📚 فتاوى المرأة الفقهية وتعلم القرأن 📚
23.8K subscribers
121 photos
45 videos
60 files
923 links
📅 دعوية فقهية.مع د.هالة

📝 أهم الفتاوى في العبادات والمعاملات

تعلم القرأن وتدبره......
Download Telegram
{إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ}
كان لامرأة لوط قرار مغاير لما قد تتوقع من تلك التي عاشت تحت سقف النبوة..
عاشت هناك لكن بقلب لم تخالطه بشاشة الإيمان يوما.
انتماؤها الأول والوحيد كان لقومها.
ولاؤها الأعمى انصب على مجتمع غارق في الفحش والفجور.
ولقد قدمت هذا الولاء الفاسد على الحق المنزل على زوجها.
ظلت تلهث خلف حظوة زائفة ومكانة اجتماعية لديهم متجاهلة رضا نبي الله.
وحين رأت الشباب الوضيء يدخلون أضيافا على سيدنا لوط؛ أدركت فورا أن قومها منكوسي الفطرة سيفرحون بصيد كهذا.
لم ترع زوجا ولم تقدر عرفا ولم تلتفت لحرمة ضيف.
سارعت المجرمة لتسريب الخبر إلى فجار المدينة فاستحقت بجدارة أن تخلد كمثال للذين كفروا جنبا إلى جنب مع امرأة نوح.
البيئة الصالحة والبيت الطاهر لم يشفعا لهما وهذه الأجواء النبوية لم تقف حائلا بينهما وبين السقوط.
لم يغن عنهما ارتباطهما بأنبياء الله شيئا ونالهما العذاب المروع مع الغابرين.

على الضفة الأخرى تقف امرأة فرعون.
امرأة ممن كمل من النساء.. صمدت في ظروف بشعة وبيئة قاسية للغاية.
هل توجد بيئة أسوأ من قصر يحكمه من يدعي الألوهية ويذبح الأطفال الرضع ويستعبد أمة بأسرها.
لو كانت الظروف هي الشماعة التي يركن إليها المقصرون لتبرير تخاذلهم لكانت هذه المرأة أولى الناس بالتعذر بها.
لقد عاشت متجرعة عذاب فرعون حتى أهلكها تعذيبه كما تروي الآثار.
لكنها لم تنهزم.
قد صمدت وصبرت ونالت ما طلبت بشموخ نادر فاستحقت أن تكون أيقونة للذين آمنوا جنبا إلى جنب مع الكاملة الأخرى الصديقة مريم ابنة عمران.

إن الإيمان والكفر قرارات تصنع داخل الروح.
القصور الفاسدة لا تجبر أحدا على الخطيئة.
كما الجدران الطاهرة لا تصنع قديسا بالضرورة..

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الحجر
في كتاب الله آيات فاصلة..
آيات تنقلك من مرحلة إلى أخرى..
سورة الحجر تحتوي على واحدة من تلك الآيات
آية تأخذك من مرحلة السر والهمس في دار الأرقم... لتلقي بالمسلمين في قلب المواجهة المعلنة.
سورة الحجر هي دستور هذه المرحلة الانتقالية في حياة النبي ﷺ وأصحابه..
مرحلة الجهر..
لقد انتهى زمن دار الأرقم وحانت لحظة الخروج إلى شوارع مكة المعبأة بالكراهية.
في الدنيا حين يقرر القائد تغيير خطة المعركة من التخفي إلى الهجوم المكشوف فإنه يصدر حزمة تكليفات جديدة تماما تناسب حجم الصدمة القادمة.
ولله المثل الأعلى..
هذا ما وقع في سورة الحجر
تأمل تتالي الأوامر كأنها بروتوكول روحي شديد الدقة.
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
هذه هي نقطة الانطلاق ومحطة الإعلان الصريح بلا مواربة عن غفران الله وعذابه الأليم.
تكليف رباني مباشر أن تفتح أبواب الأمل على مصراعيها.
نبئهم يا محمد..
أخبرهم عن سعة رحمته وعظيم عفوه.
عرفهم أن هناك دائما رجاء وأن العودة ممكنة مهما تلوثت الصحائف.

لكن النفس البشرية إن تركت لهذا الرجاء المطلق ستركن إليه وتتراخى وتأمن العقاب.
لذا تأتي التتمة الموقظة في الآية التي تليها مباشرة.
{وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ}
هذا هو التوازن الذي يضبط إيقاع الروح.
النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة.
هو ذاته الذي قال في نفس الحديث لو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار.
لا مناص من هذا القصد الدقيق بين رجاء الرحمة وخوف العقاب.
أن يطغى الرجاء فهذا يعني الاستناد إلى سعة المغفرة وترك العمل.
وأن يطغى الخوف فهذا يعني السقوط في بئر القنوط واليأس من روح الله.
الخوف والرجاء جناحان يطير بهما القلب.
من يحاول التحليق بجناح واحد سيسقط حتما.
إنما بهما معا يعتدل المسار ويمضي العبد متزنا نحو روضات الجنان بإذن من الرحيم الرحمن.

