#العالم_مقلوب
كتب إدواردو غاليانو في روايته "أبناء الأيّام": لا يمكنك ألّا أن ترى العالم مقلوبًا: لقد غزت القوّات العراقيّة أمريكا خوفًا من أسلحة الدمار الشامل المتراكمة في ترساناتها، ولم تكن لها أبدًا نيّة سَيِّئَة بالاستيلاء على حقول النفط في ألاسكا، لقد خلّفت القوّات العراقيّة أضرارًا جسيمة، فالكثير من المدنيّين الأمريكيّين ومعظمهم من النساء والأطفال قد فقدوا حياتهم أو بترت أطرافهم، لم يُعرف حتّى الآن العدد الدقيق؛ لأنّ التقاليد تقضي بإحصاء ضحايا القوّات، وتحظر إحصاء ضحايا الأهالي المحتلّين.
كتب إدواردو غاليانو في روايته "أبناء الأيّام": لا يمكنك ألّا أن ترى العالم مقلوبًا: لقد غزت القوّات العراقيّة أمريكا خوفًا من أسلحة الدمار الشامل المتراكمة في ترساناتها، ولم تكن لها أبدًا نيّة سَيِّئَة بالاستيلاء على حقول النفط في ألاسكا، لقد خلّفت القوّات العراقيّة أضرارًا جسيمة، فالكثير من المدنيّين الأمريكيّين ومعظمهم من النساء والأطفال قد فقدوا حياتهم أو بترت أطرافهم، لم يُعرف حتّى الآن العدد الدقيق؛ لأنّ التقاليد تقضي بإحصاء ضحايا القوّات، وتحظر إحصاء ضحايا الأهالي المحتلّين.
نجيب محفوظ «خادش حياء».. «لو كان حيًّا لعاقبناه»!
محمد شعير
انتفض عضو البرلمان المصري، نفرت عروقه، واستجمع كل ميراث الذكورة في المجتمع وهو يقول: «نعم أدب نجيب محفوظ خادش للحياء.. ولو كان حيّاً لعاقبناه». ليس مهما اسم البرلماني، هو نموذج، مثله مثل كثيرين. لم تعرف الكتب طريقها إلى بيوتهم إلا صدفة أو بركة. مستقر في جهله، يتفاخر به، يعلقه وساما وشارة.. لذا أراد أن يوضح موقفه بعد جلسة البرلمان للصحافة.. فسئل هل قرأت نجيب محفوظ؟.. أجاب بفخر: نعم، قرأت له عندما كنت صغيرا رواية «الجبل»!
لا يعرف البرلماني الحاصل على درجة الدكتوراه في القانون أن ليس لمحفوظ رواية بهذا الاسم أساسا.. ولا أظن أنه يقصد رواية فتحي غانم التي تحمل الاسم عينه. العبارة التي قالها عضو البرلمان ذات شقين: أدب محفوظ خادش للحياء، نعم هو ذلك، كل أدب عظيم هو خادش لكل ما هو سائد ومستقر، وأدب صاحب الثلاثية «خادش للحياء»، خادش للمستقر. ولماذا لا يخدش الأدب الحياء؟ بل لماذا صار خدش الحياة في ـ القانون ـ تهمة، يعاقب بها الأدباء في القرن الحادي والعشرين؟ هل يريد النائب البرلماني قائمة بأعمال خدشت الحياء على مر العصور؟
قائمة
قائمة تبدأ بالأحاديث النبوية في صحيح البخاري، وتمتدّ إلى ابن عباس والسيوطي، وابن كثير، في الكتب المقدسة: العهدين القديم والجديد، وألف ليلة وليلة، وأبو نواس، والمتنبي، والمعري وحسان بن ثابت شاعر الرسول. هل يريد دليلا لخدش الحياء فى أعمال نجيب محفوظ نفسه؟ الثلاثية التي لم يقرأها النائب (انتهى محفوظ من كتابتها في إبريل 1952، وتعتبر تأريخا اجتماعيا وفنيا لما جرى في مصر بين ثورتين، تبدأ أحداثها عام 1917 وتنتهي 1947). يرصد محفوظ في ثلاثيته هذه ذاك الازدواج لدى الشخصية الرئيسية أحمد عبد الجواد المتدين الملتزم في منزله. تستقبله زوجته بالدعاء، وتساعده على نزع ملابسه وخدمته ووضع قدميه في الماء الساخن، وهي تسرد عليه أخبار الأولاد والبنات، وبينما يستمع متظاهرا بالتجهم؛ لكي لا يقلل من شخصيته المهيبة. وعندما يرغب الأولاد أمرا فإنهم لا يتحدثون إليه مباشرة، بل يخبرون الأم لتمهد له الأمر، ينزعج جدا عندما تخرج زوجته أمينة لزيارة «سيدنا الحسين»، ويتعجب عندما يدخل أحدهم منزله ليطلب يد ابنته للزواج متسائلا أين شاهد العريس ابنته؟ هل فتحت الشباك وظهرت للناس؟
وعندما يخرج من منزله، يتحول مع أصدقائه إلى عاشق «الهلس» والرقص، والشراب، يقضي الليل في العوامات مع العوالم، ويتحول هؤلاء إلى كورال فرقة فنية وعندما ينتهي الحفل يتقمص مرة أخرى دوره الجادّ المحافظ، قبل أن يتجه إلى منزله،
نجيب محفوظ فضح تلك الممارسات المزدوجة التي لم يتخل عنها المجتمع حتى الآن. فضح الساسة الذين كان شعارهم «البقاء للأوسخ بل للأكثر وساخة» مقدما نموذجا لشخصية محجوب عبد الدايم أو سرحان البحيري المتجدد دائما، فضح ممارسات المثقفين وانعزالهم في «ثرثرة فوق النيل».. وفضح.. وفضح.. أليس في ذلك خدش للحياء؟! وألا تذكرنا هذه الشخصيات الورقية، أو التي كان ينبغي أن تكون ورقية بنماذج في الواقع الآن؟
يخدش نجيب محفوظ الحياء.. ولكن لماذا يريد النائب البرلماني أن يعاقبه؟ ما الجريمة في هذا الفضح؟ هل اقترب نجيب محفوظ بشخصياته من الواقع لهذه الدرجة؟ هل لدى النائب أو غيره من المنوط بهم التشريع الأقرب لمزدوجي الشخصيات أو يشبهون محجوب عبد الدايم (لاسمح الله) شعارهم: البقاء للأوسخ!
تاريخ من المساخر
يبدو تاريخنا مجموعة من المساخر التاريخية المتكررة، التي لا تنتهي. في عام 1960، كان نجيب محفوظ بطلا أيضا لاستجواب برلماني شبيه ذلك، في أعقاب نشر رواية «أولاد حارتنا» بصحيفة «الأهرام»، إذ قاد وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي، وكان معروفا بميوله الصوفية، وأصبح بعد أن ترك منصبه عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، هجوما شديدا على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة جهاز الرقابة لنجيب محفوظ، لرجل «متهم في عقيدته الدينية». ونشر حسن عباس زكي في «الأهرام»، بعد يومين من نهاية نشر «أولاد حارتنا»، وتحديدا يوم 27 ديسمبر 1959 مقالا بعنوان «الفن الذى نريده».. وتلى هذا المقال عشرون مقالا آخر نشرت ما بين «الأهرام» و «الأخبار»، تناول فيها نظريته «الاشتراكية الإسلامية».. مؤكدا أن علة المجتمع المصري هي ضعف «المعاني الروحية». واقترح توظيف كل الامكانيات لتربية المواطنين تربية صالحة، بما فيها الفن: «من حقنا عليه (الفنان) أن يتجه بفنه إلى الأفكار التي رسمتها الدولة لحياتنا».. وأضاف: «أما الحرية فيجب ألا تكون أداة تجريب وتضليل أو تكون مبعثا لزيغ العقائد». «أولاد حارتنا» هي الرواية التي كادت أن تكلف محفوظ حياته 1994 عندما تعرض لمحاولة اغتيال على يد أحد اعضاء الجماعة الإسلامية.
وفي ما بعد، قبل شهور قليلة من «هزيمة يونيو»، وصل إلى عبد الناصر عدة تقارير من أعضاء في الاتحاد الاشتراكي ضد رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل». تقارير كتبها مثقفون وسياسيون يتهمون ا
محمد شعير
انتفض عضو البرلمان المصري، نفرت عروقه، واستجمع كل ميراث الذكورة في المجتمع وهو يقول: «نعم أدب نجيب محفوظ خادش للحياء.. ولو كان حيّاً لعاقبناه». ليس مهما اسم البرلماني، هو نموذج، مثله مثل كثيرين. لم تعرف الكتب طريقها إلى بيوتهم إلا صدفة أو بركة. مستقر في جهله، يتفاخر به، يعلقه وساما وشارة.. لذا أراد أن يوضح موقفه بعد جلسة البرلمان للصحافة.. فسئل هل قرأت نجيب محفوظ؟.. أجاب بفخر: نعم، قرأت له عندما كنت صغيرا رواية «الجبل»!
