-الإنسانُ أَتْفَه مِنْ أَنْ يصمَّم الكونُ لأَجْله
نحن لا نقطع أن الكون قد خُلِقَ فقط من أجل الإنسان، فَلَعَلَّ الله -سبحانه - قد خَلَقَ كائنات أخرى عاقلة في كواكب أُخرى، وربما دَلَّ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾ [الشورى: ۲۹]،نحن لا ندري؛ ولذلك لا نَجْزِم في مَقَام الاحتمال ،ثم ان الاعتراض قائم على نظرة تأنيسية للإله، بإحلال مشاعر الشح في أفعاله خشية نفاد الموارد؛ فالملحد يرى أن على الإله أن يُنفِق من ملكوته أقل ما يمكن لتحقيق أوسع محبوباته؛ خشية أن تَنْفَدَ خِزَائِتُه ؛ فهو - في ظنه - يُعطي بإقتار مخافة الفقر و هذا الاعتراض الإلحادي ينطلق من افتراض أنَّ قيمة الأشياء مُتَعَلِّقَةٌ بِحَجْمها، فكلما كان حجمها أكبر، كانت أَلْيَقَ باهتمام الإله! وهذه دعوى سخيفة في الدَّرْسِ اللاهوتي؛ إذ ليس عليها برهان؛ بل هي سخيفة حتى في عالم الإنسان؛ فَإِنَّ جَوْهَرة في حَجْم الكفَّ أَعْظَمُ قيمة من أكوام ضَخْمَةٍ من التراب والصخور .. وما الذي يجعلُ الضَّخْمَ أَعْظَم قيمة من الصغير والقليل ؛ وكله مخلوق، مدين للخالق بالوجود بعد عدم؟!
-كثرة الكواكب
ما علاقة وجود كواكب كثيرة بنقد دليل الإتقان؟ليس بما أنني في غابة مليئة بكافة الخضر والثمار والحيوانات، ليس معنى ذلك أن يظهر أمامي فجأةً في وسط الغابة إناء طعام مطبوخ شهي، أيضًا ليس معنى توافر الرمال في صحاري العالم، ليس معناه أبدًا أنني من الطبيعي أن أجد المعالجات الرقمية والشرائح الإلكترونية التي تصنع من الرمال، حولي في كل مكان في الصحراء فالقضية ليست مواد أولية؛ القضية صنع وإتقان.وجَهْلُنا بأغراض خَلْقِ هذه الكواكب ليس حجة لشيء ؛ فَعدَمُ العِلم ليس عِلْمًا بِالعَدَمِ، خاصةً أن معارفنا الفلكية أسيرة الضعف الشديد لآلاتِ السَّبْرِ الفضائي، و نحن نعلم أن المعادن التي لا تقوم حياتنا إلا بها، هذه المعادن لم تنشأ إلا في قلب مستعرات عملاقة أو أفران نجمية ضخمة فالمعادن كلها التي نحتاج إليها، كالحديد الذي ينقل الأوكسجين إلى رئتيك، المعادن التي بها قوام معيشتك، هذه المعادن ما نشأت إلا داخل أفران النجوم العملاقة البعيدة جدا عنا،خَلْقُ الأجرام السماوية في التصور الإسلامي له أكثر من حكمة ،قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [النحل: ١٦].
-ندرة الحياة في الكون
هل نملك الجزم أنه لا توجد حياة في الكون غير حياتنا؟(وكالة ناسا وغيرها من المؤسسات العلمية المهتمة باحتمال وجود حياة خارج کوكَبنا، لا تزالُ تُعْلِنُ إلى اليوم أنها لا تملك حَسْم الجواب. والجماعة العلمية في الغرب لا تزال تُنْفِقُ الملايين بحثا عن حياة خارج مجرتنا،ثم انتفاء الحياة في غير كوكبنا لا ينفي البتة الضبط الدقيق في الكون لظهور الحياة على الكوكب الأزرق ؛ ولذلك فالاعتراض لا تَعَلَّقَ له ينفي حقيقة الضبط الدَّقيق، وإنَّما هو مُتَعَلِّق بانتفاء الحكمة من وجود كواكب أخرى تقوم عليها الحياة، ولا يَلْزَمُ من الحِكْمَةِ أن تقوم الحياة في كُلِّ الكَوْن.،و الضَّبْطُ الدَّقيقُ في أَعْظَمِ مظاهره لا يَتَعَلَّقُ بموضع في الكون دون موضع آخر، وإنما هو مرتبط بوجود القوانين الكونية المحكمة والمتكاملة، وبالنسب الكونية المحكمة بدقة عالية عند بدء الكون؛ أي: في المرحلة الأولى لخروجه من حال الانكماش الأَوَّلِ ؛ فالكون مضبوط بدقة حرجة عندما كان حيزه صغيرًا جدا ؛ وهو ضَبْطُ غير متعلق بالأرض أو مجرتنا، وإنما بمادة الكون الأولى كلها وقوانينها منذ لحظتها الأولى.
