الأسبوع ٣٤
تمر علي أيام ندم في حياتي، كباقي الناس. من أشدها وطأة الندم على الكتابة، ليس لأن الكتابة رذيلة، بل الندم على استخدام ضمير المتكلم بدل ضمير الغائب، والندم على معاودة الحديث عن نفسي مرة بعد مرة رغم سعيي لتجنب ذلك. لكني لا أعرف شيئا بصدق كما أعرف نفسي لأتحدث عنه، الأسفار التي أرحل فيها بعيدا والأيام التي أدونها كلها قابلة للتأويل، عدا الأحاسيس التي تصحبها. الواقع أن الناس لا تحب من يتكلم عن نفسه كثيراً، ليس بقدر من يتكلم عنها وينصت لها على أقل تقدير.
ويأتي الندم أحيانا على شكل خيارات تخلينا عنها وقرارات لم نتخذها، من بين تلك القرارات منعي نفسي من التردد على استراحات الرياض وتكوين صداقات مع روّادها، صحيح أن طائفة كبيرة من أصدقائي الآن شيوخ وقضاة وروّاد أعمال ومهندسين وآخرين، لكن أتعلم المشترك بين هؤلاء، جميعهم تسير حياتهم وفق نمط متوقع، ودخلوا الآن مرحلة تكوين ورعاية أسرة جديدة، وربما لم يعد هناك متسع لصديق قديم. حاولت بطبيعة الحال، إعادة فتح مجالات مهملة، والبحث عن استراحة، وهو شيء مستحيل، وحاولت دخول تطبيق substack كذلك لنفس الغرض ربما. دخول مجتمعات جديدة يزداد صعوبة بمرور السنين واقتراب الشيخوخة، هناك مفهوم في الاقتصاد اسمه sunk cost أو حتى opportunity cost، كلاهما يشيران إلى أن السفن التي غادرت الشاطئ لا تخطط للعودة.
ما الذي بوسعي فعله؟ بالتأكيد من الغلط أن أكتب في مدونتي إعلانا للبحث عن صديق، لا تقبل الناس هذه الفعلة، ولن يتفق اثنان على مواصفات الصديق بطبيعة الحال. دخلت مؤخراً العديد من المجتمعات الأجنبية في الرياض، ونعم، لصفاقتي تمنيت أن أجد بعض الأوروبين الذين ربما كانوا أقرب الناس لاهتماماتي وتكويني وتطلعاتي، باءت المحاولة بفشل ذريع، وخرجت مع شاب آسيوي إلى مقهى وقررت إنهاء المسعى في اليوم ذاته، لازلت منضماً لثلاث مجتمعات أجنبية في الرياض، كمن يأمل العثور على حوت في الصحراء.
ربما علي شغل نفسي بكتابة عمل جديد بدل هذا البحث العقيم، وربما -في هذا السياق- يمكن لك فهم رغبتي بالسكن في هوستل في لشبونة وباريس، هذا العالم الإنترنتي الرقمي الجديد لا يمنحنا رفاهية العثور على صديقي حقيقي جديد في الشارع، الشوارع خالية إلا من القطط.
تمر علي أيام ندم في حياتي، كباقي الناس. من أشدها وطأة الندم على الكتابة، ليس لأن الكتابة رذيلة، بل الندم على استخدام ضمير المتكلم بدل ضمير الغائب، والندم على معاودة الحديث عن نفسي مرة بعد مرة رغم سعيي لتجنب ذلك. لكني لا أعرف شيئا بصدق كما أعرف نفسي لأتحدث عنه، الأسفار التي أرحل فيها بعيدا والأيام التي أدونها كلها قابلة للتأويل، عدا الأحاسيس التي تصحبها. الواقع أن الناس لا تحب من يتكلم عن نفسه كثيراً، ليس بقدر من يتكلم عنها وينصت لها على أقل تقدير.