لا يعرف البرلماني الحاصل على درجة الدكتوراه في القانون أن ليس لمحفوظ رواية بهذا الاسم أساسا.. ولا أظن أنه يقصد رواية فتحي غانم التي تحمل الاسم عينه. العبارة التي قالها عضو البرلمان ذات شقين: أدب محفوظ خادش للحياء، نعم هو ذلك، كل أدب عظيم هو خادش لكل ما هو سائد ومستقر، وأدب صاحب الثلاثية «خادش للحياء»، خادش للمستقر. ولماذا لا يخدش الأدب الحياء؟ بل لماذا صار خدش الحياة في ـ القانون ـ تهمة، يعاقب بها الأدباء في القرن الحادي والعشرين؟ هل يريد النائب البرلماني قائمة بأعمال خدشت الحياء على مر العصور؟
قائمة
قائمة تبدأ بالأحاديث النبوية في صحيح البخاري، وتمتدّ إلى ابن عباس والسيوطي، وابن كثير، في الكتب المقدسة: العهدين القديم والجديد، وألف ليلة وليلة، وأبو نواس، والمتنبي، والمعري وحسان بن ثابت شاعر الرسول. هل يريد دليلا لخدش الحياء فى أعمال نجيب محفوظ نفسه؟ الثلاثية التي لم يقرأها النائب (انتهى محفوظ من كتابتها في إبريل 1952، وتعتبر تأريخا اجتماعيا وفنيا لما جرى في مصر بين ثورتين، تبدأ أحداثها عام 1917 وتنتهي 1947). يرصد محفوظ في ثلاثيته هذه ذاك الازدواج لدى الشخصية الرئيسية أحمد عبد الجواد المتدين الملتزم في منزله. تستقبله زوجته بالدعاء، وتساعده على نزع ملابسه وخدمته ووضع قدميه في الماء الساخن، وهي تسرد عليه أخبار الأولاد والبنات، وبينما يستمع متظاهرا بالتجهم؛ لكي لا يقلل من شخصيته المهيبة. وعندما يرغب الأولاد أمرا فإنهم لا يتحدثون إليه مباشرة، بل يخبرون الأم لتمهد له الأمر، ينزعج جدا عندما تخرج زوجته أمينة لزيارة «سيدنا الحسين»، ويتعجب عندما يدخل أحدهم منزله ليطلب يد ابنته للزواج متسائلا أين شاهد العريس ابنته؟ هل فتحت الشباك وظهرت للناس؟
وعندما يخرج من منزله، يتحول مع أصدقائه إلى عاشق «الهلس» والرقص، والشراب، يقضي الليل في العوامات مع العوالم، ويتحول هؤلاء إلى كورال فرقة فنية وعندما ينتهي الحفل يتقمص مرة أخرى دوره الجادّ المحافظ، قبل أن يتجه إلى منزله،
نجيب محفوظ فضح تلك الممارسات المزدوجة التي لم يتخل عنها المجتمع حتى الآن. فضح الساسة الذين كان شعارهم «البقاء للأوسخ بل للأكثر وساخة» مقدما نموذجا لشخصية محجوب عبد الدايم أو سرحان البحيري المتجدد دائما، فضح ممارسات المثقفين وانعزالهم في «ثرثرة فوق النيل».. وفضح.. وفضح.. أليس في ذلك خدش للحياء؟! وألا تذكرنا هذه الشخصيات الورقية، أو التي كان ينبغي أن تكون ورقية بنماذج في الواقع الآن؟
يخدش نجيب محفوظ الحياء.. ولكن لماذا يريد النائب البرلماني أن يعاقبه؟ ما الجريمة في هذا الفضح؟ هل اقترب نجيب محفوظ بشخصياته من الواقع لهذه الدرجة؟ هل لدى النائب أو غيره من المنوط بهم التشريع الأقرب لمزدوجي الشخصيات أو يشبهون محجوب عبد الدايم (لاسمح الله) شعارهم: البقاء للأوسخ!
تاريخ من المساخر
يبدو تاريخنا مجموعة من المساخر التاريخية المتكررة، التي لا تنتهي. في عام 1960، كان نجيب محفوظ بطلا أيضا لاستجواب برلماني شبيه ذلك، في أعقاب نشر رواية «أولاد حارتنا» بصحيفة «الأهرام»، إذ قاد وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي، وكان معروفا بميوله الصوفية، وأصبح بعد أن ترك منصبه عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، هجوما شديدا على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة جهاز الرقابة لنجيب محفوظ، لرجل «متهم في عقيدته الدينية». ونشر حسن عباس زكي في «الأهرام»، بعد يومين من نهاية نشر «أولاد حارتنا»، وتحديدا يوم 27 ديسمبر 1959 مقالا بعنوان «الفن الذى نريده».. وتلى هذا المقال عشرون مقالا آخر نشرت ما بين «الأهرام» و «الأخبار»، تناول فيها نظريته «الاشتراكية الإسلامية».. مؤكدا أن علة المجتمع المصري هي ضعف «المعاني الروحية». واقترح توظيف كل الامكانيات لتربية المواطنين تربية صالحة، بما فيها الفن: «من حقنا عليه (الفنان) أن يتجه بفنه إلى الأفكار التي رسمتها الدولة لحياتنا».. وأضاف: «أما الحرية فيجب ألا تكون أداة تجريب وتضليل أو تكون مبعثا لزيغ العقائد». «أولاد حارتنا» هي الرواية التي كادت أن تكلف محفوظ حياته 1994 عندما تعرض لمحاولة اغتيال على يد أحد اعضاء الجماعة الإسلامية.
وفي ما بعد، قبل شهور قليلة من «هزيمة يونيو»، وصل إلى عبد الناصر عدة تقارير من أعضاء في الاتحاد الاشتراكي ضد رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل». تقارير كتبها مثقفون وسياسيون يتهمون ا
لرواية بالخلاعة. الرواية أغضبت الجنرال عبد الحكيم عامر الذي وجد أبطالها في غيبوبة دائمة بسبب تدخين «الحشيش»، وظن أنها تمسّه شخصيا. بقية القصة معروفة، إذ هدد المشير بالقبض على محفوظ، ولكن عبد الناصر أخبره: «إحنا عندنا كام محفوظ يا حكيم»... خاف عبد الناصر من الفضيحة الدولية، وبيعت تقارير الاتحاد الاشتراكي في مكتبات الكتب المستعملة، لنكتشف أن التقارير السرّية، كان يخجل كاتبوها من إعلان ذلك، يستحون. لكنّ المخبرين السريين فى زمن عبد لناصر، كبروا وتخلوا عن الحياء، وصاروا أعضاء في البرلمان، وصار نجيب محفوظ يخدش حياءهم.
كم مرة شعرت بهذا الشُعور ،عندما جلست بِوسط مجموعة من البشَر ،تتحدَّث معهم وفي داخلك تردد هذه المقولة : "انا لا انتمي إلى هنا "
نجيب سرور.
نجيب سرور.
قصص إسبانو أمريكية.
(1)
هواجس أوليغاريو*
ماريو بنديتي (الأوروغواي)
(Mario Benedetti)
لم يكن أُوليغاريو بارعا، فقط، في التنبؤ والتكهّن بما سيحدث مستقبلا، بل كان دائم الاعتداد بقدراته الذهنية، أحيانا يبقى مستغرقا في التأمل للحظات، ثم يقول: “غدا سوف تمطر”، وتمطر. في أحايين أخرى يحكّ عنقه، ويعلن أن الرقم 57 هو من سيتصدر السباق يوم الثلاثاء، وفي ذلك اليوم يكون الرقم 57 هو المتصدّر. وهكذا إلى أن نال إعجابا منقطع النظير بين أصدقائه.
بعض هؤلاء الأصدقاء يتذكرون أشهر تخمينات أُوليغاريو. حدث أن كانوا يتمشّون أمام الجامعة، عندما علا نفير شاحنة رجال المطافئ مخترقا الأجواء الصباحية، فابتسم أُوليغاريو خُفية وقال: “من المحتمل أن منزلي يحترق في هذه الأثناء “.
طلبوا سيارة أجرة، وكلفوا السائق بتعقُّب رجال المطافئ، الذين سلكوا طريق الريفييرا، فتدخل أُوليغاريو مجدداً: “أنا الآن شبه متأكد أن منزلي يحترق”. لزم الأصدقاء صمتاً ينمّ عن الاحترام، ولم ينبسوا بشيء، فلطالما كانت قدراته محطّ إعجابهم وتقديرهم.
تابع رجال المطافئ طريقهم وسلكوا شارع برييرا، وقد بلغ القلق ذروته. وبعد أن داروا ناحية الشارع الذي يقطن فيه أُوليغاريو، بقي الأصدقاء حينها جامدين إزاء التوقع. فقد توقفت الشاحنة، أخيرا، أمام منزل أُوليغاريو المشتعل، وبدأ رجال المطافئ التحضير بسرعة للترتيبات اللازمة لإخماد الحريق. ومن حين لآخر، كانت بعض شظايا نوافذ الطابق العلوي تتناثر في الأجواء. بكل رصانة، نزل أُوليغاريو من السيارة، وعدل ربطة عنقه، وبتواضع المنتصر تقدم لاستقبال تهاني الأصدقاء !!!
ـــــــــــــــــــــــــــ
ماريو بنديتي: شاعر وروائي وناقد وأحد أهم الأصوات الأدبية في الأورغواي في النصف الثاني من القرن الماضي إلى جانب خوان كارلوس أُونتي. نال سنة 2001 جائزة خوصي مارتي الإبيروأميركية كاعتراف وتقدير بمنجزه الأدبي.
ولد في الرابع عشر من شهر كانون الأول من عام 1920، وتوفي سنة 2009 بالعاصمة مونتفيديو.
*عنوان القصة الأصلي: “رجال المطافئ” وللاطلاع عليه يرجى زيارة الرابط التالي:
ciudadseva.com
(2)
سلة المهملات:
لويس ماتيو ديث (اسبانيا)
Luis Mateo Díez
كنت قد رأيت، على أقلّ تقدير، سبعة أو ثمانية أشخاص، لا يوحي مظهر أحد منهم بأنه شحاذ، يُدخلون أياديهم في سلة مهملات كانت مثبتة إلى عمود إنارة قريب من موقف السيارات حيث أترك سيارتي كل صباح.
كان حدثا تافها، خلف عندي نوعا من البغض، لأنه من الصعب أن تطرد عنك صورة تلك العادة القبيحة والمؤلمة، خصوصا إذا فكرنا فيما يمكن أن تحويه سلّة مُهملات من مفاجآت قذرة.
