Listen to رباعيات الخيام - ام كلثوم by Rasha Maher Khalil on #SoundCloud
https://on.soundcloud.com/Guzs1
https://on.soundcloud.com/Guzs1
SoundCloud
ام كلثوم
سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحر
نادى من الغيب غفاة البشر
هبوا املأوا كأس المنى
قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر
لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بآتي العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع ال
نادى من الغيب غفاة البشر
هبوا املأوا كأس المنى
قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر
لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بآتي العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع ال
" اللغة عنصر مشترك دائمًا. لا يمكن الحصول على لغة خاصة بشكل كامل".
المدينة الوحيدة: مغامرات في فن البقاء وحيدًا| أوليفيا لاينغ
المدينة الوحيدة: مغامرات في فن البقاء وحيدًا| أوليفيا لاينغ
لأن القصيدةَ في كلِ شيءٍ
كبرنا على اللغةِ المنتقاة
نخلخلُ إيماننا بالرتابةِ
يأتي
التشهدُ قبل الصلاة
نُحمّلُ أغنيةَ الوقتِ بيعتَنا
للخوارجِ
لا للولاة
لمن نبتوا
بين كافٍ ونونٍ
وضاقت بهم وحشةُ الكائناتْ
لمن كبروا في الفراغِ
وشابوا
وقد حُذفوا من كلامِ الرواة
لمن علقوا في النشازِ الخفيفِ
ولم يكسروا
جرةَ الأغنياتْ
لـ(طروادةَ) العربيةِ
تسقطُ دونَ (حصانٍ)
أمامَ الغزاة
لمكةَ
وهي تفض التنازعَ
بين المآذنِ والناطحاتْ
لماء الخليج الغريب علينا
وليس غريبا
على البارجاتْ
لبغدادَ
ريحُ ملوكِ الطوائفِ
تُخنقُ دجلةَ باسم الفراتْ
لليلِ دمشقَ
ومن أربعينَ
وليلُ دمشقَ سريرُ الطغاة
لغزةَ
ينقصها الأكسجينُ
إذا اختنقَ الجو بالطائراتْ
لصنعاءَ
تسلمُ أولادها
إلى المشترينَ
بحزمةِ قاتْ
وللنيلِ
ربِ الجياع القديمِ
يمدُ لهم سفرةً من مَواتْ
لأندلسٍ سقطتْ مرتينِ
لترفعَ:
حيّ على الذكرياتْ
*
دخلنا إلى ذاتنا
نلتقي
بها
فتشظت إلى ألفِ ذاتْ
نجيبُ ونسألُ :
- من أنتمُ ؟
- نحنُ كل البكاءِ..وكل الشكاة
- وأين تقيمونَ ؟
- في الهامش الحرِ
بين الخواتيم والبسملاتْ
- وهل تعملون ؟
- نعم
وظفتنا بعقدٍ
مؤسسةُ النائباتْ
- لماذا تربونَ أحزانكم ؟
- لنجري الرواتبَ للنائحاتْ
- وأفراحكم
كيف مرتْ عليكم ؟
- مرورَ النبيينَ بالموبقاتْ
- وما حجمُ إيمانكم بالظلامِ ؟
- كإيمانِ مقبرةٍ بالرفاتْ
- وماذا ادخرتم لطوفان نوحٍ ؟
- قوارب
من غفلةٍ وسباتْ
- لمن سوف تعطون أصواتكم
في انتخاباتكم ؟
- هبلا أو مناةْ
- ومن بينِ كل الشعاراتِ
ماذا تحبونَ أن ترفعوا ؟
- لا نجاة
*
أيا صاحبي
قد مللنا..مللنا
فقمْ كي نؤسسَ حزبَ العصاةْ
تعالَ لنفطمَ أيامنا
وننهيَ
تنويمةَ الأمهاتْ
تعالَ لنخلعَ آباءنا
ليبقى الطريقُ بلا لافتاتْ
سننزلُ للزمنِ الباطنيّ
نربي
الدسائسَ و الوشوشاتْ
سنحشدُ من فاتهم كلُ شيء
وقيلَ لهم: إن ما فاتَ فاتْ
ومن طاردتهم
كلابُ الخليفةِ
من نهشتهم سياطُ القضاة
ومن كفروا
في صراخِ الإذاعاتِ
في كذبِ الصحفِ المشتراة
بهم سوفَ نوقفُ عصرَ القطيعِ
