مذكرات الرحلة الأنباطية الثالثة
زرت بلاد الأنباط قبل عشرة أعوام من الآن، كنت موقناً وقتها أن المكان الذي أراه هو أرض هلاك ثمود بالصيحة وعقرهم ناقة الله، منعني هذا الإيمان -الصادق- من النزول في المكان وحتى النظر إليه والاعتبار وسارعت بالمغادرة والرحيل، كنت أرى كل ما حولي مدائن صالح ولا شيء غيرها. وهكذا ربطت الذاكرة المجتمعية لسنوات طويلة النحت في هذه الجبال بثمود الذين جابوا الصخر بالواد وأفناهم عذاب الله بكفرهم. لم تكن هذه منطقة الحجر آنذاك. ولم تكن بعدُ بلاد اللحيانين والأنباط كما سيعرف ذلك. كانت أرض مهلكة ثمود ولا شيء غيرها.
ثم أعادتني الأيام قبل ستة أعوام مع أصدقاء جبنا فيها شمال الجزيرة متوقفين في قرى ليالي وأياماً، ورأيت صخرة جبل الفيل لست أنساها، ولم أطل المكث غير ليلة، ولا أذكر المرور بالحجر والمدائن تلك المرة.
ثم أعادتني الأيام مجدداً، فهذه الزيارة التي سأحكي عنها هي الثالثة إذن، والزيارة الحقيقية الأولى للعلا ودادان، بعد رعايتها والاهتمام بآثارها وتاريخها وإعادة اكتشافها خارج نطاق الحجر والمدائن.
هذه المرة -رغم استعجالي بالزيارة بدل انتظار الشتاء- وجدت غالبية الناس هنا سياحاً من بلاد مختلفة متعددة شرقا وغربا في الأرض. جاءوا ليشاهدوا إحدى أقدم وأعرق المناطق التاريخية في الجزيرة العربية، واحة بين الجبال احتضنت حضارات قديمة مندثرة تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، واحة كانت محطة القوافل المتجهة نحو الشام ومصر على طريق البخور، وتعاقبت عليها حضارات متعددة متتابعة الديدانية واللحيانية والنبطية، تاركةً أسئلتها وآثاراها من شواهد وقبور ونقوش صخرية.
عرف هذا المكان أولاً باسم دادان عاصمة الممالك الدادانية واللحيانية، وازدهرت بأسلوب حياة قائم على الزراعة، ثم تحولت إلى سوق تجاري مزدهر تحت اسم “قُرْح” في الجاهلية، وجاءاها التجار من أنحاء الجزيرة، غير أن نجمها خبا بسرعة كما بزغ بسرعة مع تبدل طرق التجارة بتأثير روماني في الشام. وفي العام السابع من الهجرة دخلت القرية ضمن الدولة الإسلامية وسُمّيت “وادي القرى” وأصبحت محطة رئيسية على طريق الحج والتجارة. ثم استقر اسمها على “العُلا” إشارةً إلى علوّها عن وادي القرى المجاور.
ولا يفوت أي زائر المرور بالحِجر أهم وأشهر معالم العلا، وهو أول موقع في الجزيرة أُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وفيه أكثر من مئة مدفن منحوت في الصخور بعمارة نبطية، شواهد حضارة بادت ولم يبق منها غير أطلال مدينة صخرية.
وفي البلدة الطينية القديمة نحو 800 منزل متلاصق من الطين والحجر شُيّدت في القرن الرابع عشر الميلادي، وهجرها الناس لعدم قابليتها وجاهزيتها لاحتضان الكهرباء والغاز ووسائل الحياة الجديدة. وبقرب البلدة قلعة موسى بن نصير، حصن حجري يعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، أعيد استخدامه وتطويره.
وفي السنوات العشر الأخيرة، حظيت العلا بمشاريع تطويرية ضخمة تهدف إلى إعادة تقديمها كوجهة سياحية عالمية ووطن قديم للحضارات، بالاعتماد على أصالتها التاريخية وتنوع تضاريسها الطبيعية وتعدديتها الثقافية. فاعتني بمطل المدينة الجبلي وكهوفها ومساراتها الزراعية لمحبي الجري والدراجات وجلبت مناطيد وسيارات مغامرات وأندية رياضية مختلفة ومنتجعات جبلية للاستجمام، فغدا المكان مهرب كل من يريد إعادة قراءة حياته والعالم من حوله.
وكان أجمل ما فعلته فيها رحلتي إلى تأمل النجوم، مع مرشد عالم بالنجوم لأول مرة، عربي قديم أصيل، وأنا وصاحبي، وفنلنديان وإماراتيان، وحدنا في الظلام البعيد. تحدث مرشدنا ساعتين كاملتين ونحن نتأمل في نجوم السماء. فعرفنا أن النجوم عربية، وأن كل ما في الأرض وشاهده العربي في صحرائه رفعه للسماء، ولذا تجد النجوم بأسماء حيوانات، فسمى العرب منها ١٠٤٨ نجماً، وهذا يعادل نصف نجوم السماء المعروفة، يناديها الناس باختلاف ألسنتهم كما ناداها العرب، وأشهرها الفرقدان والجدي (نجم الشمال) وبنات نعش والنسر الطائر والواقع والذئبان والرامح، وسهيل نجم الحب، يحب الثريا ويعشقها. فالنجوم عربية والأبراج إغريقية.
