ضفـة
458 subscribers
1.11K photos
172 videos
98 files
1.5K links
للبحـث عنگ..هناگ..

لـتواصـل @Almurhaf
Download Telegram
لكُلِّ هذا الحزن،
لكُلِّ هذه المُوسيقى المجروحةِ بالنَّسيمِ وألوانِ الورد،
لكُلِّ الأشجارِ الموجوعةِ من شدَّة الليل،
لكُلِّها؛
أعصرُ خمرَ الأيَّام السَّهْرانة في حسابِ المجاهل
أرى البحرَ المُنعكسَ على مياهِ السَّماء
أرى العين ترقص من شدَّة الكلمات:
الزمانُ الأعمى / المسبوقُ أبداً / الذي لا وجودَ له ولا مكان / الغامضُ مطلقاً / الذي لا يعودُ ولا ينفدُ / الشَّفافُ في أرواح الجماد / المُعلَّقُ على جدران الماء / التَّجربةُ بين يدي ربِّها تُحاول ولا تكاد / الأمل المحبوس في قبضة الحنان الألوهي.
حاتم الكناني.
* السودان
‏كحبّة قمحٍ شجاعة تحلمُ بأن تصبح حقلًا!

•نزيه أبو عفش
ماركيز
" من جيفة جسدي المتعفن ،
ستنمو الزهور ،
وأنا فيهم ،
وهذا هو الخلود . "

#إدفارد_مونش
Forwarded from الكناري..
عدنان العمري

#قراءات_في_حضرة_امرأة_قمرية
--25--
_________
شاءَكِ الغيابْ...
وقلبي خدين الحزن
على أملٍ رطبٍ
يتعتع وحشة المنافي
و يحمـ...لقُ في البعيدْ ...
.. بالبعيدِ
يجيء الليل
أو لا يجيء الليل ...
هو ماء الحنين
يسيل بالأسماء والأشعار
والنساء والرفاق...
وبغتة تطفو الكوامن
في عمق القلب فـ أجيء
مثل ليلٍ يهبط ثقيلًا
على شرفات الوحيدين
يسامر البيوت والشبابيك ..
وحلم صبية
تسرح بفستانها المشجر
وشاطئ في البعيدْ ....
.. بالبعيدِ
ممعن في أثر الخطوات
وأمعنُ أكثر مما ينبغي برغبةٍ
يـ ـتـ ـفـ ـصـ ـد
عنها النوم بين ذراعيك
و خدرٌ بالحدس
يجتاحني في البعيدْ ....
.. بالبعيدِ
شاءَك الغيابْ...
و شيءٌ من نافل القول قلبي
كمدينة مشاءَة للخرابِ ...
قلبي الذي روما
وكل الجهات نيرون ...
فمن دربك ?..
يا وجه الحدائق في طلعة نيسان
لتشبهين بالغيابِ
أعواد الثقابْ !...
من دربك ?..
يا هذا اللون الكوفي
الواضح في سجعِ الليلْ..
لتأخذ كالطير
من القلب أكنانًا
وتحوم كلَّ الديار في البعيدْ ...
..بالبعيدِ
شاءَكِ الغيابْ ..
وغاب عن يديك الملطختين بالتلويح
عاشقٌ أطلق الساق للجهات
وذاب في البعيدْ ...
..بالبعيدِ
ها أنا كما الصوفي
في نوبة المدد
تصوفت بك حد أني
رأيت الندبة في قلبك
حشد خيبات في دَمِي ...
حد أنك هئتِ ولكأنك
واحة ضمٍّ
لا تعرف الحرمان ...
ومددٌ ..
مددْ ..
رأيت فاكهةً والنخل ذات الأكمام ..
وقلتُ هاتي خيولك
تشرب من زرقتي وتطوحي
وتخيب مكر السرابْ
في البعيد ...
بالبعيدِ
صحتُ
هذا التاريخ
لا يذكر النساء
اللاتي قضين في ليل سيناء
ويذكر وجوه الرؤساء...
هذا التاريخ لا يعرف
صبايا المصاطب والحجلة
في صحن المخيم
ويعرف تاريخ الردم ...
فها جسدي هاكيه سيناءً
ويداك نيلٌ عريق ...
ها قلبي هاكيه مخيمًا
يحن "لـ قوار الزرع" على الشبابيك ...
ويقرأ في بياض العمر
أقاحي مشكوكة
في حلكة ضفيرتك ...
وخذيني وصدري
لو شامة نغفو على الزند مرةً ...
وخذيني
من النقيض إلى النقيض ...
أتقمص اللون في خيط المطر
وأفوت عميقًا.. عميقًا
أفوت.. أفوت
إلى بهجة تفيض ....
خذيني
لو أرتج غزالان مذعوران
من حمى الاشتياق
تحت الثيابْ...
في البعيدْ...
..بالبعيدِ
أي تنوير أكثر من وجهك
الطالعُ كطالعِ السمار في حظ العناق
والقلب يبابْ ..
يقارع وجه العالم الناشف
في البعيدْ...
..بالبعيدِ
لست أحار بين موتين
ما بين موت يشرح الطريق إليك
كخاتمةٍ
أو أندب الفوات في الأواوين
وأموت ألف مرةً
على الوسادة ...
و لست أناقش قمرًا
بالخسوف يضارع شرفة الخد..
قمرٌ يحسبه الراؤونْ..
من فرط الحلكة شامةْ...
يا هذا القمر المتعبْ
الذي جواب البحر لموال السفن
منذ الرحيل ساكتٌ...
مثلكُ أيها القمر قلبي
مقيم على الشباك
يطالع في خشوع الليل في البعيدْ...
بالبعيد
شاءك الغياب ...
وأنا لم أزل
أقايض المواويل والقصائد
بأحزان العشاقِ
وأقرأ بالغصن الملوح بالشجر
صبية على عتبة البحار
لم يقرأ التاريخ منها
إلا الجسد الذي مد أقاليمه
نحو البحر ...
و ذاب في البعيد ...
من أجمل ما كتبه الأديب الفلسطيني/ مريد البرغوثي الي زوجته الروائية المصرية الراحلة رضوى عاشور:

