📚 فتاوى المرأة الفقهية وتعلم القرأن 📚
23.8K subscribers
121 photos
45 videos
60 files
921 links
📅 دعوية فقهية.مع د.هالة

📝 أهم الفتاوى في العبادات والمعاملات

تعلم القرأن وتدبره......
Download Telegram
عند إقامة الجسور، يُصمم كل جِسر وكل بناء بنقاط ارتكاز محددة؛ فإذا أخطأ المصمم في توزيع الأحمال على الأعمدة الضعيفة أو تجاهل العمود الخرساني المركزى = قد ينهار الجسر عند أول حمل ثقيل.
في حياتنا كثيرا ما نرتكب ذات الخطأ الهندسي الفادح لكن في أساسات الروح
حين نُوزع "أثقال يقيننا" على أعمدة هشة..
حين نظن أن الشفاء بيد الطبيب ، وأن الرزق بيد الوظيفة، وأن العلاقات هي الحماية، و المال هو حصن الأمان الأخير.
سورة الأنعام تصحح ذلك الخلل التصميمي بآيةٍ حاسمة، تبدل هذه الأعمدة الكرتونية لتعيد الروح إلى مركز الثقل الوحيد
{وَإِن یَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرࣲّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَۖ وَإِن یَمۡسَسۡكَ بِخَیۡرࣲ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءٍ قَدِیرٌ}.
تأمل اللفظ: {یَمۡسَسۡكَ}.
القرآن لم يقل "يُغرقك" أو "يُحطمك"، هو مجرد (مسّ).
لمسة بسيطة من يد القدر كفيلة بأن تكشف لك زيف كل الضمانات الأرضية. حين يمسك ضر، يكتشف معه أعلم أهل الأرض بالطب أن علمه وقف عاجزا، ويدرك "الملياردير" أن أرصدته لن تشتري ذرة عافية، وتتبخر وعود "الأصدقاء" في هجير المحنة.
هنا، يضعك القرآن أمام الحقيقة
{فَلَا كَاشِفَ لَهُۥۤ إِلَّا هُوَ}.
لا مفر، ولا واسطة، ولا "خطة ب" ستنقذك إذا أراد الله اختبارك.
الأسباب التي كنت تقدسها ليست سوى أستار رقيقة، والكاشف الحقيقي الوحيد ينتظر أن يطرق قلبك بابه هو، لا أبواب الخلق.
ثم يأتي الشطر الآخر من الآية ليضبط إيقاع الفرح والغرور: {وَإِن یَمۡسَسۡكَ بِخَیۡرࣲ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءٍ قَدِیرٌ}.
الخير الذي تناله ليس "شطارة" محضة، ولا نتاج عبقريتك الفذة، ولا حصاد سهرك الطويل وحده.
كم من عبقري حُرم، وكم من بسيط العقل فُتحت له مغاليق السماوات!
الآية لا تلغي "الأخذ بالأسباب" فالأخذ بها عقيدة بديهية َ لكنها تقتلع آفة التعلق بالأسباب من جذورها.
الطبيب سبب.. لكن الشفاء "تقدير" إلهي.
الوظيفة سبب.. لكن الرزق "كتابة" سماوية.
هنا يتغير تعريف الطمأنينة في قلبك للأبد.
الطمأنينة ليست في امتلاكك لكل "خيوط اللعبة" - إن وجدت - بل في يقينك أن الخيوط كلها في يد "قدير".
أن تطرق كل الأبواب الأرضية بيدك، لكن قلبك ملتصق بالعروة الوثقى. فإذا أُغلق في وجهك طريق، لن تنهار؛ لأنك تعلم أن "الكاشف" ليس هو الطريق المغلق بل الله الذي سيفتح لك غيره.
فإذا نلت خيراً، لا تطغى؛ لأنك تعلم أن المعطي ليس مجهودك الشخصي، بل هو فضله الذي مسّك.
سورة الأنعام هي سورة (التعظيم)، وهذه الآية هي ذروة التحرر الروحي.
أن تجرد نفسك من وهم السيطرة، وتنفض عن كاهلك عبودية النتائج، وتعيش في مقام العبد الخالص:
تعمل.. وتخطط.. وتبذل.. بينما روحك تهمس ببرد اليقين:
إن مسّني ضر.. فلا كاشف إلا هو.
وإن مسّني خير.. فهو على كل شيء قدير.
هنا فقط.. تسكن العاصفة في صدرك،
ويستقر القلب
ثم يعلم وجهته..

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الأنعام
أقسى أنواع العزلة ليست أن تُحبس وحيداً في غرفة مظلمة.. بل أن تجلس في قلب النور، وتستقبل موجات الصوت بوضوح، لكن "اللاقط" الداخلي لديك معطل تماماً. أنت حاضر جسدياً، تُنصت وتهز رأسك، لكنك في غيبوبة روحية كاملة.
سورة الأنعام تلتقط هذا المشهد المرعب، وتفكك هذه الحالة
"الحاضر الغائب":
{وَمِنۡهُم مَّن یَسۡتَمِعُ إِلَیۡكَۖ}.
تخيل المشهد.
يجلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم نفسه..
أمام مصدر النور يبث مباشرة، بلا وسطاء، بلا تشويش.
ذبذبات الصوت الشريف تمس طبلة الأذن..
لكن ماذا يحدث في الداخل؟
{وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن یَفۡقَهُوهُ وَفِیۤ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرࣰاۚ}.
هنا تقع الكارثة.
القلب مُغلف بـ (أكنّة)..
طبقات سميكة وعازلة من الكبر والعناد والغفلة .
أما الأذن ففيها الـ (وقر)؛
سدادة منيعة ترفض أن يمر المعنى. المشكلة هنا لم تكن في وضوح الرسالة، ولكن في "المستقبِلات" أو في صاحبها الذي قرر إغلاق الدائرة، فعوقب بختم العزل التام.
وحين تعجز الروح عن التقاط النور، يلجأ العقل المهزوم إلى حيلته الدفاعية المفضلة:
السخرية والمراء الأجوف..
{وَإِن یَرَوۡا۟ كُلَّ ءَایَةࣲ لَّا یُؤۡمِنُوا۟ بِهَاۖ حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءُوكَ یُجَـٰدِلُونَكَ یَقُولُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِنۡ هَـٰذَاۤ إِلَّاۤ أَسَـٰطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ}.
تعرض المعجزات أمام عينيه، والآيات تتوالى كفلق الصبح، فيرد ببرود الأغبياء: "هذه حكايات منتحلة، وأساطير عتيقة لا تناسب وعينا المتقدم ".
يرتدي ثوب المفكر الناقد، بينما هو في الحقيقة سجين أعمى يجادل في وجود الشمس لأنها لم تدفئ زنزانته!

