دَوحةُ العلومِ والحِكَم
1.31K subscribers
185 photos
1 video
19 files
155 links
علميّةٌ دعَويّة
Download Telegram
هـل يـجوزُ إخـراج زكـاةِ الـفـطر مـن الـنـقـود
الحمد لله ربِّ العالمين وأفضلُ الصلاة وأكملُ التسليم على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعدُ: فإنّ زكاةَ الفطرِ هي فريضةٌ على المسلمين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: فرضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطر صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعيرٍ على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة. [متّفقٌ عليه].
وإنَّ إخراجَها طعامًا هو الأصلُ المنصوص عليه في السنة النبوية المطهرة، وعليه جمهورُ فقهاء المذاهب المتبَّعة، إلا أنَّ إخراجها بالقيمة أمرٌ جائز ومُجْزِئ، وهو مذهبُ طائفة من العلماء ممّن يُعْتَدُّ بهم، كما أنه مذهبُ جماعة من التابعين، ذكرهم الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنّفه في باب: (إِعْطَاء الدَّرَاهِمِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ) منهم:
1ـ الحسن البصريِّ: قال رحمه الله تعالى: لا بأسَ أن تُعطى الدَّراهمُ في صدقةِ الفطر.
2ـ وأبو إسحاق السبيعي: قال رحمه الله تعالى: أدركتُهم وهم يعطُون في صدقةِ رمضانَ الدَّراهمَ بقيمةِ الطعام. [وأبو إسحاقٍ هذا هو السبيعيُّ من التابعين أدرك عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعةً من الصحابة، فهو يحكي عنهم ويثبتُ أن كان معمولاً به في عصرهم].
3ـ وعمر بن عبد العزيز: فعن وكيع، عن قرَّة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في صدقة الفطر: نصفُ صاعٍ عن كلِّ إنسان أو قيمتُه: نصف درهم.
وهو كذلك مذهبُ عددٍ من الفقهاءِ كسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهم الله تعالى، وعليه العملُ والفتوى في مذهب السادةِ الحنفية رحمهم الله تعالى.
جاء في حاشية مراقي الفلاح: ويجوز دفعُ القيمة وهي أفضلُ عند وُجدان ما يحتاجُه لأنَّها أسرُع لقضاءِ حاجةِ الفقير، وإنْ كان زمن شدّةٍ فالحنطةُ والشعيرُ وما يؤكَل أفضلُ من الدراهم.
وقد بيّن من رجّح هذا المذهبَ من الفقهاءِ أنَّ إخراجَ زكاةِ الفطرِ نقودًا أَولى للتيسير على الفقير، إذ به يُمكنُ له أن يشتريَ أيَّ شيءٍ يُريده في يوم العيد؛ لأنه قد لا يكون محتاجًا إلى الحبوب، بل قد يكون محتاجاً إلى الملابس، أو غيرِ ذلك من احتياجاته، فإعطاؤه الحبوبَ قد يضطره إلى أن يجولَ بالشوارع ليجدَ من يشتري منه الحبوبَ، وقد يبيعُها بثمنٍ بَخسٍ أقلَّ من قيمتِها الحقيقية.
وقد قال أهلُ العلم: إذا ثبتَ جوازُ أخذ القيمة في الزكاة المفروضة في الأعيان (زكاة المال)، فجوازُها في الزكاة المفروضة على الرقاب (زكاة الفطر) من باب أولى، لأنَّ الشرع أوجبَ الزكاة في عين الحبِّ، والتمرِ، والماشية، والنقدَين، كما في حديث معاذ الذي قال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه لما بعثه إلى اليمن: (خُذ الحَبَّ من الحبِّ، والشاةَ من الغنم، والبعيرَ من الإبل، والبقرةَ من البقر). [رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى] ومع أنَّ النصوصَ جاءتْ بذكر أخذِ الحبوب أو المواشي في الزكاة، إلا أنَّ معاذًا رضي الله عنه أخذَ العُروض والثيابَ بدلًا منها مراعاةً لمصلحة الناس، مما يدلُّ على أنَّ المقصودَ تحقيقُ مصلحةِ الفقراءِ لا التقيّد بالأعيان المذكورة. فقد جاء في الحديث عَنْ طَاوُس، قَالَ: قَالَ مُعَاذٌ بِالْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرَضِ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَة. [تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال].
