أضِف إلى هذا أنّ أفضلَ وسيلةٍ لنشرِ فكرة هي بالتربية، فهي المرادِف الفكري للتكاثر البيولوجي؛ بالتكاثر يضمن المرءُ استمرارَ جيناته وصفاته الجسدية، لكنّه بالتربية يضمنُ استمرارَ أفكارِه وقيمِه وتقاليده وأُسلوبِ حياته، لأنها عندئذ لن تنتقل أُفقيًا فقط (بين أفراد الجيل الواحد) بل عموديًا كذلك (عبر الأجيال) فتستمر حتى بعد موتِ أصحابِها لأنّ أبناءَهم ومَن بعدَهم سيحملها وينشرها فيمن بعدَه، ولأن «التعلّم في الصِغَر كالنقش على الحجر» فما يتعلّمه المرءُ من والديه في سنواتِه الأُولى يطبع فيه أثرًا أكبرَ مما يتعلّمه فيما يَلي من حياتِه. إنْ شئتَ نشرَ فكرةٍ ما في عُمقِ تكوينِ الفرد، رَبِّ الطفل عليها. ولكَ في الأنظمةِ الشمولية مثالٌ واضح، فتراها لا تكلّ ولا تمل في محاولاتها للتأثير على الأطفال عبر المناهج التعليمية والبرامج «التثقيفية» والتجمّعات الشبابية.
في اللاتينية عبارةٌ هي «Contra mundum» تعني حرفيًا "مُعاداة العالَم" يوصَف بها من وقفَ ضدّ زمانِه وثار على روحِ عصره. عندما تسمعُها لأول مرة سيخطر في بالك كل الرجال الذين خرجوا عن المألوف بثورةٍ أو فكرةٍ في كتاب أو خطاب، وكلّ امرئٍ قاومَ زمانَه فأوقفه على الأبوابِ وطلبَ مِنه عِلّةً وتفسيرًا. لكن فكّر بها مرةً أُخرى؛ ربما كان أفضل لو خطرَت ببالك صورةُ أبٍ وابنه، فالتربيةُ خير وسيلةٍ للمقاومة، لأنّ الثوراتِ تموت وتُحرَّف وتُمسَخ وتُستَغَل. لكنّك بالتربية والتأديب لن تصنع فكرةً عرجاء تموت بموت حامليها بل ستصنع أُسلوب حياةٍ يستمر ويتكاثر جيلًا بعد جيل. إنْ ثُرتَ على زمنك، أليست تربيةُ ابنك على مبادئك تربيةً حسنة هي خيرُ ثورةٍ وتمرد؟ لن تحقّق ما أملت به اليوم، لكنك ستحققه غدًا أو بعد غد. أذكرُ أبياتًا ظلت في بالي في مدح الرسول محمد (ص):
أَنشَأْتَ أُمَّتَنَا مِن مُفرَدٍ وَحِدٍ
حَتَّى تَحَضَّرَ مِنهَا عَالَمٌ وَبَدَا
وإنَّ مَوؤُدَةً أَنْقَذتَهَا وَلَدَت
وُلدَانَ يَعيَى بَها المُحصِي وَإِنْ جَهِدَا
صارُوا كَثِيرًا كَمَا تَهْوَى فَبَاهِ بِهِمْ
وَاْسْتَصْلِحِ الجَمْعَ وَاْطْرَحْ مِنْهُ مَا فَسَدَا
في اللاتينية عبارةٌ هي «Contra mundum» تعني حرفيًا "مُعاداة العالَم" يوصَف بها من وقفَ ضدّ زمانِه وثار على روحِ عصره. عندما تسمعُها لأول مرة سيخطر في بالك كل الرجال الذين خرجوا عن المألوف بثورةٍ أو فكرةٍ في كتاب أو خطاب، وكلّ امرئٍ قاومَ زمانَه فأوقفه على الأبوابِ وطلبَ مِنه عِلّةً وتفسيرًا. لكن فكّر بها مرةً أُخرى؛ ربما كان أفضل لو خطرَت ببالك صورةُ أبٍ وابنه، فالتربيةُ خير وسيلةٍ للمقاومة، لأنّ الثوراتِ تموت وتُحرَّف وتُمسَخ وتُستَغَل. لكنّك بالتربية والتأديب لن تصنع فكرةً عرجاء تموت بموت حامليها بل ستصنع أُسلوب حياةٍ يستمر ويتكاثر جيلًا بعد جيل. إنْ ثُرتَ على زمنك، أليست تربيةُ ابنك على مبادئك تربيةً حسنة هي خيرُ ثورةٍ وتمرد؟ لن تحقّق ما أملت به اليوم، لكنك ستحققه غدًا أو بعد غد. أذكرُ أبياتًا ظلت في بالي في مدح الرسول محمد (ص):