"قيل لأعرابي: أتعرف النجوم؟ قال: وهل يجهل أحد سقف بيته. وقيل لآخر فقال: لا أعرف إلا بنات نعش ولو تفرقن. وقال علي رضي الله عنه: كفى بالمرء جهلاً أن ركباً وقوفاً على رأسه كل ليلة لا يسميهم؛ يعني النجوم" وكلام العرب في النجوم يطول ولا يقصر، ونصحنا مرشدنا الحاذق بالعودة لكتاب كتاب الاستدلال بالنجوم للاستزادة والاستفادة. ومن لطيف الفوائد أنه العربي لم يعدم حيلة في التعرف على الاتجاهات في الصحراء ولو غميت السماء عليه، فينظر في الأرض ورمالها، يجد بطن موجة الرمال باتجاه الشمال دوماً ورأسها في الجنوب.
وهكذا، لم تعد العلا مدينة منسية، أو مجرد منطقة أثرية، بل أصبحت مكاناً لتلاقي الماضي والمستقبل والثقافات المختلفة وعادت الحياة إلى المكان. طبيعة فريدة تمتزج فيها الجبال والواحات والإرث الحضاري القديم، فباتت وجهة لا تضاهيها أخرى في المنطقة.
زرت بلاد الأنباط قبل عشرة أعوام من الآن، كنت موقناً وقتها أن المكان الذي أراه هو أرض هلاك ثمود بالصيحة وعقرهم ناقة الله، منعني هذا الإيمان -الصادق- من النزول في المكان وحتى النظر إليه والاعتبار وسارعت بالمغادرة والرحيل، كنت أرى كل ما حولي مدائن صالح ولا شيء غيرها. وهكذا ربطت الذاكرة المجتمعية لسنوات طويلة النحت في هذه الجبال بثمود الذين جابوا الصخر بالواد وأفناهم عذاب الله بكفرهم. لم تكن هذه منطقة الحجر آنذاك. ولم تكن بعدُ بلاد اللحيانين والأنباط كما سيعرف ذلك. كانت أرض مهلكة ثمود ولا شيء غيرها.
ثم أعادتني الأيام قبل ستة أعوام مع أصدقاء جبنا فيها شمال الجزيرة متوقفين في قرى ليالي وأياماً، ورأيت صخرة جبل الفيل لست أنساها، ولم أطل المكث غير ليلة، ولا أذكر المرور بالحجر والمدائن تلك المرة.
ثم أعادتني الأيام مجدداً، فهذه الزيارة التي سأحكي عنها هي الثالثة إذن، والزيارة الحقيقية الأولى للعلا ودادان، بعد رعايتها والاهتمام بآثارها وتاريخها وإعادة اكتشافها خارج نطاق الحجر والمدائن.
هذه المرة -رغم استعجالي بالزيارة بدل انتظار الشتاء- وجدت غالبية الناس هنا سياحاً من بلاد مختلفة متعددة شرقا وغربا في الأرض. جاءوا ليشاهدوا إحدى أقدم وأعرق المناطق التاريخية في الجزيرة العربية، واحة بين الجبال احتضنت حضارات قديمة مندثرة تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، واحة كانت محطة القوافل المتجهة نحو الشام ومصر على طريق البخور، وتعاقبت عليها حضارات متعددة متتابعة الديدانية واللحيانية والنبطية، تاركةً أسئلتها وآثاراها من شواهد وقبور ونقوش صخرية.
عرف هذا المكان أولاً باسم دادان عاصمة الممالك الدادانية واللحيانية، وازدهرت بأسلوب حياة قائم على الزراعة، ثم تحولت إلى سوق تجاري مزدهر تحت اسم “قُرْح” في الجاهلية، وجاءاها التجار من أنحاء الجزيرة، غير أن نجمها خبا بسرعة كما بزغ بسرعة مع تبدل طرق التجارة بتأثير روماني في الشام. وفي العام السابع من الهجرة دخلت القرية ضمن الدولة الإسلامية وسُمّيت “وادي القرى” وأصبحت محطة رئيسية على طريق الحج والتجارة. ثم استقر اسمها على “العُلا” إشارةً إلى علوّها عن وادي القرى المجاور.
ولا يفوت أي زائر المرور بالحِجر أهم وأشهر معالم العلا، وهو أول موقع في الجزيرة أُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وفيه أكثر من مئة مدفن منحوت في الصخور بعمارة نبطية، شواهد حضارة بادت ولم يبق منها غير أطلال مدينة صخرية.