ونعلنَ عصر ذئابِ الفلاة
ونجري
مسيلمة َ الردتينِ على السيفِ
حتى يؤدي الزكاة
فأذن
سيأتيك من كل فجٍ
صعاليكُ..متهمونَ..غواةْ
وأسس لنا دولةً من عواءٍ
ورايتها: مرحبا بالجناة
وعلق عليها:
( هنا ليسَ تُقبلُ
توبةُ من عملوا الصالحات)
*
أيا صاحبي
والقصيدةُ نحنُ
فلا تكترثْ لوصايا النحاة
سنكسرُ كلَ زجاجِ البلاغةِ
ثم نسيرُ عليهِ حفاة
سنلفظُ هذا الهواءَ المعادَ
ولو ذبلتْ في الضلوعِ
الرئاتْ
سنمشي لمنحدرٍ غامضٍ
لنكشف عما وراءَ اللغاتْ
لعبقر مائدةٌ
سوفَ نطردُ منها
لكي نحتفي بالفتاتْ
فقل:
حسبنا يا أعالي الأولمب
مللنا الأساطيرَ والمعجزاتْ
وقل:
يا سماءَ البسيطينَ
تُبنا
عن العرق الصعبِ في المفرداتْ
لتعذرنا البوصلاتُ الشماليةُ
البرقِ
فالشعرُ كلُ الجهاتْ
سنقتبسُ
الهشَ من كل شيءٍ
لنملي معلقة اللاثباتْ
سنكتبُ
عن عالمٍ ميتٍ
ولم يستلمْ بعدُ صك الوفاة
وعن فشلٍ فادحٍ في الوقوفِ
أصيبت به
آخرُ الفلسفاتْ
وعن فائضٍ في الغرابةِ
يكفي
لجعلِ الخرافِ تهشُ الرعاة
سنكتبُ بعضَ فواتِ القطارِ
وأوجع ما في القطار
الفواتْ
🌼 محمد عبد الباري 🌼
كبرنا على اللغةِ المنتقاة
نخلخلُ إيماننا بالرتابةِ
يأتي
التشهدُ قبل الصلاة
نُحمّلُ أغنيةَ الوقتِ بيعتَنا
للخوارجِ
لا للولاة
لمن نبتوا
بين كافٍ ونونٍ
وضاقت بهم وحشةُ الكائناتْ
لمن كبروا في الفراغِ
وشابوا
وقد حُذفوا من كلامِ الرواة
لمن علقوا في النشازِ الخفيفِ
ولم يكسروا
جرةَ الأغنياتْ
لـ(طروادةَ) العربيةِ
تسقطُ دونَ (حصانٍ)
أمامَ الغزاة
لمكةَ
وهي تفض التنازعَ
بين المآذنِ والناطحاتْ
لماء الخليج الغريب علينا
وليس غريبا
على البارجاتْ
لبغدادَ
ريحُ ملوكِ الطوائفِ
تُخنقُ دجلةَ باسم الفراتْ
لليلِ دمشقَ
ومن أربعينَ
وليلُ دمشقَ سريرُ الطغاة
لغزةَ
ينقصها الأكسجينُ
إذا اختنقَ الجو بالطائراتْ
لصنعاءَ
تسلمُ أولادها
إلى المشترينَ
بحزمةِ قاتْ
وللنيلِ
ربِ الجياع القديمِ
يمدُ لهم سفرةً من مَواتْ
لأندلسٍ سقطتْ مرتينِ
لترفعَ:
حيّ على الذكرياتْ
*
دخلنا إلى ذاتنا
نلتقي
بها
فتشظت إلى ألفِ ذاتْ
نجيبُ ونسألُ :
- من أنتمُ ؟
- نحنُ كل البكاءِ..وكل الشكاة
- وأين تقيمونَ ؟
- في الهامش الحرِ
بين الخواتيم والبسملاتْ
- وهل تعملون ؟
- نعم
وظفتنا بعقدٍ
مؤسسةُ النائباتْ
- لماذا تربونَ أحزانكم ؟
- لنجري الرواتبَ للنائحاتْ
- وأفراحكم
كيف مرتْ عليكم ؟
- مرورَ النبيينَ بالموبقاتْ
- وما حجمُ إيمانكم بالظلامِ ؟
- كإيمانِ مقبرةٍ بالرفاتْ
- وماذا ادخرتم لطوفان نوحٍ ؟
- قوارب
من غفلةٍ وسباتْ
- لمن سوف تعطون أصواتكم
في انتخاباتكم ؟
- هبلا أو مناةْ
- ومن بينِ كل الشعاراتِ
ماذا تحبونَ أن ترفعوا ؟
- لا نجاة
*
أيا صاحبي
قد مللنا..مللنا
فقمْ كي نؤسسَ حزبَ العصاةْ
تعالَ لنفطمَ أيامنا
وننهيَ
تنويمةَ الأمهاتْ
تعالَ لنخلعَ آباءنا
ليبقى الطريقُ بلا لافتاتْ
سننزلُ للزمنِ الباطنيّ
نربي
الدسائسَ و الوشوشاتْ
سنحشدُ من فاتهم كلُ شيء
وقيلَ لهم: إن ما فاتَ فاتْ
ومن طاردتهم
كلابُ الخليفةِ
من نهشتهم سياطُ القضاة
ومن كفروا
في صراخِ الإذاعاتِ
في كذبِ الصحفِ المشتراة