أَنشَأْتَ أُمَّتَنَا مِن مُفرَدٍ وَحِدٍ
حَتَّى تَحَضَّرَ مِنهَا عَالَمٌ وَبَدَا
وإنَّ مَوؤُدَةً أَنْقَذتَهَا وَلَدَت
وُلدَانَ يَعيَى بَها المُحصِي وَإِنْ جَهِدَا
صارُوا كَثِيرًا كَمَا تَهْوَى فَبَاهِ بِهِمْ
وَاْسْتَصْلِحِ الجَمْعَ وَاْطْرَحْ مِنْهُ مَا فَسَدَا
بهذا السياق فإنّ أفكارًا مثلَ العدميةِ واللاإنجابية هي مبتورةُ النسل ومقطوعةُ الأثر، فهي صفاتٌ تكرهها الطبيعة لأنّها تركنُ الكائن الحي الذي يحملها إلى اللامبالاة والخمول وفي النهاية، إلى الإنقراض. هي أفكارٌ لا تعيشُ إلا لجيلٍ واحد، وتستمرّ بالتلقين، لا التربية. هي صفاتٌ تظهر بالتطور التقاربي convergent evolution، لا بالوراثة. أي أنها تظهر أكثر من مرة في أكثر من فرد لتشابه البيئة لا بسبب التوريث. والتلقين، وإنْ كان وسيلةً قويةً لنشر الأفكار، إلا أنّه لا يصل لفاعلية النشأة والتربية.
ما يَتبَع هو أنّ هذه الأفكارَ مَرَضية pathological لا تُسمِن ولا تُغني من جوع، بل هي تُضعِف وتجوِّع، وهي أفكارٌ انهزامية لأنّ مَن يؤمن بها يَجبن أمام الحياة وتحدياتها.
ما يَتبَع هو أنّ هذه الأفكارَ مَرَضية pathological لا تُسمِن ولا تُغني من جوع، بل هي تُضعِف وتجوِّع، وهي أفكارٌ انهزامية لأنّ مَن يؤمن بها يَجبن أمام الحياة وتحدياتها.
لأبي العلاء المعرّي بيتٌ مشهور كُتِبَ على قبره (وهو منحولٌ):
هَذا ما جَناهُ عليَّ أبي
وما جَنَيتُ على أحد
يذكّرني بـ ليو تولستوي لمّا أرادَ الإنتحار، لكن أدركته بصيرته فتنبّه وقال: «لقد تسائلتُ عن ماهيّة حياتي، والجواب أنّها شيءٌ شريرٌ وبلا معنى. لا شكّ في أنّ حياتي ما كانت سوى انغماسٍ طويلٍ في أهوائي ورغباتي؛ كانت شيئًا بلا معنى، شرًّا؛ وهذا الجواب، بالنتيجة، لا يشيرُ سوى لحياتي أنا، وليس للحياةِ الإنسانية بشكل عام»
للأُبوة جمال خفي لا يدركه من شغل بالَه في صعوباتِها وتناسى محاسنها، هو أنْ تهب الحياةَ لإنسانٍ لَم يوجد بعد؛ أنْ تخلق فرصةً لوجودٍ ما وأنْ تصنعَ حياةً ما. قد لا تكون حياةً رغيدةً أو حتى جيدة، لكنها حياة، وحيثما توجد الحياة يوجد الأمل؛ الأملُ بإمكانيةٍ لَم تُحقّق بعد، وبفرصةٍ لَمْ تَستغَلّ بعد. وأكثرُ مَن يكرهون الحياة، لا يكرهون إلا حياتَهم هُم، بسبب الحسد أو الطمع في عَيشٍ يتخيله المرءُ أفضل وأريح.