لكن اعلان كل ذلك يعني الإيذاء الحتمي والاصطدام بصلف المشركين.
لذلك يتدخل التوجيه الثاني لتجهيز الدرع النفسي.
"فاصفح الصفح الجميل".
ستسمع ما يؤذيك وتتلقى طعنات الاستهزاء طوال مسيرتك.
الخروج من هذا الفخ يكمن في التجاوز النظيف الذي لا يترك في قلبك غلا يثقلك ويعطلك عن استكمال المعركة.
ثم يأتي التحصين ضد الانبهار ببريق العدو.
لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ}.
َ الآيات هنا تضع يدك على نقطة ضعف بشرية أصيلة.
النظر للغير..
إن النهي عن اختلاس النظر إلى ما يملكه الآخرون لم يأت هكذا مجردا.
لقد سبقه تذكير مباشر بحجم الثروة الحقيقية التي تمتلكها بالفعل.
{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}.
المعادلة واضحة جدا.
من يحمل بين ضلوعه هذا النص الخالد لا يصح أبدا أن يقف مبهورا أمام (فاترينات) الدنيا الزائفة.
لو أدرك المرء قيمة ما أوتيه من فهم وعلم بهذا القرآن لاستعلى بهدوء تام على كل شهوات الأرض.
المشركون يملكون المال والسلطة والواجهات الاجتماعية الفارهة التي تسلب الألباب.
وأنت تملك "سبعا من المثاني والقرآن العظيم".
إياك أن تقارن أبدا بين كنزك السماوي الخالد ومتاعهم الأرضي الزائل.
المتاع الزائل مهما تضخم وتلون وبرق لا يعادل حرفا واحدا يربطك بالسماء.
أن تمد عينيك لتراقب ما في أيدي الناس وتتحسر عليه يعني ببساطة شديدة أنك لم تدرك بعد حجم الكنز الذي في يدك.

في مقابل هذا الاستغناء التام عن الأعداء يأتيك التكليف بالاحتواء لمن معك.
"واخفض جناحك للمؤمنين".
هؤلاء الضعفاء هم سندك الدنيوي ورصيدك الآني.
اضممهم إليك بحنان لأن هذه المرحلة القاسية ستحتاج إلى كتف يسند كتفا.

ثم نصل إلى ذروة التكليف والكلمة التي شقت صمت مكة للأبد.
الآية الفاصلة التي ما بعدها ليس أبدا كما قبلها
"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين".

اضرب جدار الباطل بكلمة الحق بكل وضوح. لكن احذر أن تستدرج إلى مستنقعهم الموحل.
قل كلمتك وأعرض.
تجنب الدخول في مهاترات تستنزف طاقتك. السماء تكفلت بالباقي وصرحت بوعدها القاطع "إنا كفيناك المستهزئين".
التبعات النفسية لهذا الصدع مكلفة جدا.
تدرك حجم النزيف الداخلي الذي سيصيبك من جراء وقاحاتهم.
"ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون".
هنا تصدر الأوامر الختامية كروشتة طوارئ تنقذ الروح من الاختناق المحدق.
"فسبح بحمد ربك" و"كن من الساجدين" و"اعبد ربك حتى يأتيك اليقين".
التسبيح يوسع الصدر المنقبض والسجود يرفعك عن طين الأرض المستنقع.
العبادة المستمرة هي خندقك الأخير الذي لن تغادره حتى تلفظ أنفاسك وتلقى ربك.
أنت لا تواجه وحشية العالم بصلابتك الشخصية إنما تواجهها بالاحتماء الدائم تحت مظلة العبودية المطلقة.
هذا هو بروتوكول الانتقال من الظل إلى الشمس.
أوامر لا تصنع شخصا قادرا على تحمل الأذى وحسب إنما تصنع قلبا يبتسم بيقين بينما تنهار أمامه كل الجدران.