تبيّن مما سبق أنَّ الأصل في زكاة الفطر إخراجُها من الطعام كما ورد في السنّة، غير أن القول بجواز إخراجها نقدًا قولٌ معتبَرٌ قال به عددٌ من الأئمة والتابعين، وعمِل به فقهاء الحنفية. ولذلك فالمسألةُ موضعُ اجتهادٍ وخلافٍ معتبر بين العلماء، ومن المقرَّر شرعًا أنه إنما ينكَر المتفقُ عليه، ولا ينكَر المختلفُ فيه، وما دام هناك من الفقهاء من أجاز إخراجَ زكاة الفطر نقودًا وهم ممن يعتدُّ بقولهم، فلا يجوز تفريقُ الأمة بسبب تلك المسائل الخلافية.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً، والحمد لله ربّ العالمين.
23 رمضان 1447 هـ الموافق: 13 آذار 2026م عبد الكريم جمعة الشيخ
https://t.me/devhatululum
❤5
Live stream finished (25 minutes)
Live stream finished (27 minutes)
ليلة القدر
الحمدُ للهِ الذي شرَّف الأزمنةَ ببعضِها، واختصَّ من الليالي ما جعلَه مواسمَ للرحمات والنفحات، وجعل لعباده في دهرِهم مواسمَ للطاعة تُضاعف فيها الحسنات، وتتنزَّل فيها البركات، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رفيع القدر عظيم الجاه، الذي دلَّ أمته على مواطنِ الخير، وحثَّها على اغتنام أوقات الفضل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجِه واقتفى أثرَه إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنّ ليلة القدر مِنحةٌ ربَّانيةٌ، وعطيةٌ إلهيةٌ من الله تعالى لأُمَّة الإسلام، تَزْكيةً لنفوسهم، وتقويةً لقُلُوبهم، وتطهيرًا لصدورهم، وإعلاءً لشأنِهم، ورفعةً لقدرهم، ومغفرةً لذنوبهم.
هي أعظم الليالي قدرًا ومنزلة عند الله، وزَن ربُّنا تبارك وتعالى تلك الليلة بألف شهر في ثوابها وفضلها ومكانتها، وهي الليلةُ المشهودةُ المباركة، ليلةُ نزول القرآن الكريم على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة ملكٍ ذي قَدْر، على رسولٍ ذي قَدْر، لأمةٍ ذات قَدْر.
قال الإمامُ النووي رحمه الله تعالى: ليلةُ القدر مختصَّةٌ بهذه الأمة، زادها اللهُ شرفًا، فلم تكن لمن قبلها، ما أدركها داعٍ إلا وظفر، ولا سأل فيها سائلٌ إلا أُعطي، ولا استجار فيها مستجيٌر إلا أُجير.
وقال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: ليلة القدْر: هي ليلة الضيق، أخذاً من قوله تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) أي ضُيِّق، وسميت بذلك لأنَّ الأرض تضيقُ فيها لكثرةِ الملائكة النازلين إليها في تلك الليلة، وقد جاء في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى). [رواه أبو داود الطيالسيّ رحمه الله تعالى]
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها ليلة التقدير، لأنه يُقدَّر فيها ويُقضى ما يكون في تلك السنة من مطرٍ ورزقٍ وإحياءٍ وإماتةٍ إلى السنة القابلة.
