا وجبة مشبعة ! )‏ أتيا حتى الآن على نصف الزجاجة تقريباً ، طلب (جيسو) أربعة أرطال من البوريس ، بالإضافة إلى صلصة الثمار والأعشاب ، ومخلل وكبد مطبوخ ليؤكل معه ، هناك دكان أمام الحانة .


هرع (مادهاف) لتنفيذ طلب والده ، وعاد حاملاً طبقين من الورق ، بلغ ثمنهما روبيتين ونصف ، كلّّ ما بقي بحوزتهما بضع بيزات ، جلس الاثنان يلتهمان البوريس ، على طريقة سيد الغابة وهو يستمتع بصيد ثمين ، في هذه اللحظة لم يقلقهما خوف من مسؤولية أو اهتمام بفضيحة ، لقد تغلبا منذ زمن طويل على مثل هذه المشاعر المرهفة .‏ تحدث (جيسو) بنبرة فلسفية : ( إذا كانت أرواحنا ، بسببها ، حصلت على السرور، ألن يجلب لـها هذا الرحمة من الله ؟).‏ أحنى (مادهاف) رأسه باحترام وقال موافقاً : ( بالتأكيد ، يا رب أنت العالِم ، أرجوك أدخلها الجنة كلانا يصلي من أجلها من أعماق روحنا ، لم أذق مثل هذا الطعام الذي أكلته اليوم في حياتي كلها ).‏ بعد مرور دقيقة أثير شك في عقل (مادهاف) فقال : (أبي ، أقول: ألن نذهب نحن أيضاً إلى هناك في يوم ما ؟ )‏ امتنع ( جيسو ) عن الإجابة على مثل هذا السؤال الساذج ، إذ لا يريد أن تتطفل أفكار العالم الآخر على النعمة الحالية التي يعيشها.‏


ـ افرض أنها سألتنا هناك لم