عبدالمجيد
ليلى البلوشية –
الروائي المصري «إبراهيم عبدالمجيد» حين تقابله شخصيا ستشعر بأنك أمام كائن روائي مركب وكثيف كغنى شخصياته في رواياته، شخصية حكائية انفلتت من كتاب تداخل واقعه بالخيال، فلا تكاد تميّز هذا الواقع من الخيال، بل هو أقرب ما يتجسد في الواقعية السحرية، إنه ببساطة مطلقة حكّاء عظيم، دائم الابتسام، روحه المرحة وظرافة ما يدلقه من حكايات يجعل منك مُنصِتا دائم الابتسام والضحكة لا تفارق محياك مهما كابدت من أهوال الحياة، لقد تأصّل الأدب في كيانه الإنساني وصار فنّا لصيقا لكل تفاصيل حياته بل يمكن اختصار كيانه بأنه إنسان (يتّمتع برفقة نفسه) كما كنت أحب شخصيا أن ألقبّه حين التقيته لأول مرة في إحدى المناسبات الثقافية في الإمارات، إنه لا يتعاطى مع الآخرين ككاتب بل كإنسان، لا يتعاطى مع الكتاب الشباب بالغرور أو بالتسفيه بل يحتوي روح الشباب بروح شباب مماثلة زاخمة النبل والتواضع، ولقد تجلّت روح الشبابية في كتاباته، فهو كاتب يكتب منذ أكثر من أربعين عاما غير أنه لم يتشبّث بالكلاسيكية في الكتابة بل في كل كتابة كان يطرحها كان يعزّز مفهوم الحداثة والمعاصرة والتجريب ما يتوافق مع روح التجديد وروح العصر الذي يعي تماما تطوّر أدواته.
لم ينحز الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» إلى كتابة سيرته الذاتية حتى الآن، بل اختار أن يقدّم للقارئ كتابا آخر ذات صلة وثيقة بالكتابة نفسها وبحكاياتها، من هنا ولد كتابه «ما وراء الكتابة» مع عنوان فرعي «تجربتي في الكتابة»، ولعلها المرة الأولى التي يتصدر كتاب كهذا قوائم الكتب العربية حيث سبقه الغرب بتصدير هذه الأنواع من الكتب التي تعرض تجاربها مع الكتابة الروائية ككتاب «نزهات في غابة السرد» للروائي الإيطالي «أمبرتو إيكو» و«رسائل إلى روائي شاب» للروائي البيروفي «ماريو بارجاس يوسا، والروائي التركي» أورهان باموق «في كتابة» الروائي الساذج والحساس» وغيرها..
أما كتاب «ما وراء الكتابة» للروائي «إبراهيم عبد المجيد» الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية في طبعتين 2014 و2015 م ونال في عام 2016م جائزة الشيخ زايد في دورتها العاشرة عن فرع الآداب، هو الكتاب الأول من نوعه عربيّا عن السيرة الروائية، حديث شائق واعترافي بتجربته في كتابة مجموع رواياته، عادة لا يعترف كثير من الكتاب بهذه التجربة بل يفضّل كثيرون إضفاء نوع من السريّة على طقوسهم وحفظ حدودها عن الآخرين، لكن الأمر اختلف تماما مع الروائي «ابراهيم عبدالمجيد»، فهو يبوح بأسرار مهنته الكتابية بكل شفافية، بصعوباتها وأزماتها، بأفراحها وأتراحها، كل المتضادات مشتملة، وقد اعترف في مقدمة كتابه بأهمية هذه الخطوة في حياته قائلا: «وأنا شخصيّا أحببت أن أكتب في هذا الموضوع…، ربما أردت أن أستعيد حالات الحوار الروحي الخاص جدا بي ككاتب وكيف استطعت أن أتغلب على مشكلات الكتابة والقضايا الجمالية التي شغلتني، كذلك أجواء الحياة ذلك الوقت أو وقت الكتابة».
ومن خلال الاسترسال في قراءة الكتاب الفريد من نوعه والذي اقتسم إلى أربعة أقسام، كل قسم منها يتناول روايات في حيّز زمني ممتد على طول سنوات كتابته للروايات، بينما المكان فإنه يتراوح بين مكانين، الجزء الأكبر منه في الإسكندرية حيث ولد الكاتب وترعرع وجاءت رواياته في ثلاثية الإسكندرية مرآة لها، بينما الجزء الآخر منه فكان في القاهرة التي على الرغم من تناولها في رواياته إلا أنها أبدا تشعره بالغربة على عكس الاسكندرية التي يجري ماؤها الفياض في دمه وقلبه، هنا يتبدى مدى روحانية مهبط الولادة في حياة كل انسان سواء كان كاتبا أو أي شخص آخر، وهذا يذكّرنا بالمفكّر «إدوارد سعيد» الذي تناول بدوره القاهرة والاسكندرية في كتابه «مقالات حول المنفى»، وقد أفاض في رواية ذكرياته في القاهرة التي أثثّت سيرته الطفولية حيث ولد، فهي مدينة كانت تشعره دائما بالألفة والدفء على عكس من الاسكندرية التي كلما زارها شعر بوحشة داكنة في روحه.
يكتب الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» رواياته وكأن الشخصيات هي التي تُملي عليه، فهو لا يجلس للكتابة إلا حين تكون روحه قد تشبّعت بتفاصيل الحكاية بزمن كاف قبل كتابتها، لذا في لحظة الكتابة كأن الرواية تكتب نفسها بنفسها بتعبير «رولان بارت» حين قال: «الرواية تكتب نفسها بنفسها».
هذا الامتلاء لم يأتِ من القراءة وحدها ولا من سنوات الخبرة فحسب بقدر ما هي امتداد لطفولة ثريّة عاشها الكاتب في فترة طفولته في الإسكندرية، في ظل والده الذي كان موظّفا في سكة الحديد، هناك حيث كان مسكنه في «سكن» عمال السكة الحديد القائم على ترعة المحمودية بين حي كرموز وكفر عشري، هذا المكان ظهر في روايته الأولى «المسافات»، فأبطال الرواية عمال في السكة الحديد وعاشوا في سكنها.
لقد ظهرت تجليات المكان في كل رواياته كما ظهرت تجليات الطفولة بكل عنفوانها وشغفها، فلا يمكن لقارئ الكتاب أن ينسى الطفل إبراهيم الذي كتب رسالة بخط يده إلى الزعيم «جمال عبد الناصر» يطلب منه صورة شخصية للذكرى، لقد نظرت إليه
ليلى البلوشية –
الروائي المصري «إبراهيم عبدالمجيد» حين تقابله شخصيا ستشعر بأنك أمام كائن روائي مركب وكثيف كغنى شخصياته في رواياته، شخصية حكائية انفلتت من كتاب تداخل واقعه بالخيال، فلا تكاد تميّز هذا الواقع من الخيال، بل هو أقرب ما يتجسد في الواقعية السحرية، إنه ببساطة مطلقة حكّاء عظيم، دائم الابتسام، روحه المرحة وظرافة ما يدلقه من حكايات يجعل منك مُنصِتا دائم الابتسام والضحكة لا تفارق محياك مهما كابدت من أهوال الحياة، لقد تأصّل الأدب في كيانه الإنساني وصار فنّا لصيقا لكل تفاصيل حياته بل يمكن اختصار كيانه بأنه إنسان (يتّمتع برفقة نفسه) كما كنت أحب شخصيا أن ألقبّه حين التقيته لأول مرة في إحدى المناسبات الثقافية في الإمارات، إنه لا يتعاطى مع الآخرين ككاتب بل كإنسان، لا يتعاطى مع الكتاب الشباب بالغرور أو بالتسفيه بل يحتوي روح الشباب بروح شباب مماثلة زاخمة النبل والتواضع، ولقد تجلّت روح الشبابية في كتاباته، فهو كاتب يكتب منذ أكثر من أربعين عاما غير أنه لم يتشبّث بالكلاسيكية في الكتابة بل في كل كتابة كان يطرحها كان يعزّز مفهوم الحداثة والمعاصرة والتجريب ما يتوافق مع روح التجديد وروح العصر الذي يعي تماما تطوّر أدواته.