ويأتي الندم أحيانا على شكل خيارات تخلينا عنها وقرارات لم نتخذها، من بين تلك القرارات منعي نفسي من التردد على استراحات الرياض وتكوين صداقات مع روّادها، صحيح أن طائفة كبيرة من أصدقائي الآن شيوخ وقضاة وروّاد أعمال ومهندسين وآخرين، لكن أتعلم المشترك بين هؤلاء، جميعهم تسير حياتهم وفق نمط متوقع، ودخلوا الآن مرحلة تكوين ورعاية أسرة جديدة، وربما لم يعد هناك متسع لصديق قديم. حاولت بطبيعة الحال، إعادة فتح مجالات مهملة، والبحث عن استراحة، وهو شيء مستحيل، وحاولت دخول تطبيق substack كذلك لنفس الغرض ربما. دخول مجتمعات جديدة يزداد صعوبة بمرور السنين واقتراب الشيخوخة، هناك مفهوم في الاقتصاد اسمه sunk cost أو حتى opportunity cost، كلاهما يشيران إلى أن السفن التي غادرت الشاطئ لا تخطط للعودة.
ما الذي بوسعي فعله؟ بالتأكيد من الغلط أن أكتب في مدونتي إعلانا للبحث عن صديق، لا تقبل الناس هذه الفعلة، ولن يتفق اثنان على مواصفات الصديق بطبيعة الحال. دخلت مؤخراً العديد من المجتمعات الأجنبية في الرياض، ونعم، لصفاقتي تمنيت أن أجد بعض الأوروبين الذين ربما كانوا أقرب الناس لاهتماماتي وتكويني وتطلعاتي، باءت المحاولة بفشل ذريع، وخرجت مع شاب آسيوي إلى مقهى وقررت إنهاء المسعى في اليوم ذاته، لازلت منضماً لثلاث مجتمعات أجنبية في الرياض، كمن يأمل العثور على حوت في الصحراء.
ربما علي شغل نفسي بكتابة عمل جديد بدل هذا البحث العقيم، وربما -في هذا السياق- يمكن لك فهم رغبتي بالسكن في هوستل في لشبونة وباريس، هذا العالم الإنترنتي الرقمي الجديد لا يمنحنا رفاهية العثور على صديقي حقيقي جديد في الشارع، الشوارع خالية إلا من القطط.
يقال أن هذه أحدث صورة لخلية الإنسان (لم نعد نثق بأي صورة جديدة للأسف والفضل لمسيئي استخدام الذكاء الاصطناعي) وإني لأعجب: كيف يدعي إنسان بسذاجة وتعجل معرفة الحياة والناس وسائر المعارف بتبجح، وهو أضعف من الإحاطة بوظائف جسمه ودقائق عقله ولطائف ما صنع الله فيه. تنتهي حيواتنا ولم نعرف عنها غير أنها أكلت وشربت ونامت وهرمت.
الأسبوع ٣٥
الكتاب القادم يصدر قريباً. صحيح أن الثالث في الترتيب، والأول الذي ليس برواية، ولكن مكانته الخاصة عندي تكمن في أنه أصدق تعبير عن هذه المرحلة التي نعيشها منذ ٢٠٢٠ حتى الآن، وقلبي يخبرني أنه سيكون حجر الأساس لكل الكتب التي تليه، كل المواضيع والأفكار التي أنوع التوسع فيها والكتابة عنها باستفاضة شديدة وإخلاص لها لفتات وإشارات في الكتاب. المخيف والمقلق أنني كالقطة التي تقتل صغارها فور ولادتهم، أعني أنني بعفوية أنسى الكتاب تماما وأجحده منطلقا إلى الكتاب الذي يليه كأن كل كتاب خطوة لما بعده. وهذه بلوى شاركت فيها كاتب عربي نسيت اسمه يستحيل أن يكتب في الموضوع ذاته مرتين. كم أتمنى لو بوسعي حرق أغسطس وسبتمبر من التقويم كي يأتي أكتوبر بسرعة وأظفر بكتابي الذي لا يقل حظوة عن قارئ هذه الكلمات.
الكتاب القادم يصدر قريباً. صحيح أن الثالث في الترتيب، والأول الذي ليس برواية، ولكن مكانته الخاصة عندي تكمن في أنه أصدق تعبير عن هذه المرحلة التي نعيشها منذ ٢٠٢٠ حتى الآن، وقلبي يخبرني أنه سيكون حجر الأساس لكل الكتب التي تليه، كل المواضيع والأفكار التي أنوع التوسع فيها والكتابة عنها باستفاضة شديدة وإخلاص لها لفتات وإشارات في الكتاب. المخيف والمقلق أنني كالقطة التي تقتل صغارها فور ولادتهم، أعني أنني بعفوية أنسى الكتاب تماما وأجحده منطلقا إلى الكتاب الذي يليه كأن كل كتاب خطوة لما بعده. وهذه بلوى شاركت فيها كاتب عربي نسيت اسمه يستحيل أن يكتب في الموضوع ذاته مرتين. كم أتمنى لو بوسعي حرق أغسطس وسبتمبر من التقويم كي يأتي أكتوبر بسرعة وأظفر بكتابي الذي لا يقل حظوة عن قارئ هذه الكلمات.