5-الضبط الدَّقيقُ، وَهُمُ من أَوهام المؤمنين بإله
كثير من الأسماء العلمية الكبيرة في الغَرْبِ تَرَكَتِ الإلحاد إلى الإيمان بسبب هذا البرهان، مثل الفيزيائي (فرنك تبلر) وعالم الجينات(فرانسیس کولنز)ثم ان كثير من مشاهير الملاحدة واللا أدريين في العالم يعترفون بوضوح كما أن هناك قوانين دقيقة ونسبا فيزيائية مضبوطة تنتهي بأقل اضطراب لها الحياة، ومن هؤلاء الكوسمولوجي الملحد (هاوكنج)، وعالم الفيزياء النظرية الملحد (مارتن ريس)، والفيزيائي الملحد (واينبرغ)، وعالم الفيزياء النظرية الملحد ليونارد مسكيند )، وعالم الكوسمولوجيا اللا أدري (فلنكن)، وعالم الكوسمولوجيا الملحد (غوث)، وعالم الفيزياء النظرية اللا أدري (بول ديفيس)، وعالم الرياضيات الملحد روجر بنروز)، وعالم الفيزياء النظرية الملحد (أندريه لند) ... وهؤلاء أعلى طبقات العلماء في الغرب كما هو معلوم ؛ بل نقل بول ديفيس أن هناك اتفاقا عاما بين الفيزيائيين والكوسمولوجيين أن الكون قد ضبط بصورة دقيقة لظهور الحياة مِنْ عِدَّةِ نواح
Paul Davies, "How Bio-Friendly Is the Universe?" International Journal of Astrobiology, vol. 2, no. 2 (2003): 115-120
و كذلك وَصَفَ غير واحد من الفيزيائيين الملحدين الكشف عن الثوابت الكونية أنه في غاية الجلاء، وأَنَّ إِنْكَارَهُ تَعَسُّف لا أخلاقي حتى قال الفيزيائي الملحد المعروف دافيد دوتش مُوَبِّحًا إخوانه الملحدين : (إِذا زَعَمَ أَيُّ أَحَدٍ أنه لم يتفاجأ بوجود المميزات الخاصة للكون، فهو يَدُسُ رَأْسَهُ فِي الرَّمْل . هذه المميزات الخاصة مفاجئة وغير متوقعة)The Theists strike back Opinion The Guardian.<https://www.theguardian.com/commentisfree/andrewbrown/2009/jan/08/religion-atheism-longley-advertis-ing>
-من الممكن ان تكون صدفة؟
القول بالصدفة في بداية الكون هو جهل بأصول الاحتمالات؛ لأن الصدفة لها شرطان لا ينفكان عنها، وهما: الزمان والمكان .فالصدفة تشترط : زمانًا تقوم فيه بإحداث أثرها،وتشترط وجودًا ماديًا مكانيًا تقوم عليه لينتج مفعولها.والكون أتى من اللازمان واللامكان، وبالتالي من اللاصدفة.لا يوجد شيء اسمُهُ صُدْفَةٌ» أنطولوجيا ؛ فالصُّدْفَةُ هي جَهْلُنا بالأسباب، أو بعبارة الفيلسوف الفرنسي بول جانيه : «الصدفة كلمة خالية من المعنى اخْتَرَعَهَا جَهْلُنا ».Robin Collins, 'A scientific Argument for the existence of God' in Philosophy of Religion: An Anthology, Mi-chael C Rea; Louis P Pojman, eds. (Stamford, CT: Cengage Learning, 2015), p.75. وليس موضوعنا هاهنا عن الجهل بالأسباب التي أدت إلى الضبط الدقيق للكون، ما يقصده الملحد الذي يرى هذه الشُّبْهَةَ هو أنّ الثوابت الكونية الدقيقة قد نَشَأَتْ عشوائيا ؛ ولذلك فهذا الاعتراض بحاجة إلى أن يُصاغ من جديد حتى يوافِقَ قَصْدَ المعترض، بالقول : أَلَيْسَتِ العشوائية قادرة على صناعة ما يبدو ضبطا دقيقا للكون؟! ان عَدَدُ أَوْجُهِ الضّبط الدقيق كثيرة جدًّا بما يجعل القول بعشوائيتها مَحْضَ عِناد، وفي ذلك يقول الفيزيائي الملحد (أندريه لاند): «لدينا العديد من المصادفات العجيبة جدا جدا . وكلُّ هذه المصادفات تَتَمَيَّزُ بأنها تنتهي إلى جَعْل الحياة ممكنة» Science's Alternative to an Intelligent Creator: the Multiverse Theory.. وأما الفيزيائي (جورج إليس)فلم يَجِد غَضاضةً في أنْ يَصِفَ ظُهور الحياة ضمن هذه الشروط المادية الدقيقة بأنه «مُعْجِزَةٌ»G. Ellis, The Anthropic Principle: laws and environments, in The Anthropic Principle, F. Bertola and U. Curi, eds. (Cambridge, England: Cambridge University Press, 1993), p.30.
ومن ظريف ما يُعبَّرُ به عن مبلغ غَرَابَةِ دِقَّةِ الثوابت الكونية قول الفيلسوف والفيزيائي (روبن كولنز) : إنّ الحصول على الدقة المطلوبة للحياة بصورة عشوائية هو أَشْبَهُ بِرَمْيِ سَهْم عبر كامِلِ الكَوْنِ لِيُصِيبَ نُقطة في حافتِهِ من طرفه الآخر يبلغ حجمها قدمًا واحدةًRobin Collins, 'A scientific Argument for the existence of God' in Philosophy of Religion: An Anthology, Mi-chael C Rea; Louis P Pojman, eds. (Stamford, CT: Cengage Learning, 2015), p.75.
-الاكوان المتعددة
يطرح جمهور الفيزيائيين الملاحدة اليوم ثنائية : الله - سبحانه -أو الأكوان المتعددة، وبعبارة (وينبرغ) في حديثه إلى (داوكنز) : «إذا اكتشفت ضبطا دقيقا مذهلًا بالفعل .. أعتقد أنه لن يبقى لك سوى تفسيرين : مصمم خير أو الأكوان المتعددة»Cited in: Amanda Gefter, 'Why it's not as simple as God vs the multiverse, Now Scientist, 2685, p.48, 6 December 2008.الأكوان المتعددة دعوى بلا برهان علمي : يقيننا العلمي حتى الساعة لا يتجاوز حدود كوننا إلى غيره، وكل حديث عن ما وراء كوننا مجرد افتراض بلا برهان واحد صُلب. بل الأدهى من أن نكون اليوم جاهلين بوجود أكوان أخرى، هو أننا في عجز اليوم وغدًا عن الكشف عن هذه الأكوان. يقول عالم الفيزياء الفلكية (جورج إليس) : نحن لا نملك معلومات عن هذه المناطق، ولن نعرف عنها شيئًا في المستقبل.George F.R. Ellis, 'Does the Multiverse Really Exist? Scientific American, 2011, 305 [2] 41.الإلحاد - إذن - يَفِرُّ من الدليل المادي المحسوس إلى الغيب ومحض الظن الذي لا يسنده برهان.الأمر في حقيقته دعوى إيمانية بلا دليل جاد،يقول (هولدر) : يقدم استدعاء الأكوان المتعددة تفسيرًا ميتافيزيقيا للحياة لا تفسيرا علميا لها ؛ بسبب عدم وجود آثار قابلة للملاحظة. كما أن هذه النظرية هي أيضا غير علمية بمعنى آخر، وذلك أنها تقدم نوعًا «جامعا» لكل تفسير»Rodney Holder, 'Fine-Tuning, Many Universes, and Design, Science & Christian Belief, Vol 13, No. 1. 20القول بالأكوان المتعدّدة يُخالِفُ أَصْلَ قاعدة «نصل أوكام» التي يقوم عليها البحث العلمي الحديث؛ وهو أنه لا يجوز افتراض عناصر أكثر في عملية التفسير دون ضرورة؛ فإذا تخالَفَتْ نظريتان تملكان القوة التفسيرية نفسها ، أُخِذَ بأبسطهما ؛ فلو أنَّ ظاهرة طبيعيّةً ما فُسِّرَتْ بسبب طبيعي واحد في قول، وبسببين طبيعيين اثنين في قول ثانٍ ؛ يؤخذ بالقول الأول إذا استوت القوة التفسيرية للقَوْلَيْنِ .وحتى على افتراض وجود أكوان متعددة، ستبقى هذه الأكوان المتعددة منعزلة سببيًا، كم أي أن كل كون منعزل عن الآخر سببيًا.
