" كتب جندي انجليزي :
قتلت جنديا ألمانيا و حين فتشته وجدت ورقة كتب عليها : " ألمانيا ستنتصر لأن الله معها " .
خفت فقد أخبروني أن الله معنا!" .
قتلت جنديا ألمانيا و حين فتشته وجدت ورقة كتب عليها : " ألمانيا ستنتصر لأن الله معها " .
خفت فقد أخبروني أن الله معنا!" .
الكتب ليست الناس بل طريق الوصول إليهم .
تشيزاريه بافيزي
يُعدّ الكاتب والشاعر تشيزاريه بافزي (مواليد 9 ايلول 1908 في «سانتو ستيفانو بيلبو» وتوفي منتحرا في مدينة «تورينو» في 27 آب 1950) واحدا من أهم كتّاب إيطاليا في القرن العشرين، على الرغم من أن شهرته تضاعفت بعد موته، حيث اكتشف القراء «سحر كلماته». من انتسابه للشباب الفاشي قبل الحرب العالمية الثانية (تحت تأثير أهله كما كان يقول) إلى الحزب الشيوعي الإيطالي بعد الحرب، مسيرة متنوعة وغنيّة على الرغم من أن حياته كانت قصيرة نسبيا.
في هذا النص المستل من كتابه «الأسطورة والأدب» والذي يحمل عنوان «أن تقرأ»، يحاول الكاتب أن يطرح سؤال الكتابة والقراءة اللذين يعتبرهما بمثابة السبب الرئيسي في إنسانيتنا..
^ سؤال أول
درجت العادة على دعوة الكتّاب إلى شيء من الوضوح، والبساطة، والالتفات إلى الجموع الغفيرة التي لا تحسن الكتابة الأدبية والفنيّة والإبداعية، لكننا أحيانا نطرح على أنفسنا، بإلحاح، سؤالا بسيطا: هل يحسن الناس القراءة؟
^ من هو القارئ؟
«القراءة شيء بمنتهى السهولة»، يقول الذين أنتزع منهم التعامل مع الورق كل هيبة للكلمة المكتوبة. أما الذي يختلط بالناس أكثر من الكتب، ذلك الذي يخرج الى العمل في الصباح الباكر ليرجع في المساء أصلب عودا بفعل تعامله مع الحياة، فإنه حالما تقع صفحة من كتاب تحت عينيه يشعر أنه أمام شيء خشن أو حتى بغيض، شيء يجمع الصلابة بالتلاشي، شيء يثبت عزيمته لكنه يستفزه. هذه الفئة من البشر هي حتما أقرب إلى القراءة الصحيحة من أي فئة أخرى. تشبه الكتب البشر، لذلك يجب التعامل معها بمنتهى الجدية، ولكن كونها تشبه البشر، ينبغي الحذر من أن نجعل منها أصناما، أو بمعنى آخر، أدوات للكسل. إن الإنسان الذي لا يعيش بين الكتب، والذي يبذل مجهودا مضاعفا للمسها، وفتحها، والغوص فيها، يمتلك رصيدا من التواضع، من القوة الواعية التي تتيح له مقاربة الكلمات بما يليق بها من الاحترام أو المحبة المقرونة بالهيبة، كما نقارب شخصا عزيزا نحبه ونهابه. إن هذه المقاربة قد تكون أهم من «الثقافة»، بل لعلها هي الثقافة الحقيقية نفسها: الحاجة إلى فهم الآخرين ومحبتهم هي الطريق الوحيد من أجل أن نفهم أنفسنا ونحبها، من هنا تبدأ الثقافة. الكتب ليست هي الناس، بل طرق للوصول إليهم. الذي يحب الكتب ولا يحب الناس، هو شيطان أو معتوه.
الكتابة والآخر
ثمة عائق ينتصب باستمرار أمام القراءة، وهو نفسه في شتى ميادين الحياة: الثقة الفائضة بالنفس، انعدام التواضع، رفض استقبال الآخر وتلقيه، الآخر المختلف. عادة ما نصاب بجرح نرجسي حين نكتشف أن أحدهم قد قارب الأشياء بطريقة قد لا تكون أكثر عمقا، ولكن حتما بطريقة مختلفة. يروق لنا أحيانا أن نصاب بالدهشة عندما نقرأ، لكنها غالبا ما تكون محدودة. نادرا ما تخرجنا الدهشة من أنفسنا تماما، كأن نفقد توازنا لنجد آخر أكثر خطورة، كأن نضرب الأرض بأرجلنا، كأن نرجع مثل الأطفال. تنقصنا عذرية الأطفال فهي براءة محضة: نحن نمتلك أفكارا وأذواقا لندافع عنها. إن أسهل الأشياء هو افتراض أن كل شيء قد انتهى بخلاصات القراءة، وأننا بتنا نمتلك خزائن الحقيقة والعدالة والجمال. إنه لخطأ فظيع وشائع، كمن يعتقد أن واجبه تجاه الفقراء قد انتهى بمجرد وضعه قطعة نقدية معدنية في يد متسول. يجب على القراءة أن تفتح نافذة في مادتنا الكسولة والمتغطرسة: نافذة للمغايرة والأسئلة المستمرة.
^ القراءة والاستعداد والنقد
يكون الأكاديمي الذي يجيد التعامل بسهولة مع المعرفة والذائقة، عادة، بلا روح، متجردا من حب الإنسان، صلفا وصلب العود بفعل موضوعيته وأنانيته المغلقة. إن الإنسان المناسب لتنسم هواء المخيلة والحياة الذي توفره القراءة هو شخص يفتقد ألفباء اللغات الاكاديمية، بل حتى الإنسان المشوه باستعدادات مغلوطة، حين تصدمه القراءة بمنظومة من القيم أو الجمال كانت قد شوهتها لديه الإيديولوجيا أو البروباغاندا. لكن الذي يواجه نصا في الفيزياء، أو قيدا في المحاسبة، أو تمرينا نحويا في اللغة لا بد له من تحضيرات ومفاهيم مسبقة للتعامل مع مادة القراءة. هل هناك حقيبة مماثلة لمقاربة رواية أو قصيدة، أو نص إبداعي أو تأملات؟ أم أن هذه الأنواع هي أكثر تعقيدا بحيث لا يمكن حصرها في كتيب تعليمات أو مرجع أكاديمي؟ للإجابة، البساطة لا تعني التبسيط. إن النصوص الإبداعية التي تبدو بسيطة وواضحة من القراءة الأولى قد تكون هي الأكثر خطورة: يعتقد الكثيرون أن هذه النصوص تقارب بقليل من الانتباه، أو بنسبة من الذكاء العادي، كونها لا تتوجه بالخطاب الى الفيزيائي أو خبير المحاسبة أو المتخصص باللغة، بل تتوجه الى «الإنسان» في دواخلهم. لا يتوجه الشعراء والروائيون والفلاسفة الى إنسان في المطلق، الإنسان المجرد، بل عادة ما يتوجهون الى إنسان حقبة معينة، إنسان أمام عقدة يجب حلها، أو انفعال، أو التعايش معها، وخاصة في الروايات. الخطاب هنا موجه الى الناقد: من أجل نقد الرواية مثلا، يجب على الأقل
تشيزاريه بافيزي
يُعدّ الكاتب والشاعر تشيزاريه بافزي (مواليد 9 ايلول 1908 في «سانتو ستيفانو بيلبو» وتوفي منتحرا في مدينة «تورينو» في 27 آب 1950) واحدا من أهم كتّاب إيطاليا في القرن العشرين، على الرغم من أن شهرته تضاعفت بعد موته، حيث اكتشف القراء «سحر كلماته». من انتسابه للشباب الفاشي قبل الحرب العالمية الثانية (تحت تأثير أهله كما كان يقول) إلى الحزب الشيوعي الإيطالي بعد الحرب، مسيرة متنوعة وغنيّة على الرغم من أن حياته كانت قصيرة نسبيا.