الأسبوع ٣٦
عدت البارحة من رحلة خرجت فيها وحيداً إلى مدينة ساحلية حارة، اختيار خاطئ تبرره الظروف ومحدودية الخيارات المتاحة. ولكن لماذا سافرت؟ تمر الأعوام وتتلاشى مباهج الطفولة واحدة واحدة عدا السفر، يظل مدعاة للبهجة منفاة للسأم مبعثة للتأمل والمراجعة.
فكرة واحدة ظلت تمشي معي في كل مكان وتنام. كانت رطوبة المكان ترفع درجة الحرارة وتزيد قسوتها، فتشعر بحرارة أكثر من قراءة الأجهزة يسمونها درجة الحرارة "المحسوسة". وهنا تكمن الفكرة، الواقع "المحسوس" صار عندي يختلف عن الواقع الحقيقي اختلافاً كبيراً، حتى صرت أحس بذلك. كان يجب علي التوقف ومحاولة إعادة التقييم وتحييد الكثير من المؤثرات الخارجية، وكم أتمنى لو بوسعي التخلص من الجوال كله. وجدت أشياء تضخمت وتضخمت إحساسي بها، وهناك أشياء اندثرت وانطمست وانعدم إحساسي بها واستشعاري لها.
والعقبة هنا أن الناس تعرف ما الذي يؤثر على درجة الحرارة ويتلاعب بالإحساس بها، وما زال الطريق طويلاً لمعرفة ما يؤثر على رؤيتنا وإحساسنا بواقعنا، وتربية أنفسنا على النظر للواقع كما هو لا بحسب انطباعنا عنه. تبدو الحياة في كثير من الأحيان وجهة نظر تصيب وتخطئ.
عدت البارحة من رحلة خرجت فيها وحيداً إلى مدينة ساحلية حارة، اختيار خاطئ تبرره الظروف ومحدودية الخيارات المتاحة. ولكن لماذا سافرت؟ تمر الأعوام وتتلاشى مباهج الطفولة واحدة واحدة عدا السفر، يظل مدعاة للبهجة منفاة للسأم مبعثة للتأمل والمراجعة.
فكرة واحدة ظلت تمشي معي في كل مكان وتنام. كانت رطوبة المكان ترفع درجة الحرارة وتزيد قسوتها، فتشعر بحرارة أكثر من قراءة الأجهزة يسمونها درجة الحرارة "المحسوسة". وهنا تكمن الفكرة، الواقع "المحسوس" صار عندي يختلف عن الواقع الحقيقي اختلافاً كبيراً، حتى صرت أحس بذلك. كان يجب علي التوقف ومحاولة إعادة التقييم وتحييد الكثير من المؤثرات الخارجية، وكم أتمنى لو بوسعي التخلص من الجوال كله. وجدت أشياء تضخمت وتضخمت إحساسي بها، وهناك أشياء اندثرت وانطمست وانعدم إحساسي بها واستشعاري لها.
والعقبة هنا أن الناس تعرف ما الذي يؤثر على درجة الحرارة ويتلاعب بالإحساس بها، وما زال الطريق طويلاً لمعرفة ما يؤثر على رؤيتنا وإحساسنا بواقعنا، وتربية أنفسنا على النظر للواقع كما هو لا بحسب انطباعنا عنه. تبدو الحياة في كثير من الأحيان وجهة نظر تصيب وتخطئ.