المشكلة لا تقف عند حدود إيذاء نفسه، فالعاجز الفاشل يكره دائماً أن يرى الناجين ويبصر نجاحهم
{وَهُمۡ یَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَیَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ}.
َ يبتعد بنفسه خطوة للخلف (ينأون)، ويستميت في إبعاد الآخرين ودفعهم بعيداً (ينهون).
حالة من العداء النشط، يحاول فيها الغريق أن يسحب معه كل من يقف على الشاطئ لتتسع دائرة العمى وتقل وحشته.
وحين يظن أنه في مأمَن تأتي الحقيقة مدوية
{وَإِن یُهۡلِكُونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡ وَمَا یَشۡعُرُونَ}.
هم لا يضرون الوحي شيئاً، ولا يطفئون نور السماء بنفخة من أفواههم.
هم فقط كمن يحفر قبره بيديه، وهو يظن أنه يبني قصراً.
والمأساة ليست في الهلاك ذاته.. المأساة الحقيقية تكمن حالهم أثناء تلك الكوارث الداخلية..
(وَمَا يَشْعُرُونَ).
يحترقون بصمت، ويفقدون دنياهم وآخرتهم، بينما هم يبتسمون ببلادة..
(وَمَا يَشْعُرُونَ).
احذر أن تعتاد الجدل العقيم حتى يُغلف قلبك فأحياناً يكون الصمت والتسليم خيراً من ألف حجة "ذكية" تقود إلى أكنة ووقر..
ثم عمى.

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الأنعام
في ممرات الحياة، نكتشف متأخرين أن جراح الجسد قد تكون أهون إذا قورنت بجراح الروح.
يمكنك دائماً أن تضع ضمادة على جرحٍ سببه نصل حاد، لكن ما الذي ستفعله حيال كلمةٍ مسمومة اخترقت دروع قلبك؟
حين تُتهم في أثمن ما تملك، ويُقابل صدقك بابتسامة سخرية صفراء، فتشعر بتلك الطعنة المألوفة في الصدر..
طعنة تخبرك أن العالم لا يرفض فقط فكرتك، بل يرفضك (أنت).
هنا قد تبتلع غصتك بمرارة كأنك تتجرع زجاجاً مطحوناً، وتنزوي في ركن مظلم، تزدرد خذلانك وتتساءل لماذا؟
ما الذي اقترفته لأستحق كل هذا الأذى؟
{قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِی یَقُولُونَۖ}.
تأمل هذه المواساة القرآنية التي تتنزل على قلب وجد ذلك الجحود القولي والفعلي..
الآية لا تطلب منك أن تكون شخصا جامدا لا يشعر،
لا تصادر حقك البشري في أن يتألم قلبك وتدمع عيناك.
هي تقر بحزنك، وتخبرك أن أنينك المكتوم له صدىً يتردد في الملكوت.
لكن.. الدواء الحقيقي يأتي في الشطر الثاني من الآية، عبر "إعادة توجيه" لبوصلة هذا الحزن:
{فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ}.
المسألة ليست أنت!
هذا هو حجر الزاوية.
هم لا يشكون في طهرك، ولا يجهلون صدقك.
المعركة الحقيقية ليست مع شخصك، بل مع (الحق) الذي تحمله.
هم يرتعدون من النور لأنه يفضح عتمتهم، ويكرهون الطهارة لأنها تذكرهم بوحلهم.
الآية هنا هنا تفرق بوضوح بين "التكذيب" و"الجحود".
التكذيب قد يكون ناتجاً عن جهل أو سوء فهم. أما (الجحود)، فهو أن تقف في منتصف النهار، وتتأمل قرص الشمس الساطع، ثم تغمض عينيك بقوة وتصرخ بوقاحة: "لا يوجد نور!".
هم لا يهاجمون سفينتك لأنها مثقوبة، بل يهاجمونها لأنها تذكرهم بغرقهم الحتمي.
فإذا تمسكت بمبدأ، أو دافعت عن حق، أو سرت في طريق طاعة، فقوبلت بالسخرية والرفض والاتهامات.. فلا تحزن، ولا تأخذ المعركة دائما على محمل شخصي أبداً.
لا تستهلك روحك في إثبات براءتك لمن يعرفونها جيداً ولكنهم يكابرون. السهام التي تُصوب نحوك بضراوة، ليست دوماً تستهدفك أنت، بل تستهدف المبادئ التي تنبض بين ضلوعك.
فتخفف من هذا العبء، وامضِ في طريقك هادئاً.. فمن يحمل مشعل النور، لا ينبغي له أبداً أن يبتئس إذا تباعدت ونفرت بعض الخفافيش!

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الأنعام
أخطر لحظة في حياتك… ليست لحظة الموت، بل لحظة انكشاف الحقيقة بعد أن ينتهي وقت الجدل.
في سورة مشهد واقعي يصف بتفصيل مدهش هذه اللحظة المهيبة
لحظة يُسحب فيها الستار فجأة، وتُجرد الروح من كل أدوات الإنكار التي كانت تُتقن استخدامها في الدنيا بمهارة مثيرة للإعجاب.
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ}.
لو ترى.
والرؤية لا تُجادَل.. فهو واقع ماثل أمامك.
وقد... وُقِفوا.
لم يأتوا بثقة من كان يطالب بدليل إضافي ولم يمشوا بخطوات المفكر الذي “لا يزال يبحث” ولم يدخلوا القاعة كما يدخل المنتصر في مناظرةً أخيرة.
لقد وُقِفوا.
كأن يدًا عليا أوقفت شريط العمر فجأة وقالت: انتهى العرض.
ثم يأتي السؤال الذي لم يكن يحتاج جوابًا بقدر ما كان ينتزع اعترافًا
{أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ}
هنا تبرز لمفارقة الثقيلة!
سنوات من المقالات التي تبدو ذكية، والسخرية اللاذعة، والابتسامات التي تبدي يقينًا زائفًا بأن “الأمور ليست بهذه البساطة”…
ثم في لحظات، ينكمش كل ذلك في إجابة قصيرة ترتجف بالصدق الحتمي هناك
{بَلَىٰ وَرَبِّنَا}.
الآن يقسمون.
الآن يتأكدون.
لكن الحقيقة حين تأتي في الآخرة لا تُناقش على طاولة حوار… بل تُذَاق.
{فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
“ذوقوا”
كلمة حسّية مباشرة، لا مجال فيها للتأويل.
لم يعد السؤال: هل العذاب ممكن بل: كيف تجدون طعمه؟!
ثم تأتي الخاتمة الحاسمة
{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ}.
والخسارة هنا ليست هزيمة معركة بل هزيمة عمر كامل.
إنها خسارة ذلك الصوت الخافت في الداخل الذي كان يقول: هناك لقاء… فاستعد.
لم تكن مشكلتهم إنكار وجود الله فحسب، بل تغافل رافض لهذا اللقاء.
والذي لا يؤمن باللقاء… يعيش وكأن كل الوقت ملكه.
يؤجل التوبة كما يؤجل موعدًا مملًا،
ويتعامل مع الحياة كأنها النسخة النهائية، لا مجرد مسودة.
{حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً}.
بغتة.
كلمة لا يحبها البشر.
نحن نحب الإشعارات، والتنبيهات، والعدّ التنازلي.
لكن قيام الساعة لا يعترف بتطبيقات التذكير المبكر..
{قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}.
هنا لم يتحسروا على العقارات، ولا على الشهرة، ولا على الفرص الضائعة في السوق.
لقد تحسروا على التفريط.
على ذلك الإهمال الصغير الذي تكرر حتى صار جبلاً.
{وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}.
ذلك الذي كان يستهين بفكرة الحساب، ها هو يسير الآن مثقلًا بحسابٍ لا يستطيع إنكاره.
لقد كان يرى الذنوب “تفاصيل”، فإذا بها اليوم أثقالًا حقيقية تُحمل.
{أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ}.
هذه الآية الجامعة لا يراد بها تخويف عابر،
هي بمثابة إعادة ضبط واقعية الإنسان.
بيان أن الحياة ليست مسرحًا مفتوحًا بلا ستار أخير ولا هي تجربة يمكن إعادتها إن لم تعجبك النهاية.
والاعتراف سيأتي حتمًا.
السؤال ليس: هل ستقول “بلى”؟
بل: متى يتقولها؟
إن قلتها الآن… كانت نجاة.
وإن قلتها هناك… كانت حسرة.
فقبل أن تُوقَف على الحقيقة قهرًا، قف معها اختيارًا.
وقبل أن يُنتزع منك الإقرار، امنحه طوعًا.
وقبل أن تقول: {بَلَىٰ وَرَبِّنَا} في مقامٍ لا ينفع فيه القول…
قلها الآن ودعها تغيّر مسار عمرك،