وفي البلدة الطينية القديمة نحو 800 منزل متلاصق من الطين والحجر شُيّدت في القرن الرابع عشر الميلادي، وهجرها الناس لعدم قابليتها وجاهزيتها لاحتضان الكهرباء والغاز ووسائل الحياة الجديدة. وبقرب البلدة قلعة موسى بن نصير، حصن حجري يعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، أعيد استخدامه وتطويره.
وفي السنوات العشر الأخيرة، حظيت العلا بمشاريع تطويرية ضخمة تهدف إلى إعادة تقديمها كوجهة سياحية عالمية ووطن قديم للحضارات، بالاعتماد على أصالتها التاريخية وتنوع تضاريسها الطبيعية وتعدديتها الثقافية. فاعتني بمطل المدينة الجبلي وكهوفها ومساراتها الزراعية لمحبي الجري والدراجات وجلبت مناطيد وسيارات مغامرات وأندية رياضية مختلفة ومنتجعات جبلية للاستجمام، فغدا المكان مهرب كل من يريد إعادة قراءة حياته والعالم من حوله.
وكان أجمل ما فعلته فيها رحلتي إلى تأمل النجوم، مع مرشد عالم بالنجوم لأول مرة، عربي قديم أصيل، وأنا وصاحبي، وفنلنديان وإماراتيان، وحدنا في الظلام البعيد. تحدث مرشدنا ساعتين كاملتين ونحن نتأمل في نجوم السماء. فعرفنا أن النجوم عربية، وأن كل ما في الأرض وشاهده العربي في صحرائه رفعه للسماء، ولذا تجد النجوم بأسماء حيوانات، فسمى العرب منها ١٠٤٨ نجماً، وهذا يعادل نصف نجوم السماء المعروفة، يناديها الناس باختلاف ألسنتهم كما ناداها العرب، وأشهرها الفرقدان والجدي (نجم الشمال) وبنات نعش والنسر الطائر والواقع والذئبان والرامح، وسهيل نجم الحب، يحب الثريا ويعشقها. فالنجوم عربية والأبراج إغريقية.
"قيل لأعرابي: أتعرف النجوم؟ قال: وهل يجهل أحد سقف بيته. وقيل لآخر فقال: لا أعرف إلا بنات نعش ولو تفرقن. وقال علي رضي الله عنه: كفى بالمرء جهلاً أن ركباً وقوفاً على رأسه كل ليلة لا يسميهم؛ يعني النجوم" وكلام العرب في النجوم يطول ولا يقصر، ونصحنا مرشدنا الحاذق بالعودة لكتاب كتاب الاستدلال بالنجوم للاستزادة والاستفادة. ومن لطيف الفوائد أنه العربي لم يعدم حيلة في التعرف على الاتجاهات في الصحراء ولو غميت السماء عليه، فينظر في الأرض ورمالها، يجد بطن موجة الرمال باتجاه الشمال دوماً ورأسها في الجنوب.
وهكذا، لم تعد العلا مدينة منسية، أو مجرد منطقة أثرية، بل أصبحت مكاناً لتلاقي الماضي والمستقبل والثقافات المختلفة وعادت الحياة إلى المكان. طبيعة فريدة تمتزج فيها الجبال والواحات والإرث الحضاري القديم، فباتت وجهة لا تضاهيها أخرى في المنطقة.
فيصل العايد
Photo
الأسبوع ٣٨
أود كتابة ملاحظات عشوائية مشتتة؛ بعضها جدير بالتأمل، وبعضها محاولة عبثية لتعميق فهمي بالإنسان الذي عجزت عن فهمه تماماً، أنا. البارحة فاز الهلال على الإتحاد، ورغم ولعي بمداعبة وملاعبة أصدقائي كروياً، إلا أنني رحمت أصدقائي الإتحاديين وفضلت التزام الصمت. والبارحة أيضا راسلني ثاني شخص من غزة يطلب نصوصا لي، مسؤولية جسيمة أن تكون كتاباتك الذاتية عابرة للمكان والزمان. وقبل قليل عبث طفل حولي في المقهى، ولسبب غريب وددت لو توليت مسؤولية تربية طفل بعمره، وهذه من الأماني التي لا تدري أنك قد تندم عليها لكنك تريدها مهما كان. استمريت في قراءة كتاب الحقيل، وعرفت أخيرا فارق العمر بيني وبينه، وبدأت أفكر هل سأكون كما أراه الآن عندما أكون في عمره. وأعددت متاعي لسفر جديد مجددا، أظن هذا العام أكثر أعوامي سفراً وترحالاً. ولسبب غريب، لا أدري لم تسألني كثير من الفتيات عن شؤون الحب، هل لأني رجل وهو ما يسعون لفهمه بالطبع، أن لأني أبدو ضليعا بالحب رغم ندرة ما كتبت فيه، أم لكوني لا أترك سؤالا مهملا. ثم أجدني الآن أسرق من ساعات كتابة عملي الجديد، لأكتب ما أفكر به أو أتخلص منه بعدما منعني من كتابة شيء غيره، وأبتسم لنفسي بعد أن عرفت موعد صدور كتابي الذي تأخر صدوره، أخيرا.