أنتِ وأنا.. إلى رضوى عاشور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنتِ جميلةٌ كوطنٍ مُحرَّر،
وأنا مُتعَبٌ كوطنٍ مُحتلّ

أنتِ حزينةٌ كمخذولٍ يُقاوِم..
وأنا مُستَنهَضٌ كحربٍ وشيكَة

أنتِ مُشتهاةٌ كتوقّف الغارة
وأنا مخلوعُ القلب كالباحثِ بين الأنقاضْ!

أنتِ جَسورةٌ كَطَيّارٍ يتدرّب..
وأنا فخورٌ كجدّته

أنتِ ملهوفةٌ كوالد المريض
وأنا هادئٌ كمُمَرِّضَة

كلانا جامحٌ كالانتقام..
كلانا وديعٌ كالعفْو

أنتِ قويّةٌ كأعمِدة المَحْكَمَة
وأنا دَهِشٌ كَمَغْبونْ

وكلما التقينا
تحدَّثْنا بلا توقّف، كمحامِيَيْنْ
عن العالَمْ!

* طال الشتات - مريد البرغوثي 1983.
Forwarded from HekmahOrg
علي شريعتي وتجديد الفكر الديني - عبدالرزاق الجبران
http://bit.ly/1RZSbpY
...
"فالسلالات التي قدر لها القدر مائة عام من العزلة،
لا يمنحها القدر على الارض فرصة أخرى!."
- ماركيز -
الطريق بين قريتين
1
جلست الى الحائط الإسمنتي
احَدثُ نفسي
فتفتْت
2
السلك النحاسي المجدول حول عنقي
شمس سالتْ
علي
3
هو منحدر من فوهة الغيب و لا عيب آتٍ سواي
4
الرحيل انا و الرجل العتيق في نهار ٍ ٍ ٍ صاخبٍ ٍ ٍ
منونٌ بالكسرةِ
كأنني شبه جملةٍ يا حبيبي
5
الليل لا يكذب
و لا نكذب عليه
6
قميصي المشجر يتساقط كل خريف
قميصي تهزه قدماي
7
أخدود من فضة و الجسر الذهب
الطريق بين قريتين
8
اليوم اكملتُ لكم
وجهيَ في المرآة
9
الحزن مدخنة .... الوجع قطار
10
احرس كهفي المتحرك
اجره خلفي
تابوت
11
البقع على ساعدي المالح وشم
و حنين
12
خيّطت بالركضِ
فتقاً في الهواء
13
الغروب
ان تجعل قلبكَ
مقراً للصمتِ
او
لموسيقا البحر
14
انتعلت هواء غرفة صغيرة كي أنام عاريا
15
النهر علته حذائي الذي تركته و انا اصعد الجبل
16
من منحوتاتي القيمة
وجهي
ليس للريح سواه
17
لا ينام من يفترش الريح
18
هواءٌ يتربع كأنه بوذا
ذلك الرجل الذي خرج من قميصي
ليلة أمس
19
ينتعلُ العتمةَ فلا ظلَّ له و لا صورة
20
كلما مالت الارض
غصّ الهواء بضلع او اكثر
21
اكلتك النار .... ففرّ الفراشُ إليك
22
كلما زرتكِ ضيّعتُ مفتاح بيتي
23
السيدة التي تزور القبور كل شتاء
اسلاكُ مظلتها قفصي الصدري
24
ستحصلين على سرير آخر
فوق هذه الارض
شجرتان و بدني
25
وضعتً بحيرة طبريا في اسطوانة حبر صغيرة
لأكتبَ سيرة جدي
26
السماء حوض ماء
و قلبي خزان

شعر: يونس العطاري