لم ينحز الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» إلى كتابة سيرته الذاتية حتى الآن، بل اختار أن يقدّم للقارئ كتابا آخر ذات صلة وثيقة بالكتابة نفسها وبحكاياتها، من هنا ولد كتابه «ما وراء الكتابة» مع عنوان فرعي «تجربتي في الكتابة»، ولعلها المرة الأولى التي يتصدر كتاب كهذا قوائم الكتب العربية حيث سبقه الغرب بتصدير هذه الأنواع من الكتب التي تعرض تجاربها مع الكتابة الروائية ككتاب «نزهات في غابة السرد» للروائي الإيطالي «أمبرتو إيكو» و«رسائل إلى روائي شاب» للروائي البيروفي «ماريو بارجاس يوسا، والروائي التركي» أورهان باموق «في كتابة» الروائي الساذج والحساس» وغيرها..
أما كتاب «ما وراء الكتابة» للروائي «إبراهيم عبد المجيد» الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية في طبعتين 2014 و2015 م ونال في عام 2016م جائزة الشيخ زايد في دورتها العاشرة عن فرع الآداب، هو الكتاب الأول من نوعه عربيّا عن السيرة الروائية، حديث شائق واعترافي بتجربته في كتابة مجموع رواياته، عادة لا يعترف كثير من الكتاب بهذه التجربة بل يفضّل كثيرون إضفاء نوع من السريّة على طقوسهم وحفظ حدودها عن الآخرين، لكن الأمر اختلف تماما مع الروائي «ابراهيم عبدالمجيد»، فهو يبوح بأسرار مهنته الكتابية بكل شفافية، بصعوباتها وأزماتها، بأفراحها وأتراحها، كل المتضادات مشتملة، وقد اعترف في مقدمة كتابه بأهمية هذه الخطوة في حياته قائلا: «وأنا شخصيّا أحببت أن أكتب في هذا الموضوع…، ربما أردت أن أستعيد حالات الحوار الروحي الخاص جدا بي ككاتب وكيف استطعت أن أتغلب على مشكلات الكتابة والقضايا الجمالية التي شغلتني، كذلك أجواء الحياة ذلك الوقت أو وقت الكتابة».
ومن خلال الاسترسال في قراءة الكتاب الفريد من نوعه والذي اقتسم إلى أربعة أقسام، كل قسم منها يتناول روايات في حيّز زمني ممتد على طول سنوات كتابته للروايات، بينما المكان فإنه يتراوح بين مكانين، الجزء الأكبر منه في الإسكندرية حيث ولد الكاتب وترعرع وجاءت رواياته في ثلاثية الإسكندرية مرآة لها، بينما الجزء الآخر منه فكان في القاهرة التي على الرغم من تناولها في رواياته إلا أنها أبدا تشعره بالغربة على عكس الاسكندرية التي يجري ماؤها الفياض في دمه وقلبه، هنا يتبدى مدى روحانية مهبط الولادة في حياة كل انسان سواء كان كاتبا أو أي شخص آخر، وهذا يذكّرنا بالمفكّر «إدوارد سعيد» الذي تناول بدوره القاهرة والاسكندرية في كتابه «مقالات حول المنفى»، وقد أفاض في رواية ذكرياته في القاهرة التي أثثّت سيرته الطفولية حيث ولد، فهي مدينة كانت تشعره دائما بالألفة والدفء على عكس من الاسكندرية التي كلما زارها شعر بوحشة داكنة في روحه.
يكتب الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» رواياته وكأن الشخصيات هي التي تُملي عليه، فهو لا يجلس للكتابة إلا حين تكون روحه قد تشبّعت بتفاصيل الحكاية بزمن كاف قبل كتابتها، لذا في لحظة الكتابة كأن الرواية تكتب نفسها بنفسها بتعبير «رولان بارت» حين قال: «الرواية تكتب نفسها بنفسها».
هذا الامتلاء لم يأتِ من القراءة وحدها ولا من سنوات الخبرة فحسب بقدر ما هي امتداد لطفولة ثريّة عاشها الكاتب في فترة طفولته في الإسكندرية، في ظل والده الذي كان موظّفا في سكة الحديد، هناك حيث كان مسكنه في «سكن» عمال السكة الحديد القائم على ترعة المحمودية بين حي كرموز وكفر عشري، هذا المكان ظهر في روايته الأولى «المسافات»، فأبطال الرواية عمال في السكة الحديد وعاشوا في سكنها.
لقد ظهرت تجليات المكان في كل رواياته كما ظهرت تجليات الطفولة بكل عنفوانها وشغفها، فلا يمكن لقارئ الكتاب أن ينسى الطفل إبراهيم الذي كتب رسالة بخط يده إلى الزعيم «جمال عبد الناصر» يطلب منه صورة شخصية للذكرى، لقد نظرت إليه
يومها والدته بفخر وفرح بينما والده نقده ثمن طابع البريد بعد أن أملى عليه عنوان الرئاسة ليصل المظروف للرئيس، بعد أسبوع استلم صورة الزعيم بالبدلة العسكرية وبالألوان.
وتتماهى تجليات الطفولة المرحة أيضا حين تحدّث عن تأثير السينما على حياته ورواياته بعد ذلك، حين كان يخرج من روضة الأطفال إلى زحام أمام أحد الأبواب الذي تعلوه إعلانات براقة لرجال ونساء، لقد كان سينما مصر ولأنه كان طفلا وجد نفسه يمشي بين أرجل الكبار ولم يلتفت إليه أحد ولم يكن يعلم شيئا عن تذكرة الدخول، بل جلس حيث جلس الناس مأخوذا بالصور التي تتحرك أمامه، وكان يضحك حين يضحك الكبار ويصفق حين يصفق الكبار، وحين أضيء المكان خرج مع الناس وكأنه خارج من كهف مهجور كما وصف في صفحات الكتاب.
أيضا تتجلى في الكتاب لمسة من نبوءات الكاتب، نتلمّس ذلك في معظم الروايات التي خطها، بدءا بحكاية الهدهد الذي وصفه في إحدى رواياته الأولى عن الصبي الذي يقف بين قضبان الحديد في الخلاء، فيرى هدهدا على الأرض، بعد هذا المشهد مع أولى ساعات الصباح هو الوقت الذي ينتهي منه عادة من رواياته، فيطل منها على شرفة المنزل ليستنشق هواء نقيّا قبل زحمة العالم من حوله، فإذا به يصادف هدهدا يقف على الدرفة كأنه كان ينتظره ..!