كنت أعتبر وقوعي في ممارسة هذه الرذيلة أمرا غير معقول؛ لكن في تلك الصبيحة، وبعد جدال حاد نشب، ليلاً، بيني وبين زوجتي، بسببه لم يعرف النوم طريقه إلى عيني؛ أوقفت سيارتي كالمعتاد وبينما كنت أتقدم باتجاه مكتبي، جذبتني سلّة المهملات بشكل عجيب كمغناطيس؛ ودون أن أضع في حسباني إمكانية أن يلمحني أحدهم، أدخلت يدي داخلها، بنفس العزيمة الخرقاء التي رأيت من سبقوني يقومون بذلك.
إذا قلت بأن حياتي قد تغيرت بهذا الشكل، ربما أكون قد بالغت كثيرا، لأن الحياة شيء أسمى من المادة التي ترتكز عليها ومن الحلول التي نصطنعها لتحمل هذه الحياة.
الحياة، أولا وقبل كلّ شيء، في رأيي المتواضع، إحساس بكينونتنا أكثر مما هي تقييم لما نملك.
لكن علي أن اعترف بأن أشياء كثيرة في حياتي قد أخذت منحى آخر.
تحولت إلى مقاول مُوسر، انفصلت عن زوجتي وعقدت قراني على شابة حسناء، واشتريت ضيعة جميلة ويختا، كان بالنسبة لي دائما طموحا يستهويني، ثُم إنني لم أتوقف عند هذا الحد فقط، بل أجريت زراعة شعر في أحسن مصحّات سويسرا، قاطعا بذلك مع عقدة الصلع الرهيبة التي ورثها عن أيام الشباب.
كانت تذكرة اليانصيب التي كنت قد استخرجتها من سلسلة المهملات متسخة ومُنكمشة، كما لو أن أحد ما قد تقيئ عليها، لكنني عرفت كيف اضبط نفسي وأن أخفي تقززي في مقابل الثروة التي كانت تنتظرني خلال سحب أعياد الميلاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لويس ماتيو ديث : ولد سنة 1942 ببلدة بيابيلينو (ليون-اسبانيا) حيث عاش طفولته إلى سنة 1954 حيث انتقل رفقة عائلته إلى مدينة ليون.
درس الحقوق في جامعتي مدريد وأُفييدو، ساهم مابين سنة 1963 و 1968 في تحرير المجلة الشعرية وبها نشر أولى قصائده.
اختير سنة 2000 عضوا بالأكاديمية الملكية الإسبانية. نال العديد من الجوائز خلال مشواره الأدبي وهو عضو شبه دائم في معظم لجان تحكيم المسابقات الخاصة بالقصة والرواية.
(3)
الــــــيــــــــد
رامون غوميث دي لا سيرنا (اسبانيا)
Ramón Gómez de la Serna
اغتيل الدكتور ألِيخُو، لقد تم خنقه دون أدنى شك.
لم يدخل أحد إلى منزله، لا أحد على الإطلاق، بالرغم من أنّه كان ينام والشرفة مفتوحة، لعارض صحي، إلا أنّ الشقة حيث يقطن كانت في طابق عال جدّاً، مما يجعل دخول الجاني منه أمرا مستبعدا.
لم تجد الشرطة دليلا ل
(1)
هواجس أوليغاريو*
ماريو بنديتي (الأوروغواي)
(Mario Benedetti)
لم يكن أُوليغاريو بارعا، فقط، في التنبؤ والتكهّن بما سيحدث مستقبلا، بل كان دائم الاعتداد بقدراته الذهنية، أحيانا يبقى مستغرقا في التأمل للحظات، ثم يقول: “غدا سوف تمطر”، وتمطر. في أحايين أخرى يحكّ عنقه، ويعلن أن الرقم 57 هو من سيتصدر السباق يوم الثلاثاء، وفي ذلك اليوم يكون الرقم 57 هو المتصدّر. وهكذا إلى أن نال إعجابا منقطع النظير بين أصدقائه.
بعض هؤلاء الأصدقاء يتذكرون أشهر تخمينات أُوليغاريو. حدث أن كانوا يتمشّون أمام الجامعة، عندما علا نفير شاحنة رجال المطافئ مخترقا الأجواء الصباحية، فابتسم أُوليغاريو خُفية وقال: “من المحتمل أن منزلي يحترق في هذه الأثناء “.
طلبوا سيارة أجرة، وكلفوا السائق بتعقُّب رجال المطافئ، الذين سلكوا طريق الريفييرا، فتدخل أُوليغاريو مجدداً: “أنا الآن شبه متأكد أن منزلي يحترق”. لزم الأصدقاء صمتاً ينمّ عن الاحترام، ولم ينبسوا بشيء، فلطالما كانت قدراته محطّ إعجابهم وتقديرهم.
تابع رجال المطافئ طريقهم وسلكوا شارع برييرا، وقد بلغ القلق ذروته. وبعد أن داروا ناحية الشارع الذي يقطن فيه أُوليغاريو، بقي الأصدقاء حينها جامدين إزاء التوقع. فقد توقفت الشاحنة، أخيرا، أمام منزل أُوليغاريو المشتعل، وبدأ رجال المطافئ التحضير بسرعة للترتيبات اللازمة لإخماد الحريق. ومن حين لآخر، كانت بعض شظايا نوافذ الطابق العلوي تتناثر في الأجواء. بكل رصانة، نزل أُوليغاريو من السيارة، وعدل ربطة عنقه، وبتواضع المنتصر تقدم لاستقبال تهاني الأصدقاء !!!
ـــــــــــــــــــــــــــ
ماريو بنديتي: شاعر وروائي وناقد وأحد أهم الأصوات الأدبية في الأورغواي في النصف الثاني من القرن الماضي إلى جانب خوان كارلوس أُونتي. نال سنة 2001 جائزة خوصي مارتي الإبيروأميركية كاعتراف وتقدير بمنجزه الأدبي.
ولد في الرابع عشر من شهر كانون الأول من عام 1920، وتوفي سنة 2009 بالعاصمة مونتفيديو.
*عنوان القصة الأصلي: “رجال المطافئ” وللاطلاع عليه يرجى زيارة الرابط التالي:
ciudadseva.com
(2)
سلة المهملات:
لويس ماتيو ديث (اسبانيا)
Luis Mateo Díez
كنت قد رأيت، على أقلّ تقدير، سبعة أو ثمانية أشخاص، لا يوحي مظهر أحد منهم بأنه شحاذ، يُدخلون أياديهم في سلة مهملات كانت مثبتة إلى عمود إنارة قريب من موقف السيارات حيث أترك سيارتي كل صباح.
كان حدثا تافها، خلف عندي نوعا من البغض، لأنه من الصعب أن تطرد عنك صورة تلك العادة القبيحة والمؤلمة، خصوصا إذا فكرنا فيما يمكن أن تحويه سلّة مُهملات من مفاجآت قذرة.
كنت أعتبر وقوعي في ممارسة هذه الرذيلة أمرا غير معقول؛ لكن في تلك الصبيحة، وبعد جدال حاد نشب، ليلاً، بيني وبين زوجتي، بسببه لم يعرف النوم طريقه إلى عيني؛ أوقفت سيارتي كالمعتاد وبينما كنت أتقدم باتجاه مكتبي، جذبتني سلّة المهملات بشكل عجيب كمغناطيس؛ ودون أن أضع في حسباني إمكانية أن يلمحني أحدهم، أدخلت يدي داخلها، بنفس العزيمة الخرقاء التي رأيت من سبقوني يقومون بذلك.
إذا قلت بأن حياتي قد تغيرت بهذا الشكل، ربما أكون قد بالغت كثيرا، لأن الحياة شيء أسمى من المادة التي ترتكز عليها ومن الحلول التي نصطنعها لتحمل هذه الحياة.
الحياة، أولا وقبل كلّ شيء، في رأيي المتواضع، إحساس بكينونتنا أكثر مما هي تقييم لما نملك.
لكن علي أن اعترف بأن أشياء كثيرة في حياتي قد أخذت منحى آخر.
تحولت إلى مقاول مُوسر، انفصلت عن زوجتي وعقدت قراني على شابة حسناء، واشتريت ضيعة جميلة ويختا، كان بالنسبة لي دائما طموحا يستهويني، ثُم إنني لم أتوقف عند هذا الحد فقط، بل أجريت زراعة شعر في أحسن مصحّات سويسرا، قاطعا بذلك مع عقدة الصلع الرهيبة التي ورثها عن أيام الشباب.
كانت تذكرة اليانصيب التي كنت قد استخرجتها من سلسلة المهملات متسخة ومُنكمشة، كما لو أن أحد ما قد تقيئ عليها، لكنني عرفت كيف اضبط نفسي وأن أخفي تقززي في مقابل الثروة التي كانت تنتظرني خلال سحب أعياد الميلاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لويس ماتيو ديث : ولد سنة 1942 ببلدة بيابيلينو (ليون-اسبانيا) حيث عاش طفولته إلى سنة 1954 حيث انتقل رفقة عائلته إلى مدينة ليون.
درس الحقوق في جامعتي مدريد وأُفييدو، ساهم مابين سنة 1963 و 1968 في تحرير المجلة الشعرية وبها نشر أولى قصائده.
اختير سنة 2000 عضوا بالأكاديمية الملكية الإسبانية. نال العديد من الجوائز خلال مشواره الأدبي وهو عضو شبه دائم في معظم لجان تحكيم المسابقات الخاصة بالقصة والرواية.
(3)
الــــــيــــــــد
رامون غوميث دي لا سيرنا (اسبانيا)
Ramón Gómez de la Serna
اغتيل الدكتور ألِيخُو، لقد تم خنقه دون أدنى شك.