الخوف عاطفة فطرية، الميت وحده لا يخاف، طالما نحن أحياء فسنعيش ومخاوفنا فوقنا كسماء دائمة. والمخاوف كثيرة متعددة بعضها أشرف من بعض. لكن سؤالك ليس عن الخوف، بل كيف نتعامل معه، طبعا لست متخصص بعلاج المخاوف لكني أجيب على قدر السؤال والثقة، نحتاج في البداية قبول هذا الخوف وعدم رفضه، الآن هو يظهر كخوف من المدرسة وغدا من المجتمع والوظيفة، وكثير من الناس تخاف من المجتمع وهو خوف صحي بدرجة معقولة، لكنه يكون خوفا منبوذا إذا منعنا عن العيش والتفاعل مع الناس بشكل طبيعي. المجتمع بالتأكيد سيتكلم عنا، وتحديدا الأصدقاء، فنحن جزء من حياتهم كما هم جزء من حياتنا، من يتكلم عنك إذا لم يتكلم أصدقاؤك؟ وكنت كثيراً ما أرى المسألة بهذه الطريقة: من أشرف أنا أم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ إذا أوذي هو فمن أنا حتى لا يؤذيني الناس بحق وبغير حق. افعلي ما تريدين كما تريدين وكما يرضي ضميرك ولا تهتمي بكلام غيرك عنك بل بردود فعلك على ذلك، ألسنة الناس تلف وتدور ما دار الليل والنهار، ولو وقفت القافلة لكل كلب نبح لها ما سارت أبداً.
فيصل العايد
Photo
الأسئلة لا الأجوبة
لو علمت أن طفلك الذي ستنجبه عما قريب سيولد قبيحا -لا قدر الله- هل ستفكر بمنع ولادته؟ حفاظا عليه من حياة تعيسة محتومة. ربما عبست للفكرة وهذا هو الرد الطبيعي، فلا أحد يود موت قطعة منه، ولكن صدقني، هناك درجة معينة من القبح أو التشوه أو الضعف الجسدي -مهما كانت متفاوتة في تقديراتنا الشخصية- ستخطر لنا معها أفكار شبيهة لتلك الفكرة السيئة. وستجد جوابات الناس عن ذلك تختلف باختلافهم وتتعدد بتعددهم. من الذي أطلق الرصاصة، الذي أمر بها أم الذي ضغط على الزناد أم الذي صنع السلاح؟ من الملام الحقيقي بين هؤلاء: أوبنهايمر أم آينشتاين أم ترومان رئيس أمريكا أم الطيار الذي وافق على تولي مهمة إسقاط القنبلة على هيروشيما؟ الأسئلة كثيرة والإجابات أكثر وبعض الأسئلة تبقى صامدة من غير إجابة حتى النهاية. لا يهم عدد الإجابات التي تحملها وتقنع بها نفسك، كثيراً ما كان تأثير تلك الإجابات محدوداً في حياتك بقدر الطمأنينة التي توفرها، لكن الذي يبقيك مستيقظاً في هزيع الليل حتى الصباح هو السؤال الذي لا تملك إجابته، الذي يقود مساعيك ويشحن طاقتك بلا توقف، سؤال مزعج موكول بك كقرين لا خلاص منه. الحكيم ليس الذي يملك الجوابات الصحيحة بل الذي يطرح السؤالات الصحيحة ولو لم يملك إجاباتها. من يحدد حقيقتك ومكانتك وهويتك هو في كثير من الأحيان الأسئلة التي تسألها نفسك كل يوم، لا الأجوبة التي تملكها عن أسئلة غيرك.
لو علمت أن طفلك الذي ستنجبه عما قريب سيولد قبيحا -لا قدر الله- هل ستفكر بمنع ولادته؟ حفاظا عليه من حياة تعيسة محتومة. ربما عبست للفكرة وهذا هو الرد الطبيعي، فلا أحد يود موت قطعة منه، ولكن صدقني، هناك درجة معينة من القبح أو التشوه أو الضعف الجسدي -مهما كانت متفاوتة في تقديراتنا الشخصية- ستخطر لنا معها أفكار شبيهة لتلك الفكرة السيئة. وستجد جوابات الناس عن ذلك تختلف باختلافهم وتتعدد بتعددهم. من الذي أطلق الرصاصة، الذي أمر بها أم الذي ضغط على الزناد أم الذي صنع السلاح؟ من الملام الحقيقي بين هؤلاء: أوبنهايمر أم آينشتاين أم ترومان رئيس أمريكا أم الطيار الذي وافق على تولي مهمة إسقاط القنبلة على هيروشيما؟ الأسئلة كثيرة والإجابات أكثر وبعض الأسئلة تبقى صامدة من غير إجابة حتى النهاية. لا يهم عدد الإجابات التي تحملها وتقنع بها نفسك، كثيراً ما كان تأثير تلك الإجابات محدوداً في حياتك بقدر الطمأنينة التي توفرها، لكن الذي يبقيك مستيقظاً في هزيع الليل حتى الصباح هو السؤال الذي لا تملك إجابته، الذي يقود مساعيك ويشحن طاقتك بلا توقف، سؤال مزعج موكول بك كقرين لا خلاص منه. الحكيم ليس الذي يملك الجوابات الصحيحة بل الذي يطرح السؤالات الصحيحة ولو لم يملك إجاباتها. من يحدد حقيقتك ومكانتك وهويتك هو في كثير من الأحيان الأسئلة التي تسألها نفسك كل يوم، لا الأجوبة التي تملكها عن أسئلة غيرك.
