انجيل الأدب... كل شيء على ما يرام
مجلة عالم الكتب، عدد نوفمبر 2016
نعرف جميعا أن الأدب ليس انعكاسا للواقع، إنما انعكاسا مباشرا لنفسه، ولا يعبر سوى عن حالته الخاصة التي يصنعها المبدع بين ضفتي عمله، وليس من وظيفة الأدب أن يقدم أي نوع من الاجابات، إنما ربما يطرح تساؤلاتـ ويظل يعيد طرحها حتى تجد طريقا ما. وقد ظلت سفيتلانا أليكسييفيتش، التي يصفونها من قبيل السخرية بالصحفية التي تكتب تقاريرا صحفية وتعد وثائقا تاريخية، سنوات طوال تبحث عن أنسب شكل يوافق ما يشغلها من أفكار. وقفت عاجزة أمام الأشكال الفنية التقليدية التي لم تساعدها في الوصول لنص يحمل ما بها من هموم وتأملات. الواقع أشد قسوة وهوسا من قدرة الأدب على احتوائه، لذا نظرت سفيتلانا للواقع بصورة مغايرة، فصنعت منه قالبا للأدب، ربما أكثر قدرة ومرونة على احتمال هوسه وجنونه. انطلقت سفيتلانا من هذه النقطة نحو آداء صلاتها بطقوس مختلفة، طقوس تشبه ذاتها، ليست خيالية بالدرجة الأولى، إنما واقعية حد الجنون، وفنية حد التحليق في سماوات ابداعية جديدة، جعلت من الواقع ذاته قالبا فنيا يستوعب نفسه بكل ما فيها من هوس ووحشية وجنون. ومن خلال الطقوس التي يقوم بها المصلون، وردت أسئلة عديدة على لسان البشر العاديين، أسئلة لها علاقة بالحضارة، التقدم، المعرفة، العلم، الحب، الموت، العذاب، البطولة، لكن ظل الكذب في بؤرة الحكايات والخط العرضي الذي قطعها جميعا ليكون بمثابة الإطار التشكيلي للصورة بأكملها. صار المفاعل وحشا كاسرا صنعه الإنسان وأطلقه دون أن يعرف كيف يوقفه، وحش جسد كل مآسي البشر جميعا ورحلتهم على الأرض، ليصبح كتاب "صلاة تشرنوبل" حاصل جمع كل الأفكار والهواجس التي شغلت الأدباء العظام على مدار التاريخ. ولا أبالغ إذا قلت أن "صلاة تشرنوبل" هو انجيل الأدب الجديد.
أحمد صلاح الدين
مجلة عالم الكتب، عدد نوفمبر 2016
نعرف جميعا أن الأدب ليس انعكاسا للواقع، إنما انعكاسا مباشرا لنفسه، ولا يعبر سوى عن حالته الخاصة التي يصنعها المبدع بين ضفتي عمله، وليس من وظيفة الأدب أن يقدم أي نوع من الاجابات، إنما ربما يطرح تساؤلاتـ ويظل يعيد طرحها حتى تجد طريقا ما. وقد ظلت سفيتلانا أليكسييفيتش، التي يصفونها من قبيل السخرية بالصحفية التي تكتب تقاريرا صحفية وتعد وثائقا تاريخية، سنوات طوال تبحث عن أنسب شكل يوافق ما يشغلها من أفكار. وقفت عاجزة أمام الأشكال الفنية التقليدية التي لم تساعدها في الوصول لنص يحمل ما بها من هموم وتأملات. الواقع أشد قسوة وهوسا من قدرة الأدب على احتوائه، لذا نظرت سفيتلانا للواقع بصورة مغايرة، فصنعت منه قالبا للأدب، ربما أكثر قدرة ومرونة على احتمال هوسه وجنونه. انطلقت سفيتلانا من هذه النقطة نحو آداء صلاتها بطقوس مختلفة، طقوس تشبه ذاتها، ليست خيالية بالدرجة الأولى، إنما واقعية حد الجنون، وفنية حد التحليق في سماوات ابداعية جديدة، جعلت من الواقع ذاته قالبا فنيا يستوعب نفسه بكل ما فيها من هوس ووحشية وجنون. ومن خلال الطقوس التي يقوم بها المصلون، وردت أسئلة عديدة على لسان البشر العاديين، أسئلة لها علاقة بالحضارة، التقدم، المعرفة، العلم، الحب، الموت، العذاب، البطولة، لكن ظل الكذب في بؤرة الحكايات والخط العرضي الذي قطعها جميعا ليكون بمثابة الإطار التشكيلي للصورة بأكملها. صار المفاعل وحشا كاسرا صنعه الإنسان وأطلقه دون أن يعرف كيف يوقفه، وحش جسد كل مآسي البشر جميعا ورحلتهم على الأرض، ليصبح كتاب "صلاة تشرنوبل" حاصل جمع كل الأفكار والهواجس التي شغلت الأدباء العظام على مدار التاريخ. ولا أبالغ إذا قلت أن "صلاة تشرنوبل" هو انجيل الأدب الجديد.
أحمد صلاح الدين
" العمل كحفار القبور يعني أن ترى مستقبلك ، أيضا ، ثمة شيء مريب في عمل لا تميز فيه بين الوقت الإضافي و بين ارتكاب جريمة ، لكن ، أن تحفر في الثالثة صباحا _ لابد و أن يكون هناك أمر غير عادي يحدث .. "
أورشليم | جونسالو إم . تافاريس
ت . أحمد صلاح الدين Ahmed Salah Eldein
أورشليم | جونسالو إم . تافاريس
ت . أحمد صلاح الدين Ahmed Salah Eldein
صلاة على أرواح التشرنوبليين.
حين وقعت كارثة فوكوشيما اليابانية نتيجة لتداعيات زلزال تسونامي الهائل الذي هزّ الجرز اليابانية عن بكرة أبيها، في اليوم نفسه، ما قبل الشعور بوقوع كارثة المفاعل، صدر أمر بإخلاء أولي 3 كم من محيط المفاعل وشمل ذلك 5800 مواطن يعيشون ضمن هذا النطاق، كما نصح السكان الذين يعيشون في ضمن نطاق 10 كم من المصنع أن يبقوا في منازلهم، وفي وقت لاحق شمل أمر الإخلاء جميع السكان ضمن نطاق الـــ 10 كم .