أمّا الإدعاء بأنّ الأُبوةُ شرٌّ فقط لأن الأب قد لا يقدر على توفيرِ حياةِ الملوك لابنائه، أو لأنّ الحياةَ شرٌّ في ذاتِها فهو محضُ سفسطةٍ وتبرير. فالمرءُ ليس له قوةٌ ولا حولٌ في تحديد مصيره إلا اللهم فيما تسمح له به سهوات الدهر ومحاسن الصدف، وهو بالتأكيد ليس له حولٌ في خلقِ مصيرِ ابنه. نعم، واجب الأب أنْ يوفّر لابنه وسائل العيش من مأكلٍ ومشربٍ ومَلبَس، وأنْ يربّيه ويؤدبه، لكنه غير ملزَمٍ—ولا قادرٍ في غالب الأحيان—أنْ يوفّر ما يتمناه ابنه، بعد أنْ كبر وبلغ و"طمع"، من رغد العيش وراحة البال. لإبكتيتوس نصيحةٌ حلوة حينما شكى له أحدهم سوءَ خُلقِ أبيه، فردّ إبكتيتوس بـ «هل لك حقٌ طبيعيٌ في أبٍ جيد؟ كلا، بل في أبٍ فحسب». أمّا هِنري ديفيد ثورو فقد أهدَته دقةُ ملاحظته وحِدَّةُ بصرِه ليُدرِك أنّ «أغلبَ الناس فقراءُ بلا داعي طولَ حياتِهم بسبب اعتقادِهم أنّهم يجب أنْ يملِكوا مثلَ أملاكِ جيرانِهم. الأمرُ كما لو أنّه مستعدٌ لأن يترك قبعةَ الخُوصِ وقلنسوة الجِلد، ثُمّ يشتكي من فُقرِ الحال لأنّه لا يَحتمِلُ كُلفةَ شراءِ تاج.»
هَذا ما جَناهُ عليَّ أبي
وما جَنَيتُ على أحد
يذكّرني بـ ليو تولستوي لمّا أرادَ الإنتحار، لكن أدركته بصيرته فتنبّه وقال: «لقد تسائلتُ عن ماهيّة حياتي، والجواب أنّها شيءٌ شريرٌ وبلا معنى. لا شكّ في أنّ حياتي ما كانت سوى انغماسٍ طويلٍ في أهوائي ورغباتي؛ كانت شيئًا بلا معنى، شرًّا؛ وهذا الجواب، بالنتيجة، لا يشيرُ سوى لحياتي أنا، وليس للحياةِ الإنسانية بشكل عام»
للأُبوة جمال خفي لا يدركه من شغل بالَه في صعوباتِها وتناسى محاسنها، هو أنْ تهب الحياةَ لإنسانٍ لَم يوجد بعد؛ أنْ تخلق فرصةً لوجودٍ ما وأنْ تصنعَ حياةً ما. قد لا تكون حياةً رغيدةً أو حتى جيدة، لكنها حياة، وحيثما توجد الحياة يوجد الأمل؛ الأملُ بإمكانيةٍ لَم تُحقّق بعد، وبفرصةٍ لَمْ تَستغَلّ بعد. وأكثرُ مَن يكرهون الحياة، لا يكرهون إلا حياتَهم هُم، بسبب الحسد أو الطمع في عَيشٍ يتخيله المرءُ أفضل وأريح.
أمّا الإدعاء بأنّ الأُبوةُ شرٌّ فقط لأن الأب قد لا يقدر على توفيرِ حياةِ الملوك لابنائه، أو لأنّ الحياةَ شرٌّ في ذاتِها فهو محضُ سفسطةٍ وتبرير. فالمرءُ ليس له قوةٌ ولا حولٌ في تحديد مصيره إلا اللهم فيما تسمح له به سهوات الدهر ومحاسن الصدف، وهو بالتأكيد ليس له حولٌ في خلقِ مصيرِ ابنه. نعم، واجب الأب أنْ يوفّر لابنه وسائل العيش من مأكلٍ ومشربٍ ومَلبَس، وأنْ يربّيه ويؤدبه، لكنه غير ملزَمٍ—ولا قادرٍ في غالب الأحيان—أنْ يوفّر ما يتمناه ابنه، بعد أنْ كبر وبلغ و"طمع"، من رغد العيش وراحة البال. لإبكتيتوس نصيحةٌ حلوة حينما شكى له أحدهم سوءَ خُلقِ أبيه، فردّ إبكتيتوس بـ «هل لك حقٌ طبيعيٌ في أبٍ جيد؟ كلا، بل في أبٍ فحسب». أمّا هِنري ديفيد ثورو فقد أهدَته دقةُ ملاحظته وحِدَّةُ بصرِه ليُدرِك أنّ «أغلبَ الناس فقراءُ بلا داعي طولَ حياتِهم بسبب اعتقادِهم أنّهم يجب أنْ يملِكوا مثلَ أملاكِ جيرانِهم. الأمرُ كما لو أنّه مستعدٌ لأن يترك قبعةَ الخُوصِ وقلنسوة الجِلد، ثُمّ يشتكي من فُقرِ الحال لأنّه لا يَحتمِلُ كُلفةَ شراءِ تاج.»