تتوالى بعد ذلك المصادفات الغرائبية بل تكاد تكون أقرب لنبوءة عندما ينتهي من كتابة مشهد قبض على بطل مقاوم يحاصره رجال مخابرات مع رائد مسؤول يحملون بنادق صغيرة، المشهد نفسه وفي عتمة الليلة نفسها يقع فيه الكاتب «إبراهيم عبدالمجيد» الذي أصابه الذهول من الموقف حتى أن الرائد المسؤول اندهش عن عدم مقاومته لهم على الرغم من قوّته الجسدية، فعبّر له عن المشهد الملتبس بنبوءة الكمين ما بين الرواية والواقع، وكأنه قد استدعاهم للقبض عليه..!
طوال قراءتي للكتاب انبثقت ببالي عبارة واحدة وهي أن الكاتب لا يخسر أبدا!
فلم تتوالد تلك أفكار وظروف تلكم الروايات عن حياة مريحة أو خالية من أزمات نفسية شديدة القسوة أحيانا فوق تحمّل الروح، لعل من أوجعها حين تعرضت زوجته للسرطان وظل مرافقا لروحها حتى الرمق الأخير، هذه التجارب العنيفة التي تتراكم عبر الزمن، وهي نفسها تغدو مادة عميقة للكتابة وللأدب وللإنسانية أيضا على الرغم من أثقال الذاكرة وهي تجتّر الألم في كل لحظة كتابة.
كتاب «ما وراء الكتابة» هي ليست شهادة في الكتابة عن تجربة روائية تزيد عن أربعين عاما فحسب بل هي أقرب لورشة في أساليب الكتابة وعوالمها الأكثر غرابة ومتعة، كما أنها إضافة مهمة لتاريخ الأدب العربي، لكل روائي، لكل كاتب، لكل قارئ، لصيّادي القصص ومحبّيها أيضا.
وتتماهى تجليات الطفولة المرحة أيضا حين تحدّث عن تأثير السينما على حياته ورواياته بعد ذلك، حين كان يخرج من روضة الأطفال إلى زحام أمام أحد الأبواب الذي تعلوه إعلانات براقة لرجال ونساء، لقد كان سينما مصر ولأنه كان طفلا وجد نفسه يمشي بين أرجل الكبار ولم يلتفت إليه أحد ولم يكن يعلم شيئا عن تذكرة الدخول، بل جلس حيث جلس الناس مأخوذا بالصور التي تتحرك أمامه، وكان يضحك حين يضحك الكبار ويصفق حين يصفق الكبار، وحين أضيء المكان خرج مع الناس وكأنه خارج من كهف مهجور كما وصف في صفحات الكتاب.
أيضا تتجلى في الكتاب لمسة من نبوءات الكاتب، نتلمّس ذلك في معظم الروايات التي خطها، بدءا بحكاية الهدهد الذي وصفه في إحدى رواياته الأولى عن الصبي الذي يقف بين قضبان الحديد في الخلاء، فيرى هدهدا على الأرض، بعد هذا المشهد مع أولى ساعات الصباح هو الوقت الذي ينتهي منه عادة من رواياته، فيطل منها على شرفة المنزل ليستنشق هواء نقيّا قبل زحمة العالم من حوله، فإذا به يصادف هدهدا يقف على الدرفة كأنه كان ينتظره ..!
تتوالى بعد ذلك المصادفات الغرائبية بل تكاد تكون أقرب لنبوءة عندما ينتهي من كتابة مشهد قبض على بطل مقاوم يحاصره رجال مخابرات مع رائد مسؤول يحملون بنادق صغيرة، المشهد نفسه وفي عتمة الليلة نفسها يقع فيه الكاتب «إبراهيم عبدالمجيد» الذي أصابه الذهول من الموقف حتى أن الرائد المسؤول اندهش عن عدم مقاومته لهم على الرغم من قوّته الجسدية، فعبّر له عن المشهد الملتبس بنبوءة الكمين ما بين الرواية والواقع، وكأنه قد استدعاهم للقبض عليه..!
طوال قراءتي للكتاب انبثقت ببالي عبارة واحدة وهي أن الكاتب لا يخسر أبدا!
فلم تتوالد تلك أفكار وظروف تلكم الروايات عن حياة مريحة أو خالية من أزمات نفسية شديدة القسوة أحيانا فوق تحمّل الروح، لعل من أوجعها حين تعرضت زوجته للسرطان وظل مرافقا لروحها حتى الرمق الأخير، هذه التجارب العنيفة التي تتراكم عبر الزمن، وهي نفسها تغدو مادة عميقة للكتابة وللأدب وللإنسانية أيضا على الرغم من أثقال الذاكرة وهي تجتّر الألم في كل لحظة كتابة.
كتاب «ما وراء الكتابة» هي ليست شهادة في الكتابة عن تجربة روائية تزيد عن أربعين عاما فحسب بل هي أقرب لورشة في أساليب الكتابة وعوالمها الأكثر غرابة ومتعة، كما أنها إضافة مهمة لتاريخ الأدب العربي، لكل روائي، لكل كاتب، لكل قارئ، لصيّادي القصص ومحبّيها أيضا.
" القاص الحديث يريد أن يقول شيئا أكثر مما يريد أن يقص قصة ، و لا تكون النتيجة مفهومة أو معبرة دائما ".
المعقول واللامعقول | كولن ولسن
المعقول واللامعقول | كولن ولسن
"أحسب أن الكتابة على الضد من القراءة، هي نحو من البحث عن مستقر إذا كانت القراءة فعلا هي طواف وانتظار وتردد كما يزعم البعض. بحثي في الأمكنة يشبه بحثي عن مستقر في الكتابة. أنت لا تستطيع أن تدخل إلى العوالم الداخلية للأشياء إلا إذا تمكنت من الإصغاء جيدا إليها في صمتها وحيادها ولاشخصيتها. على نحو ما، إصغاؤك هذا يجعلك قريبا منها، يجعلك على شبه بها، صامتا محايدا ولاشخصيا. أعتقد أن النجاة من القلق هي في زعمك أثناء الكتابة انك شخص لاشخصي، أن لا شيء قد يعنيك أو يهزك أو يؤثر فيك أثناء انصرافك إلى الإصغاء لذاتك التي صارت شيئا آخر غير ذاك الذي تشعر به.
لست صانع مصائر وسياقات ولست مخترع وقت ليس لي. أقيم في المساحة الضيقة المتاحة لجسمي، المساحة الضيقة التي تتيح لي أن أبقى على اتصال مع جسمي ومع وعيي الذي دائما أخشى أن يتسرب مني، أن يغادرني ويتركني في مكاني شيئا لا حياة فيه.
لا أدري إذا كان هذا يجيب عن السؤال ولكن أنت محق في أمر أني أجد صعوبة كبيرة في إقامة صلات مع خارج لا يني يتسع ويبتعد. أشعر أن الصلة بالخارج هي انتثار، توزع، شتات مؤلم لا يستطيع وعيي الضئيل، غير الشمولي، أن يحتمله."
لست صانع مصائر وسياقات ولست مخترع وقت ليس لي. أقيم في المساحة الضيقة المتاحة لجسمي، المساحة الضيقة التي تتيح لي أن أبقى على اتصال مع جسمي ومع وعيي الذي دائما أخشى أن يتسرب مني، أن يغادرني ويتركني في مكاني شيئا لا حياة فيه.