أود كتابة ملاحظات عشوائية مشتتة؛ بعضها جدير بالتأمل، وبعضها محاولة عبثية لتعميق فهمي بالإنسان الذي عجزت عن فهمه تماماً، أنا. البارحة فاز الهلال على الإتحاد، ورغم ولعي بمداعبة وملاعبة أصدقائي كروياً، إلا أنني رحمت أصدقائي الإتحاديين وفضلت التزام الصمت. والبارحة أيضا راسلني ثاني شخص من غزة يطلب نصوصا لي، مسؤولية جسيمة أن تكون كتاباتك الذاتية عابرة للمكان والزمان. وقبل قليل عبث طفل حولي في المقهى، ولسبب غريب وددت لو توليت مسؤولية تربية طفل بعمره، وهذه من الأماني التي لا تدري أنك قد تندم عليها لكنك تريدها مهما كان. استمريت في قراءة كتاب الحقيل، وعرفت أخيرا فارق العمر بيني وبينه، وبدأت أفكر هل سأكون كما أراه الآن عندما أكون في عمره. وأعددت متاعي لسفر جديد مجددا، أظن هذا العام أكثر أعوامي سفراً وترحالاً. ولسبب غريب، لا أدري لم تسألني كثير من الفتيات عن شؤون الحب، هل لأني رجل وهو ما يسعون لفهمه بالطبع، أن لأني أبدو ضليعا بالحب رغم ندرة ما كتبت فيه، أم لكوني لا أترك سؤالا مهملا. ثم أجدني الآن أسرق من ساعات كتابة عملي الجديد، لأكتب ما أفكر به أو أتخلص منه بعدما منعني من كتابة شيء غيره، وأبتسم لنفسي بعد أن عرفت موعد صدور كتابي الذي تأخر صدوره، أخيرا.
لا أدري متى توقفت عن التغريد؛ متى اقتنعت بلا جدواه، أو عبثية مزاحمة سماسرة السوق ومحرّجي المشاهدات ومتوسلي الفرجة. لست وحدي من يزعم تحول المكان إلى سرك كبير بفضل العلج إلون ماسك. على أنني أشعر بحرية أكبر الآن، لا مساحة محدودة تحد من كلماتك، والأفكار المكثفة التي كنا نحشرها في تغريدات صارت الآن ممتدة ومسترخية في نص طويل أو قصة طويلة. حتى التفكير في كتابة موضوع صار بوسعه التشعب لمداولة جميع الاحتمالات، وبالطبع عاد الحشو والثرثرة إلى المشهد.
وربما كانت مشكلة المثقف عاطفية نفسية بالمقام الأول؛ فيحشد كل قدراته ويحاجج لرأي باطل عاري عن الصحة وافق هواه وميله وطبعه. من ذلك تهجم طه حسين على الشعر الجاهلي، وانبهار رفاعة الطهطاوي بما رآه، وانتصار كل منسوب إلى العلم والثقافة لرأي عنصري يقصي فيه إنساناً عن إنسان لأنه لا يحمل ذات اللون والعرق والدم. هؤلاء ناس لا فائدة من مجادلتهم بل الأولى حجز موعد لهم مع مختص بأمراض النفوس.
"الكتابة: إعادة ابتكار المبتذل. لن تقول جديدًا، كل شيء قيل من قبلك. الجديد فقط هو إحساسك به. ولتتمكْن من ذلك، عليك أنْ تقرأ أكثر مما تكتب، أن تتأمل أكثر مما تقرأ، أنْ تُجرِّب أكثر مما تتأمل، أن تبحث وأن تفتِّش وأن تنقب وأن تنحت الصخر. لأن الكتابة حرفة منهكة ومستنزفة، حرفة تضعك في مواجهة نفسك وشياطينك وملائكتك، تدفعك إلى التفكير في أشياء يعيش الناس عمرهم وهم يتجنبُّون التفكير فيها.
لذا تبدأ الكتابةُ من النفس وتنتهي من النفس، وكل شيء بينهما (الكتب، والمدارس النقدية، وورش الكتابة الإبداعية، وغيرها) مجرد أدوات أثرُها أقل مما تخيل. وفي النهاية، إما أن تجد صوتك، ويكون جيدًا أو سيئًا، وإما تفشل في العثور عليه ويدفعك اليأسُ إلى أن تتساءل: «ليش أكتب أصلًا؟ وش لي في وجع الراس؟». أو كما قال ابن المقفع يائسًا من قول الشعر:
«الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني»."
أحمد الحقيل | الحافة المطلة على العالم
لذا تبدأ الكتابةُ من النفس وتنتهي من النفس، وكل شيء بينهما (الكتب، والمدارس النقدية، وورش الكتابة الإبداعية، وغيرها) مجرد أدوات أثرُها أقل مما تخيل. وفي النهاية، إما أن تجد صوتك، ويكون جيدًا أو سيئًا، وإما تفشل في العثور عليه ويدفعك اليأسُ إلى أن تتساءل: «ليش أكتب أصلًا؟ وش لي في وجع الراس؟». أو كما قال ابن المقفع يائسًا من قول الشعر:
«الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني»."