إخــترنــا لــكم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصة قصيرة :
"الموت أقوى من الحُبُّ"
* غابريل غارسيا ماركيز

عندما وجد السيناتور أونيسمو سانشيز امرأة التي انتظرها طوال عمره، كان لا يزال أمامه ستة أشهر وأحد عشر يوماً قبل أن توافيه المنية. وكان قد التقاها في روزال دل فيري، وهي قرية متخيّلة، كانت تستخدم كرصيف ميناء سري لسفن المهربين في الليل، أما في وضح النهار، فكانت أشبه بمنفذ لا فائدة منه يفضي إلى الصحراء، وتواجه بحراً قاحلاً لا اتجاه له، وكانت قرية نائية وبعيدة عن أي شيء، إلى درجة أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون بوسع أي انسان أن يغيّر مصير أي فرد من سكانها. حتى أن اسمها كان يثير الضحك نوعا ما، وذلك لأن الوردة الوحيدة الموجودة في تلك القرية كان يضعها السيناتور أونيسمو سانشيز في سترته عصر ذلك اليوم الذي التقى فيه لورا فارينا.

وكانت كذلك محطة إجبارية في الحملة الانتخابية التي كان يقوم بها السيناتور كلّ أربع سنوات. فقد كانت عربات الكرنفال قد وصلت في الصباح الباكر، ثم تبعتها الشاحنات التي تقل الهنود الذين كانوا يُستأجرون ويُنقلون إلى المدن الصغيرة لزيادة عدد الحشود في الاحتفالات العامة وتضخيمها. وقبل الساعة الحادية عشرة بقليل، وصلت السيارة التابعة للوزارة التي يشبه لونها لون مشروب الفراولة الغازي، بالإضافة إلى السيارات التي تقل الموسيقيين، والألعاب النارية، وسيارات الجيب التي تقل أفراد الحاشية. أما السيناتور أونيسمو سانشيز، فكان يجلس مسترخياً في سيارته المكيّفة، لكنه ما أن فتح باب السيارة، حتى هبّت عليه نفحة قوية من اللهب، وعلى الفور تبلل قميصه المصنوع من الحرير الصافي، وأصبح وكأنه قد غمس في حساء فاتح اللون، واعتراه شعور بأنه كبر عدة سنوات، وأحس بالوحدة على نحو لم يشعر به من قبل. في الحياة الحقيقية، كان قد بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد تخرّج من جامعة غوتينجين بدرجة شرف كمهندس في استخراج المعادن. كان قارئاً نهماً للأعمال الكلاسيكية اللاتينية المترجمة ترجمة ركيكة. وكان السيناتور زوج امرأة ألمانية متألقة أنجبت له خمسة أطفال، وكانوا جميعهم يعيشون بسعادة في بيتهم، وكان هو أكثرهم سعادة إلى أن أخبروه، منذ ثلاثة أشهر، بأنه سيموت ميتة أبدية قبل أن يحل عيد الميلاد القادم.