في هذا النص المستل من كتابه «الأسطورة والأدب» والذي يحمل عنوان «أن تقرأ»، يحاول الكاتب أن يطرح سؤال الكتابة والقراءة اللذين يعتبرهما بمثابة السبب الرئيسي في إنسانيتنا..
^ سؤال أول
درجت العادة على دعوة الكتّاب إلى شيء من الوضوح، والبساطة، والالتفات إلى الجموع الغفيرة التي لا تحسن الكتابة الأدبية والفنيّة والإبداعية، لكننا أحيانا نطرح على أنفسنا، بإلحاح، سؤالا بسيطا: هل يحسن الناس القراءة؟
^ من هو القارئ؟
«القراءة شيء بمنتهى السهولة»، يقول الذين أنتزع منهم التعامل مع الورق كل هيبة للكلمة المكتوبة. أما الذي يختلط بالناس أكثر من الكتب، ذلك الذي يخرج الى العمل في الصباح الباكر ليرجع في المساء أصلب عودا بفعل تعامله مع الحياة، فإنه حالما تقع صفحة من كتاب تحت عينيه يشعر أنه أمام شيء خشن أو حتى بغيض، شيء يجمع الصلابة بالتلاشي، شيء يثبت عزيمته لكنه يستفزه. هذه الفئة من البشر هي حتما أقرب إلى القراءة الصحيحة من أي فئة أخرى. تشبه الكتب البشر، لذلك يجب التعامل معها بمنتهى الجدية، ولكن كونها تشبه البشر، ينبغي الحذر من أن نجعل منها أصناما، أو بمعنى آخر، أدوات للكسل. إن الإنسان الذي لا يعيش بين الكتب، والذي يبذل مجهودا مضاعفا للمسها، وفتحها، والغوص فيها، يمتلك رصيدا من التواضع، من القوة الواعية التي تتيح له مقاربة الكلمات بما يليق بها من الاحترام أو المحبة المقرونة بالهيبة، كما نقارب شخصا عزيزا نحبه ونهابه. إن هذه المقاربة قد تكون أهم من «الثقافة»، بل لعلها هي الثقافة الحقيقية نفسها: الحاجة إلى فهم الآخرين ومحبتهم هي الطريق الوحيد من أجل أن نفهم أنفسنا ونحبها، من هنا تبدأ الثقافة. الكتب ليست هي الناس، بل طرق للوصول إليهم. الذي يحب الكتب ولا يحب الناس، هو شيطان أو معتوه.
الكتابة والآخر
ثمة عائق ينتصب باستمرار أمام القراءة، وهو نفسه في شتى ميادين الحياة: الثقة الفائضة بالنفس، انعدام التواضع، رفض استقبال الآخر وتلقيه، الآخر المختلف. عادة ما نصاب بجرح نرجسي حين نكتشف أن أحدهم قد قارب الأشياء بطريقة قد لا تكون أكثر عمقا، ولكن حتما بطريقة مختلفة. يروق لنا أحيانا أن نصاب بالدهشة عندما نقرأ، لكنها غالبا ما تكون محدودة. نادرا ما تخرجنا الدهشة من أنفسنا تماما، كأن نفقد توازنا لنجد آخر أكثر خطورة، كأن نضرب الأرض بأرجلنا، كأن نرجع مثل الأطفال. تنقصنا عذرية الأطفال فهي براءة محضة: نحن نمتلك أفكارا وأذواقا لندافع عنها. إن أسهل الأشياء هو افتراض أن كل شيء قد انتهى بخلاصات القراءة، وأننا بتنا نمتلك خزائن الحقيقة والعدالة والجمال. إنه لخطأ فظيع وشائع، كمن يعتقد أن واجبه تجاه الفقراء قد انتهى بمجرد وضعه قطعة نقدية معدنية في يد متسول. يجب على القراءة أن تفتح نافذة في مادتنا الكسولة والمتغطرسة: نافذة للمغايرة والأسئلة المستمرة.
^ القراءة والاستعداد والنقد
يكون الأكاديمي الذي يجيد التعامل بسهولة مع المعرفة والذائقة، عادة، بلا روح، متجردا من حب الإنسان، صلفا وصلب العود بفعل موضوعيته وأنانيته المغلقة. إن الإنسان المناسب لتنسم هواء المخيلة والحياة الذي توفره القراءة هو شخص يفتقد ألفباء اللغات الاكاديمية، بل حتى الإنسان المشوه باستعدادات مغلوطة، حين تصدمه القراءة بمنظومة من القيم أو الجمال كانت قد شوهتها لديه الإيديولوجيا أو البروباغاندا. لكن الذي يواجه نصا في الفيزياء، أو قيدا في المحاسبة، أو تمرينا نحويا في اللغة لا بد له من تحضيرات ومفاهيم مسبقة للتعامل مع مادة القراءة. هل هناك حقيبة مماثلة لمقاربة رواية أو قصيدة، أو نص إبداعي أو تأملات؟ أم أن هذه الأنواع هي أكثر تعقيدا بحيث لا يمكن حصرها في كتيب تعليمات أو مرجع أكاديمي؟ للإجابة، البساطة لا تعني التبسيط. إن النصوص الإبداعية التي تبدو بسيطة وواضحة من القراءة الأولى قد تكون هي الأكثر خطورة: يعتقد الكثيرون أن هذه النصوص تقارب بقليل من الانتباه، أو بنسبة من الذكاء العادي، كونها لا تتوجه بالخطاب الى الفيزيائي أو خبير المحاسبة أو المتخصص باللغة، بل تتوجه الى «الإنسان» في دواخلهم. لا يتوجه الشعراء والروائيون والفلاسفة الى إنسان في المطلق، الإنسان المجرد، بل عادة ما يتوجهون الى إنسان حقبة معينة، إنسان أمام عقدة يجب حلها، أو انفعال، أو التعايش معها، وخاصة في الروايات. الخطاب هنا موجه الى الناقد: من أجل نقد الرواية مثلا، يجب على الأقل
أن تضع نفسك في حقبة تلك الرواية، وأن تعايش أسئلتها ومشكلاتها، والأهم وقبل كل شيء، تعلم لغة الكاتب وفهم قاموسه. حين يختار الكاتب أو الروائي كلمة، نبرة، صياغة ما، فإن له كل الحق عليك بأن لا يُحاكَم بسيف قراءة سابقة، كانت فيها الصيغة أكثر تنظيما، والكلمات أكثر سهولة، أو بشكل أكثر بساطة، مختلفة.