أحمد الحقيل | الحافة المطلة على العالم
فيصل العايد
تسريب حصري: الكتاب الثالث يصدر بعد شهر في المعرض. والمصمم متأخر في الغلاف. ولأنكم أقرب القراء وأعزهم، حجزت لكم ثلاث نسخ إهداء موقعة، سأختار أصحابها عشوائيا من التعليقات على هذا المنشور. *أتمنى لو يمكنك زيارة المعرض لاستلام نسختك أو تفويض من يستلمها.
سعيد بإخباركم أن الكتاب سيصدر بعد عشرة أيام في جدة. مربك كيف تختزل خمس سنوات في مجموعة أوراق تتبادلها الأيدي.
حرصت على أن تكونوا أول من يعرف، وسأكتب لأول مرة نشرة مطولة لإعلان صدور كتاب تصل جميع المشتركين على البريد وتعرفهم بالضيف الجديد، ثم سأجرب إذاعة الكتاب في صفحتي على لينكدان وبقية المنصات تباعاً، ولم أنس وعدي بتوزيع نسخ خاصة
هناك رغبة في انتشار العمل بالتأكيد وأمل بإذاعتكم له، لكنني كعادتي أهجم على الكتاب التالي فورَ فراغي من السابق، مكتفٍ بأن تقرؤه أنت -أيها القارئ الوفي- وتخبر صديقك عن هذا الكتاب الجديد الذي يتحدث بصدق عن حياتنا ويحاول أن يفهمها.
فيصل العايد
يسعدني إعلان صدور كتابي الثالث "نصف شيء" عسى أن يحوز على رضاكم ويقترب من قلوبكم.
إعلان صدور نصف شيء
هذه دعوة عامة للتأمل، ومحاولة جادة للتوقف عن الركض وقول شيء عن حياتنا القصيرة. بخلاف أجدادنا الذين -عاشوا حياتهم تجاراً وحرفيين ورعاةً ومزارعين- لم يعرفوا الإنترنت والآيفون والمطابخ السحابية ومشاهير برامج التواصل وزحمة الرياض والأفكار التي تضعها في رأسك، نجد جيلنا منشغلاً ببناء مستقبله والاستجابة لمتغيرات كثيرة غير مسبوقة، لم يعد يملك معها فسحة وقتٍ يعبر بها عن نفسه وعواطفه. حدث الكثير على كوكبنا منذ تفشي كورونا حتى الآن، ومن الصعب تصديق حدوث كل ذلك في ظرف خمس سنوات لا غير.
إذن فهذه محاولة متواضعة وشجاعة للتعبير، وليست شجاعتها في الخروج بطريقة تخالف الأعراف الأدبية واعتمادها على مزج الموضوعات والانطباعات التي شكلت حقبة زمنية، مرخيةً الزمام لتعددية الأنماط الأدبية بدل التمسك بالوحدة الشكلية في رواية واحدة أو مجموعة قصصية أو مقالات مفردة، كلا، تكمن شجاعة هذا العمل في محاولته التطرق إلى مواضيع جديدة تستحق التأمل وأخرى منسية مهملة إهمالاً لا مبرر له.
فجاء هذا العمل -عصيّاً على التصنيف- في نصفين؛ قصصٍ كأنها نصوص ونصوصٍ كأنها قصص، راكمها نصف عقد من التأمل والملاحظة والاعتبار.
يتحدث الكتاب عن حياتنا، عن الرغبة والمحاولة والطموح والخيبة والسعي والاستسلام، عن العائلة والصداقة والحب والوظيفة والجامعة، عن حواراتنا الذاتية والبَيْنيّة وتوسلاتنا الإلهية، عن محاولاتنا لتغيير أنفسنا والعالم من حولنا، والذي نفعله نهاية الأسبوع وحدنا، عن الأنثى التي تواجه تحدياتها وتسعى للعيش كما ترغب أو كما ينبغي لها أن تعيش.
من الصعب فهم إنسان من غير الاحتفاظ بكلماته كما هي، ولذا تجد الشخوص هنا تحتفظ بحريتها في الحديث باللغة التي تريد، في مكاشفة شخصية تعاينها من غير مواربة. وليس العنوان على الغلاف ضرباً من التشويق والإثارة، هذا عمل متواضع، مبتور من أفكار إنسان عاش هذا الزمان، مجتزأ من تأملاته، أرجو أن تعيش معه بعض الوقت، وتبتهج بما يشبهك منه، وتكون نصفه الآخر.
هذه دعوة عامة للتأمل، ومحاولة جادة للتوقف عن الركض وقول شيء عن حياتنا القصيرة. بخلاف أجدادنا الذين -عاشوا حياتهم تجاراً وحرفيين ورعاةً ومزارعين- لم يعرفوا الإنترنت والآيفون والمطابخ السحابية ومشاهير برامج التواصل وزحمة الرياض والأفكار التي تضعها في رأسك، نجد جيلنا منشغلاً ببناء مستقبله والاستجابة لمتغيرات كثيرة غير مسبوقة، لم يعد يملك معها فسحة وقتٍ يعبر بها عن نفسه وعواطفه. حدث الكثير على كوكبنا منذ تفشي كورونا حتى الآن، ومن الصعب تصديق حدوث كل ذلك في ظرف خمس سنوات لا غير.