بهم سوفَ نوقفُ عصرَ القطيعِ
ونعلنَ عصر ذئابِ الفلاة
ونجري
مسيلمة َ الردتينِ على السيفِ
حتى يؤدي الزكاة
فأذن
سيأتيك من كل فجٍ
صعاليكُ..متهمونَ..غواةْ
وأسس لنا دولةً من عواءٍ
ورايتها: مرحبا بالجناة
وعلق عليها:
( هنا ليسَ تُقبلُ
توبةُ من عملوا الصالحات)
*
أيا صاحبي
والقصيدةُ نحنُ
فلا تكترثْ لوصايا النحاة
سنكسرُ كلَ زجاجِ البلاغةِ
ثم نسيرُ عليهِ حفاة
سنلفظُ هذا الهواءَ المعادَ
ولو ذبلتْ في الضلوعِ
الرئاتْ
سنمشي لمنحدرٍ غامضٍ
لنكشف عما وراءَ اللغاتْ
لعبقر مائدةٌ
سوفَ نطردُ منها
لكي نحتفي بالفتاتْ
فقل:
حسبنا يا أعالي الأولمب
مللنا الأساطيرَ والمعجزاتْ
وقل:
يا سماءَ البسيطينَ
تُبنا
عن العرق الصعبِ في المفرداتْ
لتعذرنا البوصلاتُ الشماليةُ
البرقِ
فالشعرُ كلُ الجهاتْ
سنقتبسُ
الهشَ من كل شيءٍ
لنملي معلقة اللاثباتْ
سنكتبُ
عن عالمٍ ميتٍ
ولم يستلمْ بعدُ صك الوفاة
وعن فشلٍ فادحٍ في الوقوفِ
أصيبت به
آخرُ الفلسفاتْ
وعن فائضٍ في الغرابةِ
يكفي
لجعلِ الخرافِ تهشُ الرعاة
سنكتبُ بعضَ فواتِ القطارِ
وأوجع ما في القطار
الفواتْ
🌼 محمد عبد الباري 🌼
ثلاث قصص
للفيلسوف المصرى - الأمريكى: إيهاب حسن
ترجمة: محمد عيد إبراهيم
إيهاب حسن فيلسوف ومنظّر أدبيّ أمريكيّ، ولد بالقاهرة، أصله مصريّ (مواليد 1925)، تخرّج مهندساً في جامعة القاهرة، وقد هاجر إلى أمريكا 1946، أيام الحكم الملكيّ، لاستكمال دراسته في الهندسة الكهربية، لكنه تحوّل فجأة إلى دراسة الأدب، ونال فيه درجة الدكتوراه بجامعة بنسلفانيا عام 1953، وظلّ يدرّس الأدب المقارن (29) عاماً في جامعة ويسكنسن ميلووكي (1970/ 1999)، وقد تُرجمت كتبه إلى 20 لغة عالمية، تكرّم بعشرات الدرجات الفخرية، ويُعدّ أول من سكّ مصطلح «ما بعد الحداثة» أواخر خمسينيات القرن الـ 20.
من كتبه: (البراءة المتطرّفة: في الرواية الأمريكية المعاصرة، أدب الصمت: هنري ميللر وصامويل بيكيت، تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثيّ، أشباه نقدية: سبعة تأمّلات لزماننا، النار البروميثيوسية الحقّة: الخيال والعلم والتغيير الثقافيّ، منعطف ما بعد الحداثة: مقالات في نظرية ما بعد الحداثة والثقافة.
وقد عثرنا على ثلاث قصص قصيرة، نشرها في أواخر أيامه، وقيل إنه بدأ كتابة رواية، لكن الموت لم يمهله. وهذه القصص تمثل خبرة أدبية عالية، حيث مارس النقد عشرات السنين، وبها حلول فنية رائعة، تدلّ على ذوق أدبيّ رفيع.
كستناء
كأرملٍ لم يُعقِب أولاداً، تاقَ الرجل لزيارةِ قرية أمه الأناضولية. كانت رحلته الأولى خارجَ مصر، المضغوطةِ بين صحراءون، وقد امتلأت أحلامه بأشجار الصنوبر الذي غبّره الثلج، جمع مدّخراته من عمله بالأرضِ طيلةَ حياته، واستقلّ باصاً عتيقاً إلى الإسكندرية، كانت سِلال القشّ والماعزِ مقيدةً أعلاه. وفي الميناءِ القديمِ، أنعمَ بصره في السفن على مدار الأفق، نقاطٌ تتبعُ خيوطَ الدخانِ. المكتبةُ القديمةُ بمليون مخطوطةٍ، الفرعونُ المنتصبُ عالياً وسطَ عجائب الدنيا السبع ـ وقد صارَ أنقاضاً على أرضية الميناء ـ كلّ ذلك يبدو غريباً عن هدفهِ.