لكن بالعودة إلى الوراء، تحديدا في السادس والعشرين من إبريل عام 1986م تصاعد حريق هائل اندفع على هيئة قذيفة إلى آماد السماء تسّرب منها غيمة إشعاعية أودت بحياة أكثر من 90 ألف إنسان في تلك البلاد، وخلّفت عاهات لكل من بقي منهم على قيد الحياة، تلك الإشعاعات التي قتلت الأجنّة وشوهّتها أودت بحياة الكائنات الحيّة أيضا الحيوانات والطيور والنباتات، المحاصيل الزراعية والتربة التي كانت مصدر حياة وليست قوتا لأولئك الفلاحين البسطاء فحسب، الذين كانوا بالقرب من منطقة مفاعل تشرنوبل والذين لم يعرفوا ما الذي يجري بينما غيمة إشعاعية فتاكة، مدمرة، تحمل بليارات الأوبئة الضارة بالقرب من مدينة بيربات – شمال أوكرانيا حاليا – قبعت بكامل جبروتها سماءهم؛ لأن السلطة تحت قيادة جورباتشوف في ذلك الوقت تكتمت على الحدث الرهيب لأسباب سياسية بحتة على حساب حيوات البشر، على حساب كائنات حيّة، على حساب جيل بأكمله وأجيال ممتدة ..!
استطاعت الروائية الصحفية البيلاروسية «سفيتلانا ألكسيفيتش» في روايتها «صلاة تشرنوبل»، ترجمة ثائر زين الدين وفريد حاتم الشحف، 2015م، عبر سنوات مديدة في البحث والتنقيب منذ اندلاع حريق تشرنوبل الإشعاعي على استقصاء الحقيقة، لا الحقيقة فحسب بل إعادة كتابتها، لا من كتب التاريخ ولا من على منصّات السياسة بل من وجوه الناس وكلماتهم ومشاعرهم، من الذين كانوا في الكارثة وداخل المنطقة المشعّة، من الذين قضوا يومين وهم يتنفسون الإشعاعات السامة، ويأكلون من محاصيل الأرض المشعّة، ويشربون من أنهار الملطخّة ببقع خضراء، دون أن يفكروا ولو لوهلة أن ثمة شيئا خطيرا قد وقع لبلادهم، للبقعة التي تحيط بهم، وحدها غياب العصافير والطيور أدهشهم وهم في فصل الربيع، لأنهم كانوا يؤمنون بالسلطة، يؤمنون بأن نظامهم السياسي متين، لقد كان إيمانهم أقوى من أن ينهار بسهولة، لذا الكثير منهم حتى اللحظة الأخيرة دخلوا في حالة من التيه لا الخوف، التيه تبدّى بصورة أكثر وضوحا حين أُمروا بعد عدة أيام من انفجار مفاعل تشرنوبل على مغادرة قراهم، وترك كل شيء، كل ما يخصهم ما بعد 26 من إبريل، حتى ملابسهم كان عليهم التخلص منها على الرغم من أن رئاتهم كانت قد تشبعت من هواء المفاعل قبلها بأيام معدودة، فقد كانوا خارج الصورة وخارج الحسابات ومصالح الساسة، صورة الوقائع الحقيقية لكارثة تاريخية، كارثة غابت عن هؤلاء الفلاحين البسطاء، ولم يعبأوا بها حتى حين عرفوا أنهم أصبحوا تشرنوبليين، أي مشعيّن، كان إيمانهم أقوى من أن يتداعى بأرضهم، حتى وهي ملوثة كما يقول العلماء، كما أثبت العلم، كثيرون منهم اختاروا الإشعاع على الرحيل وترك جلّ ما يخصّ ماضيهم وراءهم.
«صلاة تشرنوبل» ما يميزها كرواية وهي أقرب لوثيقة تاريخية هي الصرخة الجماعية، الصرخة المهولة لضحاياها، لم يدرك هؤلاء الذين استرسلوا وأدلوا بأصواتهم في ترتيل جماعي أنهم فريسة في قبضة كارثة مهولة، فالسلطة سعت بكل جبروتها وما تملك من مصادر وأساليب لكتم الحقيقة وتعتيم الوضع الكارثي بحجة أنهم معادون من قبل دول أخرى، وحتى حين أعلنوا بعد فوات الأوان حالة الطوارئ أوحوا للشعب بأنها مؤامرة خارجية، السلطة نفسها التي كانت همّها مصلحتها الكبرى لم تكلّف نفسها توفير الأقنعة والملابس للعاملين- مطهرو المفاعل- كما أطلق عليهم حين أُمروا بالتوجه إلى تلك المفاعل لتبريدها، العاملون الشباب المتطوعون لتطهير آثار تدمير مفاعل نووي دون أن يبالوا بيفاعتهم ولا بمخاطر وجودهم هناك، فكل من بقي بالقرب من المنطقة الإشعاعية، منطقة الموت كما سمي بعد ذلك تاريخيًّا، عملوا على كشط التربة كما توثق شهادة أحد العاملين على درء آثار الكارثة في ذلك الوقت: «كنا نرفع الأرض ونلفّها لفافات كبيرة، مثل سجادة، طبقة خضراء مع العشب، والجذور، والعناكب والديدان، عمل للمجانين، كان يجب كشط الأرض، وأخذ كل ما هو حيّ منها «دون توفير أدنى حماية لهم، العاملون، الأبطال، خدعوهم بشهادات تقديرية، ماتوا حتى قبل أن يحتفلوا بحصولهم عليها، لقد تقشّرت جلودهم، ونزفت كل بقعة من أجسادهم، تلوّثت رئاتهم وأعضاؤهم الحيوية تبلدت، كل ذلك وأبشع، ناهيك عن نفسيات زوجاتهم اللواتي اخترن البقاء بالقرب من أزواجهم حتى لو كانوا مشعًّين، حتى لو كانت اشعاعاتهم تهدد خطرا عليهم، لقد أدى الجميع واجبه، أدّوا ما آمنوا به، الكبار، الصغار، المسنون والمسنات، الأزواج والزوجات، الأطفال أيضا، وأصبحوا يُعرفون في التاريخ بتشرنوبليين، وحدهم أدركوا أن حياتهم ا
حين وقعت كارثة فوكوشيما اليابانية نتيجة لتداعيات زلزال تسونامي الهائل الذي هزّ الجرز اليابانية عن بكرة أبيها، في اليوم نفسه، ما قبل الشعور بوقوع كارثة المفاعل، صدر أمر بإخلاء أولي 3 كم من محيط المفاعل وشمل ذلك 5800 مواطن يعيشون ضمن هذا النطاق، كما نصح السكان الذين يعيشون في ضمن نطاق 10 كم من المصنع أن يبقوا في منازلهم، وفي وقت لاحق شمل أمر الإخلاء جميع السكان ضمن نطاق الـــ 10 كم .