وهذا معناه أن كل كون قد ظهر مستقلا تمامًا، وبالتالي فكل كون هو عبارة عن واقعة مستقلة Independent Event أي: واقعة لا علاقة لها بسابقتها. وبهذه الصورة فلكل كون قوانينه الخاصة المستقلة به، ولا يُفسر ظهور بعضها ظهور البعض الآخر، وهذا سيطرح إشكالا أعمق، وهو أنه سيصبح لكل كون تصميمه الخاص، وبالتالي فالملحد لم يعد أمامه كون بثوابت فيزيائية مدهشة، بل جملة أكوان لكل منها عملية إبداع، ولكل منها قوانين خاصة وإلا ما ظهر! ثم السؤال الجوهري : من أين أتت هذه الأكوان؟الأكوان المتعددة على افتراض وجودها هي ليست أزلية، بل لها بداية وبما أن لها بداية فلا بد أن هناك مسببًا لوجودها. أما مسألة أنَّ الأكوان المتعددة لها بداية، فهذا أمر معروف كما يقول أحد أشهر داعمي فرضية الأكوان المتعددة اليوم، وهو الفيزيائي آلان جوث Alan Guth حيث يقرر أن هذه الأكوان المتعددة على افتراض وجودها ستبقى لها بداية محددة.ثم إن هناك استشكالا منطقيًا بسيطا في موضوع الأكوان المتعددة يبين عدم جدوى الاحتجاج بها من طرف الملحد وهو: هل عندما أسألك: من أين أتى هذا الغلام الصغير الجميل ؟ فتقول هذا الغلام له إخوة كثيرون غيره، ربما بعضهم يكون قبيحا! هل أنت بهذا أجبت؟
💯1
-تكون الاحياء
ادعوا ان بكتيريا انتقلت بالصدفة على اجرام سماوية وعاشت الاف السنين مع الاشعاعات الكونية القاتلة ودرجه حرارة 270- وضغط منخفض لدرجة ان حتى جزيئات الغاز من غير الممكن ان تتكون فيه، ثم تدخل الغلاف الجوي الارضي وتسقط سقوط حر على شهب درجه حرارتها اعلى من درجة حرارة انصهار الحديد (3000) وتبقى حية بعد ارتطامها بالارض وتتكاثر وتتكون الحياة على الارض بعدها تنقرض على الارض بعد كل هذه الرحلة التعجيزية، تسمى هذه النظرية (pans permia).ان وجود مثل هذه البكتيريا لا تموت الا برميها في ثقب اسود، ولأنه من المستحيل وصول البكتيريا بهذه الطريقة قال عالم الاحياء (ريتشارد دوكنز) بان مخلوقات فضائية هي من زرعت الحياة على الارض،وهذا الكلام ليس هروبًا من التصميم الدقيق فحسب، وإنما من العلم والمنطق كله.
الفطرة : هي قوى واندفاعات مودعة في نفس الانسان تظهر اثارها اثناء نموه وتفاعله مع بيئته ابتداءً من التقامه ثدي امه ثم وصولا الى انجذابه الى الحقائق والاخلاق السليمة.وليست الفطرة أن يولد الإنسان وهو يحملُ وَعْيًا مُبَاشِرًا صريحًا بوجود الله كما هي الصورة المزعومة لبرهاننا في أدبيات الملاحدة، وإنما الفطرةُ المَيْلُ الطبعي للإنسان للإيمان بالخالق، وأنَّ الخالق واحد،قال رسول الله ﷺ: «ما مِنْ مولود إِلَّا يُولَدُ على الفطرةِ، فَأَبَواهُ يُهوداته أو يُنصرانه أو يُمجسانه»قال (الطيبي) في حديث الفطرة : المراد تَمَكَّنُ النَّاسِ من الهدى في أَصْلِ الجِبِلَّة، والتَّهَيُّؤُ لِقَبُولِ الدِّينِ ؛ فلو تُرِكَ المرء عليها لاستمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها ؛ لأنَّ حُسْنَ هذا الدِّينِ ثابت في النفوس، وإِنَّما يُعْدَلُ عنه لآفة من الآفات البشرية كالتقليد.ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق: عبد الرحمن البراك (الرياض: دار طيبة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥م)، ١٨٣/٤.
والصياغة القرآنية لبرهان الفطرة أقرب إلى الخطاب التجريبي منه إلى الخطاب التجريدي؛ إذ تَأْمُرُ الإنسان أن يعود إلى نفسه ليكتشف فيها جوهرة الإيمان العالقة بسويداء القَلْبِ.
اتفاق الناس
يُسمى برهان اتفاق الأمم على الإيمان بالله باللاتينية «اتفاقَ النَّاسِ» Consensus gentium»، ويُؤيده استقرائيا قول المؤرخ اليوناني (بلوتارك)منذ أَلْفَي سنة : بإمكاننا لو عَبَرْنَا العالم أن نَجِدَ مُدُنا بلا أسوار، ولا آداب ولا ملوك، ولا ثروة، ولا نقود ولا مدارس ومسارح، ولكن لم ير الإنسان قط مدينة بلا معابد أو عُباد» .. وقد اشتهرت هذه الحجة عند قدماء اليونان كـ (شيشرون) ثم اللاهوتيين من آباء الكنيسة كـ (كلمنت السكندري)،قال (هيوم): «المسألة اللاهوتية الوحيدة التي نجد فيها اتفاقا بين البشر يكاد يكون عالميًا، هي وجود قوة ذكية، غير مرئية في العالم.David Hume, Essays, Literary, Moral, and Political (London: Alex. Murray, 1870), p.523وقد سبقه أبو المذهب الربوبي في إنجلترا (إدوارد هربرت) بالقول: «لا يوجد اتفاق عام حول الآلهة، لكن يوجد اعتراف كوني بالإله»De Ventate, trans. Meyrick H. Carre, p.289 (Cited in: Walter H. O'Briant, International Journal for Philoso-phy of Religion, Vol. 18, No. 1/2 (1985), p.78).وذاك يقتضي أن نطرح السؤال التالي: لماذا أَجْمَعَ عامةُ النَّاسِ في تاريخ البشر - قبل عصرنا - على الإيمان بذات غيبية عظيمة القدرة والحكمة، هي التي خَلَقَتْ وصَوَّرَتْ، وهي الملتجأ في كل أمر ؟
يقول المؤمن بالله : إن الحاجة إلى وجود الله أصيلة في النفس فلا سبيل لإنكارها، وهي ظاهرة في نفس المؤمن والملحد. وهي توجه قلب هذا الإنسان ذي الأبعاد الفيزيائية إلى السماء، فيربط تفسير الوجود كله بالذات أو الدوات الخفية عن الحس. والتفسير الأفضل لِلْعَيْنِ الشاخصة إلى أعلى هو أن الإنسان لا ينفك عن حقيقة الحاجة إلى الإيمان بإله وليس في طبيعة التركيب الفيزيائي للإنسان ما يضطره إلى هذا الوهم. فالحُجَّةُ هنا ليست في أن ظاهر الاتفاق يمنع صدق المذهب المخالف، وإنما في أن الاتفاق في هذه المسألة حجة أن الإيمان حقيقة نفسية راسخة في البشر مهما اختلفت أجناسهم وتناءَت ديارهم. وهنا سيقول المخالف: ولم أصدق هذا الحس الغرير؟ أَلَيْسَ الأولى أن يقال: إن التوجه إلى السماء شعور بدائي لا يَسْتَحِق ممن يُعَظمُ العقل أن يُوليه انتباها !