في المساء، نزل ليتنزّه على رصيف الميناء، فشاهد الأولاد والبنات وهم يبحرون زُرافاتٍ منفصلةً، يهذرون وسط نعيبٍ صرخاتِ النوارس، رشاشُ الأمواج يدعوه إلى شاطئٍ آخرَ. في وهنٍ، ترشحُ رائحةُ الكستناء المحمّص ليستغرقَ في غفوةٍ. وقفَ جنبَ بائعٍ واشترى اثنتي عشرة حبةً من على الفحمِ، وهي لا تزال ساخنةً بلفّتها في ورقِ جريدةٍ. لكن شيئاً وكزه فجأةً من كوعهِ، وكزه ثلاثاً، كلّ مرةٍ أصلبَ، فسقطت الكستناء على الرصيفِ.
مهتاجاً من الغضب، استدار الرجلُ، فرأى مخلوقاً عجيباً جانبه، لا هو أعرج ولا هو قَزم، كلّه أسمالٌ وشَعرٌ وأسنانٌ مكسورة، أدكنَ من القرد وأعلى مرتبةً. كأن ثمة حياة على ركامٍ مشوّه، كان بشاعةً مجهولةً في هواءٍ مجنونٍ. صرخ البائع لاعناً، وهو يرفع ذراعه؛ فانسحبَ المخلوقُ في عويلٍ غير أرضيّ، لكأنه اختنقَ، من دون أن يكشف عن مَهمّته على الأرضِ.
في تلك الليلةِ، عاد كلّ شيء إلى فراشِ الرجل، ملأ الفحمُ والكستناءُ عينَيه. وخرجت الكلمات من فجوة فمه وهو يبقبق كدوّامات سفينةٍ تغرق. حين استيقظ الرجل أخيراً، أحسّ كأن شيئاً يضغط على قفصه الصدريّ، ناعماً كيدَي أمه المعروقتَين، ثقيلاً كوحدةِ أعوامهِ. لم يلبس ملابسه، فقد رحلت سفينتهُ.
***
الدراجة
وراء فندقٍ فخمٍ في نيودلهي، سورٌ من الخيزران ارتفاعه اثنتا عشرة قدماً، ليحميه من الأكواخ أو أيّ حيٍّ صفيح أو فقير ـ يحمل البؤس أسماء عديدة ـ وينبسط إلى الليل. يستقرّ ما هو محظورٌ هناك وسط الصناديقِ، علب الصفيح، أسطح الأشرعة الممزقة، وسط جداول البراز والنيران الواطئة والظلال الساكنة وهي تومض في الظلام.
متجاهلةً تحذيراتِ البوّاب ـ بخنجرٍ زائف في حزامه ـ اقترحت المرأة نزهةً مسائيةً على حافة الحيّ الفقير. همست لرفيقها: لن نجادل «علي بابا». وهما يتمهّلان أمام شجرة تين عملاقة، لاح فجأة خارجاً من السواد جسمٌ على دراجة، كله رُكبٌ وكيعان، غير مرئيّ تقريباً عدا عينيه بعروقهما الحمراء. اندفع حاقداً نحو المرأة، كمن سيصدمها، قبلما ينحلّ في الهواء. فانحرفت، مترنّحةً، لكن رفيقها توصّل إلى ذراعها قبلما تزلّ في مصرفٍ آسن.
على رغم الحرارة، كانت المرأة ترتجف. حاول الرجل أن يحضنها بين ذراعيه، بفظاظةٍ، فارتُجّت مبتعدة. قفزت، بكتفيها المحدودبين، من دون أن تنظر خلفها.
من ذات مكانٍ، صرخ في رأسها طائرٌ ليليٌّ ـ أهو ما كان يرشد يدَ الشبح على مِقود الدراجة؟ نظر رفيقها حزيناً إلى ظهرها وهي تمضي. تحت الهالة المتّسخة من نور الشارع، كانت صورتها داكنةً.
عبر السنين، كانا ينظران بحقدٍ كلٌ إلى الآخر، في لحظاتٍ نادرة ـ حين يستقلاّن رحلةً إلى مكان فيه ماءُ صنبورٍ ملوّث، حين يسمعان ابنهما، وقد مات في حربٍبعيدة، ينادي عليهما من قبره ـ فيتذكّران راكب الدراجة الشبح، ونذيره الشؤم.