الوِتْرُ: الفَردُ. والشَّفع: خلاف الوِتر، وهو الزوج. وقِيلَ فيهما أنّ الأَعدادَ كلها شَفعٌ ووِتر.
والوتْرُ هو الله، والشّفع خَلقُه. وقال ابن عباس: الوِترُ آدمُ شُفِعَ بزَوجَتِه.
والشَّفاعةُ: كلام الشَّفِيعِ لِلمَلِكِ في حاجة يَسأَلُها لغيره.
— لسان العرب لـ ابن منظور
والوتْرُ هو الله، والشّفع خَلقُه. وقال ابن عباس: الوِترُ آدمُ شُفِعَ بزَوجَتِه.
والشَّفاعةُ: كلام الشَّفِيعِ لِلمَلِكِ في حاجة يَسأَلُها لغيره.
— لسان العرب لـ ابن منظور
لكُلِّ مَخلوقٍ حاجة، ولكلّ حاجةٍ غاية، ولكلّ غايةٍ سبيل. واللهُ وَقَّتَ للأُمورِ أقدارَها، وهيّأ إلى الغاياتِ سُبُلَها، وسَبَّبَ الحاجاتِ ببلاغِها.
فغايةُ الناسِ وحاجاتُهم صلاحُ المعاشِ والمَعاد. والسبيلُ إلى دَركِها العقلُ الصحيح. وأمارةُ صحةِ العقلِ اختيارُ الأُمور بالبصر، وتنفيذُ البصرِ بالعزم.
فغايةُ الناسِ وحاجاتُهم صلاحُ المعاشِ والمَعاد. والسبيلُ إلى دَركِها العقلُ الصحيح. وأمارةُ صحةِ العقلِ اختيارُ الأُمور بالبصر، وتنفيذُ البصرِ بالعزم.
فإنّا لَم نوضع في الدنيا موضِعَ غِنىً وخَفَض، ولكن بموضعِ فاقةٍ وكَدّ. ولسنا إلى ما يُمسِك أرماقَنا من المأكَل والمشرَب بأحوَجَ منّا إلى ما يُثَبِّتُ عقولَنا من الأدب الذي به تفاوتُ العقول. وليسَ غذاءُ الطعامِ بأسرعَ في نَبَاتِ الجسدِ من غذاءِ الأدبِ في نبات العقل. ولسنا بالكدّ في طَلَبِ المَتاعِ الذي يُلتَمَس به دفع الضرر والغَلَبة بأحقّ منّا بالكدّ في طلبِ العِلمِ الذي يُلتَمَس به صلاحُ الدين والدنيا.
وَعَلَى العَاقِلِ مخاصمةُ نَفْسِهِ ومُحَاسَبَتُها وَالقَضَاءُ عَلَيها وَالإِنابة والتنكيل بها.