#طرقات_على_باب_التدبر
#رسائل
#الأنعام
أسوأ كابوس يطارد مستكشفي الكهوف السحيقة، هو تلك اللحظة التي ينطفئ فيها المصباح الوحيد فجأة في باطن الأرض.
في كسر من الثانية، يبتلعك ظلامٌ صلب تكاد تلمسه بيدك.
تفقد القدرة على رؤية كفك، تصرخ فيبتلع الفراغ الموحش صوتك، وتصغي السمع فلا تلتقط أذناك سوى صدى أنفاسك المذعورة.
أنت حيّ بيولوجياً، لكنك مقطوع عن العالم تماماً..
أصم، أبكم، وغارق في عتمة خانقة!
هذه "العزلة الكهفية" المرعبة، هي أقرب تصور دنيوي لحالة الروح حين تُكذّب بآيات خالقها وتقرر الاستغناء عن نوره.
سورة الأنعام تعرض لك هذا المشهد بتمامه..
{وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا صُمࣱّ وَبُكۡمࣱ فِی ٱلظُّلُمَـٰتِۗ}.
العقوبة هنا لم تكن صاعقة تهبط من السماء، بل كانت سلباً ناعماً للحواس الرئيسية.
حين يتعمد إغلاق عينيه عن الآيات الواضحة، ويسد أذنيه عن نداء الفطرة، فإن السماء لا تُجبره على الإبصار، بل تصادق على اختياراته، وتسحب منه "أدوات الإدراك" تدريجياً.
يصبح (أصمّ) عن التقاط رسائل الله المبثوثة في تفاصيل أيامه، و(أبكم) لا ينطق قلبه بكلمة حق أو دعاء صادق، ويتوه في (ظلمات) الحيرة، لا يدري من أين جاء ولا أين يذهب.
يركض في الحياة..
يبني ويهدم، ويظن أنه يصنع مجداً بينما هو في الحقيقة يتخبط أعمى في قاع كهف!
{مَن یَشَإِ ٱللَّهُ یُضۡلِلۡهُ وَمَن یَشَأۡ یَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ}.
إنها القاعدة التي تقصم ظهر الغرور البشري، وتُعيد العبد إلى حجمه الطبيعي المفتقر حين يدرك أن الهداية ليست "ذكاءً" شخصياً، ولا عبقرية في التحليل، ولا نتاج قراءات معقدة.
الهداية في أصلها (رزق)..
نورٌ يقذفه الله في قلب من يفتقر إليه. والضلال ليس مجرد "نقص في المعلومات"، ولكن أصله خذلان لمن استغنى وتكبر.
حين تدرك هذه الحقيقة بعمق، ستفهم أن أعظم ما تطلبه من الله في زحام هذه الدنيا المربكة، ليس سعة الرزق، ولا طول العمر، ولكن ألا تسقط في مثل هذه الظلمة..
ألا تسلب حواسك الروحية، ولا تترك لنفسك طرفة عين.
هنالك تجأر ضارعا... اللهم لا تطفئ نور مصباحي..
في منتصف الطريق.

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الأنعام
في سجلات الكوارث، وتحديدًا في حوادث الطيران المروعة وأهوال السفن الغارقة، تتكرر ملاحظة سيكولوجية لافتة..
عند اقتراب الخطر الوجودي، يتراجع الجدل النظري، ويبرز صوت أعمق في الداخل.
يحلو للمراقبين أن يرددوا جملة شهيرة في تلك اللحظات..
"لا يوجد ملحد على متن طائرة تهوي".