فيصل العايد
Photo
الربيع بعد الشتاء
تظل الحياة أفضل مُعلم نحظى به، وحين نقول "الحياة" فنحن نقصد مرور وقت طويل وخوض تجارب متعددة وتكرار مشاهدات وتأملات تنتهي بنا إلى تراكم الحكمة والاعتبار. حاولت المدرسة تعليمنا في صغرنا أن اثنين ضرب واحد حاصله اثنين، ثم شاهدنا بأنفسنا اثنين يضربان واحداً ولم يبق واقفاً غيرهما، لماذا سموا ذلك الجدول بجدول الضرب! يخبرونك أن عدد أيام الأسبوع سبعة والأشهر اثنا عشر، فتكبر وتتعلم في شبابك المعلومة الصحيحة: عدد الأيام خمسة، أيام عمل، واثنان راحة، وعدد الأشهر إحدى عشر شهراً، للعمل، وشهراً للعطلة. لكن هناك معلومة عجزت أن أحفظها في المدرسة: ما الذي يأتي بعد الشتاء الخريف أم الربيع؟ وعذري أن الأيام في المكان الذي عشت فيه كلها صيف وشتاء، فما العمل بمعلومة لا أحتاجها. ثم توالت السنوات بعد ذلك، وعرفت أن أيام النشاط معدودة تحيط بها أيام فتور وخمول، ومهما طالت أيام الخمول، سيأتي يوم يستيقظ في الدب من سباته الطويل، وتبني الطيور الصغيرة أعشاشها من جديد، وتشرع السناجب في البحث عن طعام، وتنبت الزهور فوق الحقول الرطبة. عرفت أن الربيع كالطفولة والصيف كالشباب والخريف كالكهولة والشتاء كالشيخوخة، وكما يستحيل انتقال الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة من غير شباب وكهولة، يستحيل مجيء الشتاء بعد الربيع. الأرض لها فصولها التي لا تحيد عنها، والإنسان له فصوله كذلك، الربيع ولادتك الجديدة، ولا يهم عدد الشتاءات التي تمر بك، المهم أن تولد جديداً مع كل ربيع.
تظل الحياة أفضل مُعلم نحظى به، وحين نقول "الحياة" فنحن نقصد مرور وقت طويل وخوض تجارب متعددة وتكرار مشاهدات وتأملات تنتهي بنا إلى تراكم الحكمة والاعتبار. حاولت المدرسة تعليمنا في صغرنا أن اثنين ضرب واحد حاصله اثنين، ثم شاهدنا بأنفسنا اثنين يضربان واحداً ولم يبق واقفاً غيرهما، لماذا سموا ذلك الجدول بجدول الضرب! يخبرونك أن عدد أيام الأسبوع سبعة والأشهر اثنا عشر، فتكبر وتتعلم في شبابك المعلومة الصحيحة: عدد الأيام خمسة، أيام عمل، واثنان راحة، وعدد الأشهر إحدى عشر شهراً، للعمل، وشهراً للعطلة. لكن هناك معلومة عجزت أن أحفظها في المدرسة: ما الذي يأتي بعد الشتاء الخريف أم الربيع؟ وعذري أن الأيام في المكان الذي عشت فيه كلها صيف وشتاء، فما العمل بمعلومة لا أحتاجها. ثم توالت السنوات بعد ذلك، وعرفت أن أيام النشاط معدودة تحيط بها أيام فتور وخمول، ومهما طالت أيام الخمول، سيأتي يوم يستيقظ في الدب من سباته الطويل، وتبني الطيور الصغيرة أعشاشها من جديد، وتشرع السناجب في البحث عن طعام، وتنبت الزهور فوق الحقول الرطبة. عرفت أن الربيع كالطفولة والصيف كالشباب والخريف كالكهولة والشتاء كالشيخوخة، وكما يستحيل انتقال الإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة من غير شباب وكهولة، يستحيل مجيء الشتاء بعد الربيع. الأرض لها فصولها التي لا تحيد عنها، والإنسان له فصوله كذلك، الربيع ولادتك الجديدة، ولا يهم عدد الشتاءات التي تمر بك، المهم أن تولد جديداً مع كل ربيع.