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الحجر
التكاليف الشرعية لها غالبا مواقيت محددة ومحطات تتوقف عندها لالتقاط الأنفاس.
الصوم.. يفرض في شهر واحد في العام ثم من شاء أن يتنفل فليفعل.
نحج أياما معدودات في العمر كله ثم نعود لبيوتنا.
حتى الصلاة التي مقسمة على خمسة مواقيت يتخللها مساحات من السعي الدنيوي.
كل عبادة لها نقطة بداية ولها لحظة نهاية تعود بعدها لممارسة حياتك المعتادة.
لكن سورة الحجر تحوي تكليفا واحدا كسر هذه القاعدة الزمنية.
دوما أراه أطول تكليف في القرآن كله.
تكليف جاء في خاتمة السورة كأنه يضبط إيقاع الوجود بأسره.
"واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".
اليقين هنا بشبه إجماع من المفسرين هو الموت.
اللحظة الصارمة التي تتوقف فيها نبضات القلب وتنسدل الستار على مسرح الدنيا.
أنت إذاً أمام أمر ممتد لا يعرف الإجازات العارضة ولا يعترف بقانون التقاعد المبكر.
منذ اللحظة التي تبلغ فيها الحلم وحتى النفس الأخير أنت مرابط في خندق العبودية.
المعنى أعمق بكثير من مجرد اتصال الركوع بالسجود طوال اليوم.
هي حالة استنفار روحي شاملة تصبغ كل تفاصيلك.
طريقة مشيك وحديثك وصمتك وتعاطيك مع البلاء والنعمة.
كل شيء يمر عبر مصفاة دقيقة ويخضع لبوصلة الخضوع المطلق لخالقك.
وهذا التكليف المفتوح يخبرك بحسم أن الأمر لا ينتهي أبدا.
من توهم أنه قد أتاه اليقين و وصل إلى مرتبة روحية تعفيه من التكليف أو تمنحه حصانة من الخطأ فقد انزلق في هاوية الخديعة .
إمام الموقنين ﷺ ظل يعبد حتى تورمت قدماه ومات وهو يجود بأنفاسه في صلب العبودية قائلا.. الصلاة الصلاة.. مروا أبا بكر فليصلي بالناس.
لا توجد مساحة آمنة في هذه الأرض يمكنك أن تخلع فيها درع عبوديتك وتستريح مطمئنا.
الراحة الحقيقية تبدأ فقط حين يطرق "اليقين" بابك..
ليجدك ثابتا في الميدان.
ميدان العبادة.
#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الحجر
خاتمة سورة الحجر من أجمل خواتيم سور القرآن
تلك السورة التي طافت بنا بين المستهزئين والمكذبين، تضع الآن الترياق النهائي في يد النبي ﷺ وفي يد كل من يحمل همه من بعده.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
هدية لقلب أرهقته الكلمات السامة.
الآيات تخبرك أن ربك يعلم..
يرى وجعك بدقة ويدرك مساحة الضيق في صدرك.
والعلاج هنا لا يعتمد على الرد أو الدخول في مهاترات مرهقة مع الحمقى.
الوصفة القرآنية واضحة.
الهروب إلى الأعلى.
كلما ضاق الصدر بتفاهات البشر وسخريتهم، اتسع فورا بالسجود والتسبيح لمن بيده مقاليد الوجود.
واليقين هنا هو الموت.
هو الحقيقة الفيزيائية والروحية الوحيدة التي لا تقبل الجدل أو التشكيك من عاقل..
اللحظة التي تمزق حجب الغيب وتخرس ألسنة الساخرين، وتجبر المعاند المتغطرس على تصديق ما كان يضحك منه بالأمس.
والتكليف ممتد حتى هذه اللحظة الفاصلة لأن المعركة لم تنته.
غرف الاستراحة غير موجودة في خريطة هذه الدنيا.
العبادة ليست فندقا تقيم فيه حين تشعر بالصفاء الروحي وتغادره حين تكتئب،
هي خندق ترابط فيه حتى تلفظ أنفاسك الأخيرة.
للأسف كثير منا حين يضيق صدره يفعل العكس
يعجز عن العبادة في سياق أولى به أن يفزع إليها
كان رسول الله صلى الله عليه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة..
تأمل اللفظ.. فزع.
أرحنا بها يا بلال
هذا هو الحال المغير
إن اليقين لا يمنحك إجازة من التكليف.
هو القوة الخفية التي تجبرك على السجود حين تنهار ركبتاك.
هو أن تدرك أن كل ركعة تختلسها وسط ضجيج المستهزئين، هي رصيد سري تدخره للحظة الارتطام الحتمي بالخالق.
والموت قادم للجميع.
هذه حقيقة يعرفها البر والفاجر.
السؤال الجوهري الذي تطرحه الآية يكمن في الهيئة التي سيجدك عليها الموت.
هل يقتحم عليك الباب وأنت مرابط في خندق العبودية، أم يباغتك وأنت تلهث خلف سراب تافه أو تستنزف عمرك في الرد على سخرية العابرين.

اليقين ليس فكرة فلسفية نعتنقها مع قدح من القهوة في لحظات الرخاء.
هو عهد صارم وجبهة ساجدة لا تغادر..
أن تظل قابضا على السجود غير مكترث بضجيج العالم من حولك، حتى تزف إلى الحقيقة الكبرى.
هكذا تغلق سورة الحجر مسارها المتصاعد.
من حفظ الذكر في عليائه، إلى حماية النبي من مكر الساخرين،
لتتوقف الرحلة عند مشهد الختام.
روح تتصل ببارئها في تسبيحة..
وسجدة خاشعة، فتسلم صاحبها بهدوء تام إلى اليقين المطلق.
#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#الحجر
ابدأ دلوقتي، مش لازم تكون جاهز 100%، المهم تبدأ.

كل صفحة = خطوة أقرب لهدفك.
تعب المذاكرة مؤقت، لكن النجاح إحساسه طويل.
ركّز على تقدمك مش على كمالك.
حتى لو ببطء، المهم إنك ما توقّفش.

مستقبلك بيتبني من الحاجات الصغيرة اللي بتعملها كل يوم.
ساعة تركيز اليوم = راحة كبيرة بكرة.

إنت أقوى مما تتخيل،
بس ادّي لنفسك فرصة.