حين تتعطل المحركات، وتُظلم الشاشات، وتتلاعب الأمواج العاتية بذلك “التابوت الحديدي”، لا يحيا الإنسان في حالة نقاش فلسفي هادئ.
في تلك اللحظة.. لحظة الصفر.. يتقدم جهاز البقاء، ويتقلص كل شيء إلى سؤال واحد: النجاة.
ستسقط الأقنعة التنكرية، وتعود الروح إلى "إعدادات الفطرة"
.قد لا يتحول الجميع فجأة إلى متدينين، لكن كثيرين سيكتشفون أن ألسنتهم تنطق بنداء ربما لم يخططوا له:
“يا رب…”
ليس لأنهم عقدوا برهانًا جديدًا، بل لأن الروح حين تُجرَّد من كل أدواتها، تعود إلى أكثر طبقاتها فطرية وصدقًا.
هذا المشهد الإنساني العاري، هو ما تجسده سورة الأنعام، كاشفةً عن ذلك التناقض العجيب في تركيب هذا الإنسان:
في الرخاء يجادل…
وفي الشدة يفتش عن السماء.
{قُلۡ مَن یُنَجِّیكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةࣰ}.
تأمل دقة الوصف
(تضرعاً وخفية).
في قلب العاصفة، أو في غرفة العناية المركزة حين ترقب مؤشر النبض يتهاوى.. ربما لا تدعو بصوت عالٍ لتلفت الانتباه، ولا تدبج خطباً رنانة. فقط ستهمس من الداخل، بانكسار حقيقي، وذلٍ خالص، وعجز يملأ المسام.
وهناك، وسط الظلام، ستعقد أضخم صفقة في حياتك: {لَّئنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ}.
"فقط أخرجني من هنا يا رب، وسأتغير للأبد..
سأكون عبداً شكوراً، صالحاً، ولن أعود لغفلتي أبداً".
المأساة الحقيقية لا تكمن في ضعفنا وقت الخوف، ولكن في "ذاكرتنا المثقوبة" وقت الأمان.
{قُلِ ٱللَّهُ یُنَجِّیكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبࣲ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ}.
بمجرد أن تهدأ العاصفة، وتلامس الأقدام رمال الشاطئ، وتستقر أرقام جهاز النبض..
ننسى!
ذلك العهد السري يتبخر، وقد نتنكر لدموع الخوف، ونعود لنبني أسوارنا القديمة.
نعود للغرور، ونسند الفضل لـ "مهارة القبطان"، أو "كفاءة الطبيب"، أو "ذكائنا الخارق في إدارة الأزمة".
هنا، وحين يبلغ الجحود منتهاه، تتحول لهجة سورة الأنعام إلى إنذار كوني مزلزل.
إذا كنتم تظنون أنكم فررتم من عاصفة البر والبحر، فأين تهربون من رب السماوات والأرض؟
{قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰۤ أَن یَبۡعَثَ عَلَیۡكُمۡ عَذَابࣰا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ}.
لا توجد بقعة آمنة في خريطة المتمرد. السماء التي تظل قد تُمطر هلاكاً، والأرض الثابتة قد تبتلع.
لكن العقوبة الأشد، والأكثر إيلاماً من زلازل الأرض ونيازك السماء، هي عقوبة (التمزق الداخلي):
{أَوۡ یَلۡبِسَكُمۡ شِیَعࣰا وَیُذِیقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ}.
أن يرفع الله يد حفظه وتأليفه عنكم، فيترككم لأسوأ وحش على وجه الأرض:
"أنفسكم"!
حين تتفرقون شيعاً وأحزاباً، ويأكل بعضكم بعضاً في صراعات عبثية قاسية لا تنتهي فهذه عقوبة..
أن تصبحوا أنتم.. جحيمَ أنفسكم.
يا صديقي ..العبودية الصادقة ليست فقط المؤقتة تلك التي تنتزعها منك العواصف رغماً عنك، ولا الدعوات المحدودة التي تعتصرها منك أجهزة الإنعاش.
العبد الحق هو من يعرف ربه في هدوء الشواطئ، بنفس اليقين الذي عرفه به في زئير الأمواج.
فلا تكن كمن لا يذكر السماء إلا إذا كادت أن تسقط على رأسه.. ولا تنتظر "ظلمات البر والبحر" لتعقد صلحك مع الله.
تضرع إليه في لحظات أمانك، وابنِ سفينتك في وقت رخائك..

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الأنعام
أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم..
حقيقة هندسية ثابتة لا تقبل الجدل..
الخط المستقيم هو الوحيد الذي يملك اتجاهاً واضحاً وهدفاً محدداً، وأي انحراف عنه -ولو بدرجة واحدة- يعني ضياع الجهد بعد حين، واستنزاف الوقت، والابتعاد الحتمي عن الغاية.
هذا المبدأ الهندسي الصارم، هو ذاته الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً على الرمال حين خطَّ خطاً مستقيماً ثم خطَّ عن يمينه وشماله خطوطاً كثيرة، ليضعنا أمام أعظم معادلة للطريق الروحي
{وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَ ٰ⁠طِی مُسۡتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُۖ}.
كلمة صراطي جاءت مفردة
هو صراط واحد..
وهو مستقيم لا اعوجاج فيه ولا غموض.
لا يحتاج منك إلى ذكاءٍ خارق لتكتشف معالمه،
فقط يحتاج إلى "قدمٍ" ثابتة و"قلبٍ" لا يلتفت.
المشكلة تكمن دائماً في إغراء (التفرع):
{وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِیلِهِۦۚ}.
تأمل الفرق بين (السبيل) الواحد، وبين (السبل) المتعددة.
هذه المسارات الجانبية لا تأتيك كطرق مسدودة منذ البداية، بل تظهر كاختصارات مغرية، أو دروبٍ جانبية مزينة بالأضواء، أو مسالك توهمك بأنها تؤدي إلى ذات الهدف لكن بجهدٍ أقل وتكلفة أخف.
الحقيقة التي تكشفها الآية هي أن هذه السبل لا تؤدي إلى شيء سوى (التفرق).
هي لا تمزق الطريق فحسب، بل تمزق (الإنسان) نفسه؛ فتشتت قلبه بين ألفِ فكرة، وألفِ مذهب، وألفِ رغبة، حتى يجد نفسه في النهاية غارقاً في متاهة كبرى، بعيداً تماماً عن الجادة الأصلية.
والوصية هنا ليست مجرد نصيحة عابرة، ولكن (ميثاق) نجاة:
{ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
التقوى في هذا السياق هي (الحذر)؛
أن تمشي في هذه الدنيا كمن يمشي في حقلِ ألغام، تضع قدمك على نفس الخط حيث وضع الأوائل أقدامهم، وتدرك أن كل "انحراف" بسيط في البداية، سينتهي بانحراف هائلة في النهاية.
والحياة قصيرة جداً لدرجة أنها لا تحتمل تجربة كل الطرق و السير خلف (السراب) استنزافٌ للعمر الذي لن يعود.
الخط المستقيم موجود، وواضح، ومضاءٌ بالوحي..
والخطوط الجانبية كثيرة، صاخبة، ومحفوفة بالشياطين.
فلا تغرنك كثرة السالكين في الدروب الجانبية، ولا يوحشنك قلة السائرين في الخط المستقيم.
ثبّت نظرك على "النقطة الأخيرة" في نهاية الطريق، وامضِ بثقة.. فمن عرف طريقه، استراح قلبه من عناء الالتفات.