وفيما كانت التحضيرات للاجتماع الحاشد على وشك أن تُستكمل، تمكّن السيناتور من الاختلاء بنفسه لمدة ساعة في البيت الذي كانوا قد أعدّوه له ليرتاح فيه. وقبل أن يتمدد على الفراش، وضع الوردة التي حافظ عليها طوال رحلته عبر الصحراء في كأس مليء بمياه الشرب، وابتلع الحبوب التي أخذها معه ليتحاشى تناول قطع لحم العنز المقلّي التي كانت تنتظره أثناء النهار، وتناول عدّة حبوب مسكّنة قبل وقتها المحدد خشية أن يعتريه الألم. ثم وضع المروحة الكهربائية قرب الأرجوحة واستلقى عارياً لمدة خمس عشرة دقيقة في ظلّ الوردة، وبذل جهداً كبيراً كي يبعد فكرة الموت عنه كي يغفو قليلاً. وفيما عدا الأطباء، لم يكن أحد يعرف أن أمامه أياماً معدودات سيعيشها، لأنه قرّر أن يبقي سرّه طي الكتمان، وأن لا يغيّر شيئاً في حياته، لا بدافع من الكبرياء، بل بسبب الخجل والخزي.

أحسّ أنه يمتلك زمام أموره عندما خرج للقاء الجمهور للمرة الثانية في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، مرتاحاً ونظيفاً، وهو يرتدي بنطالاً من الكتّان الخشن، وقميصاً مزّهراً، وكانت الحبوب المضادة للألم قد ساعدته في إضفاء شيء من السكينة على روحه. غير أن التآكل الذي كان الموت يحدثه فيه أكثر خبثاً مما كان يظن، لأنه ما أن صعد إلى المنصة، حتى اعتراه شعور غريب بالازدراء للذين كانوا يسعون جاهدين لأن يحظوا بشرف مصافحته، ولم يشعر بالأسف، كما في السابق، على جموع الهنود الذين قلما كان بوسعهم تحمّل جمرات نترات البوتاسيوم الملتهبة تحت أقدامهم الحافية في الساحة الصغيرة المجدبة. وبحركة من يده أوقف التصفيق، بغضب تقريباً، وبدأ يتكلم دون أن تبدو على وجهه أية تعابير محددة. وكانت عيناه مثبتتين على البحر الذي كان يئن تحت وطأة لهيب الحرارة. وكان صوته العميق الموزون يشبه المياه الراكدة، لكنه كان يعرف أنه لم يكن يقول الصدق في الخطاب الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب، والذي كان قد ألقاه أمام الجموع مرات كثيرة، بل كان يناقض أقوال ماركوس أوريليوس صاحب النزعة الجبرية في كتاب تأملاته الرابع.
"إننا هنا لكي نلحق الهزيمة بالطبيعة"، بدأ خطابه بخلاف كلّ قناعاته. " لن نصبح لقطاء في بلدنا بعد الآن، أيتام الله في عالم العطش والمناخ الرديء، منفيين في أرض آبائنا وأجدادنا. بل سنكون أناساً مختلفين، أيها السيدات والسادة، سنكون أناساً عظماء وسعداء".

كان ثمة نمط معين في هذا السيرك الذي يقوم به. ففيما كان يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة المنتصبة من ألواح خشبية، وتطير باتجاه البحر. وفي الوقت
نفسه، كان رجال آخرون يفرغون بعض جذوع الأشجار من الشاحنات، ويغرسونها في تربة نترات البوتاسيوم وراء الجموع الحاشدة. وكانوا قد أقاموا واجهة كرتونية من بيوت خيالية من الآجر الأحمر ذات نوافذ زجاجية، وأخفوا وراءها الأكواخ الحقيقية البائسة.
أطال السيناتور خطابه مستشهداً باقتباسين اثنين باللغة اللاتينية ليطيل أمد المهزلة. ووعد الحشد بآلات تصنع المطر، وبأجهزة نقّالة لتربية حيوانات المائدة، وبزيوت السعادة التي تجعل الخضراوات تنمو في تربة نترات البوتاسيوم، وبشتلات من أزهار الثالوث المزروعة في أصص. وعندما رأى أنه استطاع أن يخلق عالمه الخيالي، أشار إليه بيده، وصاح بأعلى صوته: "ذاك الدرب سيكون دربنا، أيها السيدات والسادة. انظروا! ذاك الدرب سيكون لنا".
التفت الحشد. كانت سفينة مصنوعة من الورق الملّون تعبر وراء البيوت، وكانت أطول من أعلى بيت في المدينة الاصطناعية. وعندها لاحظ السيناتور، أنها بعد أن شُيدت وأُنزلت وحُملت من مكان إلى مكان آخر، التهم الطقس الشنيع البلدة الكرتونية المتداخلة، وكادت تصبح سيئة كما هو حال قرية روزال دل فيري.