***
الممرّ
للفيلسوف المصرى - الأمريكى: إيهاب حسن
ترجمة: محمد عيد إبراهيم
إيهاب حسن فيلسوف ومنظّر أدبيّ أمريكيّ، ولد بالقاهرة، أصله مصريّ (مواليد 1925)، تخرّج مهندساً في جامعة القاهرة، وقد هاجر إلى أمريكا 1946، أيام الحكم الملكيّ، لاستكمال دراسته في الهندسة الكهربية، لكنه تحوّل فجأة إلى دراسة الأدب، ونال فيه درجة الدكتوراه بجامعة بنسلفانيا عام 1953، وظلّ يدرّس الأدب المقارن (29) عاماً في جامعة ويسكنسن ميلووكي (1970/ 1999)، وقد تُرجمت كتبه إلى 20 لغة عالمية، تكرّم بعشرات الدرجات الفخرية، ويُعدّ أول من سكّ مصطلح «ما بعد الحداثة» أواخر خمسينيات القرن الـ 20.
من كتبه: (البراءة المتطرّفة: في الرواية الأمريكية المعاصرة، أدب الصمت: هنري ميللر وصامويل بيكيت، تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثيّ، أشباه نقدية: سبعة تأمّلات لزماننا، النار البروميثيوسية الحقّة: الخيال والعلم والتغيير الثقافيّ، منعطف ما بعد الحداثة: مقالات في نظرية ما بعد الحداثة والثقافة.
وقد عثرنا على ثلاث قصص قصيرة، نشرها في أواخر أيامه، وقيل إنه بدأ كتابة رواية، لكن الموت لم يمهله. وهذه القصص تمثل خبرة أدبية عالية، حيث مارس النقد عشرات السنين، وبها حلول فنية رائعة، تدلّ على ذوق أدبيّ رفيع.
كستناء
كأرملٍ لم يُعقِب أولاداً، تاقَ الرجل لزيارةِ قرية أمه الأناضولية. كانت رحلته الأولى خارجَ مصر، المضغوطةِ بين صحراءون، وقد امتلأت أحلامه بأشجار الصنوبر الذي غبّره الثلج، جمع مدّخراته من عمله بالأرضِ طيلةَ حياته، واستقلّ باصاً عتيقاً إلى الإسكندرية، كانت سِلال القشّ والماعزِ مقيدةً أعلاه. وفي الميناءِ القديمِ، أنعمَ بصره في السفن على مدار الأفق، نقاطٌ تتبعُ خيوطَ الدخانِ. المكتبةُ القديمةُ بمليون مخطوطةٍ، الفرعونُ المنتصبُ عالياً وسطَ عجائب الدنيا السبع ـ وقد صارَ أنقاضاً على أرضية الميناء ـ كلّ ذلك يبدو غريباً عن هدفهِ.
في المساء، نزل ليتنزّه على رصيف الميناء، فشاهد الأولاد والبنات وهم يبحرون زُرافاتٍ منفصلةً، يهذرون وسط نعيبٍ صرخاتِ النوارس، رشاشُ الأمواج يدعوه إلى شاطئٍ آخرَ. في وهنٍ، ترشحُ رائحةُ الكستناء المحمّص ليستغرقَ في غفوةٍ. وقفَ جنبَ بائعٍ واشترى اثنتي عشرة حبةً من على الفحمِ، وهي لا تزال ساخنةً بلفّتها في ورقِ جريدةٍ. لكن شيئاً وكزه فجأةً من كوعهِ، وكزه ثلاثاً، كلّ مرةٍ أصلبَ، فسقطت الكستناء على الرصيفِ.
مهتاجاً من الغضب، استدار الرجلُ، فرأى مخلوقاً عجيباً جانبه، لا هو أعرج ولا هو قَزم، كلّه أسمالٌ وشَعرٌ وأسنانٌ مكسورة، أدكنَ من القرد وأعلى مرتبةً. كأن ثمة حياة على ركامٍ مشوّه، كان بشاعةً مجهولةً في هواءٍ مجنونٍ. صرخ البائع لاعناً، وهو يرفع ذراعه؛ فانسحبَ المخلوقُ في عويلٍ غير أرضيّ، لكأنه اختنقَ، من دون أن يكشف عن مَهمّته على الأرضِ.
في تلك الليلةِ، عاد كلّ شيء إلى فراشِ الرجل، ملأ الفحمُ والكستناءُ عينَيه. وخرجت الكلمات من فجوة فمه وهو يبقبق كدوّامات سفينةٍ تغرق. حين استيقظ الرجل أخيراً، أحسّ كأن شيئاً يضغط على قفصه الصدريّ، ناعماً كيدَي أمه المعروقتَين، ثقيلاً كوحدةِ أعوامهِ. لم يلبس ملابسه، فقد رحلت سفينتهُ.