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الأنعام
في ذلك الموقف العصيب كانت الريحُ تحمل إليهم أحياناً عبقاً خفيفاً من نعيمٍ لا يطالونه، وأحياناً أخرى، وهجاً حارقاً من جحيمٍ يرتعدون منه.
ها هم يقفون هناك، على ذلك السور الشاهق الذي يفصل بين عالمين، لا إلى هنا ينتمون، ولا إلى هنالك بعد ينتسبون.
حائرون هم..
وجوههم تحمل مزيجاً غريباً من الأمل والخوف وقلوبهم تتأرجح بشدة كبندول ساعةٍ لا يستقر بين الطمع في رحمةٍ واسعة والخوف من عدلٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها..
من شرفتهم العالية تلك؛ يرون المشهدين بوضوحٍ لا تخطئه عين.
عن يمينهم، تمتد بساتين مذهلة تضيء بأنوار باهرة تنافس أنوار وجوه باسمة ناضرة يسمعون ضحكات أهلها الصافية، ويرون محياهم الذي يعكس سكينةً لا توصف
عندئذ يُسارعون بإلقاء السلام، بلهفة المشتاق الذي يرى وطنه من بعيد ولا يستطيع الوصول إليه
"...سَلَامٌ عَلَيْكُمْ...".
يُلقون التحية وثمة حزن ممزوج بأمل وألم
حزن على كونهم لم يدخلوها لكن خيطاً لا يزال يربطهم بذلك النعيم
خيط من الطمع في رحمة تسبق غضب مولاهم
ثم، حين تُصرف أبصارهم قسراً، أو ربما بفضولٍ مرتعب، نحو الجهة الأخرى، يرون تلك الحفرة السحيقة التي تتلظى بنيرانٍ هائلة لم يسبق لهم أن تخيلوا معشارها
ثم يلمحون وجوها يعرفونها
وجوه سوداء كالحة تتعالى من حناجر أصحابها صرخاتٍ تُفتت الصخر
يشعرون بوهج الجحيم يلفح وجوههم حتى على هذا البعد والارتفاع
حينئذ، تنتفض قلوبهم فزعاً، وترتفع أصواتهم بدعاءٍ ضارع يمزق سكون الموقف:
"...رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ".

موقف عصيب هو كما ترى!
أن تقف على الحد الفاصل بين السعادة الأبدية والشقاء المقيم، لا تدري إلى أيهما المصير.
أن ترى النعيم بعينيك وتشتهيه بكل جوارحك، وترى العذاب وتخشاه بكل ذرةٍ في كيانك، وتظل معلقاً في تلك المنطقة الرمادية تنتظر كلمة الفصل التي تحدد مصيرك
ترى كم سيمكثون؟
يوما أو بعض يوم؟!
أم سنة أم ألف سنة... الوقت له يومئذ حسابات أخرى
إنهم أهل الأعراف
قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، كما رجّح كثير من المفسرين؛ فكان جزاؤهم هذا المشهد الصعب من الحيرة والقلق الذي قيل أنه من جنس عملهم وترددهم وتذبذبهم في الدنيا.

هذا المشهد يا صديقي هو، في تصوري، قلب سورة "الأعراف" النابض والذي حملت اسمه ..
هو المدخل الذي يُلخص رسالتها الجوهرية.

هذه السورة المهيبة، التي تأتي بعد زلزال سورة "الأنعام" العظيمة التي أسست لكل ما يرسخ تعظيم الله في القلوب
تأتي سورة الأعراف بعدها لتشير إلى معنى "الاختيار الحاسم".
سورةٌ تقف بك على هذه "الأسوار" الفاصلة في حياتك الدنيا لتؤكد لك بوضوحٍ لا لبس فيه: لا مكان هنا للتردد الطويل، ولا مجال لأنصاف الحلول والوقوف في المنتصف بين الحق والباطل فالحياة رحلةٌ قصيرة، والطرق أمامك واضحة، وعليك أن تختار، وأن تحسم أمرك، وأن تسلك طريقك بقوةٍ ويقين، قبل أن تجد نفسك واقفاً على "أعراف" الآخرة، تتأرجح بين أملٍ ضئيل وخوفٍ عظيم.

حين تُقلّب صفحات المصحف لتصل إلى سورة الأعراف ستشعر بهيبةٍ خاصة وكأنك تدخل إلى ساحة معركةٍ أزلية تتصارع فيها قوى النور والظلام، والإيمان والكفر، والثبات والتردد.
واحدةٌ من "السبع الطوال"؛ تلك الجواهر التي أُعطيها نبينا صلى الله عليه وسلم مكان التوراة، ومن أخذها فهو "حَبْرٌ" أي عالمٌ راسخ، كأنما حاز مفاتيح الفهم العميق لدين الله كما صح ذلك عن رسوله صلى الله عليه وسلم
ولا عجب، فكثافة معاني السبع الطوال وعمق تأثيرها لمن فهمه ووعاه يبين سبب هذه المكانة
أتعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ إحدى السبع الطوال كاملةً في صلاة المغرب
أتدري ما هي؟!
إنها سورة الأعراف يا عزيزي
ترى أي رسالة تلك التي أراد أن يوصلها النبي باختياره هذه السورة ليجعلها في صلاة المغرب؟!
هذه السورة الطويلة، بما تحمله من قصصٍ ومواعظ وأحكام، يختارها النبي ليقرأها في صلاةٍ يُعرف عنها قصر القراءة نسبياً،ة!

لعل في ذلك إشارةً إلى حاجتنا الماسة لرسالتها في كل حين، خصوصا في ذلك الوقت الذي يلتقي فيه النهار بالليل، وتتهيأ فيه النفس للقاء ربها في موتة صغرى مؤقتة بقلبٍ قد حسم أمره واختار طريقه.

السورة تبدأ بذلك التوجيه الإلهي الحاسم والمباشر وكأنه نداءٌ من السماء يخترق حُجب الغفلة:
(كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ).
لا للحرج يا محمد
لا للضيق أيها المؤمن
لا للشك أيها الإنسان!
خيارك الوحيد هو يقينٌ كالجبال الرواسي حين يأتي الأمر إلى هذا الكتاب المنزل وهذه الشريعة التي يحملها
خيارك هو اتباعٌ كاملٌ، لا تردد فيه ولا تلكؤ، لما جاء فيه من هدى ونور:
(اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ).
هذا هو خيارك الأول والأوحد الذي تتفرع عنه كل الاختيارات الأخرى
فهل ستتبع ما أنزل ربك، أم ستتبع أهواءك وأهواء أولياء الشيطان؟
ثم يأتي ذكر الميزان
ذلك القسطاس المستقيم الذي لا يظلم مثقال ذرة، ليُحدد مصير هذا الاختيار: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ).
الأمر واضح كما ترى والخيار محدد
إما فلاحٌ أبديٌّ لمن ثقلت موازينه بالإيمان والعمل الصالح، وإما خسارةٌ ما بعدها خسارة لمن خفّت موازينه بظلمه لنفسه وكفره بربه.
لا مجال إذاً لمنطقةٍ رماديةٍ دائمة، فالنهاية إما إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وإما إلى نارٍ وقودها الناس والحجارة.

ولكي تُجلي لنا السورة طبيعة هذا الصراع وهذا الاختيار = تأخذنا في رحلةٍ عبر الزمان لتستعرض نماذج هذه الاختيارات

رحلة آسرة ومُزلزلة، نُشاهد فيها كيف دارت رحى المعركة بين الحق والباطل منذ فجر الخليقة.
تبدأ السورة بالقصة الأم، قصة أبينا آدم عليه السلام، وكيف وسوس له الشيطان، ذلك العدو الأول، ليُخرجه من الجنة.
ثم تستعرض أمامنا موكب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم واحداً تلو الآخر
كلٌّ منهم يحمل نفس الرسالة، ويواجه نفس الجحود والعناد النابع من داء عضال اشتركوا فيه جميعا

"الكِبر"ذلك الداء الذي يكمن خلف كل ضلالة، وذلك الخيط الأسود الذي يربط بين كل قصص الهالكين في هذه السورة.