لا أدري إذا كان هذا يجيب عن السؤال ولكن أنت محق في أمر أني أجد صعوبة كبيرة في إقامة صلات مع خارج لا يني يتسع ويبتعد. أشعر أن الصلة بالخارج هي انتثار، توزع، شتات مؤلم لا يستطيع وعيي الضئيل، غير الشمولي، أن يحتمله."
الكاتبة العمانية ليلى البلوشي تضيء القصص بكائنات الهامش بقلم:هيثم حسين
http://alarab.co.uk/article/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/95612/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D9%88%D8%B4%D9%8A-%D8%AA%D8%B6%D9%8A%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B5-%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4
http://alarab.co.uk/article/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/95612/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D9%88%D8%B4%D9%8A-%D8%AA%D8%B6%D9%8A%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%B5-%D8%A8%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4
العرب
Home Page | | صحيفة العرب
" إننا نشعُر بالأسى على أنفُسِنا أحياناً ، ليس لأننا أسأنا التصرف ، بَل لأننا أحسنا التصرف أكثر من اللازم" .
نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
❤1
في زمن ما كنا نقتني كتب مؤلف معين ، في هذا الزمن صارت للترجمة اعتبار مهم ، صرنا نقتني كتاب مترجم معين ، أعني هنا المترجم الذي ينتخب أسماء لا نحيط بها علما في عالم الأدب و الفكر.
http://omandaily.om/?p=410986 النساء الآلهة في مجموعة لكل ما يخصها .
جريدة عمان
الموقع الرسمي لجريدة عمان
الموقع الرسمي لجريدة عُمان
النساء الآلهة في المجموعة القصصية «لكلِّ ما يخصُّها» !
ليلى البلوشي
في مقابلة تلفزيونية صرّحت مرة امرأة هندية ببؤس مرير لتعاقب عمليات اغتصاب الشابات الهنديات وفي وضح النهار أمام مرأى الجميع: «نحن نعبد آلهة إناث ولكننا غير قادرات على حماية النساء»!
الفكرة نفسها تتكاثف في هذا الكتاب القصصي الهندي «لكل ما يخصّها» لقاصات هنديات معاصرات، صنّفها وأعدّ لها «فاندانا آر. سينج»، وترجمها بأناقة وسلاسة المترجم «عبدالوهاب المقالح» عن كلمة للترجمة..
استطيع القول: إن «سينج» سعى بحصافة ليجمع هؤلاء النساء الكاتبات تحت متكأ كتاب واحد، وانتقى لكل واحدة منهن قصتين ليقف القارئ على تجربتهن بشكل أوسع، هؤلاء النساء المعاصرات جاءت قصصهن معاصرة مثلهن تماماً، تحمل في طياتها كثيراً من معاناة النساء من قبل مجتمع بطريريكي هجر الكثير من العادات والمثل الهندية، لكن ظلت الطريقة الذكورية وأسلوب الفكر الشرقي للرجل مهيمنة وقابضة على أرواحهن بشباك التنافس والتخلّف والاستغلال، ولمنعها من التمتع بحقوقها والحرية المتاحة لها، بعد أن انهارت معظم التقاليد البالية في مجتمع محافظ كالمجتمع الهندي لا سيما بين الثنائيات الزوجية، ولنجد أن المرأة في هذا المجتمع تعاني سواء كانت امرأة متزوجة أو حتى عزباء في الثلاثين من عمرها..
على سبيل المثال في قصة «الآخر» للكاتبة «جيتنجالي شري» القصة بين رجل وامرأته يحتفلان بعيد زواجهما في المنزل مع جوقة من الأصدقاء، الزوج هو رجل أعمال ناجح يبدو طوال القصة مغتاظاً من زوجته الكاتبة التي تختلط مع رفاقها الذكور وتحدثهم عن مقالتها التي لامست بجرأة قضية الجنس عند النساء، الزوج الذي يستهين بفكر زوجته ويرى أن حداثيتها ما هي سوى قناع مزيف وباب لولوج الأوغاد الرجال إلى حياتها «هل كانوا يصغون إليها أم أنهم كانوا ينزعون عنها ملابسها في أذهانهم»..؟!
أما في قصة «كاتبة وزوجة رئيس تحرير» للكاتبة «شيترا مودقال» ففي هذه القصة الضمير المتكلم يضع القارئ أمام معاناة المرأة المتفاقمة حين تكون كاتبة وهي في الوقت نفسه زوجة لرئيس تحرير، الحكاية تسرد الأوجاع النفسية لهذه الكاتبة والمواقف التي تعرضت لها تباعاً بسبب زوجها الرئيس التحرير وعن كيفية إسقاط هويتها المستقلة ككاتبة ؛ فهي في نظر العالم من حولها مجرد زوجة لرئيس تحرير «هذه الهوية كنست وتكنس تحت السجادة بضربة واحدة عندما يعتبرني الناس الذين أكون معهم مجرد زوجة رئيس تحرير» فالدعوات التي كانت تصلها ككاتبة كانت بغرض الوصول لزوجها رئيس التحرير، فأحيانا تصادف شاباً يسلمها مظروفاً، ويطلب منها أن تقوم بإنصافه بتسليم هذا المظروف لزوجها رئيس التحرير، وفي مرة ثانية تصادف كاتباً كبيراً يُخرج مجلة من حقيبته، ليريها كيف أن زوجها رئيس التحرير قام بتشويه حكايته الأصلية بالقص أثناء النشر، وفي المرة الثالثة والتي كانت تعتقد أنها نجت من ملاحقة الذين يريدون زوجها لتتفاجأ أثناء تكريمها في محفل أدبي أحد المنظمين يسلمها ملفاً يحوي أوراقاً وصوراً عن الحفل، طالباً منها أن تقوم بتوصيله إلى زوجها رئيس التحرير؛ ليقوم بنشرها كما هي..!
هذه المرأة الكاتبة التي تفقد هويتها كلياًّ ليس أمام الناس وحسب بل أمام زوجها أيضا الذي يطلب منها بنبرة حادة أن تكّف عن التدخل في أعماله، هذه الكاتبة التي تؤمن تماماً بعد هذه التجارب العاثرة أن القارئ وحده من سيفهم ما تعانيه حقاً «إنها الحقيقة المرّة، فلا الزوج ولا الأخ أو الأب أو الصديق، لا الحبيب ولا الجار، لا أحد من هؤلاء يمتلك ذلك القدر من الحساسية والتعاطف اللذين يملكهما القارئ»..
في قصة «لكل ما يخصّها» التي تحمل عنوان المجموعة القصصية للكاتبة نفسها تحكي حكاية قد لا يستسيغها العقل المحافظ، حكاية أقرب ما تكون مستوردة عن عقل غربي، بين زوجين هنديين يعزمان حضور حفل خاص يقام للمتزوجين فقط، في هذا الحفل يبادل الرجال فيما بينهم زوجاتهم، وعبر مفتاح السيارة التي يغرق في الجعة يسحب الزوج حظّه مع امرأة صديقه والزوجات يكنّ مجرد متفرجات وسلع للتبادل..!