لم يدخل أحد إلى منزله، لا أحد على الإطلاق، بالرغم من أنّه كان ينام والشرفة مفتوحة، لعارض صحي، إلا أنّ الشقة حيث يقطن كانت في طابق عال جدّاً، مما يجعل دخول الجاني منه أمرا مستبعدا.
لم تجد الشرطة دليلا ل
فكّ لغز الجريمة. وكانت على وشك إغلاق ملفّ القضية؛ لولا قدوم زوج القتيل وخادمتها إلى قسم الشرطة مرعوبتين.
يد وحيدة تنبض بالحياة كعنكبوت، نطّت من أعلى الدولاب، ثم سقطت على المائدة؛ نظرت إليهما ملياًّ، وبعدها فرّت عبر الغرفة. فأقفلتا عليها الباب بالمفتاح وتركتاها حبيسة.
توجّه أفراد من رجال الشرطة، بمعيّة قاضي التحقيق، بقلوب مِلؤُها الرعب، فهذا واجبهم في نهاية الأمر. كلّفهم أمر توقيف اليد بذل جهد كبير، لكن المهمة كُلِّلت بالنجاح وتم اصطيادها والقبض عليها من أحد أصابعها. كانت قوية جدّاً كما لو كانت تختزن قوة رجل كامل.
ماذا سيفعلون بها؟ ما الجديد الذي ستضيفه إلى القضية؟ كيف سيتّهمونها؟ ولمن هي في الأصل؟
بعد وقفة طويلة، خطرت للقاضي فكرة إعطائها ورقة وقلماً لتعترف كتابياً، حينئذ كتبت اليد:
“أنا يدُ راميرو رويث، الذي اغتاله الدكتور، بدناءة في المستشفى، بعدما قطع أطرافه ونكّل به نكالاً شديداً في قاعة التشريح. لقد حققت العدالة”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رامون غوميث دي لا سيرنا (ولد في مدريد 1888- وتوفي في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس 1963).
(4)
خطأ صائب جدّا
قصة: ليون فبريس كورديرو (فنزويلا)
León Febres Cordero
– من حان موعد ضرب رقبته هذا اليوم؟ سأل الملك بقلق
– الدور عليكم يا مولاي. أجاب الوزير بحرص
– ومن أعطى أمرا كهذا؟
– أنتم يا سيدي. وأوامر جلالتكم هي بمثابة قوانين في هذه المملكة.
– وفي أيّة ساعة تقرر تنفيذ الحكم؟
– على الساعة الثانية عشرة زولاً، وآخر دقيقة توشك على الانتهاء الآن.
– هل أستطيع أن أُلقي خطابا من بضع كلمات قبل أن أموت؟
– لا يا مولاي.
– ومن سلبني هذا الامتياز؟
– إنها أوامر جلالتكم، تجنبّا لإصدار ظهير جديد ينقُض سابقه.
– أليس ذاك هو الجلاد وتلك منصة الإعدام؟
– بلى يا مولاي.
– إذن فسأصمت إلى الأبد؟
– وسيشكر لكم شعبكم هذا الجميل إلى الأبد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليون فبريس كورديرو :
هو قاص وكاتب مسرحي فنزويلي. ولد سنة 1954 بمدينة كراكاس. أمضى جزء من حياته في الخارج متنقلا بين دول أوربية كإيطاليا، اسبانيا والمملكة المتحدة (حيث أنجز أطروحته الجامعية عن مأساة شكسبير).
له خمس مسرحيات تم تجميعها في كتاب واحد وصدرت عام 2002 عن دار النشر أرتي ليترا، بالإضافة إلى مجموعة قصصية وحيدة بعنوان “نصوص عطشى وقصص أخرى” رأت النور سنة 2012 عن دار النشر فيربوم بمدريد.
يد وحيدة تنبض بالحياة كعنكبوت، نطّت من أعلى الدولاب، ثم سقطت على المائدة؛ نظرت إليهما ملياًّ، وبعدها فرّت عبر الغرفة. فأقفلتا عليها الباب بالمفتاح وتركتاها حبيسة.
توجّه أفراد من رجال الشرطة، بمعيّة قاضي التحقيق، بقلوب مِلؤُها الرعب، فهذا واجبهم في نهاية الأمر. كلّفهم أمر توقيف اليد بذل جهد كبير، لكن المهمة كُلِّلت بالنجاح وتم اصطيادها والقبض عليها من أحد أصابعها. كانت قوية جدّاً كما لو كانت تختزن قوة رجل كامل.
ماذا سيفعلون بها؟ ما الجديد الذي ستضيفه إلى القضية؟ كيف سيتّهمونها؟ ولمن هي في الأصل؟
بعد وقفة طويلة، خطرت للقاضي فكرة إعطائها ورقة وقلماً لتعترف كتابياً، حينئذ كتبت اليد:
“أنا يدُ راميرو رويث، الذي اغتاله الدكتور، بدناءة في المستشفى، بعدما قطع أطرافه ونكّل به نكالاً شديداً في قاعة التشريح. لقد حققت العدالة”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رامون غوميث دي لا سيرنا (ولد في مدريد 1888- وتوفي في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس 1963).
(4)
خطأ صائب جدّا
قصة: ليون فبريس كورديرو (فنزويلا)
León Febres Cordero
– من حان موعد ضرب رقبته هذا اليوم؟ سأل الملك بقلق
– الدور عليكم يا مولاي. أجاب الوزير بحرص
– ومن أعطى أمرا كهذا؟
– أنتم يا سيدي. وأوامر جلالتكم هي بمثابة قوانين في هذه المملكة.
– وفي أيّة ساعة تقرر تنفيذ الحكم؟
– على الساعة الثانية عشرة زولاً، وآخر دقيقة توشك على الانتهاء الآن.
– هل أستطيع أن أُلقي خطابا من بضع كلمات قبل أن أموت؟
– لا يا مولاي.
– ومن سلبني هذا الامتياز؟
– إنها أوامر جلالتكم، تجنبّا لإصدار ظهير جديد ينقُض سابقه.
– أليس ذاك هو الجلاد وتلك منصة الإعدام؟
– بلى يا مولاي.
– إذن فسأصمت إلى الأبد؟
– وسيشكر لكم شعبكم هذا الجميل إلى الأبد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليون فبريس كورديرو :
هو قاص وكاتب مسرحي فنزويلي. ولد سنة 1954 بمدينة كراكاس. أمضى جزء من حياته في الخارج متنقلا بين دول أوربية كإيطاليا، اسبانيا والمملكة المتحدة (حيث أنجز أطروحته الجامعية عن مأساة شكسبير).
له خمس مسرحيات تم تجميعها في كتاب واحد وصدرت عام 2002 عن دار النشر أرتي ليترا، بالإضافة إلى مجموعة قصصية وحيدة بعنوان “نصوص عطشى وقصص أخرى” رأت النور سنة 2012 عن دار النشر فيربوم بمدريد.
انجيل الأدب... كل شيء على ما يرام
مجلة عالم الكتب، عدد نوفمبر 2016
نعرف جميعا أن الأدب ليس انعكاسا للواقع، إنما انعكاسا مباشرا لنفسه، ولا يعبر سوى عن حالته الخاصة التي يصنعها المبدع بين ضفتي عمله، وليس من وظيفة الأدب أن يقدم أي نوع من الاجابات، إنما ربما يطرح تساؤلاتـ ويظل يعيد طرحها حتى تجد طريقا ما. وقد ظلت سفيتلانا أليكسييفيتش، التي يصفونها من قبيل السخرية بالصحفية التي تكتب تقاريرا صحفية وتعد وثائقا تاريخية، سنوات طوال تبحث عن أنسب شكل يوافق ما يشغلها من أفكار. وقفت عاجزة أمام الأشكال الفنية التقليدية التي لم تساعدها في الوصول لنص يحمل ما بها من هموم وتأملات. الواقع أشد قسوة وهوسا من قدرة الأدب على احتوائه، لذا نظرت سفيتلانا للواقع بصورة مغايرة، فصنعت منه قالبا للأدب، ربما أكثر قدرة ومرونة على احتمال هوسه وجنونه. انطلقت سفيتلانا من هذه النقطة نحو آداء صلاتها بطقوس مختلفة، طقوس تشبه ذاتها، ليست خيالية بالدرجة الأولى، إنما واقعية حد الجنون، وفنية حد التحليق في سماوات ابداعية جديدة، جعلت من الواقع ذاته قالبا فنيا يستوعب نفسه بكل ما فيها من هوس ووحشية وجنون. ومن خلال الطقوس التي يقوم بها المصلون، وردت أسئلة عديدة على لسان البشر العاديين، أسئلة لها علاقة بالحضارة، التقدم، المعرفة، العلم، الحب، الموت، العذاب، البطولة، لكن ظل الكذب في بؤرة الحكايات والخط العرضي الذي قطعها جميعا ليكون بمثابة الإطار التشكيلي للصورة بأكملها. صار المفاعل وحشا كاسرا صنعه الإنسان وأطلقه دون أن يعرف كيف يوقفه، وحش جسد كل مآسي البشر جميعا ورحلتهم على الأرض، ليصبح كتاب "صلاة تشرنوبل" حاصل جمع كل الأفكار والهواجس التي شغلت الأدباء العظام على مدار التاريخ. ولا أبالغ إذا قلت أن "صلاة تشرنوبل" هو انجيل الأدب الجديد.