إن من الملاحظات المهمة جدا والمتكررة في سورة الأعراف الحديث عن الكبر وأهله
فيما يزيد عن عشرة مواضع تقريبا حدثنا الله عن الكبر وحذر من عاقبته ومآله وبين طريقة المتكبرين وأسلوب تفكيرهم وانحراف نظرتهم وتفكيرهم
بداية من إبليس حين سأله الله عن سبب امتناعه عن السجود رغم العلة المركزية التي لا يملك معها مخلوق أن يرفض
"إذ أمرتك"
هكذا بينها الله في خاتمة السؤال "ما منعك ألا تسجد"
الله يأمرك
وأنت تعرفه وتدرك جلاله وعظمته فأنت كنت تعبده يوما مع الملائكة
ورغم ذلك تأبي أن تمتثل!
إنه الكبر في أبشع صوره
"أَنَا۠ خَیۡرࣱ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّارࣲ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِینࣲ"
هكذا كانت الإجابة والقياس الفاسد الذي جسد تلك المشاعر الحقيرة
مشاعر الكبر
وهذه هي..
أنا خير ..
رؤية النفس
الشعور بالخيرية والأفضلية
الإحساس بالغرور المقيت
عندئذ تبدأ رحلة الهبوط والصغار التي ترتبط بالكبر تصريحا
"قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا یَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِیهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِینَ"
هنا كانت العقوبة والمعاملة بنقيض القصد
الصغار في مقابلة الاستكبار
والهبوط في مواجهة العلو
فَمَا یَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِیهَا
تلك هي القاعدة
هنالك لا مكان للمتكبرين
الجنة دار المتواضعين الهينين اللينين
هاهنا ليس ثمة مكان للكبر
الجنة ليست دارا للمتكبرين
ثم تستمر سورة الأعراف في بيان عاقبة من سار على منهج إبليس وحسم اختياره..

"وَٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ"[الأَعۡرَافِ: ٣٦]

" إِنَّ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَ ٰ⁠بُ ٱلسَّمَاۤءِ وَلَا یَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ یَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِی سَمِّ ٱلۡخِیَاطِۚ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُجۡرِمِینَ" [الأَعۡرَافِ: ٤٠]
معنى آخر للكبر تظهره هاتين الآيتين
الاستكبار عن الآيات
التعالي على البينات الواضحات
بطر الحق ورده حين يأتي كما صح عن النبي حين عرّف الكبر
" بطر الحق وغمط الناس"
والمصير واضح
نار وطرد ومنع من أي فرصة لدخول الجنة إلا في حالة واحدة
أن يدخل حبل سميك غليظ إلى ثقب إبرة
حَتَّىٰ یَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِی سَمِّ ٱلۡخِیَاطِۚ
الأمر مستحيل كما ترى
وقد حسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"

و أهل الأعراف الذين سميت السورة باسمهم يرون تلك الأمارات بوضوح يوم القيامة حين يتعرفون على سيما أناس كانوا يعرفونهم في الدنيا
هاهم يصطرخون في النار
لكن نداء أهل الأعراف قد بلغهم
" وَنَادَىٰۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالࣰا یَعۡرِفُونَهُم بِسِیمَىٰهُمۡ قَالُوا۟ مَاۤ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ"
تأمل الصفة التي تذكرهم بها أهل الأعراف الكبر مرة أخرى!
لكنه هاهنا كبر من نوع آخر
إنه التعريف النبوي الثاني
"غمط الناس".
التعالي على الخلق وازدراؤهم
" أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا یَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ"
الإشارة هنا للجهة الأخرى
لأهل الجنة
الذي كان الأولون يستضعفونهم ويستعلون عليهم ويغمطونهم
الآن تأتيهم البشرى
"ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡكُمۡ وَلَاۤ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ"
ولقد كان هذا دأب جل أعداء الأنبياء والصفة المشتركة التي أظهرتها السورة في أغلب قصصها
الملأ المستكبرون
هذا ما أطلق على ثمود قوم صالح عليه السلام
" قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحࣰا مُّرۡسَلࣱ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوۤا۟ إِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ"
واستمر الوصف مطردا
" قَالَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوۤا۟ إِنَّا بِٱلَّذِیۤ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ"

وهو ذات ما قيل عن أهل مدين في مواجعة سيدنا شعيب عليه السلام
" قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ یَـٰشُعَیۡبُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرۡیَتِنَاۤ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِی مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَـٰرِهِینَ"
وهو نفس ما وصف به فرعون وآله وكان ما قابلوا به آيات الله
" فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَایَـٰتࣲ مُّفَصَّلَـٰتࣲ فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوۡمࣰا مُّجۡرِمِینَ"
مشترك لفظي واحد لا يتغير.. "استكبروا"
مشترك يبين أنهم قد حسموا الأمر واختاروا الكبر

وليس شرطا أن يأتي الكبر بلفظه بل لقد فهم ضمن سياق ما فعلوه وقابلوا به دعوة الأنبياء
أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَاۤءَكُمۡ ذِكۡرࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلࣲ مِّنكُمۡ لِیُنذِرَكُمۡۚ
تكررت تلك الجملة التي تبين أصل الكبر في رفض الأقوام لأنبيائهم!
جملة تشي بما يعتمل في الصدور..
مجرد رجل يذكرنا ويعظنا
لم تقبل القلوب المتكبرة ذلك
لذلك قد لا تجد خطيئة بعد الكفر بالله والشرك به أشد بغضا في قلوب الخلائق كالكبر وأهل الكبر
أولئك الذين تقطر حروفهم ومواقفهم بالعلو وتنضح نظراتهم واختياراتهم بالغرور والشعور بالفضل ورؤية النفس
مَن لسان حالهم دوما: أيها الناس قد أكرمكم الله بوجودنا بينكم وامتنَّ عليكم بأعظم نعمه حين وُلدتم في عصر يتشرف أن عشنا فيه!
قوم لا ينقصهم إلا أن يصرحوا باستحقاقهم عبودية غيرهم ويطالبوا الخلق ألا يفتروا عن التسبيح ليلا ونهارا بحمدهم
حقا لست أدري والله كيف يطيق الواحد من هؤلاء نفسه فضلا على أن يطيقه من حوله

ثم تبدأ سورة الأعراف في ذكر عقوبات الكبر العاجلة وأولها الطبع على القلب!