***
الدراجة
وراء فندقٍ فخمٍ في نيودلهي، سورٌ من الخيزران ارتفاعه اثنتا عشرة قدماً، ليحميه من الأكواخ أو أيّ حيٍّ صفيح أو فقير ـ يحمل البؤس أسماء عديدة ـ وينبسط إلى الليل. يستقرّ ما هو محظورٌ هناك وسط الصناديقِ، علب الصفيح، أسطح الأشرعة الممزقة، وسط جداول البراز والنيران الواطئة والظلال الساكنة وهي تومض في الظلام.
متجاهلةً تحذيراتِ البوّاب ـ بخنجرٍ زائف في حزامه ـ اقترحت المرأة نزهةً مسائيةً على حافة الحيّ الفقير. همست لرفيقها: لن نجادل «علي بابا». وهما يتمهّلان أمام شجرة تين عملاقة، لاح فجأة خارجاً من السواد جسمٌ على دراجة، كله رُكبٌ وكيعان، غير مرئيّ تقريباً عدا عينيه بعروقهما الحمراء. اندفع حاقداً نحو المرأة، كمن سيصدمها، قبلما ينحلّ في الهواء. فانحرفت، مترنّحةً، لكن رفيقها توصّل إلى ذراعها قبلما تزلّ في مصرفٍ آسن.
على رغم الحرارة، كانت المرأة ترتجف. حاول الرجل أن يحضنها بين ذراعيه، بفظاظةٍ، فارتُجّت مبتعدة. قفزت، بكتفيها المحدودبين، من دون أن تنظر خلفها.
من ذات مكانٍ، صرخ في رأسها طائرٌ ليليٌّ ـ أهو ما كان يرشد يدَ الشبح على مِقود الدراجة؟ نظر رفيقها حزيناً إلى ظهرها وهي تمضي. تحت الهالة المتّسخة من نور الشارع، كانت صورتها داكنةً.
عبر السنين، كانا ينظران بحقدٍ كلٌ إلى الآخر، في لحظاتٍ نادرة ـ حين يستقلاّن رحلةً إلى مكان فيه ماءُ صنبورٍ ملوّث، حين يسمعان ابنهما، وقد مات في حربٍبعيدة، ينادي عليهما من قبره ـ فيتذكّران راكب الدراجة الشبح، ونذيره الشؤم.
***
الممرّ
كان والده من جزيرة سالونيك اليونانية، بشارب مرتجف، وقد ترك زوجته المصرية في السويس، وجاء ليعيش في سيدني، معه آليكس وهو يتهادى في سيره، عيناه بلون الزيتون الأخضر. ربّته زوجة أبيه وحيداً بعدما مات زوجها اليونانيّ لاهثاً، قضى نحبه فوق فخذيها الأيرلنديتين الحليبيتين. كان الولد يجمع الأصدافَ، نابذاً أياً مما لا تحمل الألوان، أو الشقوق النحيلة. إلامَ تشير هذه الحقائق؟
اكشف عن سلطانك الخياليّ. تصوّر صفائح الأسى المزروعة في أوردة آليكس، تصوّر الكروموسومات المتضاربة ـ البحّارة الفينيقيين، التجّار اليونانيين، الصليبيين المغيرين، الفلاّحين، السُمر الخالدين كالنيل ـ كلّ ذلك مغزول بدمه. في ضوء أستراليته المشوّهة، انظر بدقّة إلى آليكس. هل ترى الذكاء المترنّح على الحافّة؟ نقاط الاشتباك العصبية ضمن دماغه؟
درس الطبّ ـ يناديه الجميع يا دكتور ـ وبعدما ماتت زوجة آليكس وابنه في صدام مروّع على الطريق السريع الدائريّ حول الميناء، اعتاد السير في شوارع سيدني، وهو يلوك ثلاث كلمات كانت على المفارق بلوحة نحاسية أنيقة: حذار من الممرّ. يلوكها في أيّ مكان، من باراماتا إلى خليج واتسون.
يقول العجائز لقد كان آخر يوم في حياة آرثر ستيس، وهو يحاول أن ينقذ العالم. وقال الشابّ، الذي لم يسمع عن ستيس «ماذا؟»، لكن ستيس كان سِكّيراً جوّالاً، طويلاً، محدودباً، ومعتوهاً جذّاباً ـ كلّ شيء عن ألكسندر كان شائعاً ـ وهو جوّال أميّ على نياته، يثرثر عند بلدية «إبره»، ويكتب فحسب كلمة واحدة جميلة «الأبدية»، وذلك في ليلة الألفية الثالثة، حيث كانت المدينة مضاءةً بالأحرف على ارتفاع مئة قدم عبر جسر هاربر.