أحمد صلاح الدين
مجلة عالم الكتب، عدد نوفمبر 2016
نعرف جميعا أن الأدب ليس انعكاسا للواقع، إنما انعكاسا مباشرا لنفسه، ولا يعبر سوى عن حالته الخاصة التي يصنعها المبدع بين ضفتي عمله، وليس من وظيفة الأدب أن يقدم أي نوع من الاجابات، إنما ربما يطرح تساؤلاتـ ويظل يعيد طرحها حتى تجد طريقا ما. وقد ظلت سفيتلانا أليكسييفيتش، التي يصفونها من قبيل السخرية بالصحفية التي تكتب تقاريرا صحفية وتعد وثائقا تاريخية، سنوات طوال تبحث عن أنسب شكل يوافق ما يشغلها من أفكار. وقفت عاجزة أمام الأشكال الفنية التقليدية التي لم تساعدها في الوصول لنص يحمل ما بها من هموم وتأملات. الواقع أشد قسوة وهوسا من قدرة الأدب على احتوائه، لذا نظرت سفيتلانا للواقع بصورة مغايرة، فصنعت منه قالبا للأدب، ربما أكثر قدرة ومرونة على احتمال هوسه وجنونه. انطلقت سفيتلانا من هذه النقطة نحو آداء صلاتها بطقوس مختلفة، طقوس تشبه ذاتها، ليست خيالية بالدرجة الأولى، إنما واقعية حد الجنون، وفنية حد التحليق في سماوات ابداعية جديدة، جعلت من الواقع ذاته قالبا فنيا يستوعب نفسه بكل ما فيها من هوس ووحشية وجنون. ومن خلال الطقوس التي يقوم بها المصلون، وردت أسئلة عديدة على لسان البشر العاديين، أسئلة لها علاقة بالحضارة، التقدم، المعرفة، العلم، الحب، الموت، العذاب، البطولة، لكن ظل الكذب في بؤرة الحكايات والخط العرضي الذي قطعها جميعا ليكون بمثابة الإطار التشكيلي للصورة بأكملها. صار المفاعل وحشا كاسرا صنعه الإنسان وأطلقه دون أن يعرف كيف يوقفه، وحش جسد كل مآسي البشر جميعا ورحلتهم على الأرض، ليصبح كتاب "صلاة تشرنوبل" حاصل جمع كل الأفكار والهواجس التي شغلت الأدباء العظام على مدار التاريخ. ولا أبالغ إذا قلت أن "صلاة تشرنوبل" هو انجيل الأدب الجديد.
أحمد صلاح الدين
" العمل كحفار القبور يعني أن ترى مستقبلك ، أيضا ، ثمة شيء مريب في عمل لا تميز فيه بين الوقت الإضافي و بين ارتكاب جريمة ، لكن ، أن تحفر في الثالثة صباحا _ لابد و أن يكون هناك أمر غير عادي يحدث .. "
أورشليم | جونسالو إم . تافاريس
ت . أحمد صلاح الدين Ahmed Salah Eldein
أورشليم | جونسالو إم . تافاريس
ت . أحمد صلاح الدين Ahmed Salah Eldein
صلاة على أرواح التشرنوبليين.
حين وقعت كارثة فوكوشيما اليابانية نتيجة لتداعيات زلزال تسونامي الهائل الذي هزّ الجرز اليابانية عن بكرة أبيها، في اليوم نفسه، ما قبل الشعور بوقوع كارثة المفاعل، صدر أمر بإخلاء أولي 3 كم من محيط المفاعل وشمل ذلك 5800 مواطن يعيشون ضمن هذا النطاق، كما نصح السكان الذين يعيشون في ضمن نطاق 10 كم من المصنع أن يبقوا في منازلهم، وفي وقت لاحق شمل أمر الإخلاء جميع السكان ضمن نطاق الـــ 10 كم .
لكن بالعودة إلى الوراء، تحديدا في السادس والعشرين من إبريل عام 1986م تصاعد حريق هائل اندفع على هيئة قذيفة إلى آماد السماء تسّرب منها غيمة إشعاعية أودت بحياة أكثر من 90 ألف إنسان في تلك البلاد، وخلّفت عاهات لكل من بقي منهم على قيد الحياة، تلك الإشعاعات التي قتلت الأجنّة وشوهّتها أودت بحياة الكائنات الحيّة أيضا الحيوانات والطيور والنباتات، المحاصيل الزراعية والتربة التي كانت مصدر حياة وليست قوتا لأولئك الفلاحين البسطاء فحسب، الذين كانوا بالقرب من منطقة مفاعل تشرنوبل والذين لم يعرفوا ما الذي يجري بينما غيمة إشعاعية فتاكة، مدمرة، تحمل بليارات الأوبئة الضارة بالقرب من مدينة بيربات – شمال أوكرانيا حاليا – قبعت بكامل جبروتها سماءهم؛ لأن السلطة تحت قيادة جورباتشوف في ذلك الوقت تكتمت على الحدث الرهيب لأسباب سياسية بحتة على حساب حيوات البشر، على حساب كائنات حيّة، على حساب جيل بأكمله وأجيال ممتدة ..!
استطاعت الروائية الصحفية البيلاروسية «سفيتلانا ألكسيفيتش» في روايتها «صلاة تشرنوبل»، ترجمة ثائر زين الدين وفريد حاتم الشحف، 2015م، عبر سنوات مديدة في البحث والتنقيب منذ اندلاع حريق تشرنوبل الإشعاعي على استقصاء الحقيقة، لا الحقيقة فحسب بل إعادة كتابتها، لا من كتب التاريخ ولا من على منصّات السياسة بل من وجوه الناس وكلماتهم ومشاعرهم، من الذين كانوا في الكارثة وداخل المنطقة المشعّة، من الذين قضوا يومين وهم يتنفسون الإشعاعات السامة، ويأكلون من محاصيل الأرض المشعّة، ويشربون من أنهار الملطخّة ببقع خضراء، دون أن يفكروا ولو لوهلة أن ثمة شيئا خطيرا قد وقع لبلادهم، للبقعة التي تحيط بهم، وحدها غياب العصافير والطيور أدهشهم وهم في فصل الربيع، لأنهم كانوا يؤمنون بالسلطة، يؤمنون بأن نظامهم السياسي متين، لقد كان إيمانهم أقوى من أن ينهار بسهولة، لذا الكثير منهم حتى اللحظة الأخيرة دخلوا في حالة من التيه لا الخوف، التيه تبدّى بصورة أكثر وضوحا حين أُمروا بعد عدة أيام من انفجار مفاعل تشرنوبل على مغادرة قراهم، وترك كل شيء، كل ما يخصهم ما بعد 26 من إبريل، حتى ملابسهم كان عليهم التخلص منها على الرغم من أن رئاتهم كانت قد تشبعت من هواء المفاعل قبلها بأيام معدودة، فقد كانوا خارج الصورة وخارج الحسابات ومصالح الساسة، صورة الوقائع الحقيقية لكارثة تاريخية، كارثة غابت عن هؤلاء الفلاحين البسطاء، ولم يعبأوا بها حتى حين عرفوا أنهم أصبحوا تشرنوبليين، أي مشعيّن، كان إيمانهم أقوى من أن يتداعى بأرضهم، حتى وهي ملوثة كما يقول العلماء، كما أثبت العلم، كثيرون منهم اختاروا الإشعاع على الرحيل وترك جلّ ما يخصّ ماضيهم وراءهم.
«صلاة تشرنوبل» ما يميزها كرواية وهي أقرب لوثيقة تاريخية هي الصرخة الجماعية، الصرخة المهولة لضحاياها، لم يدرك هؤلاء الذين استرسلوا وأدلوا بأصواتهم في ترتيل جماعي أنهم فريسة في قبضة كارثة مهولة، فالسلطة سعت بكل جبروتها وما تملك من مصادر وأساليب لكتم الحقيقة وتعتيم الوضع الكارثي بحجة أنهم معادون من قبل دول أخرى، وحتى حين أعلنوا بعد فوات الأوان حالة الطوارئ أوحوا للشعب بأنها مؤامرة خارجية، السلطة نفسها التي كانت همّها مصلحتها الكبرى لم تكلّف نفسها توفير الأقنعة والملابس للعاملين- مطهرو المفاعل- كما أطلق عليهم حين أُمروا بالتوجه إلى تلك المفاعل لتبريدها، العاملون الشباب المتطوعون لتطهير آثار تدمير مفاعل نووي دون أن يبالوا بيفاعتهم ولا بمخاطر وجودهم هناك، فكل من بقي بالقرب من المنطقة الإشعاعية، منطقة الموت كما سمي بعد ذلك تاريخيًّا، عملوا على كشط التربة كما توثق شهادة أحد العاملين على درء آثار الكارثة في ذلك الوقت: «كنا نرفع الأرض ونلفّها لفافات كبيرة، مثل سجادة، طبقة خضراء مع العشب، والجذور، والعناكب والديدان، عمل للمجانين، كان يجب كشط الأرض، وأخذ كل ما هو حيّ منها «دون توفير أدنى حماية لهم، العاملون، الأبطال، خدعوهم بشهادات تقديرية، ماتوا حتى قبل أن يحتفلوا بحصولهم عليها، لقد تقشّرت جلودهم، ونزفت كل بقعة من أجسادهم، تلوّثت رئاتهم وأعضاؤهم الحيوية تبلدت، كل ذلك وأبشع، ناهيك عن نفسيات زوجاتهم اللواتي اخترن البقاء بالقرب من أزواجهم حتى لو كانوا مشعًّين، حتى لو كانت اشعاعاتهم تهدد خطرا عليهم، لقد أدى الجميع واجبه، أدّوا ما آمنوا به، الكبار، الصغار، المسنون والمسنات، الأزواج والزوجات، الأطفال أيضا، وأصبحوا يُعرفون في التاريخ بتشرنوبليين، وحدهم أدركوا أن حياتهم ا
حين وقعت كارثة فوكوشيما اليابانية نتيجة لتداعيات زلزال تسونامي الهائل الذي هزّ الجرز اليابانية عن بكرة أبيها، في اليوم نفسه، ما قبل الشعور بوقوع كارثة المفاعل، صدر أمر بإخلاء أولي 3 كم من محيط المفاعل وشمل ذلك 5800 مواطن يعيشون ضمن هذا النطاق، كما نصح السكان الذين يعيشون في ضمن نطاق 10 كم من المصنع أن يبقوا في منازلهم، وفي وقت لاحق شمل أمر الإخلاء جميع السكان ضمن نطاق الـــ 10 كم .