لو حابة تنضمي لمجتمعنا مجانا📌
اكتبي تغيير

لو حاسه انك محتاجه متابعه مع متخصصة باجر بسيط اكتبي مساعدة


لو حاسه انك محتاجه دورة تساعدك فعلا زي الثقه بالنفس او ادارة المشاعر بسعر بسيط وبالتقسيط ومش محتاجه وقت كبير منك ولا مجهود فظيع اكتبي اسم الدورة

https://t.me/Dawaratt
سورة "النساء" تمتليء بالتشريعات كما لا يخفى على متدبرها..
حدود دقيقة للمواريث، قوانين للزواج والطلاق، وأحكام حازمة لحماية الأيتام والمستضعفين.
وبينما تتجول في أروقة هذه الأحكام المهيبة، قد تشعر بوطأة التكاليف، وقد يوسوس لك شيطانك بأن هذا الدين يمتليء بالقيود التي وُضعت لتخنق حريتك وتكبح رغباتك.
لكن.. وفي ذروة هذه الأحكام المتتالية يتوقف السياق فجأة وكأنه يجيب هذه الشبهة قبل أن تسترسل في قلبك..
تُسدل ستارة الأحكام، وتُفتح أمامك نافذة تطل مباشرة على معنى مركزي رقراق ولتكشف لك عن الإرادة خلف كل هذا المنع والمنح.
ربك جل وعلى يكشف لك بوضوح تامة عن (إرادته) الخالصة تجاهك.
فإذا أردت أن تفهم "الإرادة الإلهية" على حقيقتها، فتأمل تلك الآيات الثلاث المتتالية في سورة النساء، التي وصفها حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما ضمن ثمانية آيات أخرى بأنهم "خيرٌ لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت".
ثلاث آيات متتالية مفتاحها تكرار كلمة "يُرِيدُ"..
و كأنها ترسم لك خريطة النجاة..
الأولى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾.
آية تجعلك تدرك أن كل تكليفٍ في الدين لم يكن إلا للبيان والهدى.
كل نهيٍ ليس حجرًا على طريق حريتك، ولكنه إضاءةٌ لظلمة طريقك.
إنها إرادة البيان والتوضيح..
الله يريد أن يبيّن، بينما تريد أنت أن تبرّر.
يفتح لك باب الهدى، وقد تُغلقه أحيانا بجدال الهوى.
الأعجب أنك كلما خالفت أمره، زادك بيانًا، كأن رحمته تُطاردك حتى في عنادك ولتذكّرك أن الباب ما زال مفتوحًا.

والتوبة هنا ليست طارئة مؤقتة، هي ليست استثناءً، بل مقصد من مقاصد الإرادة الإلهية.
فالله لا يريد أن يُعذّبك بل أن يُطهّرك، لا يريد أن يُسقطك بل أن يرفعك ويُعيدك إلى نفسك قبل أن تُفنيها في التيه.
الآية الثانية وفيها تتجلى فيها المفارقة العجيبة بين إرادتين
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
ما أبعد الفارق بين إرادة الله لك، وإرادة هؤلاء لك..
بل وإرادتك لنفسك أحياناً!
الله يريد أن تعود لتُشفى، وأهل الشهوات يريدون أن تُطفئ نورك.
يريد أن يُقيمك، وهم يريدون أن يُميلوك حتى لا تقوم أبدًا.
ولاحظ الدقة في وصف الميل
﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾..
لن يرضوا بمجرد لحظة ضعف، ولكن بانحراف هائل.
والميل أول الانحدار إليه فلا أحد يسقط فجأة،
إنها خطوات صغيرة تبدأ من الميل، وتنتهي بالسقوط الكامل في الوحل.
أما إرادة الله يا صديقي فلا تُشبه إرادة البشر.
هؤلاء يُقرّرون بناءً على ما يرونه من قشورك، أما هو فيُريدك بناءً على ما يعلمه من سريرتك.
وحين يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، فهو لا يطلب منك أن تأتيه مطهّرًا، بل يدعوك أن تأتيه كما أنت، بكل ما فيك من ضعفٍ وتشوّش تائبا منيبا.. ليطهّرك هو.
التوبة ليست اقتحام بابٍ مغلق، بل استجابةٌ لبابٍ فُتح لك منذ زمنٍ بعيد.
أما الآية الثالثة فتأتي لتضع بلسماً على كل جرح ألم بروحك..
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾.
تأمّل كيف ربط الله إرادته للتخفيف بضعفك البشري.
هنا لا يُعامل الإنسان كآلةٍ يُطلب منها الأداء بلا توقف، ولكن كروحٍ تُرهق، وقلبٍ يضطرب، ونفسٍ تتقلّب.
ورسالة ربك لك واضحة: هو يعلمك أكثر مما تعلم نفسك.
يعلم كم تتعب، وكم تتردد، وكم تسقط.
ولذلك خفّف.. ولذلك شرع.. ولذلك فتح باب التوبة على مصراعيه.
إن عظمة الإرادة الإلهية أنها لا تُبنى على "الكمال البشري" غير الموجود، بل على علم الله بـ "نقصك"، وعلى رحمته التي تسبق غضبه.
كل موضعٍ في القرآن جاء فيه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾، اقرأه بعين المحب.
استشعر أن إرادته لم تُقرن بالتهديد، بل بالرحمات.
فإذا شعرت أن التكليف مستحيل، فتأكد أنه شعور كاذب وتذكّر أن الله أراده خفيفًا يسيرا "يريد الله بكم اليسر" .
وإذا ظننت أن الطريق مسدود، فتذكّر أن الله أراد أن يُبيّن ويهدي.
والمؤمن الحق لا يُجادل إرادة الله، بل يُسلّم لها بيقينٍ لا يتزعزع.
وحين تُطبق إرادته رضاً وطواعية، فإنك لم تعد مجرد شخص تائه، بل صرت من أهل القرب تنتسب إلى ذلك المقام العظيم.. مقام أولئك الذين قال الله فيهم في الحديث القدسي:
"أولئك الذين أردت، غرستُ كرامتهم بيدي، وختمتُ عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر".
أولئك الذين أرادهم الله
فاللهم اجعلنا منهم

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
في النزاعات الزوجية، حين تشتعل النيران وتصل الأمور إلى حافة الطلاق، يبحث الناس عن "محكمين" عباقرة، أو خبراء أسريين، أو شيوخ أفاضل وتتعلق الأنظار بالمحكمين كأنهم يملكون عصا سحرية لحل المعضلة.

