فيصل العايد
233 subscribers
102 photos
21 links
كاتب. أعيش في الرياض وأحلم بتدوين أيامها وذكرياتها. المدونة: faisalalayed.com
Download Telegram
نحن لسنا تنازلاتنا
الأسبوع ٣٦

عدت البارحة من رحلة خرجت فيها وحيداً إلى مدينة ساحلية حارة، اختيار خاطئ تبرره الظروف ومحدودية الخيارات المتاحة. ولكن لماذا سافرت؟ تمر الأعوام وتتلاشى مباهج الطفولة واحدة واحدة عدا السفر، يظل مدعاة للبهجة منفاة للسأم مبعثة للتأمل والمراجعة.
فكرة واحدة ظلت تمشي معي في كل مكان وتنام. كانت رطوبة المكان ترفع درجة الحرارة وتزيد قسوتها، فتشعر بحرارة أكثر من قراءة الأجهزة يسمونها درجة الحرارة "المحسوسة". وهنا تكمن الفكرة، الواقع "المحسوس" صار عندي يختلف عن الواقع الحقيقي اختلافاً كبيراً، حتى صرت أحس بذلك. كان يجب علي التوقف ومحاولة إعادة التقييم وتحييد الكثير من المؤثرات الخارجية، وكم أتمنى لو بوسعي التخلص من الجوال كله. وجدت أشياء تضخمت وتضخمت إحساسي بها، وهناك أشياء اندثرت وانطمست وانعدم إحساسي بها واستشعاري لها.
والعقبة هنا أن الناس تعرف ما الذي يؤثر على درجة الحرارة ويتلاعب بالإحساس بها، وما زال الطريق طويلاً لمعرفة ما يؤثر على رؤيتنا وإحساسنا بواقعنا، وتربية أنفسنا على النظر للواقع كما هو لا بحسب انطباعنا عنه. تبدو الحياة في كثير من الأحيان وجهة نظر تصيب وتخطئ.
الخوف عاطفة فطرية، الميت وحده لا يخاف، طالما نحن أحياء فسنعيش ومخاوفنا فوقنا كسماء دائمة. والمخاوف كثيرة متعددة بعضها أشرف من بعض. لكن سؤالك ليس عن الخوف، بل كيف نتعامل معه، طبعا لست متخصص بعلاج المخاوف لكني أجيب على قدر السؤال والثقة، نحتاج في البداية قبول هذا الخوف وعدم رفضه، الآن هو يظهر كخوف من المدرسة وغدا من المجتمع والوظيفة، وكثير من الناس تخاف من المجتمع وهو خوف صحي بدرجة معقولة، لكنه يكون خوفا منبوذا إذا منعنا عن العيش والتفاعل مع الناس بشكل طبيعي. المجتمع بالتأكيد سيتكلم عنا، وتحديدا الأصدقاء، فنحن جزء من حياتهم كما هم جزء من حياتنا، من يتكلم عنك إذا لم يتكلم أصدقاؤك؟ وكنت كثيراً ما أرى المسألة بهذه الطريقة: من أشرف أنا أم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ إذا أوذي هو فمن أنا حتى لا يؤذيني الناس بحق وبغير حق. افعلي ما تريدين كما تريدين وكما يرضي ضميرك ولا تهتمي بكلام غيرك عنك بل بردود فعلك على ذلك، ألسنة الناس تلف وتدور ما دار الليل والنهار، ولو وقفت القافلة لكل كلب نبح لها ما سارت أبداً.
فيصل العايد
Photo
الأسئلة لا الأجوبة