قد تكون اللغة هي العامل الأهم لدى الناقد، وبالتأكيد لدى الكاتب الذي يصنع كل مجده منها، ولكن لنكف عن اعتبار كل كلمة أو إيقاع، أو انعطافة في النص وكأنها مسألة تقاليد، وأخلاقيات، أو أحكام سياسية. حتى لو كان الفن أمرا بغاية الجدية مثل السياسة والأخلاق، فلنتذكر أن نقاربه بالكثير من المحبة والتواضع تجاه أنفسنا: لا أعرف بأي حق، أمام صفحة مكتوبة، ننسى أحيانا أننا بشر، وأن إنسانا فوق هذه الصفحة يخاطبنا عبر الكلمات.
ترجمة: محمد ناصر الدين
قد تكون اللغة هي العامل الأهم لدى الناقد، وبالتأكيد لدى الكاتب الذي يصنع كل مجده منها، ولكن لنكف عن اعتبار كل كلمة أو إيقاع، أو انعطافة في النص وكأنها مسألة تقاليد، وأخلاقيات، أو أحكام سياسية. حتى لو كان الفن أمرا بغاية الجدية مثل السياسة والأخلاق، فلنتذكر أن نقاربه بالكثير من المحبة والتواضع تجاه أنفسنا: لا أعرف بأي حق، أمام صفحة مكتوبة، ننسى أحيانا أننا بشر، وأن إنسانا فوق هذه الصفحة يخاطبنا عبر الكلمات.
ترجمة: محمد ناصر الدين
ليس لك خياراً فيما أنت عليه، لم يكن لك خياراً في مَن ستكون عائلتك، كيف ستكون ملامحك وتدويرة وجهك ؟ ليس لك خياراً في الصوت الذي سيسمعهُ الناس منك، ولا اللغة التي تتحدث بها من صغرك .. يرتديك النهار كشمسٍ ويتخلَّص منك الليل بإرغامك على النوم تعباً، وبعد كومة الفروض هذه أصبح لك وجهان وجهٌ بائسٌ ، الصقيع يرسم له عينان، ووجهٌ أنيق تُقابل بهِ المارَّة الأتعس منك، والأوفر حظاً، ولكن لا شيء يظهر للعلن غير "صورة إنسان مُكتمل" .. لم تختر بداية الحكاية ولن تختار نهايتها، ستتوقف عند مُنعطف لم تكن تتوقعه، لكن كُن مؤمناً أنَّك: لن تتكرَّر. -
تشارلز ديكنز
تشارلز ديكنز
القدّيسة - ميغيل كوريا موخيكا
ترجمة: عبدالله ناصر
نعم، هذا صحيح أيها الملازم. فلتسجل بالضبط ما أقوله لك: في عائلتنا الجميع مِثليّون. نحن حفنةٌ من الشواذ. أنا مثلاً سحاقيةٌ بائسة، وهذا أقل ما يمكن قوله إذا ما أخذت في الحسبان صفاتي الأخرى. حتى الآن، تمرّستُ لعقدين في الدعارة. ما رأيك؟ بالإضافة إلى كوني قوّادة، أكبر قوّادةٍ في البلدة. نعم، تلك القوّادة أنا. زرت السجن بضعة مرات ودائماً بالجرم نفسه: في ميدان الثورة، أستمني في الليل قبالة صورة فيلما اسبن زوجة راؤول كاسترو، فيلقون القبض علي كل مرة ثم يطلقون سراحي. أقول حينها _حتى أنا_ بأني لن أفعلها مجدداً، ولكن بعد بضعة أسابيع أجدني ذاهبةً إلى الميدان لأستمني أمام صورة تلك المرأة دون أن أدرك ذلك. أمشي أحياناً في الشارع، أحمل الآيس كريم في يد، وأستمني باليد الأخرى، بينما يقع زوجي في الحرج. لقد تزوجنا لكي نخفي هويتنا الحقيقية، فنحن في نهاية الأمر مجرد فضلات، فضلاتٌ من الشواذ. أفضل ما يمكنك فعله التخلص منها. لو كنتُ رئيس هذه الدولة لأرسلتنا جميعاً إلى الشمال لكي نزيد من فساد تلك المجتمعات، أقسم بذلك. في الواقع، طالما نحن ( ومن هم على شاكلتنا ) هنا فلن تنقذوا هذه الدولة من التخلّف. نعم، لأننا في حقيقة الأمر متخلفين. نسرق من البقية ذلك القدر الضئيل الذي تمنحونهم، ذلك القدر الضئيل الذي تمكنوا من سرقته. وأنتم تحاولون عبثاً تطوير هذا المكان ونحن بداخله. ألم تدرك بعد أيها الملازم بأن الأمر يستحيل أكثر صعوبة كل يوم، تكبر المشاكل وينمو الفشل مثل العشب؟ لأنكم تحصدون البطاطس فنرميها بعيداً، تنظفون الشوارع، فأستمني بينما أمشي عليها. لا تكن بهذه السذاجة أيها الملازم. أخرجونا من هنا وسوف ترون. ابني الأصغر ميئوسٌ منه. أنت تعمل معه، تلقنّهُ، أو تحاول تلقينه. ذلك الطفل كان يستمني يومياً مخرباً حبوب القمح الذي زرعها أبوه لا لشيء بل لدنائته. لن تنجح الكثير من الأشياء هنا. هل قمت أيها الملازم بتسجيل كل ما قلته؟ لا تفوّت شيئاً بحق الرب. نحن لا نستحق مثل هذا اللطف. والآن، عندما تسلمني تلك الرسالة الموقعة بكل الأختام الفاحشة، لن أخجل، لأنها الحقيقة. أنا قوّادةٌ ماجنة، سحاقيةٌ نهمة، سجينةٌ متبلدة، ربّةُ ماخور. من الواجب أن أشعر بالعار وأنا أقولها في وجهك. هل أدركت كل شيء؟ لا تنس شيئاً أيها الملازم. تلك حقيقتنا وما نحن عليه. ابنتي الصغرى تتسكع برفقة الأجانب، تقايض خدماتها بأزياء على الموضة. تغادر البيت من الاثنين حتى الاثنين الذي يليه. مجتمعنا - والمجتمعات التي تشبهه - تشعر بالعار لامتلاكها هذه المخلوقات. أنا أكرر كل ما قلته أيها الملازم في حال نسيتَ أمراً ما. لا أدري ما إذا كنت ترغب في أن أكون أكثر وضوحاً. أفضّل أن أختصر الأشياء، لأنني لو أخبرتك بكل تفاصيل ما فعلته وما كنته فمن المرجح أن تستغرق هذه المقابلة أسبوعاً كاملاً. سجّل أيضاً، لقد التحقت بالحزب النازي في عام١٩٤٥. كنت ملازمةً أيضاً أيها الملازم. كم كنت ملازمةً جيدة. أضف إلى ذلك، اعتدت على نشل الناس في الحافلات، كنت صديقةً لكلاريتا، أكبر نشّالةٍ في البلدة. تخيّل، لقد اعتدنا على العمل معاً وقد نشلتها هي أيضاً. سجّل كل ذلك أيها الملازم. نحن أربعة: طفلان وبالغان. هل سجلت أرقامنا المدنية؟ إياك أن تظن بأن الأطفال ليسو بذلك السوء، بل هم الأسوأ. انظر إلى هذه الندبة على يدي، تلك من ابنتي التي ضربتني بالفأس العام الماضي. تأكد أننا ما إن نغادر حتى أقصد إحدى الولايات وتمضي هي إلى بورتريكو. هل تظن أن بوسعي الحديث بصراحةٍ أكبر؟ اسمي خوانا، الشيطانة خوانا هكذا يلقبوني في الحيّ. خوانا المغطس ذلك لقبي في الشوارع. هل تريد سماع المزيد أيها الملازم؟ حسناً، لا أعمل، وقد اتهمت بالكسل والتبذير والخطر وأشياء أخرى. أخشى أن تخلط أيها الملازم بين الجرائم العديدة التي ارتكبتها عائلتي. أنا ليس من حوكم مؤخراً، تلك ابنتي. كما أن زوجي ليس من أشعل النار في حقول قصب السكر كما تقول، أنا من قام بذلك. لم يكن الطفل هو من سمم الفطائر أيها الملازم بل الأب، لكن الأطفال، لست أنا وليس زوجي، هم من اصطدموا بالشاحنة أثناء محاولتهم اللجوء إلى إحدى السفارات. قم بتدوين كل ذلك أيها الملازم. لا تغفل شيئاً من جرائمنا. الكوريون هوجموا عن طريق .. ( من هاجم أولئك الصينيّون؟ ) ابنتي. نعم ابنتي أيها الملازم. سأتحدث الآن ببطء. اكتب بهذه الطريقة " فتاة الشاحنة "، " الأب الكوري "، " الأم البقرة "، أوه حتى أنا صرت أخلط الأمور. " ولد الفطائر "، " الأب الدراجة ". أشعر بالإعياء أيها الملازم، دعني اهدأ قليلاً ولكن لا تتوقف في هذه الأثناء عن الكتابة. كان من الأفضل لو ألقيت علينا القبض عندما كنا نقترف تلك الجرائم. صارت تقاريرك الآن واضحةً جداً. أنا من سمم الفطائر، ومن قتل البقرة، آه كم أشعر بالتوتر أيها الملازم. أنا من أشعل النار في حقول قصب السكر، أشعر بالمرض أيها الملازم. نكاد نعجز عن الخروج من هنا. ابنتي هي
ترجمة: عبدالله ناصر
نعم، هذا صحيح أيها الملازم. فلتسجل بالضبط ما أقوله لك: في عائلتنا الجميع مِثليّون. نحن حفنةٌ من الشواذ. أنا مثلاً سحاقيةٌ بائسة، وهذا أقل ما يمكن قوله إذا ما أخذت في الحسبان صفاتي الأخرى. حتى الآن، تمرّستُ لعقدين في الدعارة. ما رأيك؟ بالإضافة إلى كوني قوّادة، أكبر قوّادةٍ في البلدة. نعم، تلك القوّادة أنا. زرت السجن بضعة مرات ودائماً بالجرم نفسه: في ميدان الثورة، أستمني في الليل قبالة صورة فيلما اسبن زوجة راؤول كاسترو، فيلقون القبض علي كل مرة ثم يطلقون سراحي. أقول حينها _حتى أنا_ بأني لن أفعلها مجدداً، ولكن بعد بضعة أسابيع أجدني ذاهبةً إلى الميدان لأستمني أمام صورة تلك المرأة دون أن أدرك ذلك. أمشي أحياناً في الشارع، أحمل الآيس كريم في يد، وأستمني باليد الأخرى، بينما يقع زوجي في الحرج. لقد تزوجنا لكي نخفي هويتنا الحقيقية، فنحن في نهاية الأمر مجرد فضلات، فضلاتٌ من الشواذ. أفضل ما يمكنك فعله التخلص منها. لو كنتُ رئيس هذه الدولة لأرسلتنا جميعاً إلى الشمال لكي نزيد من فساد تلك المجتمعات، أقسم بذلك. في الواقع، طالما نحن ( ومن هم على شاكلتنا ) هنا فلن تنقذوا هذه الدولة من التخلّف. نعم، لأننا في حقيقة الأمر متخلفين. نسرق من البقية ذلك القدر الضئيل الذي تمنحونهم، ذلك القدر الضئيل الذي تمكنوا من سرقته. وأنتم تحاولون عبثاً تطوير هذا المكان ونحن بداخله. ألم تدرك بعد أيها الملازم بأن الأمر يستحيل أكثر صعوبة كل يوم، تكبر المشاكل وينمو الفشل مثل العشب؟ لأنكم تحصدون البطاطس فنرميها بعيداً، تنظفون الشوارع، فأستمني بينما أمشي عليها. لا تكن بهذه السذاجة أيها الملازم. أخرجونا من هنا وسوف ترون. ابني الأصغر ميئوسٌ منه. أنت تعمل معه، تلقنّهُ، أو تحاول تلقينه. ذلك الطفل كان يستمني يومياً مخرباً حبوب القمح الذي زرعها أبوه لا لشيء بل لدنائته. لن تنجح الكثير من الأشياء هنا. هل قمت أيها الملازم بتسجيل كل ما قلته؟ لا تفوّت شيئاً بحق الرب. نحن لا نستحق مثل هذا اللطف. والآن، عندما تسلمني تلك الرسالة الموقعة بكل الأختام الفاحشة، لن أخجل، لأنها الحقيقة. أنا قوّادةٌ ماجنة، سحاقيةٌ نهمة، سجينةٌ متبلدة، ربّةُ ماخور. من الواجب أن أشعر بالعار وأنا أقولها في وجهك. هل أدركت كل شيء؟ لا تنس شيئاً أيها الملازم. تلك حقيقتنا وما نحن عليه. ابنتي الصغرى تتسكع برفقة الأجانب، تقايض خدماتها بأزياء على الموضة. تغادر البيت من الاثنين حتى الاثنين الذي يليه. مجتمعنا - والمجتمعات التي تشبهه - تشعر بالعار لامتلاكها هذه المخلوقات. أنا أكرر كل ما قلته أيها الملازم في حال نسيتَ أمراً ما. لا أدري ما إذا كنت ترغب في أن أكون أكثر وضوحاً. أفضّل أن أختصر الأشياء، لأنني لو أخبرتك بكل تفاصيل ما فعلته وما كنته فمن المرجح أن تستغرق هذه المقابلة أسبوعاً كاملاً. سجّل أيضاً، لقد التحقت بالحزب النازي في عام١٩٤٥. كنت ملازمةً أيضاً أيها الملازم. كم كنت ملازمةً جيدة. أضف إلى ذلك، اعتدت على نشل الناس في الحافلات، كنت صديقةً لكلاريتا، أكبر نشّالةٍ في البلدة. تخيّل، لقد اعتدنا على العمل معاً وقد نشلتها هي أيضاً. سجّل كل ذلك أيها الملازم. نحن أربعة: طفلان وبالغان. هل سجلت أرقامنا المدنية؟ إياك أن تظن بأن الأطفال ليسو بذلك السوء، بل هم الأسوأ. انظر إلى هذه الندبة على يدي، تلك من ابنتي التي ضربتني بالفأس العام الماضي. تأكد أننا ما إن نغادر حتى أقصد إحدى الولايات وتمضي هي إلى بورتريكو. هل تظن أن بوسعي الحديث بصراحةٍ أكبر؟ اسمي خوانا، الشيطانة خوانا هكذا يلقبوني في الحيّ. خوانا المغطس ذلك لقبي في الشوارع. هل تريد سماع المزيد أيها الملازم؟ حسناً، لا أعمل، وقد اتهمت بالكسل والتبذير والخطر وأشياء أخرى. أخشى أن تخلط أيها الملازم بين الجرائم العديدة التي ارتكبتها عائلتي. أنا ليس من حوكم مؤخراً، تلك ابنتي. كما أن زوجي ليس من أشعل النار في حقول قصب السكر كما تقول، أنا من قام بذلك. لم يكن الطفل هو من سمم الفطائر أيها الملازم بل الأب، لكن الأطفال، لست أنا وليس زوجي، هم من اصطدموا بالشاحنة أثناء محاولتهم اللجوء إلى إحدى السفارات. قم بتدوين كل ذلك أيها الملازم. لا تغفل شيئاً من جرائمنا. الكوريون هوجموا عن طريق .. ( من هاجم أولئك الصينيّون؟ ) ابنتي. نعم ابنتي أيها الملازم. سأتحدث الآن ببطء. اكتب بهذه الطريقة " فتاة الشاحنة "، " الأب الكوري "، " الأم البقرة "، أوه حتى أنا صرت أخلط الأمور. " ولد الفطائر "، " الأب الدراجة ". أشعر بالإعياء أيها الملازم، دعني اهدأ قليلاً ولكن لا تتوقف في هذه الأثناء عن الكتابة. كان من الأفضل لو ألقيت علينا القبض عندما كنا نقترف تلك الجرائم. صارت تقاريرك الآن واضحةً جداً. أنا من سمم الفطائر، ومن قتل البقرة، آه كم أشعر بالتوتر أيها الملازم. أنا من أشعل النار في حقول قصب السكر، أشعر بالمرض أيها الملازم. نكاد نعجز عن الخروج من هنا. ابنتي هي
من كانت ملازمة. ساعدني أيها الملازم أرجوك. أنا من قتل البقرة أو لعلها ماتت ببساطة فأردنا استغلال الأمر ولوم أنفسنا. أشعر الآن بالتحسن. هل سجلت بطريقةٍ صحيحة كل ذلك أيها الملازم؟ ساعدنا وسندعوك إلى تناول خنزير مشوي، أنت مدعوٌ غداً في الأساس. يمكنك أن ترث كل ممتلكاتنا _وهي كثيرة_ بالإضافة إلى كل الأموال التي ادخرناها. هل وقعت على هذه الورقة أيها الملازم؟ شكراً، شكراً جزيلاً. أمثالك من الرجال والملازمين هم من يحتاج إليهم هذا البلد. شكراً، كلما سنحت الفرصة سأبعث لك من هناك بعض الأشياء. أعدك بذلك. سنهدي إليك خنزيراً وإن شئت يمكنك أخذه إلى المنزل وتناوله هناك. لقد بدأنا نضجر من تناول هذه اللحوم. ذلك اللحم المقزز بالنسبة لنا. هل تبدو الرسالة موقعةً بشكلٍ سليم أيها الملازم؟ حسناً، عظيم. لا، لا أظننا بحاجةٍ إلى المزيد من هذه الأوراق ولكن إذا ما طرأ أمرٌ ما فسأخبرهم بأنك من أرسلنا وقام بترشيحنا. شكراً أيها الملازم. لا، أعتقد أن هذه الورقة كافية. هناك رجلٌ يسكن بجوارنا بحاجةٍ إلى رسالةٍ أيضاً. أفراد أسرته عشرة ويملكون أكثر من مئة خنزير. سأرشدهم إليك. أرجو أن أراك قريباً أيها الملازم. مرّ على المنزل غداً، سنكون قد رحلنا في ذلك الوقت. ولكن بيني وبينك، لن يسمع أحد أو يعرف بذلك. أنا امرأةٌ قديسة.
محظوظ من يحتك بي في لحظة القراءة و تعيس حقا من يحتك بي في لحظة الكتابة.