ولعل جواب المعترض السابق كامن في قول الفيلسوف (بول كوبان) : من الحكمة أن نفترض أن حواسنا وملكات التفكير عندنا، وغريزتنا الأخلاقية العميقة لا تقوم بخداعنا بصورة ممنهجة علينا أن تُسلم لسلامة عملها، ونحن عادة نفعل ذلك في الحقيقة، حتى أَشَدُّ الشُّكُوكِيِّينَ تَطَرُّفًا يفترض ذلك عندما يسعى بكل ثقة لتحصيل نتائجه الشكوكية ... نعم، قد يُخْطِئ المرء في إقامة فكرة أو يقع في خطأ منطقي، لكن من المستبعد أن تكون تلك الأخطاء سببا في الشك في الموثوقية العامة الحواسنا أو لملكات التفكير عندنا .. في الحقيقة هي تفترضها في مقدمتها. إن القدرة على رصد الخطأ تفترض وعيا بالحقيقةPaul Copan, 'God, Naturalium, and the Foundation of Morality' in The Future of Athrion, Robert B. Stow (1) art, ed. (Minneapolis Fortress Press, 2008), p.142.و هذا البرهان كان اكثر رواجا قبل هذا العصر،فمقدمتها تزعم أن كل الناس مؤمنون صراحة (لا أن بذرة الإيمان لا تُغادِرُ صُدورهم، وهو الصواب)، وهذا أمر لا يُسلم اليوم به؛ إذ إن عدد الملاحدة قد خرج في زماننا من واقع الشذوذ إلى حال الظاهرة الواسعة في بعض البلاد، ونتيجتها تَقَرَّرَ أنه يلزم من إجماع الناس على شيء أن يكون ذلك الشيء صحيحًا، وهذه قفزة لم تُمهد لها الدلائل.
الالحاد و فقدان المعنى
قال (فولتير) كلمته الشهيرة في التعليق على رواج كتاب يدعو إلى الإلحاد «اذا لم يكن الله موجودًا، فَعَلينا اختراعه . تعبيرا أصيلا عن حاجة النفس إلى العلم والإحساس بوجود الله ؛ إذ إن فقدان الحضور الإلهي سبب لأن تفقد الحياة معناها. وإذا فقدت الحياة معناها ، أصبح الانتحار هو الجواب الوحيد للسؤال الوجودي الأكبر عن معنى الحياة.Voltaire, L'Epitre à l'Auteur du Livre, des Trois Imposteurs in OEuvres complètes de Voltaire, ed. Louis Moland (Paris: Garnier, 1877-1885), 10/403.وقد أجاب الملاحدة - حقيقة - عن أزمة المعنى البادية في أزمة الانتحار؛ إذ تشير الإحصائيات سنة ٢٠٠٤م - كما في المجلة الأمريكية للطب النفسي - أن العقيدة الإلحادية عامل مُحَفِّز للانتحار المادي؛ إذ كشفت أن الأشخاص غير المتدينين هم أكثر النَّاسِ محاولة للانتحار، وأن نسبة الأقارب من الدرجة الأولى الذين انتحروا عندهم أيضا هي الأعلى. الحياة عندهم أقل قيمة، والحَرَج الأخلاقي عندهم من الانتحار أدنى من غيرهم، والموت عندهم انتقال من عدم جارح إلى عدم فارغ http://ajp.psychiatryonline.org/doi/abs/10.1176/appi.ajp.161.12.2303يُستدل للإيمان أنه حق، بحقيقة أنه عافية للرُّوحِ والبَدَنِ، وأن اختلال القلب بآفة الإلحادِ حُجةٌ أن الإلحاد مَرَضٌ .وقد يُقال : ولماذا علينا أن نعتقد أنّ الاستواء النفسي أمر لازم، ولماذا نفترض أنه موافق للحقيقة؟ذاك هو السؤال الذي سينتهي إليه الملحد إذا أراد أن يعارض برهان الفطرة. وجوابه - كما سبق - أنّ الإنسان في فِكْرِهِ مُلْزَمٌ أن يبدأ بتصديق عَقْلِهِ وحواسه رغم أنه لا يملك البرهنة على صِدْقِ العقل والحواس، ولو أنه أراد أن يبرهن على صدقِ عَقْلِهِ فَسَيَقَعُ في الدَّوْرِ ؛ إذ سيستَدِلُّ بالعقل لِلْعَقْلِ، والأَمْرُ بالمثل للحواس ؛ إذ سيستدل بها لنفسها، وذاك تفكير دائري .وقد يُقال معارضة : كيف يكون الإيمان بالله من ضروريات المعارف،ومن النَّاسِ من أَنْكَرُوا وجود الله ، وإن كان عَدَدُهم قليلا .. إن الضروريات لا يمكن أن يخلو منها إنسانٌ، ولو خلا منها أَحَدٌ انتفى عنها وَصْفُ الضروريات . . !وجواب ذلك : أنه لا يَلْزَمُ من الضروريات لتكون ضرورياتٍ أَنْ يُسَلِّمَ لها كُلُّ النَّاسِ ؛ فإنَّ قيام الضروريَّاتِ في النَّفْسِ مُرْتَبِطُ بسلامةِ النَّفْسِ من أعراض الفساد. وهو الحال نفسه مع كلِّ ضرورياتِ النَّفْسِ ؛ فَمَنْ يَمْلِكُ دِمَاعًا يملِكُ عَقْلًا إلَّا أن تقوم بالدماغ عَوَارِضُ مَرَضِيَّةٌ تمنع التفكير السليم، فيبقى الدماغ وينتفي العقل .