استحالت الكلمة المحيرة ببطء إلى نفثات دخانٍ. ولا تزال القلّة التي عرفت الدكتور تفهم إخلاصه المستميت كي ينهي شقوق الخليقة. يغلق الممرّ الضخم الذي يفتح مرفأ سيدني على المحيط. (كان آليكس يستشهد من هارت كرين «غمزة الأبدية الواسعة»، وقد أغرق نفسه في بحرٍ آخرَ) وقد أُغلق ذلك الممرّ في حياة ألكسندر، حين صادوه من المياه، بفمٍ مفتوح، وتكشيرةٍ عنيدة.
______
*الاهرام. 25 نوفمبر. 2016
#ايهاب_حسن
اكشف عن سلطانك الخياليّ. تصوّر صفائح الأسى المزروعة في أوردة آليكس، تصوّر الكروموسومات المتضاربة ـ البحّارة الفينيقيين، التجّار اليونانيين، الصليبيين المغيرين، الفلاّحين، السُمر الخالدين كالنيل ـ كلّ ذلك مغزول بدمه. في ضوء أستراليته المشوّهة، انظر بدقّة إلى آليكس. هل ترى الذكاء المترنّح على الحافّة؟ نقاط الاشتباك العصبية ضمن دماغه؟
درس الطبّ ـ يناديه الجميع يا دكتور ـ وبعدما ماتت زوجة آليكس وابنه في صدام مروّع على الطريق السريع الدائريّ حول الميناء، اعتاد السير في شوارع سيدني، وهو يلوك ثلاث كلمات كانت على المفارق بلوحة نحاسية أنيقة: حذار من الممرّ. يلوكها في أيّ مكان، من باراماتا إلى خليج واتسون.
يقول العجائز لقد كان آخر يوم في حياة آرثر ستيس، وهو يحاول أن ينقذ العالم. وقال الشابّ، الذي لم يسمع عن ستيس «ماذا؟»، لكن ستيس كان سِكّيراً جوّالاً، طويلاً، محدودباً، ومعتوهاً جذّاباً ـ كلّ شيء عن ألكسندر كان شائعاً ـ وهو جوّال أميّ على نياته، يثرثر عند بلدية «إبره»، ويكتب فحسب كلمة واحدة جميلة «الأبدية»، وذلك في ليلة الألفية الثالثة، حيث كانت المدينة مضاءةً بالأحرف على ارتفاع مئة قدم عبر جسر هاربر.
استحالت الكلمة المحيرة ببطء إلى نفثات دخانٍ. ولا تزال القلّة التي عرفت الدكتور تفهم إخلاصه المستميت كي ينهي شقوق الخليقة. يغلق الممرّ الضخم الذي يفتح مرفأ سيدني على المحيط. (كان آليكس يستشهد من هارت كرين «غمزة الأبدية الواسعة»، وقد أغرق نفسه في بحرٍ آخرَ) وقد أُغلق ذلك الممرّ في حياة ألكسندر، حين صادوه من المياه، بفمٍ مفتوح، وتكشيرةٍ عنيدة.
______
*الاهرام. 25 نوفمبر. 2016
#ايهاب_حسن
أكتشف وبتلقائيّة أن الناس تضحك وتأتي أفعالًا مُضحكة ، وتفرح وتغني من قلب قلبها حتى وهي تحت وطأة النكبات ، هكذا البشر... وهكذا أيضًا قوّة الحياة ، أسمّيها بلا حرج : مقاومة.
ــ رضوى عاشور
ــ رضوى عاشور
"كنتُ من النوع الذي يعبر المحيط ،
من أجل شخص ، لا يعبر حتى الشارع من أجلي.
لقد اعتذرت كثيراً ، رغم أنني لم أرتكب أي خطأ.
لقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً ، لأُدركَ أنّ الآخرين لم يجعلوني حزينًا أو محبطًا. بل أنا ..
لقد كان اعتقادي الخاطئ ، هو أن كلّ شخص لديه نفس القلب مثلي.
'Jodie Foster
من أجل شخص ، لا يعبر حتى الشارع من أجلي.
لقد اعتذرت كثيراً ، رغم أنني لم أرتكب أي خطأ.
لقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً ، لأُدركَ أنّ الآخرين لم يجعلوني حزينًا أو محبطًا. بل أنا ..
لقد كان اعتقادي الخاطئ ، هو أن كلّ شخص لديه نفس القلب مثلي.
'Jodie Foster
Forwarded from مجلة فكر الثقافية
بكل الحب ..