تسريب حصري:
الكتاب الثالث يصدر بعد شهر في المعرض. والمصمم متأخر في الغلاف.
ولأنكم أقرب القراء وأعزهم، حجزت لكم ثلاث نسخ إهداء موقعة، سأختار أصحابها عشوائيا من التعليقات على هذا المنشور.
*أتمنى لو يمكنك زيارة المعرض لاستلام نسختك أو تفويض من يستلمها.
ولأنكم أقرب القراء وأعزهم، حجزت لكم ثلاث نسخ إهداء موقعة، سأختار أصحابها عشوائيا من التعليقات على هذا المنشور.
*أتمنى لو يمكنك زيارة المعرض لاستلام نسختك أو تفويض من يستلمها.
الأسبوع ٣٧
كتبت عشية عام ٢٠٢٥م نص "ينتابني إحساس غريب" ورغم صدق الإحساس آنذاك واستحالة التفطن لما سيكون، وجدت هذا العام كما خُتِمَ النص: سعيداً مفرط البهجة والمسرات. صحيحٌ أنني لست أباً حتى الآن، ولكن صدور كتابي الثالث بمثابة أبوة جديدة، الكتابان الأولان هما نتاج مرحلة، وهذا يفسر توقف طبع الأول، لكن الكتاب الثالث يمثل حقيقتي الكاملة كما أعرفها، وأظنه سيكون انطلاقة كل ما بعده من كتب. عدت من زيارة مدينة العلا البارحة -ولعلي أكتب عنها مطولاً فيما بعد- وظللت طوال وقتي هناك أفكر بما سيحدث عما قريب، كعروس خجلى ستزف قريباً، أجد خجلي الطبيعي من مقابلة الناس والاختلاط بهم وتبادل المجاملات يعود من جديد، وكم هو ثقيل علي توقيع كتابي للقراء. هذا التوتر يفسر استعدادي بنص جديد هذه المرة سيكون بمثابة "إعلان صدور" وتجهيزي لخطة إذاعة صدور الكتاب في منصات متعددة. وأعرف أن كثيرين سيرغبون باللقاء بي في المعرض وربما يصرفهم حبي للعزلة عن المبادرة باللقاء. لكني والله إنسان بسيط يحب أن يكتب في مقهى معزول ويجلس مستمتعا بذلك ويتعبه فعل كل ما بعد طباعة الكتاب.
كتبت عشية عام ٢٠٢٥م نص "ينتابني إحساس غريب" ورغم صدق الإحساس آنذاك واستحالة التفطن لما سيكون، وجدت هذا العام كما خُتِمَ النص: سعيداً مفرط البهجة والمسرات. صحيحٌ أنني لست أباً حتى الآن، ولكن صدور كتابي الثالث بمثابة أبوة جديدة، الكتابان الأولان هما نتاج مرحلة، وهذا يفسر توقف طبع الأول، لكن الكتاب الثالث يمثل حقيقتي الكاملة كما أعرفها، وأظنه سيكون انطلاقة كل ما بعده من كتب. عدت من زيارة مدينة العلا البارحة -ولعلي أكتب عنها مطولاً فيما بعد- وظللت طوال وقتي هناك أفكر بما سيحدث عما قريب، كعروس خجلى ستزف قريباً، أجد خجلي الطبيعي من مقابلة الناس والاختلاط بهم وتبادل المجاملات يعود من جديد، وكم هو ثقيل علي توقيع كتابي للقراء. هذا التوتر يفسر استعدادي بنص جديد هذه المرة سيكون بمثابة "إعلان صدور" وتجهيزي لخطة إذاعة صدور الكتاب في منصات متعددة. وأعرف أن كثيرين سيرغبون باللقاء بي في المعرض وربما يصرفهم حبي للعزلة عن المبادرة باللقاء. لكني والله إنسان بسيط يحب أن يكتب في مقهى معزول ويجلس مستمتعا بذلك ويتعبه فعل كل ما بعد طباعة الكتاب.