دراسات و تجارب
ونَشَرَتْ صحيفة (تلجراف) البريطانية - شهر نوفمبر من سنة ٢٠٠٨م -حصيلة بحث أكاديمي عن الأطفال بعنوان: «الأطفال يولدون مؤمنين بالله .
http://www.telegraph.co.uk/news/religion/3512686/Children-are-born-believers-in-God-academic
وقد انتهى البحث إلى أن نزوع الأطفال إلى الإيمان بخالق وحكمة وراء هذا الكون المادي، نزوع عميق، ساكن في النَّفْسِ الإنسانية، مُسْتَغْنِ عن التلقي الخارجي من خلال أثر المجتمع. ومما جاء في البحث قول الدكتور (جستن بارت) - الباحث في مركز الأنثروبولوجيا والدماغ في جامعة أوكسفورد -: إن الصغار عندهم قابلية كبيرة للإيمان بالله لأنهم يفترضون أن العالم قد خُلِقَ لغاية.وأكد جستن بارت أن الإيمان الديني للأطفال عميق جدا حتى إننا لو تَرَكْنَا أطفالا في جزيرة نائية فسيتجهون إلى الإيمان بالله ؛ فالواقع الطبيعي مُحَفِّز للإيمان حتى دون تعليم خارجي. وهو بذلك يُؤكِّدُ فِكْرة ابن طفيل في روايته الفلسفية حي بن يقظان
اكد ذلك عالم النَّفْسِ (بول بلوم)بقوله: «عندما سُئِلَ الأطفال بصورة مباشرة عن أصل الحيوانات والناس، مالوا إلى تفضيل التفسيرات التي تنطوي على خالق صاحب قصد، حتى لو لم يكن للبالغين الذين ربوهم الرؤية نفسها »
Paul Bloom, "Religion Is Natural, Developmental Science 10 no. 1 (2007): 147 -31
وقد انتهت (أوليفيرا بيتروفيتش) - عالِمةُ النَّفْسِ المختصة في الوعي الطبيعاني والديني عند الإنسان وتطوره - بعد أبحاث موسعة على مئات الأطفال في كتابها الصادر هذه الأيام الإدراك اللاهوتي الطبيعي من الطفولة إلى الكهولة Natural-theological Understanding from Childhood to Adulthood إلى أَنَّ الطفل يُولَدُ بنُزوع طبيعي سلس إلى الإيمان بالله، وأَنَّ الإلحاد مَوْقِفٌ مُكْتَسَبٌ طَارِي. تذكر (أوليفيرا) أن مساعديها اليابانيين قد خالفوها رأيها في أصالة الإيمان بالله عند الأطفال بدعوى أن اليابانيين يختلفون عن غيرهم في هذا الشأن. فَعَلقَتْ - في لقاء صحفي - بقولها إنها اختبرت أطفالا بريطانيين ويابانيين، وكانت النتيجة واحدة. وأضافت أنه رغم أن الديانة الشتوية في اليابان لا تعترف باله، إلا أن الأطفال لما عُرضت عليهم الظواهر الطبيعية والزموا أن يختاروا تفسيرها بفعل الله أو أنه لا أحد يعلم أو أن النَّاسَ فَعَلُوها، كانت إجابتهم هي الخيار الأول، وهو ما عدته (أوليفيرا) أعظم اكتشاف في بحثها لأنه يُثبت أن البيئة والثقافة بعيدتان عن تفسير هذه الظاهرة.
و كتب أحد الكتاب الملحدين في مجلة New Scientist» بقوله : «الإلحاد أمر مستحيل نفسيا بسبب الطريقة التي يُفَكِّرُ بها البشر. هناك دراسات تُظهِرُ - على سبيل المثال - أنه حتى الأشخاص الذين يدعون أنهم ملحدون يلتزمون بصورة ضمنية بمعتقدات دينية، مثل وجود روح خالدة
http://www.science20.com/writer_on_the_edge/blog/soientists_discover_that_atheists_might_not_exist_and_thats_not_ajoke-139982>
وقد انتهت دراسة لعلماء ثلاثة من قسم علم النفس ودراسات الدماغ من جامعة (بوسطن) تحت عنوان: الدماغ المتفرق لغير المؤمن إلى أنَّ في الإنسان ميلا طبيعيًا إلى رؤية الطبيعة كشيءٍ مُصَمَّم. وهي نتيجةً أُسْسَتْ على ثلاث دراسات أجريت على مجموعات من المؤمنين بالله والملاحدة. وقد عُرِضَتْ فيها صور متتالية أمام المشاركين على سرعات متفاوتة ليختاروا إن كانت المناظر المعروضة تَدُلُّ على أَنَّ ذاتا قد صَمَّمَتْ ما في الصُّورِ لحكمة . وكانت التجربة الثالثة خاصة بملاحدة فنلندا حيث الثقافة الإلحادية مُهَيْمِنَةٌ بصورة شبه كلية على الواقع الفكري، ومع ذلك كانت النتيجة واحدة في التجارب جميعها، وهي أنَّ في الإنسان نزوعًا للتفسير الغائي للوجود؛ بما يَدُلُّ على أَنَّهُ شيء أصيل في ذاته
Elisa Järnefelt, 'Caitlin. F. Canfield and Deborah Kelemen, The divided mind of a disbeliever: Intuitive be-liefs about nature as purposefully created among different groups of non-religious adults, Cognition 140:72-88 (2015)
وليس أمر إحساس الإنسان بالغائية قاصرًا على جانب البنى والصور في موجودات العالم، وإنما يمتد إلى أبعد من ذلك، وهو سير مجرى حياة الإنسان.. فقد تضمن بحث أُجْرِيَ سنة ٢٠١٤م - نشرته مجلة (Cognition) تحت عنوان لماذا يحدث هذا لي؟ التفكير الغائي حول أحداث الحياة للمؤمنين المتدينين وغير المؤمنين - دراسة أجريت في أمريكا على عدد من المتطوعين، طلب منهم فيها أن يُفَكِّرُوا في أحداث مهمة في حياتهم؛ كالتخرج في الجامعة، وميلاد الأبناء، وعلاقات الحب وموت أشخاص قريبين منهم، وكانت المفاجأة أن أغلبية غير المؤمنين ذهبت إلى نفس ما قالته أغلبية المؤمنين، وهي أن ما وقع لهم كان لحكمة، وقَدَرٍ، وأنه كان أثرًا عن تصميم لا عشوائية عمياء. وقد كان الجواب نفسه حاضرًا في دراسة بهذه الطبيعة في بريطانيا
💘1
Bethany T. Heywood & Jesse M. Bering, "Meant to be": how religious beliefs and cultural religinsity affect (1) the implicit bias to think teleologically, Religion, Brain & Behavior Vol. 4, Iss. 3, 2014.