كتاب «ما وراء الكتابة» لإبراهيم عبدالمجيد - جريدة عمان
http://omandaily.om/?p=409043
http://omandaily.om/?p=409043
جريدة عمان
الموقع الرسمي لجريدة عمان
الموقع الرسمي لجريدة عُمان
عبدالمجيد
ليلى البلوشية –
الروائي المصري «إبراهيم عبدالمجيد» حين تقابله شخصيا ستشعر بأنك أمام كائن روائي مركب وكثيف كغنى شخصياته في رواياته، شخصية حكائية انفلتت من كتاب تداخل واقعه بالخيال، فلا تكاد تميّز هذا الواقع من الخيال، بل هو أقرب ما يتجسد في الواقعية السحرية، إنه ببساطة مطلقة حكّاء عظيم، دائم الابتسام، روحه المرحة وظرافة ما يدلقه من حكايات يجعل منك مُنصِتا دائم الابتسام والضحكة لا تفارق محياك مهما كابدت من أهوال الحياة، لقد تأصّل الأدب في كيانه الإنساني وصار فنّا لصيقا لكل تفاصيل حياته بل يمكن اختصار كيانه بأنه إنسان (يتّمتع برفقة نفسه) كما كنت أحب شخصيا أن ألقبّه حين التقيته لأول مرة في إحدى المناسبات الثقافية في الإمارات، إنه لا يتعاطى مع الآخرين ككاتب بل كإنسان، لا يتعاطى مع الكتاب الشباب بالغرور أو بالتسفيه بل يحتوي روح الشباب بروح شباب مماثلة زاخمة النبل والتواضع، ولقد تجلّت روح الشبابية في كتاباته، فهو كاتب يكتب منذ أكثر من أربعين عاما غير أنه لم يتشبّث بالكلاسيكية في الكتابة بل في كل كتابة كان يطرحها كان يعزّز مفهوم الحداثة والمعاصرة والتجريب ما يتوافق مع روح التجديد وروح العصر الذي يعي تماما تطوّر أدواته.
لم ينحز الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» إلى كتابة سيرته الذاتية حتى الآن، بل اختار أن يقدّم للقارئ كتابا آخر ذات صلة وثيقة بالكتابة نفسها وبحكاياتها، من هنا ولد كتابه «ما وراء الكتابة» مع عنوان فرعي «تجربتي في الكتابة»، ولعلها المرة الأولى التي يتصدر كتاب كهذا قوائم الكتب العربية حيث سبقه الغرب بتصدير هذه الأنواع من الكتب التي تعرض تجاربها مع الكتابة الروائية ككتاب «نزهات في غابة السرد» للروائي الإيطالي «أمبرتو إيكو» و«رسائل إلى روائي شاب» للروائي البيروفي «ماريو بارجاس يوسا، والروائي التركي» أورهان باموق «في كتابة» الروائي الساذج والحساس» وغيرها..
أما كتاب «ما وراء الكتابة» للروائي «إبراهيم عبد المجيد» الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية في طبعتين 2014 و2015 م ونال في عام 2016م جائزة الشيخ زايد في دورتها العاشرة عن فرع الآداب، هو الكتاب الأول من نوعه عربيّا عن السيرة الروائية، حديث شائق واعترافي بتجربته في كتابة مجموع رواياته، عادة لا يعترف كثير من الكتاب بهذه التجربة بل يفضّل كثيرون إضفاء نوع من السريّة على طقوسهم وحفظ حدودها عن الآخرين، لكن الأمر اختلف تماما مع الروائي «ابراهيم عبدالمجيد»، فهو يبوح بأسرار مهنته الكتابية بكل شفافية، بصعوباتها وأزماتها، بأفراحها وأتراحها، كل المتضادات مشتملة، وقد اعترف في مقدمة كتابه بأهمية هذه الخطوة في حياته قائلا: «وأنا شخصيّا أحببت أن أكتب في هذا الموضوع…، ربما أردت أن أستعيد حالات الحوار الروحي الخاص جدا بي ككاتب وكيف استطعت أن أتغلب على مشكلات الكتابة والقضايا الجمالية التي شغلتني، كذلك أجواء الحياة ذلك الوقت أو وقت الكتابة».
ومن خلال الاسترسال في قراءة الكتاب الفريد من نوعه والذي اقتسم إلى أربعة أقسام، كل قسم منها يتناول روايات في حيّز زمني ممتد على طول سنوات كتابته للروايات، بينما المكان فإنه يتراوح بين مكانين، الجزء الأكبر منه في الإسكندرية حيث ولد الكاتب وترعرع وجاءت رواياته في ثلاثية الإسكندرية مرآة لها، بينما الجزء الآخر منه فكان في القاهرة التي على الرغم من تناولها في رواياته إلا أنها أبدا تشعره بالغربة على عكس الاسكندرية التي يجري ماؤها الفياض في دمه وقلبه، هنا يتبدى مدى روحانية مهبط الولادة في حياة كل انسان سواء كان كاتبا أو أي شخص آخر، وهذا يذكّرنا بالمفكّر «إدوارد سعيد» الذي تناول بدوره القاهرة والاسكندرية في كتابه «مقالات حول المنفى»، وقد أفاض في رواية ذكرياته في القاهرة التي أثثّت سيرته الطفولية حيث ولد، فهي مدينة كانت تشعره دائما بالألفة والدفء على عكس من الاسكندرية التي كلما زارها شعر بوحشة داكنة في روحه.
يكتب الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» رواياته وكأن الشخصيات هي التي تُملي عليه، فهو لا يجلس للكتابة إلا حين تكون روحه قد تشبّعت بتفاصيل الحكاية بزمن كاف قبل كتابتها، لذا في لحظة الكتابة كأن الرواية تكتب نفسها بنفسها بتعبير «رولان بارت» حين قال: «الرواية تكتب نفسها بنفسها».
هذا الامتلاء لم يأتِ من القراءة وحدها ولا من سنوات الخبرة فحسب بقدر ما هي امتداد لطفولة ثريّة عاشها الكاتب في فترة طفولته في الإسكندرية، في ظل والده الذي كان موظّفا في سكة الحديد، هناك حيث كان مسكنه في «سكن» عمال السكة الحديد القائم على ترعة المحمودية بين حي كرموز وكفر عشري، هذا المكان ظهر في روايته الأولى «المسافات»، فأبطال الرواية عمال في السكة الحديد وعاشوا في سكنها.