لكن بالعودة إلى الوراء، تحديدا في السادس والعشرين من إبريل عام 1986م تصاعد حريق هائل اندفع على هيئة قذيفة إلى آماد السماء تسّرب منها غيمة إشعاعية أودت بحياة أكثر من 90 ألف إنسان في تلك البلاد، وخلّفت عاهات لكل من بقي منهم على قيد الحياة، تلك الإشعاعات التي قتلت الأجنّة وشوهّتها أودت بحياة الكائنات الحيّة أيضا الحيوانات والطيور والنباتات، المحاصيل الزراعية والتربة التي كانت مصدر حياة وليست قوتا لأولئك الفلاحين البسطاء فحسب، الذين كانوا بالقرب من منطقة مفاعل تشرنوبل والذين لم يعرفوا ما الذي يجري بينما غيمة إشعاعية فتاكة، مدمرة، تحمل بليارات الأوبئة الضارة بالقرب من مدينة بيربات – شمال أوكرانيا حاليا – قبعت بكامل جبروتها سماءهم؛ لأن السلطة تحت قيادة جورباتشوف في ذلك الوقت تكتمت على الحدث الرهيب لأسباب سياسية بحتة على حساب حيوات البشر، على حساب كائنات حيّة، على حساب جيل بأكمله وأجيال ممتدة ..!
استطاعت الروائية الصحفية البيلاروسية «سفيتلانا ألكسيفيتش» في روايتها «صلاة تشرنوبل»، ترجمة ثائر زين الدين وفريد حاتم الشحف، 2015م، عبر سنوات مديدة في البحث والتنقيب منذ اندلاع حريق تشرنوبل الإشعاعي على استقصاء الحقيقة، لا الحقيقة فحسب بل إعادة كتابتها، لا من كتب التاريخ ولا من على منصّات السياسة بل من وجوه الناس وكلماتهم ومشاعرهم، من الذين كانوا في الكارثة وداخل المنطقة المشعّة، من الذين قضوا يومين وهم يتنفسون الإشعاعات السامة، ويأكلون من محاصيل الأرض المشعّة، ويشربون من أنهار الملطخّة ببقع خضراء، دون أن يفكروا ولو لوهلة أن ثمة شيئا خطيرا قد وقع لبلادهم، للبقعة التي تحيط بهم، وحدها غياب العصافير والطيور أدهشهم وهم في فصل الربيع، لأنهم كانوا يؤمنون بالسلطة، يؤمنون بأن نظامهم السياسي متين، لقد كان إيمانهم أقوى من أن ينهار بسهولة، لذا الكثير منهم حتى اللحظة الأخيرة دخلوا في حالة من التيه لا الخوف، التيه تبدّى بصورة أكثر وضوحا حين أُمروا بعد عدة أيام من انفجار مفاعل تشرنوبل على مغادرة قراهم، وترك كل شيء، كل ما يخصهم ما بعد 26 من إبريل، حتى ملابسهم كان عليهم التخلص منها على الرغم من أن رئاتهم كانت قد تشبعت من هواء المفاعل قبلها بأيام معدودة، فقد كانوا خارج الصورة وخارج الحسابات ومصالح الساسة، صورة الوقائع الحقيقية لكارثة تاريخية، كارثة غابت عن هؤلاء الفلاحين البسطاء، ولم يعبأوا بها حتى حين عرفوا أنهم أصبحوا تشرنوبليين، أي مشعيّن، كان إيمانهم أقوى من أن يتداعى بأرضهم، حتى وهي ملوثة كما يقول العلماء، كما أثبت العلم، كثيرون منهم اختاروا الإشعاع على الرحيل وترك جلّ ما يخصّ ماضيهم وراءهم.
«صلاة تشرنوبل» ما يميزها كرواية وهي أقرب لوثيقة تاريخية هي الصرخة الجماعية، الصرخة المهولة لضحاياها، لم يدرك هؤلاء الذين استرسلوا وأدلوا بأصواتهم في ترتيل جماعي أنهم فريسة في قبضة كارثة مهولة، فالسلطة سعت بكل جبروتها وما تملك من مصادر وأساليب لكتم الحقيقة وتعتيم الوضع الكارثي بحجة أنهم معادون من قبل دول أخرى، وحتى حين أعلنوا بعد فوات الأوان حالة الطوارئ أوحوا للشعب بأنها مؤامرة خارجية، السلطة نفسها التي كانت همّها مصلحتها الكبرى لم تكلّف نفسها توفير الأقنعة والملابس للعاملين- مطهرو المفاعل- كما أطلق عليهم حين أُمروا بالتوجه إلى تلك المفاعل لتبريدها، العاملون الشباب المتطوعون لتطهير آثار تدمير مفاعل نووي دون أن يبالوا بيفاعتهم ولا بمخاطر وجودهم هناك، فكل من بقي بالقرب من المنطقة الإشعاعية، منطقة الموت كما سمي بعد ذلك تاريخيًّا، عملوا على كشط التربة كما توثق شهادة أحد العاملين على درء آثار الكارثة في ذلك الوقت: «كنا نرفع الأرض ونلفّها لفافات كبيرة، مثل سجادة، طبقة خضراء مع العشب، والجذور، والعناكب والديدان، عمل للمجانين، كان يجب كشط الأرض، وأخذ كل ما هو حيّ منها «دون توفير أدنى حماية لهم، العاملون، الأبطال، خدعوهم بشهادات تقديرية، ماتوا حتى قبل أن يحتفلوا بحصولهم عليها، لقد تقشّرت جلودهم، ونزفت كل بقعة من أجسادهم، تلوّثت رئاتهم وأعضاؤهم الحيوية تبلدت، كل ذلك وأبشع، ناهيك عن نفسيات زوجاتهم اللواتي اخترن البقاء بالقرب من أزواجهم حتى لو كانوا مشعًّين، حتى لو كانت اشعاعاتهم تهدد خطرا عليهم، لقد أدى الجميع واجبه، أدّوا ما آمنوا به، الكبار، الصغار، المسنون والمسنات، الأزواج والزوجات، الأطفال أيضا، وأصبحوا يُعرفون في التاريخ بتشرنوبليين، وحدهم أدركوا أن حياتهم ا
نشطرت إلى ما قبل تشرنوبل وما بعد تشرنوبل، أما الذين نزحوا إلى قرى ومدن أكثر أمانا طوردوا بلعنة الإشعاع، بلعنة تشرنوبل، صاروا يهابونهم، صاروا نذيرا يفتك بسلامة الآخرين، صاروا مشعّين، ودفع الصغار منهم الثمن الباهظ لا بتشويه أجسادهم فحسب بل التشويه الحقيقي، الصادم الذي علق بأرواحهم من قبل مجتمعهم، وفارق كثير منهم حياتهم بأمراض غامضة، ومن بقي على قيد الحياة، صار منبوذا..!
لقد سُئل كثير من العمال، الذين سعوا متطوعين لدرء آثار الاشعاع وهم على فراش المرض الناجم عن هذه الاشعاعات: هل هم نادمون..؟ وكان جواب كثير منهم بأنهم ليسوا كذلك، بأنهم أدّوا واجبهم كمواطنين صالحين، كأبطال سيذكّرهم التاريخ.
وبالعودة للوقوف على منصّات التاريخ، سنجد الأمر نفسه عند معظم الصينيين الذين خضعوا للتطهير الثقافي في عهد الزعيم الشيوعي «ماو»، كثير منهم أولئك الذين وثقّوا حكاياتهم في سير ذاتية وفي روايات وقصص سئلوا عن شعورهم بالندم وكان جوابهم نافيا أيضا، على الرغم من أنهم دفعوا أثمانا باهظة إلا أن الشعور بالندم حتى بعد انكشاف زيف الحقيقة كان خافيا عن مشاعرهم، لأنهم كانوا خاضعين تماما، للسلطة بكامل جمالها وبشاعتها، لقد آمنوا بها وهذا الإيمان كان كفيلا بإسقاط مشاعر الندم والقهر والخذلان أيضا، إنه إنكار الذات الذي جعلهم يتقبّلون الواقع بعاهاته، كقدر، كحادثة وقعت وانتهت .. لكن لعل الكثيرين منهم بعد مرور ردح من الزمن، حين ظهرت عليهم آثار جريمة الإشعاع، الذي قاوموه بلا أدوات حماية، حلموا بأمر واحد كما جاء على لسان أحد العاملين المتطهرين وهو على فراش المرض ينتظر كأي تشرنوبلي لحظة موته: «اسألني بماذا أحلم ..؟ .. «بماذا» .. «بموت طبيعي».