على الرغم من الفكر الحداثي الذي يدّعي هذين الزوجين التمتع به، غير أنه في النهاية تخبرنا القصة بأنهما متحفّظان تجاه أسرارهما الخاصة، الزوجة التي تترقّب بغيرة من زوجها ليخبرها تفاصيل ليلته مع زوجة صديقه، تحاول تصديقه حين يخبرها بأنه لم يفعل شيّئاً ويقع الرجل في مطّب الكذب؛ كي لا ينهي حياته الزوجية..!
أما قصة « دمية ممزقة» للكاتبة «مانجولي بهاقات» هي قصة امرأة، بالأدق امرأة تبقى فتاةً عذراء في كنف رجل عاجز متعلق بأمه، لدرجة تشعر معه بأن حبل سرُّته ما يزال مربوطاً بقوة برحم الأم، المرأة التي تحيا في كندا بعيداً عن أهلها في الهند تتقبّل حياتها بوضعيتها الغريبة، بل تتفانى بأن تكون زوجة مطيعةً، طاهيةً جيدة ومثاليةً في أعمال البيت، وحين تكتشف أمها عذريتها لا تقبل هي بتغيير الوضع ولا بوضع آخر، وتصرّ أن العلاقات لا يمكن تركها تنهار بسهولة، وأن الطلاق هو طريق إلى الفوضى،
ليلى البلوشي
في مقابلة تلفزيونية صرّحت مرة امرأة هندية ببؤس مرير لتعاقب عمليات اغتصاب الشابات الهنديات وفي وضح النهار أمام مرأى الجميع: «نحن نعبد آلهة إناث ولكننا غير قادرات على حماية النساء»!
الفكرة نفسها تتكاثف في هذا الكتاب القصصي الهندي «لكل ما يخصّها» لقاصات هنديات معاصرات، صنّفها وأعدّ لها «فاندانا آر. سينج»، وترجمها بأناقة وسلاسة المترجم «عبدالوهاب المقالح» عن كلمة للترجمة..
استطيع القول: إن «سينج» سعى بحصافة ليجمع هؤلاء النساء الكاتبات تحت متكأ كتاب واحد، وانتقى لكل واحدة منهن قصتين ليقف القارئ على تجربتهن بشكل أوسع، هؤلاء النساء المعاصرات جاءت قصصهن معاصرة مثلهن تماماً، تحمل في طياتها كثيراً من معاناة النساء من قبل مجتمع بطريريكي هجر الكثير من العادات والمثل الهندية، لكن ظلت الطريقة الذكورية وأسلوب الفكر الشرقي للرجل مهيمنة وقابضة على أرواحهن بشباك التنافس والتخلّف والاستغلال، ولمنعها من التمتع بحقوقها والحرية المتاحة لها، بعد أن انهارت معظم التقاليد البالية في مجتمع محافظ كالمجتمع الهندي لا سيما بين الثنائيات الزوجية، ولنجد أن المرأة في هذا المجتمع تعاني سواء كانت امرأة متزوجة أو حتى عزباء في الثلاثين من عمرها..
على سبيل المثال في قصة «الآخر» للكاتبة «جيتنجالي شري» القصة بين رجل وامرأته يحتفلان بعيد زواجهما في المنزل مع جوقة من الأصدقاء، الزوج هو رجل أعمال ناجح يبدو طوال القصة مغتاظاً من زوجته الكاتبة التي تختلط مع رفاقها الذكور وتحدثهم عن مقالتها التي لامست بجرأة قضية الجنس عند النساء، الزوج الذي يستهين بفكر زوجته ويرى أن حداثيتها ما هي سوى قناع مزيف وباب لولوج الأوغاد الرجال إلى حياتها «هل كانوا يصغون إليها أم أنهم كانوا ينزعون عنها ملابسها في أذهانهم»..؟!
أما في قصة «كاتبة وزوجة رئيس تحرير» للكاتبة «شيترا مودقال» ففي هذه القصة الضمير المتكلم يضع القارئ أمام معاناة المرأة المتفاقمة حين تكون كاتبة وهي في الوقت نفسه زوجة لرئيس تحرير، الحكاية تسرد الأوجاع النفسية لهذه الكاتبة والمواقف التي تعرضت لها تباعاً بسبب زوجها الرئيس التحرير وعن كيفية إسقاط هويتها المستقلة ككاتبة ؛ فهي في نظر العالم من حولها مجرد زوجة لرئيس تحرير «هذه الهوية كنست وتكنس تحت السجادة بضربة واحدة عندما يعتبرني الناس الذين أكون معهم مجرد زوجة رئيس تحرير» فالدعوات التي كانت تصلها ككاتبة كانت بغرض الوصول لزوجها رئيس التحرير، فأحيانا تصادف شاباً يسلمها مظروفاً، ويطلب منها أن تقوم بإنصافه بتسليم هذا المظروف لزوجها رئيس التحرير، وفي مرة ثانية تصادف كاتباً كبيراً يُخرج مجلة من حقيبته، ليريها كيف أن زوجها رئيس التحرير قام بتشويه حكايته الأصلية بالقص أثناء النشر، وفي المرة الثالثة والتي كانت تعتقد أنها نجت من ملاحقة الذين يريدون زوجها لتتفاجأ أثناء تكريمها في محفل أدبي أحد المنظمين يسلمها ملفاً يحوي أوراقاً وصوراً عن الحفل، طالباً منها أن تقوم بتوصيله إلى زوجها رئيس التحرير؛ ليقوم بنشرها كما هي..!
هذه المرأة الكاتبة التي تفقد هويتها كلياًّ ليس أمام الناس وحسب بل أمام زوجها أيضا الذي يطلب منها بنبرة حادة أن تكّف عن التدخل في أعماله، هذه الكاتبة التي تؤمن تماماً بعد هذه التجارب العاثرة أن القارئ وحده من سيفهم ما تعانيه حقاً «إنها الحقيقة المرّة، فلا الزوج ولا الأخ أو الأب أو الصديق، لا الحبيب ولا الجار، لا أحد من هؤلاء يمتلك ذلك القدر من الحساسية والتعاطف اللذين يملكهما القارئ»..
في قصة «لكل ما يخصّها» التي تحمل عنوان المجموعة القصصية للكاتبة نفسها تحكي حكاية قد لا يستسيغها العقل المحافظ، حكاية أقرب ما تكون مستوردة عن عقل غربي، بين زوجين هنديين يعزمان حضور حفل خاص يقام للمتزوجين فقط، في هذا الحفل يبادل الرجال فيما بينهم زوجاتهم، وعبر مفتاح السيارة التي يغرق في الجعة يسحب الزوج حظّه مع امرأة صديقه والزوجات يكنّ مجرد متفرجات وسلع للتبادل..!
على الرغم من الفكر الحداثي الذي يدّعي هذين الزوجين التمتع به، غير أنه في النهاية تخبرنا القصة بأنهما متحفّظان تجاه أسرارهما الخاصة، الزوجة التي تترقّب بغيرة من زوجها ليخبرها تفاصيل ليلته مع زوجة صديقه، تحاول تصديقه حين يخبرها بأنه لم يفعل شيّئاً ويقع الرجل في مطّب الكذب؛ كي لا ينهي حياته الزوجية..!