إذن فهذه محاولة متواضعة وشجاعة للتعبير، وليست شجاعتها في الخروج بطريقة تخالف الأعراف الأدبية واعتمادها على مزج الموضوعات والانطباعات التي شكلت حقبة زمنية، مرخيةً الزمام لتعددية الأنماط الأدبية بدل التمسك بالوحدة الشكلية في رواية واحدة أو مجموعة قصصية أو مقالات مفردة، كلا، تكمن شجاعة هذا العمل في محاولته التطرق إلى مواضيع جديدة تستحق التأمل وأخرى منسية مهملة إهمالاً لا مبرر له.
فجاء هذا العمل -عصيّاً على التصنيف- في نصفين؛ قصصٍ كأنها نصوص ونصوصٍ كأنها قصص، راكمها نصف عقد من التأمل والملاحظة والاعتبار.
يتحدث الكتاب عن حياتنا، عن الرغبة والمحاولة والطموح والخيبة والسعي والاستسلام، عن العائلة والصداقة والحب والوظيفة والجامعة، عن حواراتنا الذاتية والبَيْنيّة وتوسلاتنا الإلهية، عن محاولاتنا لتغيير أنفسنا والعالم من حولنا، والذي نفعله نهاية الأسبوع وحدنا، عن الأنثى التي تواجه تحدياتها وتسعى للعيش كما ترغب أو كما ينبغي لها أن تعيش.
من الصعب فهم إنسان من غير الاحتفاظ بكلماته كما هي، ولذا تجد الشخوص هنا تحتفظ بحريتها في الحديث باللغة التي تريد، في مكاشفة شخصية تعاينها من غير مواربة. وليس العنوان على الغلاف ضرباً من التشويق والإثارة، هذا عمل متواضع، مبتور من أفكار إنسان عاش هذا الزمان، مجتزأ من تأملاته، أرجو أن تعيش معه بعض الوقت، وتبتهج بما يشبهك منه، وتكون نصفه الآخر.
اليوم سأكون في جناح دار أثر (J11) بمعرض جدة لتوقيع الكتاب واللقاء بكم
تمام الخامسة بمشيئة الله🌹
تمام الخامسة بمشيئة الله🌹
أنت لا تراك
لو وقفت أمام مرآتك ستنتبه أنك لا تراك. أجل، ترى وجهك، وبعض جسدك، لكنك لا تراك كلك. مهما حاولت واحتلت، يتعذر عليك رؤية جسدك جميعها من كل جانب. يجب أن تخرج عنه لتراه، كما يكون طور الشخص الثالث (TPV) في الألعاب. هذا الانتباه ليس بذي أهمية، لولا أن السؤال التالي ربما داهمك بغتة وأنت ما زلت في لحظة نظرك إلى مرآتك: ماذا لو كانت النفس والعقل كالجسد، يستحيل رؤيتهما من الداخل؟
يقول وندل هولمز "إن الإنسان إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة، الإنسان كما خلقه الله، الإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى نفسه". ويصرّح العقاد حاكيا عن نفسه "هو شخص أستغربه كل الاستغراب حين أسمعهم يصفونه أو يتحدثون عنه، حتى ليخطر لي في أكثر الأحيان أنهم يتحدثون عن إنسان لم أعرفه قط، ولم أَلْتقِ به مرة".
عقولنا قادرة -وكثيرا ما تفعل- على نسج قصتها الخاصة وحشد ما تريده من ذكريات وانطباعات وتجارب لتكوّن صورتها عن نفسها ودورها في الحياة وأفكارها ومعتقداتها، وربما كانت جميع تلك التصورات الذاتية خاطئة مفارقة للمنطق وعبثية بامتياز، لكنها مريحة. يعني أننا في غالب الأحيان نرى وهمنا عن أنفسنا ولا نرى حقيقة أنفسنا.
كيف نثق بعقل لا يرى نفسه جيداً؟ عقولنا تعمل في فضاء معتم يعتمد على انطباعات وذكريات وطباع وتجارب سابقة، وتميل إلى بناء صورة ذاتية مرضية لنا قبل أن تكون حقيقية. فضاء محشو بتحيزات إدراكية كثيرة تصنع وهم معرفتنا لأنفسنا؛ ونغفل أننا نبرر أخطاءنا على الدوام حسب مصالحنا، ونختار من الأدلة ما يدعم وجهة نظرنا في كل نقاش جاحدين ما يناقضها. هكذا تتشكل فينا صورة “أنا” مختزلة متحيزة مطمئنة لنفسها بعيدة عن الواقع.