رواية «صلاة تشرنوبل» هو انتصار للحقيقة ولأدب الواقع، هي شهادات في وجه تاريخ لا يكتبه سوى المنتصرين كما كشف لنا زيف التاريخ نفسه، لكن سفيتلانا بعملها الروائي لم تنبش في التاريخ بل في ذاكرة الضحايا، في قلوب الثكالى، في أرواح المهزومين الحقيقيين الذين خسروا كل شيء عدا ذاكرة متقيّحة، أرادت أن تنقل الحقيقة هذه المرة من أفواه الضحايا الذين شهدوا حقا لا من تحدثوا عنها واخترعوا لها مؤامرات ومبررات عبر شاشات الخوف والهلع والطمس والتدليس والتشويه، الرواية التي تقودك إلى الحقيقة حين تكون أكثر صدقا من التاريخ الذي يتعرض للبتر لغايات شتى، سياسية، دينية، اجتماعية، إلى لا آخره . الرواية التي لا توّثق سوى الإنسانية المحضة، المشاعر، الأحاسيس والكلمات، تسعى لكتابة الحقيقة بأكثر من صوت، صوت الضمير، صوت المعاناة المتفاقمة، وصوت من درأوا الكارثة وشهدوها بكامل حواسهم، صوت من شوّتهم الكارثة وصوت من غيّبوا عن حجم مأساتها، صوت العامل، الإطفائي، الفلاح، ربة المنزل، المعلم، المحامي، الناشط، الحقوقي، مديرو معاهد الطاقة، علماء الفيزياء، الأطفال والرجال والنساء، ولو كان للحيوانات والنباتات صوت لهتكت بالسلطة التي تسببت في قتل الحياة فيهم ..
الرواية التي تضعنا أمام حقيقة صاعقة أن في الكوارث الكبرى لا تعني السلطات سوى نفسها وليغرق الشعب في الجحيم ..!
*ويكيبيديا
لقد سُئل كثير من العمال، الذين سعوا متطوعين لدرء آثار الاشعاع وهم على فراش المرض الناجم عن هذه الاشعاعات: هل هم نادمون..؟ وكان جواب كثير منهم بأنهم ليسوا كذلك، بأنهم أدّوا واجبهم كمواطنين صالحين، كأبطال سيذكّرهم التاريخ.
وبالعودة للوقوف على منصّات التاريخ، سنجد الأمر نفسه عند معظم الصينيين الذين خضعوا للتطهير الثقافي في عهد الزعيم الشيوعي «ماو»، كثير منهم أولئك الذين وثقّوا حكاياتهم في سير ذاتية وفي روايات وقصص سئلوا عن شعورهم بالندم وكان جوابهم نافيا أيضا، على الرغم من أنهم دفعوا أثمانا باهظة إلا أن الشعور بالندم حتى بعد انكشاف زيف الحقيقة كان خافيا عن مشاعرهم، لأنهم كانوا خاضعين تماما، للسلطة بكامل جمالها وبشاعتها، لقد آمنوا بها وهذا الإيمان كان كفيلا بإسقاط مشاعر الندم والقهر والخذلان أيضا، إنه إنكار الذات الذي جعلهم يتقبّلون الواقع بعاهاته، كقدر، كحادثة وقعت وانتهت .. لكن لعل الكثيرين منهم بعد مرور ردح من الزمن، حين ظهرت عليهم آثار جريمة الإشعاع، الذي قاوموه بلا أدوات حماية، حلموا بأمر واحد كما جاء على لسان أحد العاملين المتطهرين وهو على فراش المرض ينتظر كأي تشرنوبلي لحظة موته: «اسألني بماذا أحلم ..؟ .. «بماذا» .. «بموت طبيعي».
رواية «صلاة تشرنوبل» هو انتصار للحقيقة ولأدب الواقع، هي شهادات في وجه تاريخ لا يكتبه سوى المنتصرين كما كشف لنا زيف التاريخ نفسه، لكن سفيتلانا بعملها الروائي لم تنبش في التاريخ بل في ذاكرة الضحايا، في قلوب الثكالى، في أرواح المهزومين الحقيقيين الذين خسروا كل شيء عدا ذاكرة متقيّحة، أرادت أن تنقل الحقيقة هذه المرة من أفواه الضحايا الذين شهدوا حقا لا من تحدثوا عنها واخترعوا لها مؤامرات ومبررات عبر شاشات الخوف والهلع والطمس والتدليس والتشويه، الرواية التي تقودك إلى الحقيقة حين تكون أكثر صدقا من التاريخ الذي يتعرض للبتر لغايات شتى، سياسية، دينية، اجتماعية، إلى لا آخره . الرواية التي لا توّثق سوى الإنسانية المحضة، المشاعر، الأحاسيس والكلمات، تسعى لكتابة الحقيقة بأكثر من صوت، صوت الضمير، صوت المعاناة المتفاقمة، وصوت من درأوا الكارثة وشهدوها بكامل حواسهم، صوت من شوّتهم الكارثة وصوت من غيّبوا عن حجم مأساتها، صوت العامل، الإطفائي، الفلاح، ربة المنزل، المعلم، المحامي، الناشط، الحقوقي، مديرو معاهد الطاقة، علماء الفيزياء، الأطفال والرجال والنساء، ولو كان للحيوانات والنباتات صوت لهتكت بالسلطة التي تسببت في قتل الحياة فيهم ..
الرواية التي تضعنا أمام حقيقة صاعقة أن في الكوارث الكبرى لا تعني السلطات سوى نفسها وليغرق الشعب في الجحيم ..!
*ويكيبيديا
وصف الروائي البرتغالي جونسالو إم. تافاريس لشخصية " هينريك " في رواية أورشليم بديع ، لقد نحت تفاصيل حياته بمنتهى المهارة.
هذا الوصف في صفحة 59 و 60 من الرواية ، جاء كمقدمة للفصل السابع .
هذا الوصف في صفحة 59 و 60 من الرواية ، جاء كمقدمة للفصل السابع .
أعتقد أنني من النوع الذي يستمتع برفقة نفسه ، لذا يحدث كثيرا أن أعيش لأيام دون محادثة أو الاحتكاك بكائن ما ، و نادرا ما أشعر بالملل.
يلهيني خيالي ، خيالي يقوم بعمله بشكل فعال على ما يبدو.
يلهيني خيالي ، خيالي يقوم بعمله بشكل فعال على ما يبدو.
كانت أم " هنري ميللر " تحارب بشراسة فكرة أن يكون ابنها كاتبا! إذ كانت تريد منه إدارة محل الخياطة ، لذلك اعتبرت توجهه للكتابة انحرافا خطيرا ، بل و جريمة! و اعتادت على ( إخفاء ) ابنها في الخزانة مع آلته الكاتبة كلما جاءها ضيوف ؛ كيلا يعرف هؤلاء الضيوف أن ولدها يعمل كاتبا!
" ليس لدى الفرد منا سوى سؤال واحد : متى أتدمر" .
وليام فوكنر
وليام فوكنر
لا أميل لقراءة كتاب في موسم ضجته ، استمتع بقراءته أكثر حين يكون في إجازة استرخاء.
أورشليم ، رواية خارج توقعات القارىء ، حقا ، خارج كل التوقعات .
جونسالو روائي مخيف.
جونسالو روائي مخيف.
الطريق إلى مترو حلب
ليلى البلوشي
« الإقامة والاستقرار في المكان ترف لا نمتلكه نحن أبناء الحرب، نسعى من محطة إلى محطة من هذه المنافي حاملين معنا أرواحا تسكننا من كل محطة، على التنقل من مترو باريس إلى مترو حلب والعكس».
تفتتح الروائية السورية المقيمة في فرنسا «مها حسن» روايتها «مترو حلب» دار التنوير 2016م على مدونة يومية تنطلق منها إلى سرد حكايتها المعلّقة ما بين مكانين شديدي الوطأة والثقل في الروح هما حلب وباريس، على لسان سارة، بطلة مترو حلب، تقول في احد يومياتها ما يشكل ازدواجية المكان وتحكّمها الكبير في أحاسيس ساره ورؤاها للحياة من حولها: «لديّ كتابان أدوّن فيهما: كتاب المنامات، لأتأكد أنني في باريس وكتاب الحرب، لأتذكر أنني في حلب، في مناماتي، أجدني في الغالب في حلب، أما في منامات باريس أشعر في الغالب بأنني في أجواء الحرب».
امرأة تم جلبُها من بلاد تخوض حربا إلى بلاد أخرى يجري الأمان في شرايينها الحيوية، أمان فوق طاقة ساره على التحمّل التي اعتادت على كل شيء في حياتها سوى الأمان المحض، هذا الأمان كان كثقب فاغر يشعرها بعمق غربتها في بلاد بادرة ولا تشبه ضجيجها الروحي الذي اعتاد على التوجس واللا أمان: « استغرق الأمر طويلا، منذ وصولي إلى فرنسا، لأكف عن الشعور بالذعر حين أرى رجلا أو امرأة من الشرطة، لم أتوصل حتى الآن إلى الربط بين الأمان الذي يحققه رجال ونساء البوليس هنا، وبين سلب الأمان الذي يتسبب به (البوليس) في بلدي..».
سارة التي تتقاذفها الصدمات على طول خط الرواية، تكون الصدمة الأولى أشبه باكتشاف غريب حين تعرف أن لها خالة في باريس، خالة تريد رؤيتها قبل موتها، من سيقرأ الرواية، سيشعر أن كل الذين كانوا محاطين بساره من أهل وأقارب وحتى أصدقاء كانوا وامش، صلتها بالآخرين تكاد تكون ملتبسة، لا تتعدى كونهم صلات لجلب الأخبار، شاشات عرض تتداخل معهم، مع حكاياتهم وهمومهم ومصائبهم وأزماتهم النفسية وخيباتهم لترى من خلالهم حياتها، لتتمسك بالثبات المهزوز، لتتشبّع بأرضها التي خلعت عنها رغما عنها وعلى غفلة منها، حلب وحدها استأثرت بكامل حواسها في الحياة، لم تكن الخالة « أمينة» سوى مصادفة جاءت على هيئة صدمة، وكان عليها، من باب المجاملة وربما الإنسانية المحضة أن تستجيب لطلب امرأة على وشك الموت بالسفر إليها لعدة شهور، هذه الشهور لم تكن سوى خدعة مؤقّتة لإقامة على وشك أن تكون كورطة أبدية، فكل من هم في بلدها الأحب، حلب، يجبرها بالبقاء حيث هي في كنف أمانها، حيث المستقبل المشرق والحياة اليسيرة، حيث لم يجرؤ أحد على إبلاغها بحقيقة إبقائها حيث هي، كانوا فقط، يخبرونها بأن الأوضاع في حلب مدمّرة، والحياة فيها تكاد تكون مدمّرة، حلب مدينة الهجران والتلاشي، مدينة يهربون منها لا يعودون إليها.