لكن بالعودة إلى الوراء، تحديدا في السادس والعشرين من إبريل عام 1986م تصاعد حريق هائل اندفع على هيئة قذيفة إلى آماد السماء تسّرب منها غيمة إشعاعية أودت بحياة أكثر من 90 ألف إنسان في تلك البلاد، وخلّفت عاهات لكل من بقي منهم على قيد الحياة، تلك الإشعاعات التي قتلت الأجنّة وشوهّتها أودت بحياة الكائنات الحيّة أيضا الحيوانات والطيور والنباتات، المحاصيل الزراعية والتربة التي كانت مصدر حياة وليست قوتا لأولئك الفلاحين البسطاء فحسب، الذين كانوا بالقرب من منطقة مفاعل تشرنوبل والذين لم يعرفوا ما الذي يجري بينما غيمة إشعاعية فتاكة، مدمرة، تحمل بليارات الأوبئة الضارة بالقرب من مدينة بيربات – شمال أوكرانيا حاليا – قبعت بكامل جبروتها سماءهم؛ لأن السلطة تحت قيادة جورباتشوف في ذلك الوقت تكتمت على الحدث الرهيب لأسباب سياسية بحتة على حساب حيوات البشر، على حساب كائنات حيّة، على حساب جيل بأكمله وأجيال ممتدة ..!
استطاعت الروائية الصحفية البيلاروسية «سفيتلانا ألكسيفيتش» في روايتها «صلاة تشرنوبل»، ترجمة ثائر زين الدين وفريد حاتم الشحف، 2015م، عبر سنوات مديدة في البحث والتنقيب منذ اندلاع حريق تشرنوبل الإشعاعي على استقصاء الحقيقة، لا الحقيقة فحسب بل إعادة كتابتها، لا من كتب التاريخ ولا من على منصّات السياسة بل من وجوه الناس وكلماتهم ومشاعرهم، من الذين كانوا في الكارثة وداخل المنطقة المشعّة، من الذين قضوا يومين وهم يتنفسون الإشعاعات السامة، ويأكلون من محاصيل الأرض المشعّة، ويشربون من أنهار الملطخّة ببقع خضراء، دون أن يفكروا ولو لوهلة أن ثمة شيئا خطيرا قد وقع لبلادهم، للبقعة التي تحيط بهم، وحدها غياب العصافير والطيور أدهشهم وهم في فصل الربيع، لأنهم كانوا يؤمنون بالسلطة، يؤمنون بأن نظامهم السياسي متين، لقد كان إيمانهم أقوى من أن ينهار بسهولة، لذا الكثير منهم حتى اللحظة الأخيرة دخلوا في حالة من التيه لا الخوف، التيه تبدّى بصورة أكثر وضوحا حين أُمروا بعد عدة أيام من انفجار مفاعل تشرنوبل على مغادرة قراهم، وترك كل شيء، كل ما يخصهم ما بعد 26 من إبريل، حتى ملابسهم كان عليهم التخلص منها على الرغم من أن رئاتهم كانت قد تشبعت من هواء المفاعل قبلها بأيام معدودة، فقد كانوا خارج الصورة وخارج الحسابات ومصالح الساسة، صورة الوقائع الحقيقية لكارثة تاريخية، كارثة غابت عن هؤلاء الفلاحين البسطاء، ولم يعبأوا بها حتى حين عرفوا أنهم أصبحوا تشرنوبليين، أي مشعيّن، كان إيمانهم أقوى من أن يتداعى بأرضهم، حتى وهي ملوثة كما يقول العلماء، كما أثبت العلم، كثيرون منهم اختاروا الإشعاع على الرحيل وترك جلّ ما يخصّ ماضيهم وراءهم.