فهي ليلةُ القدرِ لأنّ فيها: تقدير المقادير: تُبرم فيها أحكام السَّنة وتُنقل من اللوح المحفوظ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يكتب في أمِّ الكتاب في ليلة القدر ما هو كائنٌ في السَّنَة من الخير والشرِّ والأرزاق والآجال. [التفسير البسيط للواحدي] وعظمة الشأن: فهي ليلةٌ ذاتُ قدرٍ عظيمٍ؛ لأنَّ المولى العظيم جلّ وعلا أنزل فيها كتاباً ذا قَدْرٍ، على رسولٍ ذي قَدْرٍ، لأمةٍ ذات قَدْر.
تحرّي ليلة القدر: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «تَحَرَّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». [رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى] وعنه رضي الله عنه: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلّم أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ). [متفقٌ عليه].
من علامات ليلة القدر:
قد جعل الحقُّ سبحانه وتعالى لهذه الليلة أماراتٍ وعلاماتٍ يُبشّر بها أهل الوصل، ومن علاماتها:
1ـ أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها: فعن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: (أَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا).
2ـ أنّها ليلةٌ طَلقةٌ لا بردَ فيها ولا حرَّ: فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ طَلِقَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً). [رواه أبو داود الطيالسيّ رحمه الله تعالى].
ما يفعلُ المسلمُ في ليلة القدر:
إنَّ المسلم الموفّقَ من يغتنمُ هذه الليلة المباركةَ ولا يُضيّعها، ومن خير الأعمالِ فيها:
*الاعتكاف: فهو يجمع الهمَّ على الله تعالى بالانقطاع عن الشواغل، فعن السيّدةِ عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». [رواه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى].
*مدارسة القرآن الكريم والجود والكرم: عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [رواه الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى].
*القيام: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفر لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
❤4
». [متفقٌ عليه].
*الدعاء والتضرع والافتقار لعفو الله تبارك وتعالى: فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [رواه الترمذيُ رحمه الله تعالى] وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. [لطائف المعارف]
*إيقاظ الأهل: فتشيع في بيوتنا روحُ العبادة ويتعرَّض الجميعُ لنفحاتِ الرحمن سبحانه وتعالى، فقد كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ. [متفقٌ عليه].
ويمكن لذواتِ الحيض والنفاس من النساءِ أن يُـحْيِينَ ليلة القدر بترك ما منعهنَّ الشرع الشريفُ منه حال العُذر إذا قصدنَ الامتثالَ في الترك، ثم يفعلنَ ما تيسر لهنَّ من الطاعات والقربات، فيغتنمنَ الليلة بالإكثار من الذِّكر، والاستغفارِ، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والصلاةِ على النبي الأمين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والتصدق، والدعاء بالمأثور وغيرِه، وسماع القرآن والإنصاتِ إليه، وأن يَنوِينَ الطاعة والعبادة بما يُقَدِّمْنَه لبيوتهنَّ وأهلهنَّ وبما يُعينهنَّ على الطاعة في تلك الليلة فيَحصُل لهنَّ الأجر والثواب، ويزيد على ذلك أنهنَّ يُثَبْنَ عما كان يمكن أن يفعلن ما لم يمنعهنَّ العذر؛ لأنهنَّ مُبْتَلَياتٌ بأمر خارجٍ عن استطاعتهنَّ.
نسألُ اللهَ الكريمَ ربَّ العرش العظيم أن يرزقنا إدراكَ ليلةِ القدر، وأن يكتبنا فيها من المقبولين، وأن يجعل لنا فيها أوفرَ الحظِّ والنصيب من رحمته وفضله.
اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتقبَّل طاعتنا، وبلِّغنا ليلةَ القدر، وأعنَّا فيها على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
24 رمضان 1447هـ الموافق 14 آذار 2026 م عبد الكريم جمعة الشيخ
https://t.me/devhatululum
❤3👏2👍1
Live stream finished (20 minutes)
Live stream finished (33 minutes)
Live stream finished (21 minutes)
Live stream finished (18 minutes)
Live stream finished (19 minutes)
Live stream finished (29 minutes)