نستقبل مقالاتكم وأبحاثكم وترجماتكم الأدبية والفكرية وإبداعاتكم على البريد الإلكتروني: info@fikrmag.com
نستقبل مقالاتكم وأبحاثكم وترجماتكم الأدبية والفكرية وإبداعاتكم على البريد الإلكتروني: info@fikrmag.com
استمع إلىعصا جدّتي - قصة قصيرة للكاتبة إيفا ناصر تقرأها الكاتبة فاطمة شاهين عبر Dar the Creative Hub #SoundCloudCloud https://on.soundcloud.com/sUWzY
SoundCloud
قصة قصيرة للكاتبة إيفا ناصر تقرأها الكاتبة فاطمة شاهين
ضمن مشروع #القصة_القصيرة_المقروءة، تقرأ الكاتبة فاطمة شاهين (من جيل #نحن_الكتابة) قصّة "عصا جدّتي" للكاتبة إيفا ناصر (من #الجيل_الثاني) من #ورشة_الكتابة_الإبداعية في #دار_المجمّع_الإبداعي.
ظهرت قصّة "
ظهرت قصّة "
Forwarded from حَرَم الجَمَال
النساء.. والفن ٠١
لماذا لم تكن هناك فنانات عظيمات؟
حيث جادلت بأن القضية الحقيقية لا تكمن في الافتقار إلى الفنانات، بل في العوائق المنهجية أمام التعليم والرعاية وفرص العرض التي جعلتهن غير مرئيات تاريخياً.
حديث عن قصة النساء مع الفن:
https://youtu.be/biZeVNRy-AY?si=N_QEWCNVs2K-A0vW
حسام رزيق
حرم الجمال 🌸
لماذا لم تكن هناك فنانات عظيمات؟
عنوان لمقال ليندا نوتشلين الشهير عام ١٩٧١: حيث جادلت بأن القضية الحقيقية لا تكمن في الافتقار إلى الفنانات، بل في العوائق المنهجية أمام التعليم والرعاية وفرص العرض التي جعلتهن غير مرئيات تاريخياً.
حديث عن قصة النساء مع الفن:
https://youtu.be/biZeVNRy-AY?si=N_QEWCNVs2K-A0vW
حسام رزيق
حرم الجمال 🌸
YouTube
النساء .. والفن | ٠١
نشرت ليندا نوتشلين مقالها الشهير عام ١٩٧١ بعنوان: لماذا لم يكن هناك فنانات عظيمات؟، حيث جادلت بأن القضية الحقيقية لا تكمن في الافتقار إليهن، بل في العوائق المنهجية أمام التعليم والرعاية وفرص العرض التي جعلتهن غير مرئيات تاريخياً.
هذه الحلقات هي محاولة لإظهار…
هذه الحلقات هي محاولة لإظهار…
" ليس عندى هذا الهوس بالكتابة كما لدى بعـض الكتاب، فإذا كتبت فليكن ، و إن لم أكتب فلا أظن أن الناس قد خسروا كثيراً، فأنا لا أؤمن بالكثرة في الإنتاج، إذ ليس ضروريا أن أخرج كـل سنه كتابا.. بل الكتابة تأتي حين يكون الكاتب قد نضج تماما ، وما عنده لا يمكن حبسه أى كما يقول العرب - بلغ السيل الزبى - وكثيرا ما أجد
أناسا كتبوا أشياء رائعة في العالم فأتساءل ": ماذا بوسعي أن أضـيف إلى كل هذا.. بل ما معنى أن أكتب رواية كل شهر ليس لهـا مـضمون ذو
بال كما أننى حقيقة، لا أحس بهذه الرغبة الحادة في الكتابة، غـير أني استمتع
بأشياء أخرى ذلك أن عالم الإبداع يلتهم الحياه ، فحين نقرأ سيرة الكاتب
"بلزاك" مثلا، نجد أن هذا الرجل أفنى عمره ليكتب فالتهم الفـن حياته وقد تأسف على ذلك في آخر سنوات عمره"
الطيب صالح ،
سيره وشهادات من محطات العمر
أناسا كتبوا أشياء رائعة في العالم فأتساءل ": ماذا بوسعي أن أضـيف إلى كل هذا.. بل ما معنى أن أكتب رواية كل شهر ليس لهـا مـضمون ذو
بال كما أننى حقيقة، لا أحس بهذه الرغبة الحادة في الكتابة، غـير أني استمتع
بأشياء أخرى ذلك أن عالم الإبداع يلتهم الحياه ، فحين نقرأ سيرة الكاتب
"بلزاك" مثلا، نجد أن هذا الرجل أفنى عمره ليكتب فالتهم الفـن حياته وقد تأسف على ذلك في آخر سنوات عمره"
الطيب صالح ،
سيره وشهادات من محطات العمر