أما قصة « دمية ممزقة» للكاتبة «مانجولي بهاقات» هي قصة امرأة، بالأدق امرأة تبقى فتاةً عذراء في كنف رجل عاجز متعلق بأمه، لدرجة تشعر معه بأن حبل سرُّته ما يزال مربوطاً بقوة برحم الأم، المرأة التي تحيا في كندا بعيداً عن أهلها في الهند تتقبّل حياتها بوضعيتها الغريبة، بل تتفانى بأن تكون زوجة مطيعةً، طاهيةً جيدة ومثاليةً في أعمال البيت، وحين تكتشف أمها عذريتها لا تقبل هي بتغيير الوضع ولا بوضع آخر، وتصرّ أن العلاقات لا يمكن تركها تنهار بسهولة، وأن الطلاق هو طريق إلى الفوضى،
قد تكون حياتها ناقصة مع رجلها لكنها منظمة، مقتنعةً تماماً بأن الحياة هكذا جاءت ناقصةً لا مكتملةً، هذا النقصان الذي يلاحق كل من يحيا في هذه الحياة..
إذا كانت المرأة المتزوجة لها معاناتها في مجتمع الهندي المحافظ والحداثي في آن، فإن معاناة الفتاة العزباء لا تقل قسوة في ظل مجتمع شرقي، ففي قصة «حياة خاصة» للكاتبة «جيتنجالي شري» هي عن فتاة عزباء في الثلاثين من عمرها، ترغب في التحرر حين تعيش لوحدها في مجتمع يمقت عيش الفتاة لوحدها بل تعدّ ذلك نوعاً من الاختلال، لكن الفتاة تصرّ على نمط حياتها في حين يصّر مجتمعها الذكوري والأنثوي أيضا من حولها على كتم أنفاسها وملاحقتها بنظراتهم المتلصصة، وكأن الحياة الشخصية التي تسعى لها ما هي سوى انتهاك لجسدها «الحياة الخاصة تعني الحياة المنفلتة! الخسيسة!»..
هذا الجسد هو شرف البنت، فيرون أن تفريقها ما بين ذاتها وجسدها هو انتهاك حقيقي لشرفها، فالبنت كما يؤمنون أبداً، وكما جاء في شرائعهم «إلهة» لذا يجب أن يصان جسدها، على الرغم من الانتهاكات المتفاقمة التي تتعرض لها كفتاة، كامرأة، هذه الإلهة كما يرونها في المجتمع الذكوري..!
حكايات النساء المعاصرات لا تكف عن ضخّ معاناتها في هذه المجموعة التي احتوت على أكثر من عشرين حكاية لامست قلوب النساء ووضعهن في ظل مجتمع يدّعي أصحابه أنهم محافظون، لكن ما يجعل هذه القصص فريدة حقا من نوعها هي في طريقة سردها وفي أسلوب احتوائها لأجواء المرأة وأحلامها وتطلعاتها، هذه المرأة التي جاءت بكامل حالاتها، فهي مرة كاتبة ومرة زوجة رئيس تحرير، مرة فتاة في الثلاثين ومرة دمية، مرة موظفة في بنك وربة بيت وأم وابنة، في هذه التقلبات تظل المرأة هي نفسها، تضارع الأوضاع نفسها، لكن دروب تحدّيها لواقعها ربما تتفاوت من امرأة إلى أخرى تبعاً لظروف نشأتها وتعليمها، لكن الأمر الأكيد أن الرجل الشرقي، الهندي تحديداً، في ظل حالات المرأة المختلفة ظل كما هو شرقيّاً، ذكورياً، أنانياً، متسلطاً، مستبداً، متعالياً، وفي مرات نادرة محبّاً كزوج وغريباً كصديق عابر، الرجل نفسه لديه من عقدّ المجتمع كما لدى المرأة تماما، الرجل الذي يحيق به مجمعه بطريقته لأنه رجل في مجتمع ذكوري ؛ لذا حين يسود وهو مأفون نفسيّا وجسدّيا، كان من الطبيعي أن يلحق عُقده بالمرأة التي هي جزء من حياته، المرأة الأم والمرأة الزوجة، المرأة الابنة، المرأة الحبيبة، في كل حالتها هي متكَأ الرجل وعكازته..!
إذا كانت المرأة المتزوجة لها معاناتها في مجتمع الهندي المحافظ والحداثي في آن، فإن معاناة الفتاة العزباء لا تقل قسوة في ظل مجتمع شرقي، ففي قصة «حياة خاصة» للكاتبة «جيتنجالي شري» هي عن فتاة عزباء في الثلاثين من عمرها، ترغب في التحرر حين تعيش لوحدها في مجتمع يمقت عيش الفتاة لوحدها بل تعدّ ذلك نوعاً من الاختلال، لكن الفتاة تصرّ على نمط حياتها في حين يصّر مجتمعها الذكوري والأنثوي أيضا من حولها على كتم أنفاسها وملاحقتها بنظراتهم المتلصصة، وكأن الحياة الشخصية التي تسعى لها ما هي سوى انتهاك لجسدها «الحياة الخاصة تعني الحياة المنفلتة! الخسيسة!»..
هذا الجسد هو شرف البنت، فيرون أن تفريقها ما بين ذاتها وجسدها هو انتهاك حقيقي لشرفها، فالبنت كما يؤمنون أبداً، وكما جاء في شرائعهم «إلهة» لذا يجب أن يصان جسدها، على الرغم من الانتهاكات المتفاقمة التي تتعرض لها كفتاة، كامرأة، هذه الإلهة كما يرونها في المجتمع الذكوري..!
حكايات النساء المعاصرات لا تكف عن ضخّ معاناتها في هذه المجموعة التي احتوت على أكثر من عشرين حكاية لامست قلوب النساء ووضعهن في ظل مجتمع يدّعي أصحابه أنهم محافظون، لكن ما يجعل هذه القصص فريدة حقا من نوعها هي في طريقة سردها وفي أسلوب احتوائها لأجواء المرأة وأحلامها وتطلعاتها، هذه المرأة التي جاءت بكامل حالاتها، فهي مرة كاتبة ومرة زوجة رئيس تحرير، مرة فتاة في الثلاثين ومرة دمية، مرة موظفة في بنك وربة بيت وأم وابنة، في هذه التقلبات تظل المرأة هي نفسها، تضارع الأوضاع نفسها، لكن دروب تحدّيها لواقعها ربما تتفاوت من امرأة إلى أخرى تبعاً لظروف نشأتها وتعليمها، لكن الأمر الأكيد أن الرجل الشرقي، الهندي تحديداً، في ظل حالات المرأة المختلفة ظل كما هو شرقيّاً، ذكورياً، أنانياً، متسلطاً، مستبداً، متعالياً، وفي مرات نادرة محبّاً كزوج وغريباً كصديق عابر، الرجل نفسه لديه من عقدّ المجتمع كما لدى المرأة تماما، الرجل الذي يحيق به مجمعه بطريقته لأنه رجل في مجتمع ذكوري ؛ لذا حين يسود وهو مأفون نفسيّا وجسدّيا، كان من الطبيعي أن يلحق عُقده بالمرأة التي هي جزء من حياته، المرأة الأم والمرأة الزوجة، المرأة الابنة، المرأة الحبيبة، في كل حالتها هي متكَأ الرجل وعكازته..!