لعل لقاءها القصير بخالتها أمينة في باريس جعلها تستعيد ترتيب العلاقات في نفسها، لتكتشف أن كل ما حولها هامشي ومؤقت سوى عودتها إلى حلب، هي الحقيقة الوحيدة التي لا تريد دحضها في قلبها وفكرها أيضا: « كما لو أن فرنسا هي المكان الطارئ، المؤقت، الإسعافي الذي جئت إليه وانتظر انتهاء الحرب لأغادره، فرنسا كلها الآن بالنسبة لي مجرد فندق أو مشفى أو جسر بين جبلين، محطة هنا انتظر فيها القطار الذاهب إلى بلدي هناك، انتظر أن تنزلق قدمي في كل محطة فرنسية، لتأخذني إلى حلب».
كان الشعور مضادا بالنسبة لخالتها أمينة، فهي كانت دائما تشعر أنها فرنسية، هويّتها وكيانها وكلّها: «أنا فرنسية، أشعر بهذا العمق، ويخيل إلي أحيانا، أن ثمة من سرقني من فرنسا وأخذني إلى سوريا، ثم استعدت حياتي الحقيقية حين غادرت».
أمينة يمكن تسميتها مفجِّرة الصدمات في الرواية، أولا ظهرت كخالة ثم كأم لسارة، شخصيتها تكاد تماثل ساره، كل العلاقات في حياتها كانت مجرد هوامش، سوى المسرح، المسرح وحده كان حبّ حياتها الحقيقي، لقد تنازلت عن حياتها في حلب، تنازلت عن ابنتها، عن كل شيء راسخ في سبيل عشقها الأوحد المسرح، ومن خلال شخصيات التي أدّتها على خشبتها كانت تعيش اكتمالها كامرأة استغنت عن كل شيء، كان هذه التمازج والتداخل في عديد من الشخصيات يكسر غربتها الداخلية، بل كان يشعرها بالثراء والافتتان دون أن يساورها أي إحساس يُنغّص عليها تكريس حياتها لفنّها، ولا حتى بالندم لتخليها عن ابنة من صلبها، خلفتها وراءها إلى ماض ما عاد يمتّ لها بصلة، لقد تجاوزت أزمتها، تجاوزت ذكرياتها، واستطاعت أن تؤثث ما أرادته من حياة يلائم شبقها وروحها المتمردة، كانت أمينة شخصية متفردة من نوعها وجديدة، خرجت عن طور التقليدية في بناء شخصيات النسوية في الروايات العربية، حتى أن القارئ يكاد يتصالح معها، دون أن يمسّها بالأنانية، دون أن يُؤلب مشاعره عليها، لقد انتصرت أمينة حقا حتى على قارئها ونجت من المحاسبة، هي وحدها التي اختارت الحياة التي تريدها وحلت محلها أختها «هدهد» لتكون أمينة أخرى في نظر أهل زوجها، لتكون الوليمة والضحية في آن على حساب مشاعرها: « أختي التي سرقت حيا
ليلى البلوشي
« الإقامة والاستقرار في المكان ترف لا نمتلكه نحن أبناء الحرب، نسعى من محطة إلى محطة من هذه المنافي حاملين معنا أرواحا تسكننا من كل محطة، على التنقل من مترو باريس إلى مترو حلب والعكس».
تفتتح الروائية السورية المقيمة في فرنسا «مها حسن» روايتها «مترو حلب» دار التنوير 2016م على مدونة يومية تنطلق منها إلى سرد حكايتها المعلّقة ما بين مكانين شديدي الوطأة والثقل في الروح هما حلب وباريس، على لسان سارة، بطلة مترو حلب، تقول في احد يومياتها ما يشكل ازدواجية المكان وتحكّمها الكبير في أحاسيس ساره ورؤاها للحياة من حولها: «لديّ كتابان أدوّن فيهما: كتاب المنامات، لأتأكد أنني في باريس وكتاب الحرب، لأتذكر أنني في حلب، في مناماتي، أجدني في الغالب في حلب، أما في منامات باريس أشعر في الغالب بأنني في أجواء الحرب».
امرأة تم جلبُها من بلاد تخوض حربا إلى بلاد أخرى يجري الأمان في شرايينها الحيوية، أمان فوق طاقة ساره على التحمّل التي اعتادت على كل شيء في حياتها سوى الأمان المحض، هذا الأمان كان كثقب فاغر يشعرها بعمق غربتها في بلاد بادرة ولا تشبه ضجيجها الروحي الذي اعتاد على التوجس واللا أمان: « استغرق الأمر طويلا، منذ وصولي إلى فرنسا، لأكف عن الشعور بالذعر حين أرى رجلا أو امرأة من الشرطة، لم أتوصل حتى الآن إلى الربط بين الأمان الذي يحققه رجال ونساء البوليس هنا، وبين سلب الأمان الذي يتسبب به (البوليس) في بلدي..».
سارة التي تتقاذفها الصدمات على طول خط الرواية، تكون الصدمة الأولى أشبه باكتشاف غريب حين تعرف أن لها خالة في باريس، خالة تريد رؤيتها قبل موتها، من سيقرأ الرواية، سيشعر أن كل الذين كانوا محاطين بساره من أهل وأقارب وحتى أصدقاء كانوا وامش، صلتها بالآخرين تكاد تكون ملتبسة، لا تتعدى كونهم صلات لجلب الأخبار، شاشات عرض تتداخل معهم، مع حكاياتهم وهمومهم ومصائبهم وأزماتهم النفسية وخيباتهم لترى من خلالهم حياتها، لتتمسك بالثبات المهزوز، لتتشبّع بأرضها التي خلعت عنها رغما عنها وعلى غفلة منها، حلب وحدها استأثرت بكامل حواسها في الحياة، لم تكن الخالة « أمينة» سوى مصادفة جاءت على هيئة صدمة، وكان عليها، من باب المجاملة وربما الإنسانية المحضة أن تستجيب لطلب امرأة على وشك الموت بالسفر إليها لعدة شهور، هذه الشهور لم تكن سوى خدعة مؤقّتة لإقامة على وشك أن تكون كورطة أبدية، فكل من هم في بلدها الأحب، حلب، يجبرها بالبقاء حيث هي في كنف أمانها، حيث المستقبل المشرق والحياة اليسيرة، حيث لم يجرؤ أحد على إبلاغها بحقيقة إبقائها حيث هي، كانوا فقط، يخبرونها بأن الأوضاع في حلب مدمّرة، والحياة فيها تكاد تكون مدمّرة، حلب مدينة الهجران والتلاشي، مدينة يهربون منها لا يعودون إليها.
لعل لقاءها القصير بخالتها أمينة في باريس جعلها تستعيد ترتيب العلاقات في نفسها، لتكتشف أن كل ما حولها هامشي ومؤقت سوى عودتها إلى حلب، هي الحقيقة الوحيدة التي لا تريد دحضها في قلبها وفكرها أيضا: « كما لو أن فرنسا هي المكان الطارئ، المؤقت، الإسعافي الذي جئت إليه وانتظر انتهاء الحرب لأغادره، فرنسا كلها الآن بالنسبة لي مجرد فندق أو مشفى أو جسر بين جبلين، محطة هنا انتظر فيها القطار الذاهب إلى بلدي هناك، انتظر أن تنزلق قدمي في كل محطة فرنسية، لتأخذني إلى حلب».
كان الشعور مضادا بالنسبة لخالتها أمينة، فهي كانت دائما تشعر أنها فرنسية، هويّتها وكيانها وكلّها: «أنا فرنسية، أشعر بهذا العمق، ويخيل إلي أحيانا، أن ثمة من سرقني من فرنسا وأخذني إلى سوريا، ثم استعدت حياتي الحقيقية حين غادرت».
أمينة يمكن تسميتها مفجِّرة الصدمات في الرواية، أولا ظهرت كخالة ثم كأم لسارة، شخصيتها تكاد تماثل ساره، كل العلاقات في حياتها كانت مجرد هوامش، سوى المسرح، المسرح وحده كان حبّ حياتها الحقيقي، لقد تنازلت عن حياتها في حلب، تنازلت عن ابنتها، عن كل شيء راسخ في سبيل عشقها الأوحد المسرح، ومن خلال شخصيات التي أدّتها على خشبتها كانت تعيش اكتمالها كامرأة استغنت عن كل شيء، كان هذه التمازج والتداخل في عديد من الشخصيات يكسر غربتها الداخلية، بل كان يشعرها بالثراء والافتتان دون أن يساورها أي إحساس يُنغّص عليها تكريس حياتها لفنّها، ولا حتى بالندم لتخليها عن ابنة من صلبها، خلفتها وراءها إلى ماض ما عاد يمتّ لها بصلة، لقد تجاوزت أزمتها، تجاوزت ذكرياتها، واستطاعت أن تؤثث ما أرادته من حياة يلائم شبقها وروحها المتمردة، كانت أمينة شخصية متفردة من نوعها وجديدة، خرجت عن طور التقليدية في بناء شخصيات النسوية في الروايات العربية، حتى أن القارئ يكاد يتصالح معها، دون أن يمسّها بالأنانية، دون أن يُؤلب مشاعره عليها، لقد انتصرت أمينة حقا حتى على قارئها ونجت من المحاسبة، هي وحدها التي اختارت الحياة التي تريدها وحلت محلها أختها «هدهد» لتكون أمينة أخرى في نظر أهل زوجها، لتكون الوليمة والضحية في آن على حساب مشاعرها: « أختي التي سرقت حيا