لو علمت أن طفلك الذي ستنجبه عما قريب سيولد قبيحا -لا قدر الله- هل ستفكر بمنع ولادته؟ حفاظا عليه من حياة تعيسة محتومة. ربما عبست للفكرة وهذا هو الرد الطبيعي، فلا أحد يود موت قطعة منه، ولكن صدقني، هناك درجة معينة من القبح أو التشوه أو الضعف الجسدي -مهما كانت متفاوتة في تقديراتنا الشخصية- ستخطر لنا معها أفكار شبيهة لتلك الفكرة السيئة. وستجد جوابات الناس عن ذلك تختلف باختلافهم وتتعدد بتعددهم. من الذي أطلق الرصاصة، الذي أمر بها أم الذي ضغط على الزناد أم الذي صنع السلاح؟ من الملام الحقيقي بين هؤلاء: أوبنهايمر أم آينشتاين أم ترومان رئيس أمريكا أم الطيار الذي وافق على تولي مهمة إسقاط القنبلة على هيروشيما؟ الأسئلة كثيرة والإجابات أكثر وبعض الأسئلة تبقى صامدة من غير إجابة حتى النهاية. لا يهم عدد الإجابات التي تحملها وتقنع بها نفسك، كثيراً ما كان تأثير تلك الإجابات محدوداً في حياتك بقدر الطمأنينة التي توفرها، لكن الذي يبقيك مستيقظاً في هزيع الليل حتى الصباح هو السؤال الذي لا تملك إجابته، الذي يقود مساعيك ويشحن طاقتك بلا توقف، سؤال مزعج موكول بك كقرين لا خلاص منه. الحكيم ليس الذي يملك الجوابات الصحيحة بل الذي يطرح السؤالات الصحيحة ولو لم يملك إجاباتها. من يحدد حقيقتك ومكانتك وهويتك هو في كثير من الأحيان الأسئلة التي تسألها نفسك كل يوم، لا الأجوبة التي تملكها عن أسئلة غيرك.
فيصل العايد
Photo
الربيع بعد الشتاء

تظل الحياة أفضل مُعلم نحظى به، وحين نقول "الحياة" فنحن نقصد مرور وقت طويل وخوض تجارب متعددة وتكرار مشاهدات وتأملات تنتهي بنا إلى تراكم الحكمة والاعتبار. حاولت المدرسة تعليمنا في صغرنا أن اثنين ضرب واحد حاصله اثنين، ثم شاهدنا بأنفسنا اثنين يضربان واحداً ولم يبق واقفاً غيرهما، لماذا سموا ذلك الجدول بجدول الضرب! يخبرونك أن عدد أيام الأسبوع سبعة والأشهر اثنا عشر، فتكبر وتتعلم في شبابك المعلومة الصحيحة: عدد الأيام خمسة، أيام عمل، واثنان راحة، وعدد الأشهر إحدى عشر شهراً، للعمل، وشهراً للعطلة. لكن هناك معلومة عجزت أن أحفظها في المدرسة: ما الذي يأتي بعد الشتاء الخريف أم الربيع؟ وعذري أن الأيام في المكان الذي عشت فيه كلها صيف وشتاء، فما العمل بمعلومة لا أحتاجها. ثم توالت السنوات بعد ذلك، وعرفت أن أيام النشاط معدودة تحيط بها أيام فتور وخمول، ومهما طالت أيام الخمول، سيأتي يوم يستيقظ في الدب من سباته الطويل، وتبني الطيور الصغيرة أعشاشها من جديد، وتشرع السناجب في البحث عن طعام، وتنبت الزهور فوق الحقول الرطبة. عرفت أن الربيع كالطفولة والصيف كالشباب والخريف كالكهولة والشتاء كالشيخوخة، وكما يستحيل انتقال الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة من غير شباب وكهولة، يستحيل مجيء الشتاء بعد الربيع. الأرض لها فصولها التي لا تحيد عنها، والإنسان له فصوله كذلك، الربيع ولادتك الجديدة، ولا يهم عدد الشتاءات التي تمر بك، المهم أن تولد جديداً مع كل ربيع.
متى نطلب المساعدة؟
تسريب حصري:
الكتاب الثالث يصدر بعد شهر في المعرض. والمصمم متأخر في الغلاف.

ولأنكم أقرب القراء وأعزهم، حجزت لكم ثلاث نسخ إهداء موقعة، سأختار أصحابها عشوائيا من التعليقات على هذا المنشور.