#العالم_مقلوب
كتب إدواردو غاليانو في روايته "أبناء الأيّام": لا يمكنك ألّا أن ترى العالم مقلوبًا: لقد غزت القوّات العراقيّة أمريكا خوفًا من أسلحة الدمار الشامل المتراكمة في ترساناتها، ولم تكن لها أبدًا نيّة سَيِّئَة بالاستيلاء على حقول النفط في ألاسكا، لقد خلّفت القوّات العراقيّة أضرارًا جسيمة، فالكثير من المدنيّين الأمريكيّين ومعظمهم من النساء والأطفال قد فقدوا حياتهم أو بترت أطرافهم، لم يُعرف حتّى الآن العدد الدقيق؛ لأنّ التقاليد تقضي بإحصاء ضحايا القوّات، وتحظر إحصاء ضحايا الأهالي المحتلّين.
كتب إدواردو غاليانو في روايته "أبناء الأيّام": لا يمكنك ألّا أن ترى العالم مقلوبًا: لقد غزت القوّات العراقيّة أمريكا خوفًا من أسلحة الدمار الشامل المتراكمة في ترساناتها، ولم تكن لها أبدًا نيّة سَيِّئَة بالاستيلاء على حقول النفط في ألاسكا، لقد خلّفت القوّات العراقيّة أضرارًا جسيمة، فالكثير من المدنيّين الأمريكيّين ومعظمهم من النساء والأطفال قد فقدوا حياتهم أو بترت أطرافهم، لم يُعرف حتّى الآن العدد الدقيق؛ لأنّ التقاليد تقضي بإحصاء ضحايا القوّات، وتحظر إحصاء ضحايا الأهالي المحتلّين.
نجيب محفوظ «خادش حياء».. «لو كان حيًّا لعاقبناه»!
محمد شعير
انتفض عضو البرلمان المصري، نفرت عروقه، واستجمع كل ميراث الذكورة في المجتمع وهو يقول: «نعم أدب نجيب محفوظ خادش للحياء.. ولو كان حيّاً لعاقبناه». ليس مهما اسم البرلماني، هو نموذج، مثله مثل كثيرين. لم تعرف الكتب طريقها إلى بيوتهم إلا صدفة أو بركة. مستقر في جهله، يتفاخر به، يعلقه وساما وشارة.. لذا أراد أن يوضح موقفه بعد جلسة البرلمان للصحافة.. فسئل هل قرأت نجيب محفوظ؟.. أجاب بفخر: نعم، قرأت له عندما كنت صغيرا رواية «الجبل»!
لا يعرف البرلماني الحاصل على درجة الدكتوراه في القانون أن ليس لمحفوظ رواية بهذا الاسم أساسا.. ولا أظن أنه يقصد رواية فتحي غانم التي تحمل الاسم عينه. العبارة التي قالها عضو البرلمان ذات شقين: أدب محفوظ خادش للحياء، نعم هو ذلك، كل أدب عظيم هو خادش لكل ما هو سائد ومستقر، وأدب صاحب الثلاثية «خادش للحياء»، خادش للمستقر. ولماذا لا يخدش الأدب الحياء؟ بل لماذا صار خدش الحياة في ـ القانون ـ تهمة، يعاقب بها الأدباء في القرن الحادي والعشرين؟ هل يريد النائب البرلماني قائمة بأعمال خدشت الحياء على مر العصور؟
قائمة
قائمة تبدأ بالأحاديث النبوية في صحيح البخاري، وتمتدّ إلى ابن عباس والسيوطي، وابن كثير، في الكتب المقدسة: العهدين القديم والجديد، وألف ليلة وليلة، وأبو نواس، والمتنبي، والمعري وحسان بن ثابت شاعر الرسول. هل يريد دليلا لخدش الحياء فى أعمال نجيب محفوظ نفسه؟ الثلاثية التي لم يقرأها النائب (انتهى محفوظ من كتابتها في إبريل 1952، وتعتبر تأريخا اجتماعيا وفنيا لما جرى في مصر بين ثورتين، تبدأ أحداثها عام 1917 وتنتهي 1947). يرصد محفوظ في ثلاثيته هذه ذاك الازدواج لدى الشخصية الرئيسية أحمد عبد الجواد المتدين الملتزم في منزله. تستقبله زوجته بالدعاء، وتساعده على نزع ملابسه وخدمته ووضع قدميه في الماء الساخن، وهي تسرد عليه أخبار الأولاد والبنات، وبينما يستمع متظاهرا بالتجهم؛ لكي لا يقلل من شخصيته المهيبة. وعندما يرغب الأولاد أمرا فإنهم لا يتحدثون إليه مباشرة، بل يخبرون الأم لتمهد له الأمر، ينزعج جدا عندما تخرج زوجته أمينة لزيارة «سيدنا الحسين»، ويتعجب عندما يدخل أحدهم منزله ليطلب يد ابنته للزواج متسائلا أين شاهد العريس ابنته؟ هل فتحت الشباك وظهرت للناس؟
وعندما يخرج من منزله، يتحول مع أصدقائه إلى عاشق «الهلس» والرقص، والشراب، يقضي الليل في العوامات مع العوالم، ويتحول هؤلاء إلى كورال فرقة فنية وعندما ينتهي الحفل يتقمص مرة أخرى دوره الجادّ المحافظ، قبل أن يتجه إلى منزله،
نجيب محفوظ فضح تلك الممارسات المزدوجة التي لم يتخل عنها المجتمع حتى الآن. فضح الساسة الذين كان شعارهم «البقاء للأوسخ بل للأكثر وساخة» مقدما نموذجا لشخصية محجوب عبد الدايم أو سرحان البحيري المتجدد دائما، فضح ممارسات المثقفين وانعزالهم في «ثرثرة فوق النيل».. وفضح.. وفضح.. أليس في ذلك خدش للحياء؟! وألا تذكرنا هذه الشخصيات الورقية، أو التي كان ينبغي أن تكون ورقية بنماذج في الواقع الآن؟
يخدش نجيب محفوظ الحياء.. ولكن لماذا يريد النائب البرلماني أن يعاقبه؟ ما الجريمة في هذا الفضح؟ هل اقترب نجيب محفوظ بشخصياته من الواقع لهذه الدرجة؟ هل لدى النائب أو غيره من المنوط بهم التشريع الأقرب لمزدوجي الشخصيات أو يشبهون محجوب عبد الدايم (لاسمح الله) شعارهم: البقاء للأوسخ!
تاريخ من المساخر
يبدو تاريخنا مجموعة من المساخر التاريخية المتكررة، التي لا تنتهي. في عام 1960، كان نجيب محفوظ بطلا أيضا لاستجواب برلماني شبيه ذلك، في أعقاب نشر رواية «أولاد حارتنا» بصحيفة «الأهرام»، إذ قاد وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي، وكان معروفا بميوله الصوفية، وأصبح بعد أن ترك منصبه عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، هجوما شديدا على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة جهاز الرقابة لنجيب محفوظ، لرجل «متهم في عقيدته الدينية». ونشر حسن عباس زكي في «الأهرام»، بعد يومين من نهاية نشر «أولاد حارتنا»، وتحديدا يوم 27 ديسمبر 1959 مقالا بعنوان «الفن الذى نريده».. وتلى هذا المقال عشرون مقالا آخر نشرت ما بين «الأهرام» و «الأخبار»، تناول فيها نظريته «الاشتراكية الإسلامية».. مؤكدا أن علة المجتمع المصري هي ضعف «المعاني الروحية». واقترح توظيف كل الامكانيات لتربية المواطنين تربية صالحة، بما فيها الفن: «من حقنا عليه (الفنان) أن يتجه بفنه إلى الأفكار التي رسمتها الدولة لحياتنا».. وأضاف: «أما الحرية فيجب ألا تكون أداة تجريب وتضليل أو تكون مبعثا لزيغ العقائد». «أولاد حارتنا» هي الرواية التي كادت أن تكلف محفوظ حياته 1994 عندما تعرض لمحاولة اغتيال على يد أحد اعضاء الجماعة الإسلامية.