«صلاة تشرنوبل» ما يميزها كرواية وهي أقرب لوثيقة تاريخية هي الصرخة الجماعية، الصرخة المهولة لضحاياها، لم يدرك هؤلاء الذين استرسلوا وأدلوا بأصواتهم في ترتيل جماعي أنهم فريسة في قبضة كارثة مهولة، فالسلطة سعت بكل جبروتها وما تملك من مصادر وأساليب لكتم الحقيقة وتعتيم الوضع الكارثي بحجة أنهم معادون من قبل دول أخرى، وحتى حين أعلنوا بعد فوات الأوان حالة الطوارئ أوحوا للشعب بأنها مؤامرة خارجية، السلطة نفسها التي كانت همّها مصلحتها الكبرى لم تكلّف نفسها توفير الأقنعة والملابس للعاملين- مطهرو المفاعل- كما أطلق عليهم حين أُمروا بالتوجه إلى تلك المفاعل لتبريدها، العاملون الشباب المتطوعون لتطهير آثار تدمير مفاعل نووي دون أن يبالوا بيفاعتهم ولا بمخاطر وجودهم هناك، فكل من بقي بالقرب من المنطقة الإشعاعية، منطقة الموت كما سمي بعد ذلك تاريخيًّا، عملوا على كشط التربة كما توثق شهادة أحد العاملين على درء آثار الكارثة في ذلك الوقت: «كنا نرفع الأرض ونلفّها لفافات كبيرة، مثل سجادة، طبقة خضراء مع العشب، والجذور، والعناكب والديدان، عمل للمجانين، كان يجب كشط الأرض، وأخذ كل ما هو حيّ منها «دون توفير أدنى حماية لهم، العاملون، الأبطال، خدعوهم بشهادات تقديرية، ماتوا حتى قبل أن يحتفلوا بحصولهم عليها، لقد تقشّرت جلودهم، ونزفت كل بقعة من أجسادهم، تلوّثت رئاتهم وأعضاؤهم الحيوية تبلدت، كل ذلك وأبشع، ناهيك عن نفسيات زوجاتهم اللواتي اخترن البقاء بالقرب من أزواجهم حتى لو كانوا مشعًّين، حتى لو كانت اشعاعاتهم تهدد خطرا عليهم، لقد أدى الجميع واجبه، أدّوا ما آمنوا به، الكبار، الصغار، المسنون والمسنات، الأزواج والزوجات، الأطفال أيضا، وأصبحوا يُعرفون في التاريخ بتشرنوبليين، وحدهم أدركوا أن حياتهم ا
نشطرت إلى ما قبل تشرنوبل وما بعد تشرنوبل، أما الذين نزحوا إلى قرى ومدن أكثر أمانا طوردوا بلعنة الإشعاع، بلعنة تشرنوبل، صاروا يهابونهم، صاروا نذيرا يفتك بسلامة الآخرين، صاروا مشعّين، ودفع الصغار منهم الثمن الباهظ لا بتشويه أجسادهم فحسب بل التشويه الحقيقي، الصادم الذي علق بأرواحهم من قبل مجتمعهم، وفارق كثير منهم حياتهم بأمراض غامضة، ومن بقي على قيد الحياة، صار منبوذا..!
لقد سُئل كثير من العمال، الذين سعوا متطوعين لدرء آثار الاشعاع وهم على فراش المرض الناجم عن هذه الاشعاعات: هل هم نادمون..؟ وكان جواب كثير منهم بأنهم ليسوا كذلك، بأنهم أدّوا واجبهم كمواطنين صالحين، كأبطال سيذكّرهم التاريخ.
وبالعودة للوقوف على منصّات التاريخ، سنجد الأمر نفسه عند معظم الصينيين الذين خضعوا للتطهير الثقافي في عهد الزعيم الشيوعي «ماو»، كثير منهم أولئك الذين وثقّوا حكاياتهم في سير ذاتية وفي روايات وقصص سئلوا عن شعورهم بالندم وكان جوابهم نافيا أيضا، على الرغم من أنهم دفعوا أثمانا باهظة إلا أن الشعور بالندم حتى بعد انكشاف زيف الحقيقة كان خافيا عن مشاعرهم، لأنهم كانوا خاضعين تماما، للسلطة بكامل جمالها وبشاعتها، لقد آمنوا بها وهذا الإيمان كان كفيلا بإسقاط مشاعر الندم والقهر والخذلان أيضا، إنه إنكار الذات الذي جعلهم يتقبّلون الواقع بعاهاته، كقدر، كحادثة وقعت وانتهت .. لكن لعل الكثيرين منهم بعد مرور ردح من الزمن، حين ظهرت عليهم آثار جريمة الإشعاع، الذي قاوموه بلا أدوات حماية، حلموا بأمر واحد كما جاء على لسان أحد العاملين المتطهرين وهو على فراش المرض ينتظر كأي تشرنوبلي لحظة موته: «اسألني بماذا أحلم ..؟ .. «بماذا» .. «بموت طبيعي».
رواية «صلاة تشرنوبل» هو انتصار للحقيقة ولأدب الواقع، هي شهادات في وجه تاريخ لا يكتبه سوى المنتصرين كما كشف لنا زيف التاريخ نفسه، لكن سفيتلانا بعملها الروائي لم تنبش في التاريخ بل في ذاكرة الضحايا، في قلوب الثكالى، في أرواح المهزومين الحقيقيين الذين خسروا كل شيء عدا ذاكرة متقيّحة، أرادت أن تنقل الحقيقة هذه المرة من أفواه الضحايا الذين شهدوا حقا لا من تحدثوا عنها واخترعوا لها مؤامرات ومبررات عبر شاشات الخوف والهلع والطمس والتدليس والتشويه، الرواية التي تقودك إلى الحقيقة حين تكون أكثر صدقا من التاريخ الذي يتعرض للبتر لغايات شتى، سياسية، دينية، اجتماعية، إلى لا آخره . الرواية التي لا توّثق سوى الإنسانية المحضة، المشاعر، الأحاسيس والكلمات، تسعى لكتابة الحقيقة بأكثر من صوت، صوت الضمير، صوت المعاناة المتفاقمة، وصوت من درأوا الكارثة وشهدوها بكامل حواسهم، صوت من شوّتهم الكارثة وصوت من غيّبوا عن حجم مأساتها، صوت العامل، الإطفائي، الفلاح، ربة المنزل، المعلم، المحامي، الناشط، الحقوقي، مديرو معاهد الطاقة، علماء الفيزياء، الأطفال والرجال والنساء، ولو كان للحيوانات والنباتات صوت لهتكت بالسلطة التي تسببت في قتل الحياة فيهم ..
الرواية التي تضعنا أمام حقيقة صاعقة أن في الكوارث الكبرى لا تعني السلطات سوى نفسها وليغرق الشعب في الجحيم ..!
*ويكيبيديا
لقد سُئل كثير من العمال، الذين سعوا متطوعين لدرء آثار الاشعاع وهم على فراش المرض الناجم عن هذه الاشعاعات: هل هم نادمون..؟ وكان جواب كثير منهم بأنهم ليسوا كذلك، بأنهم أدّوا واجبهم كمواطنين صالحين، كأبطال سيذكّرهم التاريخ.