*أتمنى لو يمكنك زيارة المعرض لاستلام نسختك أو تفويض من يستلمها.
الأسبوع ٣٧

كتبت عشية عام ٢٠٢٥م نص "ينتابني إحساس غريب" ورغم صدق الإحساس آنذاك واستحالة التفطن لما سيكون، وجدت هذا العام كما خُتِمَ النص: سعيداً مفرط البهجة والمسرات. صحيحٌ أنني لست أباً حتى الآن، ولكن صدور كتابي الثالث بمثابة أبوة جديدة، الكتابان الأولان هما نتاج مرحلة، وهذا يفسر توقف طبع الأول، لكن الكتاب الثالث يمثل حقيقتي الكاملة كما أعرفها، وأظنه سيكون انطلاقة كل ما بعده من كتب. عدت من زيارة مدينة العلا البارحة -ولعلي أكتب عنها مطولاً فيما بعد- وظللت طوال وقتي هناك أفكر بما سيحدث عما قريب، كعروس خجلى ستزف قريباً، أجد خجلي الطبيعي من مقابلة الناس والاختلاط بهم وتبادل المجاملات يعود من جديد، وكم هو ثقيل علي توقيع كتابي للقراء. هذا التوتر يفسر استعدادي بنص جديد هذه المرة سيكون بمثابة "إعلان صدور" وتجهيزي لخطة إذاعة صدور الكتاب في منصات متعددة. وأعرف أن كثيرين سيرغبون باللقاء بي في المعرض وربما يصرفهم حبي للعزلة عن المبادرة باللقاء. لكني والله إنسان بسيط يحب أن يكتب في مقهى معزول ويجلس مستمتعا بذلك ويتعبه فعل كل ما بعد طباعة الكتاب.
ممتن لكل من استفسر، الكتاب ما زال في المطبعة، ولعل الله ييسر صدوره القريب.
هذا اسم الدار، مروا عليهم في المعرض وكلموهم يستعجلون بطبع الكتاب 😂
مذكرات الرحلة الأنباطية الثالثة