أَمَّا الْمُحاسَبَةُ، فيُحاسبها بما لها. فَإِنَّهُ لَا مَالَ لَهَا إِلا أَيَّامُهَا الْمَعدُودَةُ الَّتِي مَا ذَهَبَ مِنْهَا لَمْ يُسْتَخْلَفْ كَمَا تُسْتَخْلَفُ النَّفَقَة، ومَا جُعِلَ مِنْهَا فِي الْبَاطِلِ لَمْ يَرْجِعُ إِلى الحَقِّ. فَيَتَنبَّهُ لِهَذِهِ الْمُحاسَبَةِ عِنْدَ الْحَوْلِ إِذَا حَالَ، والشَّهْرِ إِذَا انْقَضَى، واليَوْمِ إِذا وَلّى. فَيَنْظُرُ فِيمَا أَفْنَى مِنْ ذَلِكَ، وما كَسَبَ لِنَفْسِهِ، وما أَكْتَسَبَ عَلَيْهَا: في أَمْرِ الدِّينِ وَأَمْرِ الدُّنْيَا . فَيَجْمَعُ ذَلِكَ في كِتَابٍ فِيهِ إِحْصَاءٌ، وجَدٌّ، وَتَذْكِيرُ للأمور، وتبكيتُ لِلنَّفْسِ، وَتَذليلُ لَهَا حَتَّى تَعْتَرِفَ وَتُذعِنَ.
وأَمَّا الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ الْآمرَةِ بِالسُّوء أَنْ تَدَّعِيَ الْمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، وَالْأَمَانِي فِيمَا بَقِي، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا معَاذِيرَهَا وَعَلَلهَا وَشُبُهَاتِهَا .
وأَمَّا الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا أَرَادَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةُ مُردِيَةٌ مُوبِقَةٌ، وَلِلْحَسَنَةِ بِأَنَّهَا زائِنَةٌ منجية مريحة.
وأما الإثابة والتَّنْكِيلُ، فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بِتَذَكُرِ تِلْكَ الحَسَنَاتِ ورجاء عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَه بالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُعِ بِهَا وَالاقْشِعْرَارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لَهَا. فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عنها فيه فترة.
— الأدب الصغير لعبدالله بن المقفَّع
أَمَّا الْمُحاسَبَةُ، فيُحاسبها بما لها. فَإِنَّهُ لَا مَالَ لَهَا إِلا أَيَّامُهَا الْمَعدُودَةُ الَّتِي مَا ذَهَبَ مِنْهَا لَمْ يُسْتَخْلَفْ كَمَا تُسْتَخْلَفُ النَّفَقَة، ومَا جُعِلَ مِنْهَا فِي الْبَاطِلِ لَمْ يَرْجِعُ إِلى الحَقِّ. فَيَتَنبَّهُ لِهَذِهِ الْمُحاسَبَةِ عِنْدَ الْحَوْلِ إِذَا حَالَ، والشَّهْرِ إِذَا انْقَضَى، واليَوْمِ إِذا وَلّى. فَيَنْظُرُ فِيمَا أَفْنَى مِنْ ذَلِكَ، وما كَسَبَ لِنَفْسِهِ، وما أَكْتَسَبَ عَلَيْهَا: في أَمْرِ الدِّينِ وَأَمْرِ الدُّنْيَا . فَيَجْمَعُ ذَلِكَ في كِتَابٍ فِيهِ إِحْصَاءٌ، وجَدٌّ، وَتَذْكِيرُ للأمور، وتبكيتُ لِلنَّفْسِ، وَتَذليلُ لَهَا حَتَّى تَعْتَرِفَ وَتُذعِنَ.
وأَمَّا الْخُصُومَةُ، فَإِنَّ مِنْ طِبَاعِ النَّفْسِ الْآمرَةِ بِالسُّوء أَنْ تَدَّعِيَ الْمَعَاذِيرَ فِيمَا مَضَى، وَالْأَمَانِي فِيمَا بَقِي، فَيَرُدَّ عَلَيْهَا معَاذِيرَهَا وَعَلَلهَا وَشُبُهَاتِهَا .
وأَمَّا الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا أَرَادَتْ مِنْ ذَلِكَ عَلَى السَّيِّئَةِ بِأَنَّهَا فَاضِحَةُ مُردِيَةٌ مُوبِقَةٌ، وَلِلْحَسَنَةِ بِأَنَّهَا زائِنَةٌ منجية مريحة.
وأما الإثابة والتَّنْكِيلُ، فَإِنَّهُ يَسُرُّ نَفْسَهُ بِتَذَكُرِ تِلْكَ الحَسَنَاتِ ورجاء عَوَاقِبِهَا وَتَأْمِيلِ فَضْلِهَا، وَيُعَاقِبُ نَفْسَه بالتَّذَكُّرِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالتَّبَشُعِ بِهَا وَالاقْشِعْرَارِ مِنْهَا وَالْحُزْنِ لَهَا. فَأَفْضَلُ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَشَدُّهُمْ لِنَفْسِهِ بِهَذَا أَخْذًا، وَأَقَلُّهُمْ عنها فيه فترة.