لكن سورة النساء تضع معادلة إصلاح مختلفة..
{فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}.
ها هنا المفاجأة..
المعيار ليس في طبيعة المحكم أو قدراته وعبقريته..
الآية لم تتحدث عن خبرة أو مهارات تفاوض أو حنكة ودراية عميقة بعلوم النفس والاجتماع..
الشرط الوحيد الذي علقت عليه السماء وجود التوفيق للإصلاح هو وجود الإرادة..
{إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا}.
النية الصادقة، والرغبة الحقيقية في رأب الصدع، هي التي تستدعي "التوفيق الإلهي" ليقوم بالباقي.
غالبا حين نفشل في حل صراعاتنا يكون ذلك لأننا ندخلها بـ "أجندات خفية".
ربما يأتي الحكم من عائلة الزوج بنية الانتقام لكرامة قريبه أو صديقه، وقد يأتي الحكم من طرف الزوجة بنية تأمين مادي أو مساومة على أبناء..
أو العكس لا فارق
المهم أن النية تكون فاسدة من البداية، فكيف نتوقع التوفيق؟
يمكنك مد الخط على استقامته في كل صراع تدخله، سواء كطرف أو كحكم.. راقب "نيتك" قبل أن تجهز "حججك" فالقلوب لا تُفتح بالذكاء والدهاء والحنكة..
القلوب تُفتح بـ صدق الإرادة التي يتولى الله بعدها تأليف الأرواح النافرة.
إن الله كان عليما خبيرا.

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
الإنسان كائن مسوّف بامتياز.
يجمع الذنوب في حقيبته، ويقنع نفسه أنه في نهاية الرحلة، قبل إغلاق باب الطائرة بدقائق، سيدفع تذكرة التوبة.. ثم يدخل بسلام.
هذا السيناريو الساذج تحطمه سورة النساء بصخرة من الواقعية الحاسمة التي تفرق بدقة بين "التوبة" المطلوبة والمقبولة وبين "التوبة الوهمية المسوفة"
{ إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةࣲ ثُمَّ یَتُوبُونَ مِن قَرِیبࣲ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمࣰا }
الشرط واضح..
من قريب..
ليس العام القادم ولا الشهر القادم ولا حتى الأسبوع القادم..
من قريب..
كلمة على قصرها تلخص الكثير..
البعض قال من قريب أي في هذه الدار وقبل أن ينتهي الأجل... حسنا وهل يدري أحد متى يكون ذلك؟
هل يوقن أنه سيمهل إلى الغد؟
بل هل يوقن أنه يمهل للساعة القادمة أصلا؟
الإجابة معلومة.. ومنها تدرك معنى "من قريب"
أي الآن
اليوم وليس غدا..
وإلا...
{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ}.
التوبة يا صديقي ليست "زر طوارئ" نضغطه حين نرى النهاية تقترب منا بسرعة جنونية!
الذي يتوب وهو يرى ملك الموت، لم يتب لأنه كره المعصية، بل تاب لأنه فقد القدرة عليها، ولأنه رأى الحقيقة التي كان يكابر فيها.
هو لم يعد مختارا..
لقد صار مضطرًا.
وهذا الاضطرار لا يُقبل في ميزان الاختبار الحر.
التوبة الحقيقية التي تنفع هي التي تكون (مِن قَرِيبٍ).
أن تسقط في الوحل، فتشعر بأنك لا تطيق فورًا فتغتسل وتتطهر..
أن تخطئ، فيلسعك ضميرك ثم تعود.
يا صديقي.. لا تتعامل مع التوبة كأنها "عقد تأمين" تدفع أقساطه في اللحظة الأخيرة لتنجو من الإفلاس.
التوبة أسلوب حياة
معركة يومية مع تسويفك و ضعفك البشري.
فاغسل بها قلبك اليوم وأنت تملك رفاهية الاختيار.. قبل أن تُسلب منك الإرادة، وتصبح كلمة " إني تبت الآن".. مجرد صرخة يائسة..
صرخة في الفراغ..

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
لا يتصور قبطان أو بحّار له دراية بركوب البحر أن تعبر سفينته بحرا هائجاً ثم ترسو على الميناء بطلاءٍ لامع لم يمسه خدش، أو بهيكلٍ جاف لم تبلله قطرة ماء.
الأملاح ستنال حتما من المعدن، والعواصف البحرية والشعب المرجانية والصخور القاسية ستترك أثرها..
هذه ببساطة ضريبة الرحلة..
لكن الكارثة الحقيقية في عُرف البحارة والتي لا يمكن مهادنتها ليست في خدوش الطلاء، ولا الصدأ المحدود.
الكارثة تحدث إذا ثقب الغاطس..
إذا حدث كسر عميق في قاع السفينة يسمح للماء باقتحامها ومن ثم ابتلاعها في وقت قياسي.
هنا يدركون أن الأمر لا يحتمل المزاح أو التغافل
هذا التفريق الواقعي الواضح يشبه ما يكون بين درجات المناهي الشرعية..