لقد ظهرت تجليات المكان في كل رواياته كما ظهرت تجليات الطفولة بكل عنفوانها وشغفها، فلا يمكن لقارئ الكتاب أن ينسى الطفل إبراهيم الذي كتب رسالة بخط يده إلى الزعيم «جمال عبد الناصر» يطلب منه صورة شخصية للذكرى، لقد نظرت إليه
ليلى البلوشية –
الروائي المصري «إبراهيم عبدالمجيد» حين تقابله شخصيا ستشعر بأنك أمام كائن روائي مركب وكثيف كغنى شخصياته في رواياته، شخصية حكائية انفلتت من كتاب تداخل واقعه بالخيال، فلا تكاد تميّز هذا الواقع من الخيال، بل هو أقرب ما يتجسد في الواقعية السحرية، إنه ببساطة مطلقة حكّاء عظيم، دائم الابتسام، روحه المرحة وظرافة ما يدلقه من حكايات يجعل منك مُنصِتا دائم الابتسام والضحكة لا تفارق محياك مهما كابدت من أهوال الحياة، لقد تأصّل الأدب في كيانه الإنساني وصار فنّا لصيقا لكل تفاصيل حياته بل يمكن اختصار كيانه بأنه إنسان (يتّمتع برفقة نفسه) كما كنت أحب شخصيا أن ألقبّه حين التقيته لأول مرة في إحدى المناسبات الثقافية في الإمارات، إنه لا يتعاطى مع الآخرين ككاتب بل كإنسان، لا يتعاطى مع الكتاب الشباب بالغرور أو بالتسفيه بل يحتوي روح الشباب بروح شباب مماثلة زاخمة النبل والتواضع، ولقد تجلّت روح الشبابية في كتاباته، فهو كاتب يكتب منذ أكثر من أربعين عاما غير أنه لم يتشبّث بالكلاسيكية في الكتابة بل في كل كتابة كان يطرحها كان يعزّز مفهوم الحداثة والمعاصرة والتجريب ما يتوافق مع روح التجديد وروح العصر الذي يعي تماما تطوّر أدواته.
لم ينحز الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» إلى كتابة سيرته الذاتية حتى الآن، بل اختار أن يقدّم للقارئ كتابا آخر ذات صلة وثيقة بالكتابة نفسها وبحكاياتها، من هنا ولد كتابه «ما وراء الكتابة» مع عنوان فرعي «تجربتي في الكتابة»، ولعلها المرة الأولى التي يتصدر كتاب كهذا قوائم الكتب العربية حيث سبقه الغرب بتصدير هذه الأنواع من الكتب التي تعرض تجاربها مع الكتابة الروائية ككتاب «نزهات في غابة السرد» للروائي الإيطالي «أمبرتو إيكو» و«رسائل إلى روائي شاب» للروائي البيروفي «ماريو بارجاس يوسا، والروائي التركي» أورهان باموق «في كتابة» الروائي الساذج والحساس» وغيرها..
أما كتاب «ما وراء الكتابة» للروائي «إبراهيم عبد المجيد» الذي صدر عن الدار المصرية اللبنانية في طبعتين 2014 و2015 م ونال في عام 2016م جائزة الشيخ زايد في دورتها العاشرة عن فرع الآداب، هو الكتاب الأول من نوعه عربيّا عن السيرة الروائية، حديث شائق واعترافي بتجربته في كتابة مجموع رواياته، عادة لا يعترف كثير من الكتاب بهذه التجربة بل يفضّل كثيرون إضفاء نوع من السريّة على طقوسهم وحفظ حدودها عن الآخرين، لكن الأمر اختلف تماما مع الروائي «ابراهيم عبدالمجيد»، فهو يبوح بأسرار مهنته الكتابية بكل شفافية، بصعوباتها وأزماتها، بأفراحها وأتراحها، كل المتضادات مشتملة، وقد اعترف في مقدمة كتابه بأهمية هذه الخطوة في حياته قائلا: «وأنا شخصيّا أحببت أن أكتب في هذا الموضوع…، ربما أردت أن أستعيد حالات الحوار الروحي الخاص جدا بي ككاتب وكيف استطعت أن أتغلب على مشكلات الكتابة والقضايا الجمالية التي شغلتني، كذلك أجواء الحياة ذلك الوقت أو وقت الكتابة».
ومن خلال الاسترسال في قراءة الكتاب الفريد من نوعه والذي اقتسم إلى أربعة أقسام، كل قسم منها يتناول روايات في حيّز زمني ممتد على طول سنوات كتابته للروايات، بينما المكان فإنه يتراوح بين مكانين، الجزء الأكبر منه في الإسكندرية حيث ولد الكاتب وترعرع وجاءت رواياته في ثلاثية الإسكندرية مرآة لها، بينما الجزء الآخر منه فكان في القاهرة التي على الرغم من تناولها في رواياته إلا أنها أبدا تشعره بالغربة على عكس الاسكندرية التي يجري ماؤها الفياض في دمه وقلبه، هنا يتبدى مدى روحانية مهبط الولادة في حياة كل انسان سواء كان كاتبا أو أي شخص آخر، وهذا يذكّرنا بالمفكّر «إدوارد سعيد» الذي تناول بدوره القاهرة والاسكندرية في كتابه «مقالات حول المنفى»، وقد أفاض في رواية ذكرياته في القاهرة التي أثثّت سيرته الطفولية حيث ولد، فهي مدينة كانت تشعره دائما بالألفة والدفء على عكس من الاسكندرية التي كلما زارها شعر بوحشة داكنة في روحه.
يكتب الروائي «إبراهيم عبدالمجيد» رواياته وكأن الشخصيات هي التي تُملي عليه، فهو لا يجلس للكتابة إلا حين تكون روحه قد تشبّعت بتفاصيل الحكاية بزمن كاف قبل كتابتها، لذا في لحظة الكتابة كأن الرواية تكتب نفسها بنفسها بتعبير «رولان بارت» حين قال: «الرواية تكتب نفسها بنفسها».
هذا الامتلاء لم يأتِ من القراءة وحدها ولا من سنوات الخبرة فحسب بقدر ما هي امتداد لطفولة ثريّة عاشها الكاتب في فترة طفولته في الإسكندرية، في ظل والده الذي كان موظّفا في سكة الحديد، هناك حيث كان مسكنه في «سكن» عمال السكة الحديد القائم على ترعة المحمودية بين حي كرموز وكفر عشري، هذا المكان ظهر في روايته الأولى «المسافات»، فأبطال الرواية عمال في السكة الحديد وعاشوا في سكنها.
لقد ظهرت تجليات المكان في كل رواياته كما ظهرت تجليات الطفولة بكل عنفوانها وشغفها، فلا يمكن لقارئ الكتاب أن ينسى الطفل إبراهيم الذي كتب رسالة بخط يده إلى الزعيم «جمال عبد الناصر» يطلب منه صورة شخصية للذكرى، لقد نظرت إليه
يومها والدته بفخر وفرح بينما والده نقده ثمن طابع البريد بعد أن أملى عليه عنوان الرئاسة ليصل المظروف للرئيس، بعد أسبوع استلم صورة الزعيم بالبدلة العسكرية وبالألوان.