وبالعودة للوقوف على منصّات التاريخ، سنجد الأمر نفسه عند معظم الصينيين الذين خضعوا للتطهير الثقافي في عهد الزعيم الشيوعي «ماو»، كثير منهم أولئك الذين وثقّوا حكاياتهم في سير ذاتية وفي روايات وقصص سئلوا عن شعورهم بالندم وكان جوابهم نافيا أيضا، على الرغم من أنهم دفعوا أثمانا باهظة إلا أن الشعور بالندم حتى بعد انكشاف زيف الحقيقة كان خافيا عن مشاعرهم، لأنهم كانوا خاضعين تماما، للسلطة بكامل جمالها وبشاعتها، لقد آمنوا بها وهذا الإيمان كان كفيلا بإسقاط مشاعر الندم والقهر والخذلان أيضا، إنه إنكار الذات الذي جعلهم يتقبّلون الواقع بعاهاته، كقدر، كحادثة وقعت وانتهت .. لكن لعل الكثيرين منهم بعد مرور ردح من الزمن، حين ظهرت عليهم آثار جريمة الإشعاع، الذي قاوموه بلا أدوات حماية، حلموا بأمر واحد كما جاء على لسان أحد العاملين المتطهرين وهو على فراش المرض ينتظر كأي تشرنوبلي لحظة موته: «اسألني بماذا أحلم ..؟ .. «بماذا» .. «بموت طبيعي».
رواية «صلاة تشرنوبل» هو انتصار للحقيقة ولأدب الواقع، هي شهادات في وجه تاريخ لا يكتبه سوى المنتصرين كما كشف لنا زيف التاريخ نفسه، لكن سفيتلانا بعملها الروائي لم تنبش في التاريخ بل في ذاكرة الضحايا، في قلوب الثكالى، في أرواح المهزومين الحقيقيين الذين خسروا كل شيء عدا ذاكرة متقيّحة، أرادت أن تنقل الحقيقة هذه المرة من أفواه الضحايا الذين شهدوا حقا لا من تحدثوا عنها واخترعوا لها مؤامرات ومبررات عبر شاشات الخوف والهلع والطمس والتدليس والتشويه، الرواية التي تقودك إلى الحقيقة حين تكون أكثر صدقا من التاريخ الذي يتعرض للبتر لغايات شتى، سياسية، دينية، اجتماعية، إلى لا آخره . الرواية التي لا توّثق سوى الإنسانية المحضة، المشاعر، الأحاسيس والكلمات، تسعى لكتابة الحقيقة بأكثر من صوت، صوت الضمير، صوت المعاناة المتفاقمة، وصوت من درأوا الكارثة وشهدوها بكامل حواسهم، صوت من شوّتهم الكارثة وصوت من غيّبوا عن حجم مأساتها، صوت العامل، الإطفائي، الفلاح، ربة المنزل، المعلم، المحامي، الناشط، الحقوقي، مديرو معاهد الطاقة، علماء الفيزياء، الأطفال والرجال والنساء، ولو كان للحيوانات والنباتات صوت لهتكت بالسلطة التي تسببت في قتل الحياة فيهم ..
الرواية التي تضعنا أمام حقيقة صاعقة أن في الكوارث الكبرى لا تعني السلطات سوى نفسها وليغرق الشعب في الجحيم ..!
*ويكيبيديا
وصف الروائي البرتغالي جونسالو إم. تافاريس لشخصية " هينريك " في رواية أورشليم بديع ، لقد نحت تفاصيل حياته بمنتهى المهارة.
هذا الوصف في صفحة 59 و 60 من الرواية ، جاء كمقدمة للفصل السابع .
هذا الوصف في صفحة 59 و 60 من الرواية ، جاء كمقدمة للفصل السابع .
أعتقد أنني من النوع الذي يستمتع برفقة نفسه ، لذا يحدث كثيرا أن أعيش لأيام دون محادثة أو الاحتكاك بكائن ما ، و نادرا ما أشعر بالملل.
يلهيني خيالي ، خيالي يقوم بعمله بشكل فعال على ما يبدو.
يلهيني خيالي ، خيالي يقوم بعمله بشكل فعال على ما يبدو.
كانت أم " هنري ميللر " تحارب بشراسة فكرة أن يكون ابنها كاتبا! إذ كانت تريد منه إدارة محل الخياطة ، لذلك اعتبرت توجهه للكتابة انحرافا خطيرا ، بل و جريمة! و اعتادت على ( إخفاء ) ابنها في الخزانة مع آلته الكاتبة كلما جاءها ضيوف ؛ كيلا يعرف هؤلاء الضيوف أن ولدها يعمل كاتبا!
" ليس لدى الفرد منا سوى سؤال واحد : متى أتدمر" .
وليام فوكنر
وليام فوكنر
لا أميل لقراءة كتاب في موسم ضجته ، استمتع بقراءته أكثر حين يكون في إجازة استرخاء.
أورشليم ، رواية خارج توقعات القارىء ، حقا ، خارج كل التوقعات .
جونسالو روائي مخيف.
جونسالو روائي مخيف.
الطريق إلى مترو حلب
ليلى البلوشي
« الإقامة والاستقرار في المكان ترف لا نمتلكه نحن أبناء الحرب، نسعى من محطة إلى محطة من هذه المنافي حاملين معنا أرواحا تسكننا من كل محطة، على التنقل من مترو باريس إلى مترو حلب والعكس».
تفتتح الروائية السورية المقيمة في فرنسا «مها حسن» روايتها «مترو حلب» دار التنوير 2016م على مدونة يومية تنطلق منها إلى سرد حكايتها المعلّقة ما بين مكانين شديدي الوطأة والثقل في الروح هما حلب وباريس، على لسان سارة، بطلة مترو حلب، تقول في احد يومياتها ما يشكل ازدواجية المكان وتحكّمها الكبير في أحاسيس ساره ورؤاها للحياة من حولها: «لديّ كتابان أدوّن فيهما: كتاب المنامات، لأتأكد أنني في باريس وكتاب الحرب، لأتذكر أنني في حلب، في مناماتي، أجدني في الغالب في حلب، أما في منامات باريس أشعر في الغالب بأنني في أجواء الحرب».