حين تخوض سفينتك بحر الحياة فإنها ستخدش لا محالة..
ستخطيء وتزل كما أخطأ أبوك الأول وكما قُدر لكل بنيه من بعده أنهم "خطَّاؤن"
لكن الأخطاء لا تستوي وتأثير كل منها على سفينتك يختلف عن الآخر
والتعامل مع الضعف البشري بواقعية، لخصته سورة النساء في معادلة واضحة
{ إِن تَجۡتَنِبُوا۟ كَبَاۤئر مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلࣰا كَرِیمࣰا }.
هناك كبائر قد تخترق غاطس سفينتك
وهناك ما دون ذلك
هناك اللمم
إن الكبائر بمثابة الطوربيدات التي تنسف هيكل السفينة.. .
أما اللمم والصغائر فهي تلك الخدوش اليومية، وضعف اللحظة العابر.
الخالق الذي سوّى طينتك يعلم تماماً مواصفاتك..
يعلم أنك كائن هش تعبر حقلاً من الألغام و غبار الطريق سيعلق بثيابك حتماً..
لسانك قد يزل..
عينك قد تسرق نظرة في غفلة من وعيك.
قلبك قد يميل لسرابٍ زائف في لحظة هشاشة..
وقدمك قد تنزلق في وحل معصية لم تُخطط لها يوماً.
والله سبحانه لا يطلب منك "عصمة ملائكية"، ولا يشترط عليك عبور الوحل بحذاء ناصع البياض دائمًا..
هو فقط يريد منك ألا تلقي بنفسك بكامل إرادتك في قاع المستنقع!
فإذا فعلت.. وامتلكت الإرادة الكافية لتحافظ على الهيكل الأساسي لروحك من ضربات الكبائر، وتماسكت أمام عواصفها العاتية = فإن الآية تمنحك صيانة تلقائية لكل خدوشك الصغيرة.. "نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ"
سجدة صادقة، أو دمعة خفية، أو حتى شوكة تشاكها فيغسل الله بها ما علق بك من شوائب وصغائر.
يا صديقي إن شيطانك خبيث، يلعب معك لعبة "المثالية" فيقنعك أن سفينتك طالما خُدشت وتلوثت ببعض الصدأ، فالغرق أَوْلى بك..
لا تصدقه.. واستمر في الإبحار، واقبض على مقود سفينتك بقوة لتتفادى الصخور الكبرى..
إن الرب الذي عاملك بهذه الواقعية الرحيمة، قد جهّز لك في نهاية الرحلة "مُدۡخَلࣰا كَرِیمࣰا" ..
مدخلا يليق بكرمه
لا بضعفك!
#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
في قاعات الامتحانات، لا يوجد طالب أكثر سخافة وحماقة من ذلك الذي يضيع نصف وقت اللجنة في محاولة التلصص واختلاس النظر لورقة إجابة زميله المجتهد الذي يجلس بجواره ويسكب إجاباته بحماس وشغف
ها هو ينقل منه الإجابات حرفيًا.. ثم يكتشف في لحظة تسليم الأوراق أن الامتحان كان بنظام "النماذج المتعددة"

عندئذ سيدرك أنه قد نقل إجابات نموذجية لكن لأسئلة لم تُطرح عليه أصلاً!
هذا الغباء الساذج هو عين ما يقع في المبتلى بداء المقارنة..
ذلك الذي يدمن مدّ عينيه إلى ورقة غيره في لجنة الامتحان العملاقة المسماة بـ "الحياة الدنيا"
يُصاب البعض بمتلازمة "التلصص الوجودي"..
يلتصقون بـ (فاترينة) الآخرين، و تلتهم أعينهم أرزاق غيرهم، ومواهبهم، بل وحتى الأدوار الفطرية التي خُلقوا لأدائها.
يتذمرون بمرارة من التباين في أحوال البشر وما يبدو من حظوظهم ويشعلون صراعات عدمية للتمرد على طبيعة الأشياء، مطالبين بـ "تطابق" خيالي لا يمكن وجوده إلى في عالم الآلات أو الروبوتات وليس عالم البشر!
هذا الداء النفسي المُهلك، تناولته سورة النساء بحسم ونهي صريح ليوقف هذا العبث:
{وَلَا تَتَمَنَّوۡا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ}.
ثم تضع السورة تلك القاعدة البسيطة التي تعيد لكل امرئ حجمه الطبيعي، وتلزم كلاً بمكانه..
{لِّلرِّجَالِ نَصِیبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُوا۟ۖ وَلِلنِّسَاۤءِ نَصِیبࣱ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ}.
​في اختبار الحياة لكل منا "نموذج امتحان"
هو مُفصّل خصيصًا على مقياس روحه، وتكوينه، وقدرته على الاحتمال.
وما تراه أنت تفضيلًا وميزة تلمع في يد غيرك، هو في الحقيقة سؤال إجباري سيُحاسب هو عليه غدًا.
أن تتمنى ما لديه، يعني أنك تطالب بحمل ورقة امتحانه كاملة، بما فيها من أسئلة أخرى قد لا تملك لها إجابة و قد ترسب فيها من السطر الأول!
​لكن القرآن لا يتركك فريسة لمرارة التمني وحسرة المراقبة بل يعطيك البديل العظيم..
{وَسۡـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦۤۚ}.
إن خزائن السماء ليست كعكة محدودة سينقص نصيبك منها إذا شبع جارك!
لكن فضل الله مطلق، ولا نهائي و بدلاً من أن تكسر عنقك لتنظر في صحن غيرك، ارفع رأسك إلى السماء
واطلب من المالك مباشرة.