يمكن تشبيه النفس ببيتٍ قديم تقيم فيه؛ تعرف دواخله وغرفه وممراته ومقتنياته، لكنك لا ترى شكله الخارجي إلا إذا خرجت منه، ولا يسعك التعرف على دقائق تصميمه وخفايا تمديداته من غير خبير عارف. أنت تدرك تفاصيل نفسك القريبة منك وتحس بمشاعرها اللحظية وانطباعاتها المباشرة، لكنك تجهل دوافعها الدفينة وتجلياتها في حركاتك وأفعالك وأقوالك. غارق في داخلك، ولذلك تحتاج إلى إشارة خارجية تشبه المعالم التي يراها الراكب ليدرك أن القطار يتحرك بسرعة، مع أنك في الداخل ربما لا تشعر بالحركة البتة.
هذا الخروج من الذات ومحاولة الانفصال عنها، سواء عبر النقد الذاتي والملاحظة والتأمل، أو الاستشارة من مختص خبير، أو حتى تقييمك السنوي من مديرك وانطباعات شركائك وعملائك وملاحظات أهلك وأطفالك وأصدقائك، هو طريقك الوحيد لترى صورتك الكاملة وتختبر ادعاءات المثالية والبطولة في نفسك. ومن هنا راجت وسائل التوجيه والهداية والعلاج والإرشاد، لو كان كل إنسان قادراً على رؤية مشكلته لم يحتج أحد لزيارة طبيب أو سؤال الهداية والإرشاد.
يرى الإنسان نفسه من خلال غيره، ولذا تصبح العلاقات الاجتماعية واحدة من أهم المرايا التي تعكس صورتنا وتكشفها لنا. ابن حزم يشير إلى معنى مقارب بقوله "من لم يَزِنه الناس لم يعرف قدره" فالآخرين يلتقطون ما نغفل عنه ولا ننتبه له لشدة التصاقه بنا، من أسلوب حديثنا إلى طريقة تأثرنا وتأثيرنا فيما حولنا، إلى مظهرنا الخارجي وملابسنا. أحكام الآخرين مهما بدت متزلفة أو قاسية أو مبالغا فيها هي حجر أساس نحتاجه لتكتمل صورة ذواتنا لنا. وهم ليسوا بالضرورة مرايا معصومة مهما كثر عددهم واتفاقهم؛ بل هم مجرد مرايا فيها من التشوّه والاعوجاج ما فيها تبعاً لتحيزات أصحابها وخبراتهم وتوقعاتهم ومواقعهم، فلا يكفي مجرد الاستماع لهم ورؤيتنا من خلالهم، بل على المرء تنويع مراياه والتوثق من مصداقيتها على الدوام بدل الركون إلى مرآة واحدة.
معرفة النفس ليست رفاهية روحية بل ضرورة. هي الأس الذي تُبنى عليه مقامات المحاسبة والمراقبة والتزكية، والإسلام يحثنا على معرفة نفوسنا وكشف حيلها وخدعها وضبط رغباتها وشهواتها ورؤية تجلياتها في سلوكنا. سعي دائم يحتاج إلى صدق ومجاهدة لا مجرد تأمل عابر. و"العارف من عرف نفسه، فاستراح من تعب طلب ما ليس له."
والله عز وجل يقول: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} والبصر في النفس عسير من غير مرآة، وغرورٌ منا ظننّا قدرتنا على معرفة أنفسنا بالتأمل الشخصي وإهمال محاولة النظر إليها من الخارج. تبقى السبل المثلى لمعرفة النفس وتقويمها بحاجة إلى مزيد عناية وتأمل بدل الركون إلى تقليد ثقافات أخرى، وربما لديك طريقتك الخاصة في رؤية نفسك بوضوح، وكل ما أردت الإشارة إليه هو ذلك الانطباع الذي اعتمل في نفسي لما وقفت أمام المرآة لأنظر، فقالت صورتي: أنت لا تراك.
لو وقفت أمام مرآتك ستنتبه أنك لا تراك. أجل، ترى وجهك، وبعض جسدك، لكنك لا تراك كلك. مهما حاولت واحتلت، يتعذر عليك رؤية جسدك جميعها من كل جانب. يجب أن تخرج عنه لتراه، كما يكون طور الشخص الثالث (TPV) في الألعاب. هذا الانتباه ليس بذي أهمية، لولا أن السؤال التالي ربما داهمك بغتة وأنت ما زلت في لحظة نظرك إلى مرآتك: ماذا لو كانت النفس والعقل كالجسد، يستحيل رؤيتهما من الداخل؟
يقول وندل هولمز "إن الإنسان إنما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة، الإنسان كما خلقه الله، الإنسان كما يراه الناس، والإنسان كما يرى نفسه". ويصرّح العقاد حاكيا عن نفسه "هو شخص أستغربه كل الاستغراب حين أسمعهم يصفونه أو يتحدثون عنه، حتى ليخطر لي في أكثر الأحيان أنهم يتحدثون عن إنسان لم أعرفه قط، ولم أَلْتقِ به مرة".