هناك من انكرها بالكلية لكن التجارب نفت ذلك واثبتت ان الفطرة موجودة في تصميم البشر ومن عمر مبكر جدا، تراجع جزء كبير منهم واقروا به، و حاولوا الالتجاء الى تفسيرات غيبية او معكوسة.
✍1
التفسير العكسي
التفسير العكسي : هو التماس فائده من شيء وتفسير ان هذا هو -اي الفائدة- سبب وجوده وهذا الشيء صحيح بحالة الاعتراف بوجود تصميم حكيم وذكي وانه لكل شيء غاية من وجوده ولكن في حاله الصدفية والعشوائية لن تكون مقنعة. مثال : لو ان شخصا يعتقد ان الحاسوب مصمم ومصنع وسالته عن سبب وجود نظام التشغيل والبرامج في الحاسوب فيجيب : ليحقق المستخدم اكبر فائده منه فهذا جواب مقنع، اما بالنسبه للمؤمن ان الحاسوب تكون صدفة تساله عن نظام التشغيل والبرامج ويجيبك لتحقيق اكبر استفادة فهنا لم يجبك على سؤالك بشكل منطقي.
المفارقة الغريبة ان نفس الذين يرفعون شعارات الدين افيون الشعوب صنفوا فطرة التدين بانها صفة استبقاء على النوع البشري وصفة اساسية اختارها الانتخاب الطبيعي والذين لم يحصلوا على هذه الفطرة انقرضوا لانهم لا يملكون هذه الصفة المميزة التي تنظم حياة البشر وتخلق مراقبة الذات والثقة والعدل بين افراده.
❤1
التفسير الغيبي
التفسير الغيبي : قالوا بان فطرة التدين جاءت بطفرة جينية عند بعض البشر وبقية البشر لا والناس الذي لم تتوفر عندهم هذه الطفرة انقرضوا وبقي اصحاب فطرة التدين، اي عن طريق التطور والانتخاب الطبيعي.
اولا : لو فعلا ظهرت هذه الصفة بصيغة طفرة عشوائية بالتأكيد ان من امتلكها فرد او افراد قليلين مقارنة بباقي البشر الذين لا يملكوها.فبحسب تفسيرات التطوريين انه اسلاف البشر ما كانوا يمتلوكها فالأَولى ان صاحب فطرة التدين هو الذي سينقرض لمعارضته للاغلبية،مثال ذلك لو ان داعيه دعا الناس بكازينو في لاس فيغاس، اي الاحتمالات اقرب للوقوع؟ بالطبع الاقبال بالرفض عليه. اي ان استمرار صفة التدين لفرد او افراد في مجتمع رافض لها اصعب جدا من انقراضها في هذا المجتمع، وهذا ما نراه في واقعنا الحالي بشكل يومي وهذا عكس الذي يدعونه اصحاب هذا التفسير.
ثانيا : ادعاء ان صفة التدين تسبب الانقراض لا يمكن اثباتها لوجود كل التجمعات الحيوانية التي لا تمتلكها، ومع هذا مستمرة ليومنا هذا.او على الاقل كان ظهرت بعض التجمعات للبشر ليس لديهم دين او معتقد او ايمان غيبي؛ بالمقابل المؤمن بالله يقول ان هذه الفطرة خلقت في كل البشر فشيء طبيعي بقائها على مدى العصور مع ارسال الله الرسالات كان دور الانبياء التذكير بهذه الفطرة و اصلاحها (فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ (45)سورة ق.
💯1
مغالطة برتراند راسل : الدِّيْنُ وَهُمْ سَبَبُهُ الخوف من الطبيعة
يقول كثير من الملاحدة - ومنهم راسل - في وثوقية لم يختبروا صِدْقَها في مَجْلِسٍ نَظَرٍ وبَحْثٍ : التَّدَيْنُ ظاهرةٌ مَرَضِيَّةٌ سَبَبُها الخوف من الطبيعة؛ فالإنسان يبحث عن أمَانِهِ من مظاهر الطبيعة الشديدة كالفيضانات والزلازل بالإيمان بقوة علوية لا تُرَى، تملك أن تُجِيرَهُ من غضب الطبيعة (1)
1) Bertrand Russell, Why I Am Not a Christian: And Other Essays on Religion and Related Subjects (Simon and Schuster, 1957), p.22.
أولا يرتكب أنصار هذا التفسير مغالطة الأصل؛ بالابتداء بالحكم سلبًا أو إيجابا على منبع الفِكْرَةِ لِلْحُكم على الفكرة نفسها بالصواب أو الخطأ، دون التَّعَرُّض لحقيقة الفكرة ذاتها، ومؤيداتها؛ إذ إن القول : إن الإيمان باله باطل لأنَّ أَصْلَهُ شعور الإنسان بالضَّعْفِ، لا يُبْطِلُ وجود إله، وإنما - في أَقْصاهُ - يُفَسِّرُ الحالة الإيمانية، ولا يَلْزَمُ من ذلك أَلا يوجد إله.و عد التدين مجرد تفكير أمْنَوِي ملازم للعقل بما هو عقل؛ بما يختصر العقل في أنه عَقْلَنَةٌ لتلك الرَّغَائِبِ الذاتية، يعود بالنقض على العقل نفسه؛ إذ العقل عندها في ختام أَمْرِهِ صَانِعُ وَهُم(2)
2)C.E.M. Joud, Guide to Modern Thought (London: Faber and Faber, 1933), p. 213.