والأهم ركز في ورقتك..
نموذجك أنت..
أجب عن أسئلتك الخاصة التي وُضعت لك بعناية الخبير.. القائل في خاتمة الآية العظيم عن نفسه..
{إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣰا}.

انشغل بامتحانك ودع عنك "إجابات" الآخرين.. فأشد الحماقة أن ترسب في امتحانك، لمجرد أنك كنت منشغلا بحل امتحان آخر..
لشخص آخر!

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
أخطر خصائص الفيروسات لا تكمن فقط في قدرتها على إتلاف الخلية المصابة، ولكن في قدرتها على اختطاف آليتها الحيوية وتحويلها إلى مصنع دقيق يُنتج آلاف النسخ الجديدة.
هنا تتحول الخلية من ضحية بريئة إلى أداة نشطة لإنتاج جيوش الفيروسات ونشر العدوى في بقية الجسد.
المدهش أن الفيروس لا يحمل معه أدوات تصنيع كاملة،
لا مصانع متنقلة، ولا معدات ثقيلة.
هو يأتي بخطة…
فقط خطة!
يدسّها داخل الخلية، ثم يجبرها على تنفيذها حرفيًا، فتعمل ضد مصلحتها ومصلحة الجسد الذي تنتمي إليه وهي تظن أنها تعمل لنفسها.
هذا التشريح البيولوجي يتطابق بصورة مدهشة مع سيكولوجيا البخيل كما فككها القرآن في سورة النساء:
{ٱلَّذِینَ یَبۡخَلُونَ وَیَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ}.

فالبخيل لا يكتفي بأن يحبس الخير في يده بل يسعى لأن يجعل من حوله مصانع لإنتاج مزيد من الشح.
هو لا يريد أن يبقى مرضه حالة فردية معزولة، بل يصير مشروعًا اجتماعيًا قابلًا للانتشار.
ذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية أن جماعة من اليـ.هود كانوا يأتون رجالًا من الأنصار فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون.
وقيل نزلت في الذين كتموا صفة النبي ﷺ وبخلوا بحق الله عليهم.
المعنى في الحالتين قريب:
كتمان فضل
وتخويف من العطاء.
ونشر للعدوى...
البخيل في أعماقه لا يمارس شحّه في هدوء.
هو يشعر بوخز خفي يوجهه لنشر آفته
كأنه يدرك أن شُحّه تشوّه ولكي يخفف عنه عبء هذا الشعور، يحتاج أن يعيد تعريف المرض باعتباره عقلانية وتدبير
فيتحول من مجرد بخيل إلى مبشّر!
مبشر بالبخل.
يلفّ شُحّه بورق النصائح الاقتصادية..
يحدثك عن تقلبات الزمن..
يرفع سبابته محذرًا من المستقبل،
ثم يسخر من كرمك باعتباره اندفاعًا ساذجًا.
هنا يكتمل المشهد بعرض آخر:
{وَیَكۡتُمُونَ مَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ}.
هو إذاً لا يكتفي بالبخل والتبشير به ولكنه أيضا يمارس التمويه.
يرتدي ثياب المسكنة، ويتقن نبرة الشكوى،
يتظاهر بأن جيوبه خاوية دائمًا، خشية مطالبة المحتاجين.
منحه الله العطاء ليكون مانحًا،
فاختار أن يعيش بعقلية المتسولين.
لهذا كان الجزاء دقيقًا من جنس عمله
{وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابࣰا مُّهِینࣰا}.
ولماذا مهينًا؟
ببساطة لأن البخيل أهان نفسه قبل أن يُهان حين أخفى نعمة ربه وتصنّع الفقر، وعاش كالمحرومين وهو في عداد الميسورين.
فكان الجزاء من جنس العمل فضيحة بعد تمويه ومهانة بعد ادعاء.
ولقد سُمّي الجحود هنا كفرًا، لأنه كفر نعمة…
تغطية لفضل الله كما يغطي الفيروس شفرته داخل جينات الخلية.
فيا صديقي…
احذر من الجلوس طويلًا مع حملة فيروسات الشح الذين يمتصون منك طاقة الخير قطرة قطرة.
لا تُصغِ لمن يخوّفك من الفقر وأنت تتعامل مع الغني سبحانه..
إن كفران النعم لا يبدأ بجريمة كبيرة، ولكن بخطوة شُح صغيرة…
ثم يتحول القلب شيئًا فشيئًا إلى مصنع للمزيد من الفيروسات..
فيروسات الشح