ذلك القلب القاسي الغليظ الذي قُدَّ من صخور الكبر وكُسي بِرَانِ العلو وأحاطت به أسوار الغرور
مثل هذا القلب يُطبع عليه فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ولا يتلذذ بنعمة الأخوة والمحبة
والأخطر أنه يُصرف عن طريق الحق

"سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَایَـٰتِیَ ٱلَّذِینَ یَتَكَبَّرُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن یَرَوۡا۟ كُلَّ ءَایَةࣲ لَّا یُؤۡمِنُوا۟ بِهَا وَإِن یَرَوۡا۟ سَبِیلَ ٱلرُّشۡدِ لَا یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰا وَإِن یَرَوۡا۟ سَبِیلَ ٱلۡغَیِّ یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰاۚ"
يالها من عقوبة
أن يصرف الله المتكبر عن طريقه
أن تعمى عينه عن رؤية الحقائق الجلية
أن يختار دوما سبل الشر ويرفض باستمرار ولوج أي سبيل خير ورشد..
وأن يمسخ الله قلبه في الدنيا

فإن أصر واستكمل تسلق تلك الأوهام التي اغتر بها فإنه لا يلبث إلا ويهوي في يوم يُحشر فيه أمثاله كالذر يطؤهم الناس بأقدامهم!
هكذا وصفهم النبي ﷺ في ذلك اليوم العصيب
يُحشَرُ المتكبِّرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهم الذُّلُّ من كلِّ مكانٍ"

أولئك الذين ملئوا الأرض كبرا وعلوا ها هم قد صاروا في حجم الحشرات وذلة هوام الأرض
بل أشد هوانا
ومن يهن الله فما له من مكرم

ثم يكمل النبي ﷺ حديثه عن إيلامهم وإذلالهم جزاءً وفاقا على استكبارهم الأول
"يُساقون إلى سجنٍ في جهنَّمَ يُقالُ له : بُولَسُ تعلُوهم نارُ الأنيارِ يُسقَوْن من عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينةَ الخَبالِ"
أي ذلة وأي هوان!
سقياهم عصارة إخوانهم المستكبرين وعرق أوليائهم المتعالين
فليذوقوه إذا في هذا اليوم فلطالما ذاقوا طعما آخر لم يقبلوا التلذذ بغيره
طعم أنفسهم
أما ما يريده الله ويحبه فشيء مختلف تماما
إنه ما اختار أن يختم به هذه السورة العظيمة ممتزجا بعلامته العملية
سجدة
سجدة ختمت بها السورة وتبين فيها صفة من هم عند ربك
ومن يحبهم ويرتضيهم
{ إِنَّ ٱلَّذِینَ عِندَ رَبِّكَ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَیُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ یَسۡجُدُونَ ۩ }
لكن السورة لا تكتفي بعرض نماذج الكبر الصريح، بل تُقدم لنا نموذجاً آخر، أكثر تعقيداً وإثارةً للتأمل
نموذج يُحذرنا من أن العلم والمعرفة قد لا تكون عاصماً من السقوط إذا لم يُصاحبها تواضعٌ وخشية
إنه بلعام بن باعوراء وكل من تنطبق عليه الصفات الواردة في الآيات
ذلك الرجل الذي آتاه الله آياته، علّمه اسمه الأعظم كما قيل
كان مجاب الدعوة
لكنه – ويا للمأساة – اتبع هواه، وانسلخ من تلك الآيات، وأخلد إلى الأرض، فكان مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 175-176].

تشبيهٍ قرآنيٍّ بليغٍ ومُزلزل!
أن يتحول العالم الذي أوتي آيات الله إلى كلبٍ يلهث وراء الدنيا وحطامها الفاني!
لكن ما الذي أوصله إلى هذا الدرك الأسفل؟ إنها ببساطة اختيارات آخر تم حسمها
"اتباع الهوى" و "الإخلاد إلى الأرض".
حين يُصبح حب الدنيا والتعلق بزينتها هو الدافع والمحرك، وحين يُصبح الهوى هو المعبود المطاع من دون الله، فلا قيمة لعلمٍ ولا لمعرفة، بل قد يكون هذا العلم حجةً أكبر على صاحبه.
قصة بلعام هي صيحة تحذيرٍ لكل من أوتي علماً أو مكانة إياك والكبر، إياك واتباع الهوى، إياك والإخلاد إلى الأرض، فإن السقوط قد يكون مدوياً ومخزياً.

وفي مقابل هذه النماذج المظلمة التي اختارت الخيارات البائسة؛ تعرض السورة النماذج المقابلة التي حسمت أمرها ولم يكن في صدورها حرجا
نماذج النور والهدى
أولئك الذين اختاروا طريق الله ورسله، وثبتوا على الحق، وتحملوا الأذى، وسعوا في الإصلاح.
أبرز نماذج هم في السورة أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم ومعهم أتباعهم بإحسان من اختاروا خيارهم ومضوا على سبيلهم
في السورة ذكر اللأنبياء الكرام، نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى، ومن آمن معهم
أولئك الذين حسموا أمرهم، واختاروا طريق الحق، وتحملوا في سبيله الأذى والتكذيب، وثبتوا عليه حتى أتاهم نصر الله أو لقوا ربهم على ما عاشوا عليه.

إنهم الذين وصفتهم السورة بوصف جامع محكم
(والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف: 170].
تأمل الكلمة
"الْمُصْلِحِينَ"
الذين لم يكتفوا بصلاح أنفسهم بل سعوا في إصلاح مجتمعاتهم ونهوا عن المنكر، فاستحقوا ولاية الله ورضوانه ونجاته
درجة متقدمة جدا من حسم الاختيار وتحديد الوجهة جعلت منهم أصحاب بذل وسعي وجهد لإصلاح غيرهم
وهم مع سعيهم لهذا الإصلاح الذي يتخطاهم؛ لا ينسون أنفسهم ولمةا يتغافلون عن صلاحهم الشخصي فكانوا من الصالحين الذين ذكرتهم السورة أيضا..
(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف: 196].

لكن بين هذين الفريقين؛ هنالك تلك المنطقة التي بدأنا بها حديثنا وحملت السورة اسمها
منطقة "الأعراف"
منطقة الحيارى والمذبذبين.

ولعل من أبرز تجليات هذه الحيرة وذلك التذبذب ما تعرضه السورة من قصة بني إسـ.ر.ائـ.يل.
أولئك الذين رأوا من آيات الله ما لم تره أمة غيرهم
فُلق لهم البحر، أُنجوا من فرعون وجنده، أُطعموا المن والسلوى وتفجـ.رت لهم الأعين من الأرض..
ثم ماذا؟!
بمجرد أن مروا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم، قالوا لنبيهم بوقاحة منقطعة النظير: (يَا مُوسَىٰ اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).
وفي غيبة سيدنا موسى القصيرة لمناجاة ربه؛ صنعوا عجلاً جسداً له خوار وعبدوه من دون الله!
هذا التذبذب والانتقال السريع بين الإيمان والكفر..
بين رؤية الآيات وعبادة دليلٌ صارخ على عدم رسوخ الإيمان وعدم حسم الاختيار والوجهة الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى سهولة التأثر بالشبهات والشهوات.