زرت بلاد الأنباط قبل عشرة أعوام من الآن، كنت موقناً وقتها أن المكان الذي أراه هو أرض هلاك ثمود بالصيحة وعقرهم ناقة الله، منعني هذا الإيمان -الصادق- من النزول في المكان وحتى النظر إليه والاعتبار وسارعت بالمغادرة والرحيل، كنت أرى كل ما حولي مدائن صالح ولا شيء غيرها. وهكذا ربطت الذاكرة المجتمعية لسنوات طويلة النحت في هذه الجبال بثمود الذين جابوا الصخر بالواد وأفناهم عذاب الله بكفرهم. لم تكن هذه منطقة الحجر آنذاك. ولم تكن بعدُ بلاد اللحيانين والأنباط كما سيعرف ذلك. كانت أرض مهلكة ثمود ولا شيء غيرها.
ثم أعادتني الأيام قبل ستة أعوام مع أصدقاء جبنا فيها شمال الجزيرة متوقفين في قرى ليالي وأياماً، ورأيت صخرة جبل الفيل لست أنساها، ولم أطل المكث غير ليلة، ولا أذكر المرور بالحجر والمدائن تلك المرة.
ثم أعادتني الأيام مجدداً، فهذه الزيارة التي سأحكي عنها هي الثالثة إذن، والزيارة الحقيقية الأولى للعلا ودادان، بعد رعايتها والاهتمام بآثارها وتاريخها وإعادة اكتشافها خارج نطاق الحجر والمدائن.
هذه المرة -رغم استعجالي بالزيارة بدل انتظار الشتاء- وجدت غالبية الناس هنا سياحاً من بلاد مختلفة متعددة شرقا وغربا في الأرض. جاءوا ليشاهدوا إحدى أقدم وأعرق المناطق التاريخية في الجزيرة العربية، واحة بين الجبال احتضنت حضارات قديمة مندثرة تعود إلى آلاف السنين قبل الميلاد، واحة كانت محطة القوافل المتجهة نحو الشام ومصر على طريق البخور، وتعاقبت عليها حضارات متعددة متتابعة الديدانية واللحيانية والنبطية، تاركةً أسئلتها وآثاراها من شواهد وقبور ونقوش صخرية.
عرف هذا المكان أولاً باسم دادان عاصمة الممالك الدادانية واللحيانية، وازدهرت بأسلوب حياة قائم على الزراعة، ثم تحولت إلى سوق تجاري مزدهر تحت اسم “قُرْح” في الجاهلية، وجاءاها التجار من أنحاء الجزيرة، غير أن نجمها خبا بسرعة كما بزغ بسرعة مع تبدل طرق التجارة بتأثير روماني في الشام. وفي العام السابع من الهجرة دخلت القرية ضمن الدولة الإسلامية وسُمّيت “وادي القرى” وأصبحت محطة رئيسية على طريق الحج والتجارة. ثم استقر اسمها على “العُلا” إشارةً إلى علوّها عن وادي القرى المجاور.
ولا يفوت أي زائر المرور بالحِجر أهم وأشهر معالم العلا، وهو أول موقع في الجزيرة أُدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وفيه أكثر من مئة مدفن منحوت في الصخور بعمارة نبطية، شواهد حضارة بادت ولم يبق منها غير أطلال مدينة صخرية.
وفي البلدة الطينية القديمة نحو 800 منزل متلاصق من الطين والحجر شُيّدت في القرن الرابع عشر الميلادي، وهجرها الناس لعدم قابليتها وجاهزيتها لاحتضان الكهرباء والغاز ووسائل الحياة الجديدة. وبقرب البلدة قلعة موسى بن نصير، حصن حجري يعود تاريخه إلى ما قبل الإسلام، أعيد استخدامه وتطويره.
وفي السنوات العشر الأخيرة، حظيت العلا بمشاريع تطويرية ضخمة تهدف إلى إعادة تقديمها كوجهة سياحية عالمية ووطن قديم للحضارات، بالاعتماد على أصالتها التاريخية وتنوع تضاريسها الطبيعية وتعدديتها الثقافية. فاعتني بمطل المدينة الجبلي وكهوفها ومساراتها الزراعية لمحبي الجري والدراجات وجلبت مناطيد وسيارات مغامرات وأندية رياضية مختلفة ومنتجعات جبلية للاستجمام، فغدا المكان مهرب كل من يريد إعادة قراءة حياته والعالم من حوله.
وكان أجمل ما فعلته فيها رحلتي إلى تأمل النجوم، مع مرشد عالم بالنجوم لأول مرة، عربي قديم أصيل، وأنا وصاحبي، وفنلنديان وإماراتيان، وحدنا في الظلام البعيد. تحدث مرشدنا ساعتين كاملتين ونحن نتأمل في نجوم السماء. فعرفنا أن النجوم عربية، وأن كل ما في الأرض وشاهده العربي في صحرائه رفعه للسماء، ولذا تجد النجوم بأسماء حيوانات، فسمى العرب منها ١٠٤٨ نجماً، وهذا يعادل نصف نجوم السماء المعروفة، يناديها الناس باختلاف ألسنتهم كما ناداها العرب، وأشهرها الفرقدان والجدي (نجم الشمال) وبنات نعش والنسر الطائر والواقع والذئبان والرامح، وسهيل نجم الحب، يحب الثريا ويعشقها. فالنجوم عربية والأبراج إغريقية.
"قيل لأعرابي: أتعرف النجوم؟ قال: وهل يجهل أحد سقف بيته. وقيل لآخر فقال: لا أعرف إلا بنات نعش ولو تفرقن. وقال علي رضي الله عنه: كفى بالمرء جهلاً أن ركباً وقوفاً على رأسه كل ليلة لا يسميهم؛ يعني النجوم" وكلام العرب في النجوم يطول ولا يقصر، ونصحنا مرشدنا الحاذق بالعودة لكتاب كتاب الاستدلال بالنجوم للاستزادة والاستفادة. ومن لطيف الفوائد أنه العربي لم يعدم حيلة في التعرف على الاتجاهات في الصحراء ولو غميت السماء عليه، فينظر في الأرض ورمالها، يجد بطن موجة الرمال باتجاه الشمال دوماً ورأسها في الجنوب.
وهكذا، لم تعد العلا مدينة منسية، أو مجرد منطقة أثرية، بل أصبحت مكاناً لتلاقي الماضي والمستقبل والثقافات المختلفة وعادت الحياة إلى المكان. طبيعة فريدة تمتزج فيها الجبال والواحات والإرث الحضاري القديم، فباتت وجهة لا تضاهيها أخرى في المنطقة.
الهزيمة حكم الذات على الذات