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
في المختبرات فائقة الدقة، توجد حاليا موازين حساسة جدا يمكنها قياس وزن "شعرة" أو أدنى حيث نسمة هواء قد تفسد القراءة الدقيقة
وأقصى طموح العدالة المادية أن يكون معيار الحقوق بهذه الدقة والحساسية وإن كانت هذه الموازين الحساسة لم تزل حبيسة المعامل ولا يتداولها الناس في حياتهم اليومية..
لكن ثمة ميزان أشد حساسية يزن ما هو أدق من الشعرة يوميا..
بل لحظيا
سورة النساء تكشف لنا عن هذا الميزان الذي يعمل بخوارزمية سماوية تلتقط حتى ما لا يمكن حسابه في موازين البشر!
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةࣲۖ}.
الذرة هنا ليست مجازًا أدبيًا، ولكنها وحدة قياس تلخص حقيقة الإطلاق. أدنى ما يعرفه العرب حين تنزل القرآن كانت تلك الذرة..
الغبار المتطاير الذي تلمحه عبر شعاع يوم مشمس..
التراب المتطاير عند النفخ.
النملة التي لم يعرفوا مخلوقا أصغر منها وقتئذ..
هذا ما تجمله الكلمة وتشمل كل ما يعلوه وما يدنو عنه..
خاطرة السوء التي مرت بذهنك،
الكلمة الجارحة التي همست بها،
حتى النظرة العابرة..
كل ذلك له وزن ذري دقيق مسجل.
وهنا يعمل نظام العدل بصرامة لا تظلم أحداً.
السيئة بوزنها، لن تزيد جرامًا واحدًا ولا ميلليجرام.
لكن بمجرد أن توضع الحسنة في الكفة المقابلة، تتعطل قوانين الموازين المعتادة، ويتحول النظام فجأة من وضع "العدل" إلى وضع "الفضل"
{وَإِن تَكُ حَسَنَةࣰ یُضَـٰعِفۡهَا}.
تأمل اللاتماثل هنا!
العدالة الأرضية إن وُجدت تعطيك حقك بمقداره..
لكن ميزان السماء يأخذ "ذرة" الخير الهشة التي قدمتها ويضاعفها!
نصف ابتسامة،
غضب كتمته..
شق تمرة..
أو جنيها معدنيا تصدقت به في الخفاء..
كل ذلك يدخل إلى مفاعل المضاعفة اللانهائي.
ثم تتوج الآية هذه الصفقة بعطاء لا يخضع لأي حسابات أو سجلات: {وَیُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِیمࣰا}.
هكذا أطلقت الكلمة.. أجراً عظيما..
مكافأة استثنائية من لدُنۡهُ..
من عند الملك..
مكافأة تتجاوز فكرة الثواب المألوف، لتليق بعظمة المُعطي لا بحجم العطية.
فيا صديقي.. لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولا تستصغر "ذرات" الخير المخبأة في تفاصيل يومك المزدحم.
نحن نعامل رباً كريما يزن ذرة الخطأ ليعاقب بقدرها أو يعفو.. بينما يزن ذرة الصواب لينفخ فيها من فضله حتى يجعلها جبلًا من النجاة..
فلا تبخل على نفسك بالذرات.. فالميزان يتلهف لمضاعفتها!

#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء
في حوادث الحروق العميقة من الدرجة الثالثة تدمر طبقات الجلد بالكامل، ومعها تحترق النهايات العصبية المسؤولة عن نقل إشارات الوجع إلى الدماغ.
المريض - عافاه الله - يكون في هذه المرحلة المتقدمة من الاحتراق متوقفا فعليًا عن الشعور بالألم!
ببساطة لأن جهاز الاستقبال قد تلف ومات.
هذه الحقيقة تبين لك خطورة هذا الوصف لعذاب المكذبين في سورة النساء تلخص حقيقة الألم المستدام في الآخرة
" إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِیهِمۡ نَارࣰا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِیَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِیزًا حَكِیمࣰا"
الرحمة الإلهية زودت أجسادنا ونفوسنا في الدنيا بخاصية "التكيف"
نحن نعتاد على الألم المزمن، ونتأقلم مع الظروف القاسية، وتتخدر مشاعرنا بمرور الوقت ليخف الوجع.
لكن في الجحيم، تُسلب هذه الرحمة تمامًا.
هناك عياذا بالله لا يوجد "تعود" على العذاب.
بمجرد أن يحترق الجلد وتتلف مستقبلات الألم "نضجت"..
تحدث عملية "استبدال فوري" لجلد جديد، بأعصاب حية ومستعدة..
ولتبدأ دورة الألم من النقطة صفر وكأنها المرة الأولى دائمًا!
لكن لماذا هذا العذاب الدقيق والمستمر؟
تجيبك أول صفة الآية بوضوح: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا}.
لقد تبلدت إحساساتهم في الدنيا، وماتت "النهايات العصبية" لأرواحهم، فمروا على آيات الله ببرود، ولم تشعر قلوبهم بوخز الضمير أو حرارة الموعظة فكان الجزاء من جنس العمل: أجساد لا يُسمح لها بفقدان الإحساس أبدًا.
حافظ على "حساسية" روحك في الدنيا ولا تترك ذنوبك تحرق مستقبلات التوبة في قلبك حتى تتخدر وتعتاد على المعصية بلا ألم أو ندم.
ابكِ على خطيئتك، وتألم لتقصيرك.. فالقلب الحي الذي يتألم لله اليوم، قد ينجو غدًا بإذن الله من جلدٍ لا يذوق إلا الألم!
#رسائل
#طرقات_على_باب_التدبر
#النساء