وفي ما بعد، قبل شهور قليلة من «هزيمة يونيو»، وصل إلى عبد الناصر عدة تقارير من أعضاء في الاتحاد الاشتراكي ضد رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل». تقارير كتبها مثقفون وسياسيون يتهمون ا
محمد شعير
انتفض عضو البرلمان المصري، نفرت عروقه، واستجمع كل ميراث الذكورة في المجتمع وهو يقول: «نعم أدب نجيب محفوظ خادش للحياء.. ولو كان حيّاً لعاقبناه». ليس مهما اسم البرلماني، هو نموذج، مثله مثل كثيرين. لم تعرف الكتب طريقها إلى بيوتهم إلا صدفة أو بركة. مستقر في جهله، يتفاخر به، يعلقه وساما وشارة.. لذا أراد أن يوضح موقفه بعد جلسة البرلمان للصحافة.. فسئل هل قرأت نجيب محفوظ؟.. أجاب بفخر: نعم، قرأت له عندما كنت صغيرا رواية «الجبل»!
لا يعرف البرلماني الحاصل على درجة الدكتوراه في القانون أن ليس لمحفوظ رواية بهذا الاسم أساسا.. ولا أظن أنه يقصد رواية فتحي غانم التي تحمل الاسم عينه. العبارة التي قالها عضو البرلمان ذات شقين: أدب محفوظ خادش للحياء، نعم هو ذلك، كل أدب عظيم هو خادش لكل ما هو سائد ومستقر، وأدب صاحب الثلاثية «خادش للحياء»، خادش للمستقر. ولماذا لا يخدش الأدب الحياء؟ بل لماذا صار خدش الحياة في ـ القانون ـ تهمة، يعاقب بها الأدباء في القرن الحادي والعشرين؟ هل يريد النائب البرلماني قائمة بأعمال خدشت الحياء على مر العصور؟
قائمة
قائمة تبدأ بالأحاديث النبوية في صحيح البخاري، وتمتدّ إلى ابن عباس والسيوطي، وابن كثير، في الكتب المقدسة: العهدين القديم والجديد، وألف ليلة وليلة، وأبو نواس، والمتنبي، والمعري وحسان بن ثابت شاعر الرسول. هل يريد دليلا لخدش الحياء فى أعمال نجيب محفوظ نفسه؟ الثلاثية التي لم يقرأها النائب (انتهى محفوظ من كتابتها في إبريل 1952، وتعتبر تأريخا اجتماعيا وفنيا لما جرى في مصر بين ثورتين، تبدأ أحداثها عام 1917 وتنتهي 1947). يرصد محفوظ في ثلاثيته هذه ذاك الازدواج لدى الشخصية الرئيسية أحمد عبد الجواد المتدين الملتزم في منزله. تستقبله زوجته بالدعاء، وتساعده على نزع ملابسه وخدمته ووضع قدميه في الماء الساخن، وهي تسرد عليه أخبار الأولاد والبنات، وبينما يستمع متظاهرا بالتجهم؛ لكي لا يقلل من شخصيته المهيبة. وعندما يرغب الأولاد أمرا فإنهم لا يتحدثون إليه مباشرة، بل يخبرون الأم لتمهد له الأمر، ينزعج جدا عندما تخرج زوجته أمينة لزيارة «سيدنا الحسين»، ويتعجب عندما يدخل أحدهم منزله ليطلب يد ابنته للزواج متسائلا أين شاهد العريس ابنته؟ هل فتحت الشباك وظهرت للناس؟
وعندما يخرج من منزله، يتحول مع أصدقائه إلى عاشق «الهلس» والرقص، والشراب، يقضي الليل في العوامات مع العوالم، ويتحول هؤلاء إلى كورال فرقة فنية وعندما ينتهي الحفل يتقمص مرة أخرى دوره الجادّ المحافظ، قبل أن يتجه إلى منزله،
نجيب محفوظ فضح تلك الممارسات المزدوجة التي لم يتخل عنها المجتمع حتى الآن. فضح الساسة الذين كان شعارهم «البقاء للأوسخ بل للأكثر وساخة» مقدما نموذجا لشخصية محجوب عبد الدايم أو سرحان البحيري المتجدد دائما، فضح ممارسات المثقفين وانعزالهم في «ثرثرة فوق النيل».. وفضح.. وفضح.. أليس في ذلك خدش للحياء؟! وألا تذكرنا هذه الشخصيات الورقية، أو التي كان ينبغي أن تكون ورقية بنماذج في الواقع الآن؟
يخدش نجيب محفوظ الحياء.. ولكن لماذا يريد النائب البرلماني أن يعاقبه؟ ما الجريمة في هذا الفضح؟ هل اقترب نجيب محفوظ بشخصياته من الواقع لهذه الدرجة؟ هل لدى النائب أو غيره من المنوط بهم التشريع الأقرب لمزدوجي الشخصيات أو يشبهون محجوب عبد الدايم (لاسمح الله) شعارهم: البقاء للأوسخ!
تاريخ من المساخر
يبدو تاريخنا مجموعة من المساخر التاريخية المتكررة، التي لا تنتهي. في عام 1960، كان نجيب محفوظ بطلا أيضا لاستجواب برلماني شبيه ذلك، في أعقاب نشر رواية «أولاد حارتنا» بصحيفة «الأهرام»، إذ قاد وزير الاقتصاد آنذاك حسن عباس زكي، وكان معروفا بميوله الصوفية، وأصبح بعد أن ترك منصبه عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، هجوما شديدا على وزير الثقافة ثروت عكاشة لأنه أسند مهمة جهاز الرقابة لنجيب محفوظ، لرجل «متهم في عقيدته الدينية». ونشر حسن عباس زكي في «الأهرام»، بعد يومين من نهاية نشر «أولاد حارتنا»، وتحديدا يوم 27 ديسمبر 1959 مقالا بعنوان «الفن الذى نريده».. وتلى هذا المقال عشرون مقالا آخر نشرت ما بين «الأهرام» و «الأخبار»، تناول فيها نظريته «الاشتراكية الإسلامية».. مؤكدا أن علة المجتمع المصري هي ضعف «المعاني الروحية». واقترح توظيف كل الامكانيات لتربية المواطنين تربية صالحة، بما فيها الفن: «من حقنا عليه (الفنان) أن يتجه بفنه إلى الأفكار التي رسمتها الدولة لحياتنا».. وأضاف: «أما الحرية فيجب ألا تكون أداة تجريب وتضليل أو تكون مبعثا لزيغ العقائد». «أولاد حارتنا» هي الرواية التي كادت أن تكلف محفوظ حياته 1994 عندما تعرض لمحاولة اغتيال على يد أحد اعضاء الجماعة الإسلامية.
وفي ما بعد، قبل شهور قليلة من «هزيمة يونيو»، وصل إلى عبد الناصر عدة تقارير من أعضاء في الاتحاد الاشتراكي ضد رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل». تقارير كتبها مثقفون وسياسيون يتهمون ا