وأوضح الأمثلة على ذلك التباين بين أصناف السورة الثلاثة والتي تفترق على أساس الاختيار والحسم = قصة "أصحاب السبت"
تلك القرية التي كانت حاضرة البحر يتعيشون على صيد الأسماك فكان الابتلاء في هذا الأمر تحديدا
لقد ابتلوا بأن تأتيهم الأسماك يوم السبت شُرّعاً ظاهرة سهلة المنال، وفي غير يوم السبت لا تأتيهم.
وليس شرطا أن عدم إتيان الأسماك يعني استحالة الصيد ولكن فقط سيكون الأمر بحاجة إلى بعض الجهد بينما في السبت سيكون الأمر سهلا في المتناول
لكنه محرم
حُرم عليهم الصيد في ذلك اليوم الذي كان محل الاشتهاء وفي ذلك نموذجا لنوع متكرر من الاختبار
أن تكون المعصية سهلة في المتناول فيظهر القادر على كبح جماح نفسه ويتمايز الذي لا يفكر إلا في نيل شهوته
ولقد وقع ذلك التمايز بالفعل لكن ليس إلى فريقين كالعادة؛ فريق اعتدى وفريق اتقى
فريقٌ تحايل على أمر الله وفريقٌ لم يكتف بعدم الاعتداء ولكنه أيضا قام بواجبه في نهي المعتدين ونصحهم ودعوتهم..
وثمة فريق ثالث لم يحسم الأمر وليتم به النموذج المصغر لموقف الأعراف
هذا الفريق الثالث يظهر من لغة خطابه أنه لم يكن من المعتدين في السبت
لكنهم أيضاً لم ينهوا المعتدين
ويا ليتهم اكتفوا بتلك السلبية وتركوا من ينهى ويعظ يكمل مساره الإصلاحي بل حالوا تثبيطهم و قالوا للواعظين بتيئيس وتعويق : "...لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا...".
هنا كانت إجابة الحاسمين الذي اختاروا لأنفسهم أن يكون لهم دور في الإصلاح
" قَالُوا۟ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ"

وحين بينت سورة الأعراف نزول العذاب على المعتدين، ونجاة الناهين عن السوء سكت القرآن عن مصير هذا الفريق الثالث! ويا له من سكوتٍ يحمل كل المعاني المحتملة والتي أطال المفسرون في ذكرها فمنهم من قطع أنهم عذبوا مع من عذب ومُسخوا مع من مُسخ
ومنهم من ذكر أن أمرهم متروك إلى الله وأن هذا السكوت عنهم سكوت تحقير لهم كما حقروا أنفسهم بتخاذلهم وتثبيطهم
أيا كان ما وقع بهم فثمة وعيد مبطن لمن اختار تلك المنطقة الرمادية
أو إن شئت فقل لم يختر.. ولم يحسم

رسالة مطردة في السورة تبدأ قبل كل ذلك بكثير
تبدأ في مفتتح رحلة الإنسان على هذه الأرض
بل وقبل أن تطأ قدماه ترابها
تأخذك السورة إلى مشهدٍ تأسيسيٍّ عظيم، مشهد "الميثاق" في "عالم الذر":
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172].
إنه العهد الأول والاختيار الفطري
ميثاق الفطرة التي فطر الله الناس عليها من الإقرار بربوبيته ووحدانيته.
هذا المشهد يُلقي بظلاله على كل قصص السورة، ليُبين لنا أن الكفر والشرك والضلال ليس هو الأصل في الإنسان، بل هو اختيار منحرف عن هذه الفطرة، ونقضٌ لهذا العهد. وأن كل رسولٍ يُبعث إنما يأتي ليُذكر الناس بهذا الميثاق، وليُعيدهم إلى نقاء الفطرة الأولى.
إن الاختيار الذي تطرحه سورة الأعراف ليس اختياراً من فراغ، بل هو اختيارٌ بين الوفاء بهذا العهد الأصلي، أو نقضه واتباع خطوات الشيطان.
بين التمسك بنور الفطرة، أو الانغماس في ظلمات الكبر والهوى.
وأمام كل هذه النماذج، وهذا الصراع المحتدم، تأتي التوجيهات القرآنية في السورة كأنها طوق نجاة
بل كأنها دليل المسافر في هذه الرحلة الحياتية المليئة بالمنعطفات
تأتي رسالة الأعراف صيحة مدوية: أن اختر طريقك بوضوح!
لا تكن من أهل الأعراف
لا ترضى بالمنطقة الرمادية، ولا تقف متفرجاً بينما تستطيع تقديم شيء ولو صغر
ولو كانت كلمة أو نصيحة أو تذكرة
ولا يكن في صدرك حرج من كتابك وتمسك به بقوة، كما أُمر بنو إسـ.ر.ائـ.يل في السورة:
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأعراف: 171]
قوة في الإيمان وقوة في الالتزام
قوة في العزيمة وفي اليقين
في الإصلاح والنصيحة
كن من المصلحين الذين لا يُضيع الله أجرهم لا من المثبطين المُعَوِّقين الذين قد يشملهم الهلاك مع الهالكين.
استغث بربك وتضرع إليه ليلهمك رشدك ويعينك على حسم اختيارك وسلوك سبيله "ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" [الأعراف: 55].
لا تتبع خطوات عدوك الأول والأخطر والذي أقسم على غوايتك منذ اللحظة الأولى حين نزع عن أبويك لباسهما ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما ولترتدي أنت لباسا آخر وجهتك إليه السورة
"...وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ..." [الأعراف: 26].

ولا تنسَ أبداً خطورة الكِبر، ذلك الداء العضال الذي كان سبب سقوط إبليس وهلاك الأمم التي تسننت بسنته في الكبر والجحود.
تواضع لله و تواضع لخلقه
اقبل الحق ممن جاء به، ولا تستكبر عن آيات الله، فـتصرف عنها
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 146].
وأيّ عقوبةٍ أشد من أن يُصرف المرء عن آيات ربه وعن طريق هدايته؟!
عقوبة عاجلها التمادي في هذا الكبر المانع عن أوضح معاني التواضع لله
السجود
ذلك المعنى الذي تختم به السورة، في أول سجدة بترتيب المصحف
تلك التي تُذكرنا بالنموذج الأعلى للعبودية الخالصة
عبودية الملائكة المقربين
(إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩).
مخلوقات لا تعرف الكبر ولا التردد أو التذبذب
خيارها المحسوم؛ تسبيحٍ دائم وسجودٍ خالص.
وكأن هذه الرسالة الختامية لتلك الرحلة المهيبة
رحلة الحسم والقرار
تلك التي تنتهي بذلك الفعل الذي يظهر خيارك المطلق
خيار السجود
خيار العبودية

الفصل الثامن من كتابي
#مفاتيح_سور_القرآن

سورة #الأعراف