امرأة تم جلبُها من بلاد تخوض حربا إلى بلاد أخرى يجري الأمان في شرايينها الحيوية، أمان فوق طاقة ساره على التحمّل التي اعتادت على كل شيء في حياتها سوى الأمان المحض، هذا الأمان كان كثقب فاغر يشعرها بعمق غربتها في بلاد بادرة ولا تشبه ضجيجها الروحي الذي اعتاد على التوجس واللا أمان: « استغرق الأمر طويلا، منذ وصولي إلى فرنسا، لأكف عن الشعور بالذعر حين أرى رجلا أو امرأة من الشرطة، لم أتوصل حتى الآن إلى الربط بين الأمان الذي يحققه رجال ونساء البوليس هنا، وبين سلب الأمان الذي يتسبب به (البوليس) في بلدي..».
سارة التي تتقاذفها الصدمات على طول خط الرواية، تكون الصدمة الأولى أشبه باكتشاف غريب حين تعرف أن لها خالة في باريس، خالة تريد رؤيتها قبل موتها، من سيقرأ الرواية، سيشعر أن كل الذين كانوا محاطين بساره من أهل وأقارب وحتى أصدقاء كانوا وامش، صلتها بالآخرين تكاد تكون ملتبسة، لا تتعدى كونهم صلات لجلب الأخبار، شاشات عرض تتداخل معهم، مع حكاياتهم وهمومهم ومصائبهم وأزماتهم النفسية وخيباتهم لترى من خلالهم حياتها، لتتمسك بالثبات المهزوز، لتتشبّع بأرضها التي خلعت عنها رغما عنها وعلى غفلة منها، حلب وحدها استأثرت بكامل حواسها في الحياة، لم تكن الخالة « أمينة» سوى مصادفة جاءت على هيئة صدمة، وكان عليها، من باب المجاملة وربما الإنسانية المحضة أن تستجيب لطلب امرأة على وشك الموت بالسفر إليها لعدة شهور، هذه الشهور لم تكن سوى خدعة مؤقّتة لإقامة على وشك أن تكون كورطة أبدية، فكل من هم في بلدها الأحب، حلب، يجبرها بالبقاء حيث هي في كنف أمانها، حيث المستقبل المشرق والحياة اليسيرة، حيث لم يجرؤ أحد على إبلاغها بحقيقة إبقائها حيث هي، كانوا فقط، يخبرونها بأن الأوضاع في حلب مدمّرة، والحياة فيها تكاد تكون مدمّرة، حلب مدينة الهجران والتلاشي، مدينة يهربون منها لا يعودون إليها.
لعل لقاءها القصير بخالتها أمينة في باريس جعلها تستعيد ترتيب العلاقات في نفسها، لتكتشف أن كل ما حولها هامشي ومؤقت سوى عودتها إلى حلب، هي الحقيقة الوحيدة التي لا تريد دحضها في قلبها وفكرها أيضا: « كما لو أن فرنسا هي المكان الطارئ، المؤقت، الإسعافي الذي جئت إليه وانتظر انتهاء الحرب لأغادره، فرنسا كلها الآن بالنسبة لي مجرد فندق أو مشفى أو جسر بين جبلين، محطة هنا انتظر فيها القطار الذاهب إلى بلدي هناك، انتظر أن تنزلق قدمي في كل محطة فرنسية، لتأخذني إلى حلب».
كان الشعور مضادا بالنسبة لخالتها أمينة، فهي كانت دائما تشعر أنها فرنسية، هويّتها وكيانها وكلّها: «أنا فرنسية، أشعر بهذا العمق، ويخيل إلي أحيانا، أن ثمة من سرقني من فرنسا وأخذني إلى سوريا، ثم استعدت حياتي الحقيقية حين غادرت».
أمينة يمكن تسميتها مفجِّرة الصدمات في الرواية، أولا ظهرت كخالة ثم كأم لسارة، شخصيتها تكاد تماثل ساره، كل العلاقات في حياتها كانت مجرد هوامش، سوى المسرح، المسرح وحده كان حبّ حياتها الحقيقي، لقد تنازلت عن حياتها في حلب، تنازلت عن ابنتها، عن كل شيء راسخ في سبيل عشقها الأوحد المسرح، ومن خلال شخصيات التي أدّتها على خشبتها كانت تعيش اكتمالها كامرأة استغنت عن كل شيء، كان هذه التمازج والتداخل في عديد من الشخصيات يكسر غربتها الداخلية، بل كان يشعرها بالثراء والافتتان دون أن يساورها أي إحساس يُنغّص عليها تكريس حياتها لفنّها، ولا حتى بالندم لتخليها عن ابنة من صلبها، خلفتها وراءها إلى ماض ما عاد يمتّ لها بصلة، لقد تجاوزت أزمتها، تجاوزت ذكرياتها، واستطاعت أن تؤثث ما أرادته من حياة يلائم شبقها وروحها المتمردة، كانت أمينة شخصية متفردة من نوعها وجديدة، خرجت عن طور التقليدية في بناء شخصيات النسوية في الروايات العربية، حتى أن القارئ يكاد يتصالح معها، دون أن يمسّها بالأنانية، دون أن يُؤلب مشاعره عليها، لقد انتصرت أمينة حقا حتى على قارئها ونجت من المحاسبة، هي وحدها التي اختارت الحياة التي تريدها وحلت محلها أختها «هدهد» لتكون أمينة أخرى في نظر أهل زوجها، لتكون الوليمة والضحية في آن على حساب مشاعرها: « أختي التي سرقت حيا
ليلى البلوشي
« الإقامة والاستقرار في المكان ترف لا نمتلكه نحن أبناء الحرب، نسعى من محطة إلى محطة من هذه المنافي حاملين معنا أرواحا تسكننا من كل محطة، على التنقل من مترو باريس إلى مترو حلب والعكس».