و رد فطرية الإيمان بالله إلى طبيعة الخوف من مجاهيل الطبيعة فارغ شَكْلًا، وفاسِدٌ مَضْمُونًا . فراغ هذا الاعتراض شكلا برهانه أن ثبوت الخوف الطبعي من نَوَائِبِ الطبيعة لا يُثبِتُ في ذاته وجود الله أو عَلَمَهُ؛ إذ قد لا يكون للإله وجود ويَشْعَرُ الإنسانُ بالضَّعْفِ أمام الزلازل والبراكين لأنه يخشى أن تُصِيبَهُ بأذى، وقد يوجد الإله ويجعل في قلب الإنسان خوفًا من الطبيعة يَسْتَحِثُهُ إلى أن يبحث عن أمانه في من يملك الكون وقوانينه والنوازل ومفاتيحها. فالخوف من مظاهر الطبيعة في ذاته قابل لِسِياقٍ كَوْنِي إِلْحَادِي وسياق آخر إيماني، ولذلك فهو فارغ دلالة والاعتراض قائم ضمنا على دعوى عجيبة لا يرضاها الملحد نفسه؛ وهي أن وجود الله يقتضي أن يقترن بوجود إنسان لا يخاف من الظواهر الطبيعية الحادة .. ولا تلازم منطقيا بين هذا وذاك، وذاك فسادُ الشَّبْهَةِ مَضْمُونًا ! ثم ما الذي يمنع الإله أن يُنشئ في الإنسان حاجةً إلى البحث عن الخالق المعبود إذا خَشِي من نوائب الطبيعة؟! ألا يكون ذلك رحمة بالإنسان إذ يَمْنَحُهُ طريقا جديدا إلى الإله بعيدًا عن جَدَل النَّظَرِ العقلي؟!وقد أَحْسَنَ الفيلسوف بول كوبان بقوله في هذا السياق - ردا على رموز الإلحاد الجديد - : بإمكاننا أن نَقْلِبَ الاستدلال على رأسه بالقول : إذا كان الله موجودًا، وكان قد صَمَّمَنَا لِنتَواصَلَ مَعَهُ ، فإِنَّنا - بذلك - نَعْمَلُ بصورة سليمة عندما تَتَوَجَّهُ إرادتنا إلى الإيمان بالله ... في هذه الحال، الحُجَّةُ الأساسية لداوكنز ودينيت يمكن أنْ تَدْعَم في الواقع فكرة أن المؤمنين المتدينين يعملون بطريقة لائقة وضمن نظام(3)
3) Paul Copan, Is God a Moral Monster? (Michigan: Baker Books, 2011), p.30
وإن مما يزيد في كِفَّة القَوْلِ : إن الشعور الإيماني يتوافق بصورة أكبر مع الصنعة الإلهية للإنسان، أَنَّ الملاحدة يعانون بشدَّةٍ أَمْرَ إنكار إيمانِهِمْ بِاللهِ حَتَّى إن إحدى الإحصائيات قد أَثْبَتَتْ أَنَّ ۳۸ ممَّنْ يُعَرِّفُون أنفسهم أنهم ملاحدة أو لا أَدْرِيون أَقَرُّوا بإيمانهم بإلهِ أو قُوَّةٍ عُظْمَى (4)
4)Pew Forum, 'Religion and the Unaffiliated, 2012,
و يلزم من القول : إنَّ عبادة الإله سَبَبُها الرغبةُ فِي اتَّقَاءِ ضَرَرِ الظواهر الطبيعية المُهْلِكَة أن يكون الإله عند جميع الأمم رَمْنَا لِلقُوَّةِ، وَلَصِيْقًا بمظاهر الطبيعة الصاخبة، ولكننا نعلم أن أمماً كثيرةً كانت تعبد الأحجار والأشجار وحتى وضيع الحيوانات كالفئران؛ وذاك أَنَّ مَدَاخِلَ الإيمان بالله متعددة، ولا تقتصر على البحث عن أمان دنيوي عاجل.و شعور الخوف والرهبة قاصر عن الإحاطة بالحال الإيمانية التي تُهَيْمِنُ على النَّفْسِ؛ فالتدين يثير في النفس نبضات الخُشُوعِ وَسَكْرَةَ الحُبِّ؛ وأما الخوف فيَشُلُّ في الإنسان قدرته على التواصل الإيجابي مع معبوده، ويُبقيه في حال دائم من القلق والخشية، ولا يَسْتَجيش في نفسه معاني القرب والتداني، على خلاف حال المتدين. ولذلك قال (ساباتييه): إِنَّ شُعورَ الرَّهْبَةِ والخوف من القوى العلوية لا يكفي وَحْدَهُ لتفسير فكرة الدينية، ولا بد من شعور آخَرَ يُوازيه ويُلَطِّفُ من حِدَّتِهِ. ذلك أن الخوف إذا استأثر بالنَّفْسِ سَحَقَ الإرادة ووَلَّدَ اليأس.
💯1
ومَنْ وَقَعَ فريسة للرُّعْبِ، إن لم يَتَصَوَّر إمكان الخلاص، لم يفكر في البحث عن عَوْنٍ يُنْقِذُهُ من الخَطَرِ الذي وقع فيه؛ فلا بد لتحقيق الشعور الديني من مقاومة الخوف والرهبة بما يعادِلُهُمَا مِن الأَمَلِ والرِّجاءِ اللَّذَيْنِ يَبْعَثَانِ على الدُّعاء والتَّضَرُّع. هذه هي حقيقة التدين(5)التفكير الرغبوي أقرب إلى الإلحاد منه إلى الإيمان بوجود إله؛ لأنه يرفع عن الإنسان أعباء المسؤولية الأخلاقية، ويطلق فيه ذنبيَّتَهُ لِتَنْهَش بلا رادع. يقول الشاعر البولندي الحائز على جائزة نوبل تشزلاف ملوز :الأفيون الحقيقي للشعوب هو الإيمان بالعدم بعد الموت؛ فهو العزاء الكبير للتفكير بأنَّ خِيَانَاتِنَا ، وجَشَعَنَا ، وجُبْنَنَا ، وقَتْلَنَا ، لن يكونَ عُرْضَةٌ لِلْمُحاسَبَةِ(6),كُلُّ الأبحاث التي تسعى إلى رد الإيمان بالله إلى عامل طبيعي صرف تفتقد البرهان المادي أيا كان نوعه، وتعتمد كلية على أصول رخوة؛ ولذلك قال كيث وارد) (7): على الرغم من حقيقة أنه لا يوجد عَمَلِيًّا دليل متاح عما كان من أصول الدين ... لم يمتنع العلماء عن تقديم ادعاءات نهائية حول ما حدث بالفعل هذا مثال للحال التي تكون فيها دعاوى اليقين على خلاف حجم الأدلَّةِ المتاحة ... أَثْبَتَ عالم الأنثروبولوجيا في جامعة أكسفورد إيفانز - بريتشارد في دراسته النهائية نظريات الدين البدائي عَدَمَ جدوى كل هذا الخيالات، وهي القائمة على أدلَّةٍ غير موثوقة أو غير نقدية أو غير موجودة.و انتهى البحث النقدي التخصصي إلى أن «انتقادات الدين المستندة إلى دعاوى ذات أضل سيكولوجي لا تَجِدُ قَبُولًا إِلَّا عند قِلَّةٍ من الفلاسفة من أهل النظر(8)5)Auguste Sabatier, Esquisse d'une Philosophie de la Religion d'Apres la Psychologie et l'Histoire (Paris, 1897),p.13
6)Cited in: Timothy J. Keller, The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism (New York: Penguin, 2008), (٤) p.75.