وتتماهى تجليات الطفولة المرحة أيضا حين تحدّث عن تأثير السينما على حياته ورواياته بعد ذلك، حين كان يخرج من روضة الأطفال إلى زحام أمام أحد الأبواب الذي تعلوه إعلانات براقة لرجال ونساء، لقد كان سينما مصر ولأنه كان طفلا وجد نفسه يمشي بين أرجل الكبار ولم يلتفت إليه أحد ولم يكن يعلم شيئا عن تذكرة الدخول، بل جلس حيث جلس الناس مأخوذا بالصور التي تتحرك أمامه، وكان يضحك حين يضحك الكبار ويصفق حين يصفق الكبار، وحين أضيء المكان خرج مع الناس وكأنه خارج من كهف مهجور كما وصف في صفحات الكتاب.
أيضا تتجلى في الكتاب لمسة من نبوءات الكاتب، نتلمّس ذلك في معظم الروايات التي خطها، بدءا بحكاية الهدهد الذي وصفه في إحدى رواياته الأولى عن الصبي الذي يقف بين قضبان الحديد في الخلاء، فيرى هدهدا على الأرض، بعد هذا المشهد مع أولى ساعات الصباح هو الوقت الذي ينتهي منه عادة من رواياته، فيطل منها على شرفة المنزل ليستنشق هواء نقيّا قبل زحمة العالم من حوله، فإذا به يصادف هدهدا يقف على الدرفة كأنه كان ينتظره ..!
تتوالى بعد ذلك المصادفات الغرائبية بل تكاد تكون أقرب لنبوءة عندما ينتهي من كتابة مشهد قبض على بطل مقاوم يحاصره رجال مخابرات مع رائد مسؤول يحملون بنادق صغيرة، المشهد نفسه وفي عتمة الليلة نفسها يقع فيه الكاتب «إبراهيم عبدالمجيد» الذي أصابه الذهول من الموقف حتى أن الرائد المسؤول اندهش عن عدم مقاومته لهم على الرغم من قوّته الجسدية، فعبّر له عن المشهد الملتبس بنبوءة الكمين ما بين الرواية والواقع، وكأنه قد استدعاهم للقبض عليه..!
طوال قراءتي للكتاب انبثقت ببالي عبارة واحدة وهي أن الكاتب لا يخسر أبدا!
فلم تتوالد تلك أفكار وظروف تلكم الروايات عن حياة مريحة أو خالية من أزمات نفسية شديدة القسوة أحيانا فوق تحمّل الروح، لعل من أوجعها حين تعرضت زوجته للسرطان وظل مرافقا لروحها حتى الرمق الأخير، هذه التجارب العنيفة التي تتراكم عبر الزمن، وهي نفسها تغدو مادة عميقة للكتابة وللأدب وللإنسانية أيضا على الرغم من أثقال الذاكرة وهي تجتّر الألم في كل لحظة كتابة.
كتاب «ما وراء الكتابة» هي ليست شهادة في الكتابة عن تجربة روائية تزيد عن أربعين عاما فحسب بل هي أقرب لورشة في أساليب الكتابة وعوالمها الأكثر غرابة ومتعة، كما أنها إضافة مهمة لتاريخ الأدب العربي، لكل روائي، لكل كاتب، لكل قارئ، لصيّادي القصص ومحبّيها أيضا.
وتتماهى تجليات الطفولة المرحة أيضا حين تحدّث عن تأثير السينما على حياته ورواياته بعد ذلك، حين كان يخرج من روضة الأطفال إلى زحام أمام أحد الأبواب الذي تعلوه إعلانات براقة لرجال ونساء، لقد كان سينما مصر ولأنه كان طفلا وجد نفسه يمشي بين أرجل الكبار ولم يلتفت إليه أحد ولم يكن يعلم شيئا عن تذكرة الدخول، بل جلس حيث جلس الناس مأخوذا بالصور التي تتحرك أمامه، وكان يضحك حين يضحك الكبار ويصفق حين يصفق الكبار، وحين أضيء المكان خرج مع الناس وكأنه خارج من كهف مهجور كما وصف في صفحات الكتاب.
أيضا تتجلى في الكتاب لمسة من نبوءات الكاتب، نتلمّس ذلك في معظم الروايات التي خطها، بدءا بحكاية الهدهد الذي وصفه في إحدى رواياته الأولى عن الصبي الذي يقف بين قضبان الحديد في الخلاء، فيرى هدهدا على الأرض، بعد هذا المشهد مع أولى ساعات الصباح هو الوقت الذي ينتهي منه عادة من رواياته، فيطل منها على شرفة المنزل ليستنشق هواء نقيّا قبل زحمة العالم من حوله، فإذا به يصادف هدهدا يقف على الدرفة كأنه كان ينتظره ..!
تتوالى بعد ذلك المصادفات الغرائبية بل تكاد تكون أقرب لنبوءة عندما ينتهي من كتابة مشهد قبض على بطل مقاوم يحاصره رجال مخابرات مع رائد مسؤول يحملون بنادق صغيرة، المشهد نفسه وفي عتمة الليلة نفسها يقع فيه الكاتب «إبراهيم عبدالمجيد» الذي أصابه الذهول من الموقف حتى أن الرائد المسؤول اندهش عن عدم مقاومته لهم على الرغم من قوّته الجسدية، فعبّر له عن المشهد الملتبس بنبوءة الكمين ما بين الرواية والواقع، وكأنه قد استدعاهم للقبض عليه..!
طوال قراءتي للكتاب انبثقت ببالي عبارة واحدة وهي أن الكاتب لا يخسر أبدا!
فلم تتوالد تلك أفكار وظروف تلكم الروايات عن حياة مريحة أو خالية من أزمات نفسية شديدة القسوة أحيانا فوق تحمّل الروح، لعل من أوجعها حين تعرضت زوجته للسرطان وظل مرافقا لروحها حتى الرمق الأخير، هذه التجارب العنيفة التي تتراكم عبر الزمن، وهي نفسها تغدو مادة عميقة للكتابة وللأدب وللإنسانية أيضا على الرغم من أثقال الذاكرة وهي تجتّر الألم في كل لحظة كتابة.
كتاب «ما وراء الكتابة» هي ليست شهادة في الكتابة عن تجربة روائية تزيد عن أربعين عاما فحسب بل هي أقرب لورشة في أساليب الكتابة وعوالمها الأكثر غرابة ومتعة، كما أنها إضافة مهمة لتاريخ الأدب العربي، لكل روائي، لكل كاتب، لكل قارئ، لصيّادي القصص ومحبّيها أيضا.
" القاص الحديث يريد أن يقول شيئا أكثر مما يريد أن يقص قصة ، و لا تكون النتيجة مفهومة أو معبرة دائما ".
المعقول واللامعقول | كولن ولسن
المعقول واللامعقول | كولن ولسن