تفتتح الروائية السورية المقيمة في فرنسا «مها حسن» روايتها «مترو حلب» دار التنوير 2016م على مدونة يومية تنطلق منها إلى سرد حكايتها المعلّقة ما بين مكانين شديدي الوطأة والثقل في الروح هما حلب وباريس، على لسان سارة، بطلة مترو حلب، تقول في احد يومياتها ما يشكل ازدواجية المكان وتحكّمها الكبير في أحاسيس ساره ورؤاها للحياة من حولها: «لديّ كتابان أدوّن فيهما: كتاب المنامات، لأتأكد أنني في باريس وكتاب الحرب، لأتذكر أنني في حلب، في مناماتي، أجدني في الغالب في حلب، أما في منامات باريس أشعر في الغالب بأنني في أجواء الحرب».
امرأة تم جلبُها من بلاد تخوض حربا إلى بلاد أخرى يجري الأمان في شرايينها الحيوية، أمان فوق طاقة ساره على التحمّل التي اعتادت على كل شيء في حياتها سوى الأمان المحض، هذا الأمان كان كثقب فاغر يشعرها بعمق غربتها في بلاد بادرة ولا تشبه ضجيجها الروحي الذي اعتاد على التوجس واللا أمان: « استغرق الأمر طويلا، منذ وصولي إلى فرنسا، لأكف عن الشعور بالذعر حين أرى رجلا أو امرأة من الشرطة، لم أتوصل حتى الآن إلى الربط بين الأمان الذي يحققه رجال ونساء البوليس هنا، وبين سلب الأمان الذي يتسبب به (البوليس) في بلدي..».
سارة التي تتقاذفها الصدمات على طول خط الرواية، تكون الصدمة الأولى أشبه باكتشاف غريب حين تعرف أن لها خالة في باريس، خالة تريد رؤيتها قبل موتها، من سيقرأ الرواية، سيشعر أن كل الذين كانوا محاطين بساره من أهل وأقارب وحتى أصدقاء كانوا وامش، صلتها بالآخرين تكاد تكون ملتبسة، لا تتعدى كونهم صلات لجلب الأخبار، شاشات عرض تتداخل معهم، مع حكاياتهم وهمومهم ومصائبهم وأزماتهم النفسية وخيباتهم لترى من خلالهم حياتها، لتتمسك بالثبات المهزوز، لتتشبّع بأرضها التي خلعت عنها رغما عنها وعلى غفلة منها، حلب وحدها استأثرت بكامل حواسها في الحياة، لم تكن الخالة « أمينة» سوى مصادفة جاءت على هيئة صدمة، وكان عليها، من باب المجاملة وربما الإنسانية المحضة أن تستجيب لطلب امرأة على وشك الموت بالسفر إليها لعدة شهور، هذه الشهور لم تكن سوى خدعة مؤقّتة لإقامة على وشك أن تكون كورطة أبدية، فكل من هم في بلدها الأحب، حلب، يجبرها بالبقاء حيث هي في كنف أمانها، حيث المستقبل المشرق والحياة اليسيرة، حيث لم يجرؤ أحد على إبلاغها بحقيقة إبقائها حيث هي، كانوا فقط، يخبرونها بأن الأوضاع في حلب مدمّرة، والحياة فيها تكاد تكون مدمّرة، حلب مدينة الهجران والتلاشي، مدينة يهربون منها لا يعودون إليها.
لعل لقاءها القصير بخالتها أمينة في باريس جعلها تستعيد ترتيب العلاقات في نفسها، لتكتشف أن كل ما حولها هامشي ومؤقت سوى عودتها إلى حلب، هي الحقيقة الوحيدة التي لا تريد دحضها في قلبها وفكرها أيضا: « كما لو أن فرنسا هي المكان الطارئ، المؤقت، الإسعافي الذي جئت إليه وانتظر انتهاء الحرب لأغادره، فرنسا كلها الآن بالنسبة لي مجرد فندق أو مشفى أو جسر بين جبلين، محطة هنا انتظر فيها القطار الذاهب إلى بلدي هناك، انتظر أن تنزلق قدمي في كل محطة فرنسية، لتأخذني إلى حلب».
كان الشعور مضادا بالنسبة لخالتها أمينة، فهي كانت دائما تشعر أنها فرنسية، هويّتها وكيانها وكلّها: «أنا فرنسية، أشعر بهذا العمق، ويخيل إلي أحيانا، أن ثمة من سرقني من فرنسا وأخذني إلى سوريا، ثم استعدت حياتي الحقيقية حين غادرت».
أمينة يمكن تسميتها مفجِّرة الصدمات في الرواية، أولا ظهرت كخالة ثم كأم لسارة، شخصيتها تكاد تماثل ساره، كل العلاقات في حياتها كانت مجرد هوامش، سوى المسرح، المسرح وحده كان حبّ حياتها الحقيقي، لقد تنازلت عن حياتها في حلب، تنازلت عن ابنتها، عن كل شيء راسخ في سبيل عشقها الأوحد المسرح، ومن خلال شخصيات التي أدّتها على خشبتها كانت تعيش اكتمالها كامرأة استغنت عن كل شيء، كان هذه التمازج والتداخل في عديد من الشخصيات يكسر غربتها الداخلية، بل كان يشعرها بالثراء والافتتان دون أن يساورها أي إحساس يُنغّص عليها تكريس حياتها لفنّها، ولا حتى بالندم لتخليها عن ابنة من صلبها، خلفتها وراءها إلى ماض ما عاد يمتّ لها بصلة، لقد تجاوزت أزمتها، تجاوزت ذكرياتها، واستطاعت أن تؤثث ما أرادته من حياة يلائم شبقها وروحها المتمردة، كانت أمينة شخصية متفردة من نوعها وجديدة، خرجت عن طور التقليدية في بناء شخصيات النسوية في الروايات العربية، حتى أن القارئ يكاد يتصالح معها، دون أن يمسّها بالأنانية، دون أن يُؤلب مشاعره عليها، لقد انتصرت أمينة حقا حتى على قارئها ونجت من المحاسبة، هي وحدها التي اختارت الحياة التي تريدها وحلت محلها أختها «هدهد» لتكون أمينة أخرى في نظر أهل زوجها، لتكون الوليمة والضحية في آن على حساب مشاعرها: « أختي التي سرقت حيا
تي، لم أعش حياتي، عشت الحياة التي اختارتها أختي ثم تركتها، لم أختر حياتي: لا زوجي ولا أقاربه ولا حلب التي تركت دمشق بسببها »، حتى وليد الذي تزوجته في لحظة عبث ثم هجرته في لحظة مطاردة لأحلامها الخاصة عانى من مغبة هذا النفي الذي كان خارج إرادته، والنتيجة لهذا الزواج العبثي هو ساره التي كانت عليها أن تحمل عبء ما فعلته أمها أمينة التي نبذت أمومتها بها حدّ الهجران، كان عليها أن تتقبّل تقاطيع الحياة التي فرضها عليها وضعها الطارئ الذي صار مصيرا لا يمكن الفرار منه، كان عليها أن تواجه الصدمات تباعا ولوحدها خاضعة لاختبار صادم لاستعادة ذاتها المسلوبة، ذاتها التائهة، ذاتها المتشبثة بحلب: « كأنني في ورشة التكوين، أحاول أن أثبت ملامحي الجديدة، لكن كلما نظرت إلى نفسي تظهر القديمة، أنا سارتان أو ثلاث: سارة ابنة أمينة – سارة ابنة هدهد، سارة التي في باريس – سارة التي تريد أن تستسلم – سارة التي تريد أن تتمرد… ساره…».