7)Ward, Is Religion Dangerous? (Oxford: Lion, 2011), pp. 10-11.
8)John O'Leary-Hawthorn, "Arguments for Atheism', Reason for the Hope Within (Grand Rapids, MI: Ferd (1) mans, 1999), p. 134.
6)Cited in: Timothy J. Keller, The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism (New York: Penguin, 2008), (٤) p.75.
7)Ward, Is Religion Dangerous? (Oxford: Lion, 2011), pp. 10-11.
8)John O'Leary-Hawthorn, "Arguments for Atheism', Reason for the Hope Within (Grand Rapids, MI: Ferd (1) mans, 1999), p. 134.
💘1
مغالطة كونت
الإيمان باللهِ أَثَرُ عن تَرَقَّ في محاولة تفسير الكون
أولا ان قانون الحالات الثلاث الذي وضَعَهُ (كونت) ليس حصيلة استقراء تاريخي تام أو واسع، وإنما هو قراءة فلسفية خاصة تم إسقاطها عَمْدًاعلى حركة التاريخ، مع عناية بتاريخ الأفكار في الغرب، دون الشرق ،والمرحلة اللاهوتية لا تُعارض المرحلة الميتافيزيقية؛ وليست المرحلة الميتافيزيقية رؤية أرقى من المرحلة اللاهوتية؛ فإن التفسير العلمي للظواهر الطبيعية لا يتعارض مع الإيمان أنها تعود إلى إله واحد نظم هذه القوانين ليحقق الانسجام في هذا الكون .. بل لو قلنا إن النظرة اللاهوتية أرقى من مرحلة النظرة الميتافيزيقية لأصبنا ؛ لأنها نظرة كلية تسعى إلى جمع شتات الظواهر المتفرقة في منظومة واحدة.كَتَبَ (العَقَادُ) في منتصف القرن العشرين : إن القرن العشرين عَصْرُ الشَّكُ في الإلحاد والإنكار بمقدار ما كان القرن الذي قبله عصر الشك في الإيمان . وفي القرن الواحد العشرين ازداد الحَرَج الذي يُعانيه الإلحاد، حتى إن «الكونجرس العالمي للأكاديمية الدولية للأَنْسَنَةِ صَرَّحَ سنة ٢٠٠٥م قائلا : إن هناك مَلْمَحًا واضحًا لأزمة ثقة ... تجتاح الإلحاد في الوقت الراهن وذاك إقرار يسير عكس قانون (كونت) التطوري(9)و اعترف (كونت) بالطابع العملي للتصور الإسلامي، وَتَوَجْهِهِ القوي إلى التماس مع الحقيقة ولذلك فَضَّل العبقرية الإسلامية على العبقرية الكاثوليكية) وهو ما يتعارض مع حتمية انفصال المراحل الثلاث بعضها عن بعض، وانحسار الرؤية الدينية في القالب اللاهوتي9)Alister McGrath
www.thersa.org/acrobat/dennett_130306.pdf
💘1
مغالطة ماركس
الدِّينُ ظِلُّ البنية الاقتصادية
أولا إذا كانت البنى الفوقية المتمثلة في جميع أنواع الوعي مجرد أثر آلي وظرفي للبنية الاقتصادية وعلائقها ؛ فالماركسية بذلك - لأنها بناء فلسفي -ليست سوى أثر آلي وظرفي للواقع الاقتصادي لِمُنَظَرِيهَا .. وهذه الرؤية -بذلك - تعود على أصلها بالنقض؛ لأنها تُنْكِرُ كلية قدرة العقل على إصابة الحقيقة؛ فالفكر بكليته نسبي، بما في ذلك نشاط الفِكْرِ لِكَشْفِ أَصل الدين.و قد فَشِلَ تغيير البناء الاقتصادي للدولة في ظل الأنظمة الشيوعية - مع توجيه التعليم إلى اجتثاث الدين من خلال الآلة التعليمية والإعلامية - في القضاء على الظاهرة الدينية والصحوة الواسعة للكنيسة الأرثوذكسية في روسيابعد سقوط النظام الشيوعي برهان عَمَلي أن المسألة الدينية ترفض الاختزال في العامل الاقتصاديدافع عالم الاجتماع الشهير (ماكس فيبر) عن دعوى أثر الدين في صناعة البنى الاقتصادية، على نقيض دعوى (ماركس)، وبَيَّنَ أَثَرَ البروتستانتية بأخلاقها المنفتحة على الدنيا، والاستمتاع بخيراتها على ظهور الرأسمالية. وهي دعوى تحمل من الحقِّ أَكْثَرَ ممَّا زَعَمَهُ (ماركس)(11)،و اضطرب (ماركس) في موقفه من الحس الديني بين المذهب ونقيضه؛ فالدين عنده أَفْيُونُ الشُّعُوبِ لتخدير الطبقات المنهوبة بأماني الجَنَّةِ، وكذلك هو زَفْرة المضطهدين تعبيرًا عن بُغْضِهِمْ لِلظلم الذي يُصِيبُهم والتفسير الذي يُفَسِّرُ الظاهرة بالشَّيء ونقيضه لا يُفسر شيئًا في حصيلة حُكْمِهِ(12)و يَلْزَمُ من التفسير الماركسي للظاهرة الدينية، أن الإنسان لم يَعْرِف التَّدَينَ إلَّا بعد بلوغ الاجتماع الإنساني مرحلة متقدمة من التطور، وذاك أمر يرفضه البحث الأنثروبولوجي؛ فلم يُعرف الإنسانُ إِلَّا وهو مُتَدَيِّنٌ، المذهب الماركسي نزاع إلى التبسيط المخل في تفسير كثير من الظواهر ؛ بسبب الغلو في قيمة أثر العامل الاقتصادي في صناعة الفكر، ولغلَبة طابع القراءة الحماسية للتاريخ في كتابات (ماركس) وإنْ غَلَّف تحليلها بالحتميات المزعومة؛ ولذلك وصف (برتراند راسل) في موسوعته في تاريخ الفلسفة فلسفة (ماركس) أنها قاصرة، ومبالغة في الجانب العملي على حساب الجانب الفكري، وأسيرة مُشكلاتِ عَصْرِها (13) .
11)The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalium (Die protestantische Ethik und der Gelat des Kapitalisma).
12)John Raines, Marx on Religion (Philadelphia: Temple 13)University
13)Bertrand Russell, History of Western Philosophy, p.788 Press, 2002), pp.5-6
💘1