عقولنا قادرة -وكثيرا ما تفعل- على نسج قصتها الخاصة وحشد ما تريده من ذكريات وانطباعات وتجارب لتكوّن صورتها عن نفسها ودورها في الحياة وأفكارها ومعتقداتها، وربما كانت جميع تلك التصورات الذاتية خاطئة مفارقة للمنطق وعبثية بامتياز، لكنها مريحة. يعني أننا في غالب الأحيان نرى وهمنا عن أنفسنا ولا نرى حقيقة أنفسنا.
كيف نثق بعقل لا يرى نفسه جيداً؟ عقولنا تعمل في فضاء معتم يعتمد على انطباعات وذكريات وطباع وتجارب سابقة، وتميل إلى بناء صورة ذاتية مرضية لنا قبل أن تكون حقيقية. فضاء محشو بتحيزات إدراكية كثيرة تصنع وهم معرفتنا لأنفسنا؛ ونغفل أننا نبرر أخطاءنا على الدوام حسب مصالحنا، ونختار من الأدلة ما يدعم وجهة نظرنا في كل نقاش جاحدين ما يناقضها. هكذا تتشكل فينا صورة “أنا” مختزلة متحيزة مطمئنة لنفسها بعيدة عن الواقع.
يمكن تشبيه النفس ببيتٍ قديم تقيم فيه؛ تعرف دواخله وغرفه وممراته ومقتنياته، لكنك لا ترى شكله الخارجي إلا إذا خرجت منه، ولا يسعك التعرف على دقائق تصميمه وخفايا تمديداته من غير خبير عارف. أنت تدرك تفاصيل نفسك القريبة منك وتحس بمشاعرها اللحظية وانطباعاتها المباشرة، لكنك تجهل دوافعها الدفينة وتجلياتها في حركاتك وأفعالك وأقوالك. غارق في داخلك، ولذلك تحتاج إلى إشارة خارجية تشبه المعالم التي يراها الراكب ليدرك أن القطار يتحرك بسرعة، مع أنك في الداخل ربما لا تشعر بالحركة البتة.
هذا الخروج من الذات ومحاولة الانفصال عنها، سواء عبر النقد الذاتي والملاحظة والتأمل، أو الاستشارة من مختص خبير، أو حتى تقييمك السنوي من مديرك وانطباعات شركائك وعملائك وملاحظات أهلك وأطفالك وأصدقائك، هو طريقك الوحيد لترى صورتك الكاملة وتختبر ادعاءات المثالية والبطولة في نفسك. ومن هنا راجت وسائل التوجيه والهداية والعلاج والإرشاد، لو كان كل إنسان قادراً على رؤية مشكلته لم يحتج أحد لزيارة طبيب أو سؤال الهداية والإرشاد.
يرى الإنسان نفسه من خلال غيره، ولذا تصبح العلاقات الاجتماعية واحدة من أهم المرايا التي تعكس صورتنا وتكشفها لنا. ابن حزم يشير إلى معنى مقارب بقوله "من لم يَزِنه الناس لم يعرف قدره" فالآخرين يلتقطون ما نغفل عنه ولا ننتبه له لشدة التصاقه بنا، من أسلوب حديثنا إلى طريقة تأثرنا وتأثيرنا فيما حولنا، إلى مظهرنا الخارجي وملابسنا. أحكام الآخرين مهما بدت متزلفة أو قاسية أو مبالغا فيها هي حجر أساس نحتاجه لتكتمل صورة ذواتنا لنا. وهم ليسوا بالضرورة مرايا معصومة مهما كثر عددهم واتفاقهم؛ بل هم مجرد مرايا فيها من التشوّه والاعوجاج ما فيها تبعاً لتحيزات أصحابها وخبراتهم وتوقعاتهم ومواقعهم، فلا يكفي مجرد الاستماع لهم ورؤيتنا من خلالهم، بل على المرء تنويع مراياه والتوثق من مصداقيتها على الدوام بدل الركون إلى مرآة واحدة.
معرفة النفس ليست رفاهية روحية بل ضرورة. هي الأس الذي تُبنى عليه مقامات المحاسبة والمراقبة والتزكية، والإسلام يحثنا على معرفة نفوسنا وكشف حيلها وخدعها وضبط رغباتها وشهواتها ورؤية تجلياتها في سلوكنا. سعي دائم يحتاج إلى صدق ومجاهدة لا مجرد تأمل عابر. و"العارف من عرف نفسه، فاستراح من تعب طلب ما ليس له."
والله عز وجل يقول: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} والبصر في النفس عسير من غير مرآة، وغرورٌ منا ظننّا قدرتنا على معرفة أنفسنا بالتأمل الشخصي وإهمال محاولة النظر إليها من الخارج. تبقى السبل المثلى لمعرفة النفس وتقويمها بحاجة إلى مزيد عناية وتأمل بدل الركون إلى تقليد ثقافات أخرى، وربما لديك طريقتك الخاصة في رؤية نفسك بوضوح، وكل ما أردت الإشارة إليه هو ذلك الانطباع الذي اعتمل في نفسي لما وقفت أمام المرآة لأنظر، فقالت صورتي: أنت لا تراك.