كتابة الرواية بتقنية اليوميات كان ضرورة، لأن سارة كانت بحاجة إلى بوح شخصي، أن تستعيد من خلال فضفضتها الحميمة ثباتها الروحي الذي اختلّ على حين فجأة، توثيق المكان بالساعات والأيام كان حلّها الكفيل، كي لا تسقط في ثقب الغربة الممتد حولها بشدة !
اللغة المنولوجية التي سارت عليها ساره خرقت مسارها بأصوات بقية الشخصيات المتعددة في الرواية، لقد تحكمت الروائية « مها حسن » بشخصياتها بشكل فريد، ومنحت لكل منهم ومنهن، حيّزه الخاص من خصوصية البوح، لقد اقتسمت الحكايات بينهم بشكل يكاد أن يكون منصفا، كأن الأحداث صيغت بمكبّر صوت كبير، مرّر نفسه بانسيابية إلى كل شخصية في الحكاية، مراوغة بهدوء مثل صيّاد متمرّس، تركت لهم مساحة من الفردانية والاستقلال، فكل الشخصيات في الرواية لها مواقفها وبوحها، لها ما يشغلها وما يوتّرها.. ( أمينة، وليد، هدهد، سوسن، هالا، سناء، رولا، بوران، مُنية، نُزهة، عادل، شيماء، طارق، يان)، وحدها سارة كانت تراهم طريقها إلى مترو حلب.
« – ماذا تفعلين هنا وأنت ترتدين هذا الفراء الفاخر؟
– أنتظر المترو.
– لقد نزلت للتو منه.
– لم يكن المترو الذي أريد.
– أي مترو تريدين ؟
– مترو حلب.. ».
في النهاية حدث تصالح ما بين المكانين، ما بين حلب وباريس، يتوحد المكانان في قاعها كمصير مشترك « أحس بأنني أولد من جديد وقد وجدت الجواب على السؤال الذي شغلني: أين أعيش، في حلب أو في باريس ؟ لاختار العيش معا، لا نتقل بين الضفتين، كأنني أركب هذا المترو الباريسي الطويل، لأنزل منه في محطة حلب و أعود من جديد إلى باريس».
وصار الطريق إلى حلب مُمهّدا.
كتابة الرواية بتقنية اليوميات كان ضرورة، لأن سارة كانت بحاجة إلى بوح شخصي، أن تستعيد من خلال فضفضتها الحميمة ثباتها الروحي الذي اختلّ على حين فجأة، توثيق المكان بالساعات والأيام كان حلّها الكفيل، كي لا تسقط في ثقب الغربة الممتد حولها بشدة !
اللغة المنولوجية التي سارت عليها ساره خرقت مسارها بأصوات بقية الشخصيات المتعددة في الرواية، لقد تحكمت الروائية « مها حسن » بشخصياتها بشكل فريد، ومنحت لكل منهم ومنهن، حيّزه الخاص من خصوصية البوح، لقد اقتسمت الحكايات بينهم بشكل يكاد أن يكون منصفا، كأن الأحداث صيغت بمكبّر صوت كبير، مرّر نفسه بانسيابية إلى كل شخصية في الحكاية، مراوغة بهدوء مثل صيّاد متمرّس، تركت لهم مساحة من الفردانية والاستقلال، فكل الشخصيات في الرواية لها مواقفها وبوحها، لها ما يشغلها وما يوتّرها.. ( أمينة، وليد، هدهد، سوسن، هالا، سناء، رولا، بوران، مُنية، نُزهة، عادل، شيماء، طارق، يان)، وحدها سارة كانت تراهم طريقها إلى مترو حلب.
« – ماذا تفعلين هنا وأنت ترتدين هذا الفراء الفاخر؟
– أنتظر المترو.
– لقد نزلت للتو منه.
– لم يكن المترو الذي أريد.
– أي مترو تريدين ؟
– مترو حلب.. ».
في النهاية حدث تصالح ما بين المكانين، ما بين حلب وباريس، يتوحد المكانان في قاعها كمصير مشترك « أحس بأنني أولد من جديد وقد وجدت الجواب على السؤال الذي شغلني: أين أعيش، في حلب أو في باريس ؟ لاختار العيش معا، لا نتقل بين الضفتين، كأنني أركب هذا المترو الباريسي الطويل، لأنزل منه في محطة حلب و أعود من جديد إلى باريس».
وصار الطريق إلى حلب مُمهّدا.
❤1
" إفرك عينيك المليئتين بالغبار و إذا أنت تمشي في بلاد الآخرين " .
سركون بولص | الأول و التالي
سركون بولص | الأول و التالي
" في أعماقي ، أؤمن بأن الأرض كروية ، لسبب وجيه وحيد ، بعد القيام بجولة حول العالم ، كل ما يتمناه المرء هو أن يكون في البيت " .
أوريلسان
أوريلسان