— الأدب الصغير لعبدالله بن المقفَّع
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَوْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِرَارًا ، ذِكْرًا يُبَاشِرُ بِهِ الْقُلُوبَ وَيَقْذَعُ الطَّمَاحَ. فَإِنَّ فِي كَثْرَةِ ذِكْرِ الْمَوْتِ عِصمَةً مِنَ الْأَشَرِ، وَأَمَانًا بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ الْهَلَعِ.
وعَلَى الْعَاقِلِ أنْ يُحصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِئهَا في الدِّينِ وفي الْأَخْلَاقِ وفي الْآدَابِ؛ فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدرِهِ أَوْ فِي كِتَابِ: ثُمَّ يُكْثِرُ عَرضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُكَلِّفُهَا إِصْلَاحَهُ، وَيُوظّف ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلَاحِ الْخَلَّةِ وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلَالِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمُعَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
فَكَلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا مَحَاهُ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى مَحوِ، اسْتَبْشَرَ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى ثَابِتٍ، أَكْتَأبَ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَتَعَمَّدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصلَاحِ الْمَسَاوِئ.
— الأدب الصغير لعبدالله بن المقفَّع
وعَلَى الْعَاقِلِ أنْ يُحصِيَ عَلَى نَفْسِهِ مَسَاوِئهَا في الدِّينِ وفي الْأَخْلَاقِ وفي الْآدَابِ؛ فَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي صَدرِهِ أَوْ فِي كِتَابِ: ثُمَّ يُكْثِرُ عَرضَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُكَلِّفُهَا إِصْلَاحَهُ، وَيُوظّف ذَلِكَ عَلَيْهَا تَوْظِيفًا مِنْ إِصْلَاحِ الْخَلَّةِ وَالْخَلَّتَيْنِ وَالْخِلَالِ فِي الْيَوْمِ أَوِ الْجُمُعَةِ أَوِ الشَّهْرِ.
فَكَلَّمَا أَصْلَحَ شَيْئًا مَحَاهُ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى مَحوِ، اسْتَبْشَرَ، وَكُلَّمَا نَظَرَ إِلى ثَابِتٍ، أَكْتَأبَ.
وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مَحَاسِنَ النَّاسِ وَيَحْفَظَهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَتَعَمَّدَهَا بِذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي وَصَفْنَا فِي إِصلَاحِ الْمَسَاوِئ.
— الأدب الصغير لعبدالله بن المقفَّع
Forwarded from أحلام العصر
إعلَم أنْ ليسَ للمَرءِ إلا نفسُه. فالرفيقُ والحبيبُ والأخُ القريب كلهم للدهرِ رهائن، متى ما انقطعَ إحسانُه إنقطعوا عنك. بَل حتى نصيبُ ابن آدم من نَفسِه وسلطانُه على ذاتِه ضئيلٌ ضعيف، فما لَه سوى عقلِه ليؤدِّب به نفسَه؛ وإنما سُمّي العقلُ عقلًا لأنه يعقِلُ صاحبه عن التورط في المهالِك. أمّا سائرُ الأعضاءِ فليسَ للمرءِ أمرٌ ولا نهيٌ على هوى قلبِه أو جوعِ بطنِه أو شهوةِ فرجِه. لذا حاسِب نَفسَك وكُن رقيبَها. واصقلْ عَقلَكَ مثلَ سيفٍ يَدفَعُ المرءُ به نوائِبَ الأيام ونوازِعَ النَّفْسِ وحَبائلَ الشيطان. ليسَ بالحَشو والحِفظِ الذي لا يُحَسِّنُ خُلقًا ولا يُرَجِّح رأيًا، بل بالتفكُّرِ الذي يُكسِبُ المرءَ الفطنةَ والبصيرة.
ممكن تنعدي بالسرطان؟ إذا لامست سرطان جلد مثلًا، ممكن تُصاب بسرطان الجلد مثلما تُصاب بالفطريات؟
Final Results
7%
اي
65%
لا
29%
اسم الله، الزهرة... الله يبعدنا