وللمرة الأولى منذ اثتني عشرة سنة، لم يتوجه نلسن فارينا ليرحب بالسيناتور. بل كان يستمع إلى خطاب السيناتور وهو مستلق على أرجوحته في ما تبقى من قيلولته، تحت ظلال عريشة البيت ذي الألواح غير المستوية، الذي بناه بيديّ الصيدلي اللتين جرّ فيهما زوجته الأولى والتي قطعّها إلى أشلاء. ثم هرب من جزيرة الشيطان، وظهر في روزال ديل فيري على متن سفينة محمّلة بببغاوات بريئة من نوع المقو، برفقة امرأة سوداء جميلة كافرة، كان قد التقى بها في باراماريبو وأنجب منها فتاة. لكن المرأة ماتت لأسباب طبيعية بعد فترة قصيرة، ولم تلق مصير المرأة الأخرى، التي ساهمت أعضاؤها المقطعّة إرباً في تسميد قطعة الأرض المزروعة بالقنبيط، بل ووريت التراب بكامل جسدها، محتفظة باسمها الهولندي، في المقبرة المحلية. وقد ورثت الابنة لون أمها وقوامها الجميل، فضلاً عن عينيّ أبيها الصفراوين المندهشتين، وكان يحق له أن يعتقد أنه كان يربّي أجمل امرأة في العالم.
ومنذ أن اجتمع بالسيناتور أونيسمو سانشيز خلال حملته الانتخابية الأولى، طلب منه نلسن فارينا أن يساعده في الحصول على بطاقة هوية مزورة تجعله في منأى عن قبضة القانون. إلا أن السيناتور رفض بطريقة ودّية، ولكن حازمة. غير أن نلسن فارينا لم يستسلم، بل ظل ولسنوات عديدة، وكلما أتيحت له الفرصة، يكرّر طلبه بأساليب مختلفة. أما هذه المرة، فقد بقي في أرجوحته، وقد كتب عليه أن يتعفّن حياً في عرين القراصنة اللاهب ذاك. وعندما سمع التصفيق الأخير، رفع رأسه، وأخذ يتطلع من فوق ألواح السياج، ورأى الجانب الخلفي من المهزلة: الدعائم التي أُحضرت للمباني، جذوع الأشجار، والمخادعين المتوارين الذين يدفعون السفينة فوق المحيط. ثم بصق بإحساس مفعم بالحقد والازدراء.
وبعد أن ألقى كلمته، أخذ السيناتور كدأبه يجوب شوارع القرية وسط أنغام الموسيقى والأسهم النارية، وقد تحلّق حوله سكان القرية، الذين راحوا يبثون له شكاويهم ومشاكلهم. وكان السيناتور يصغي إليهم باهتمام وود شديدين ولم يكن يتورع عن مواساة كلّ فرد منهم، دون أن يقدم لأي منهم أي خدمات هامة. وتمكنت امرأة تقف على سطح أحد المنازل مع أطفالها الستة الصغار من أن تُسمعه صوتها وسط الضجيج وأصوات الأسهم النارية.
"إني لا أطلب الكثير، أيها السيناتور"، قالت"، "حمار واحد فقط لأتمكن من سحب الماء من بئر الرجل المشنوق".
لاحظ السيناتور الأطفال النحاف الستة وسألها: "ماذا حدث لزوجك؟"
"ذهب يبحث عن الثروة في جزيرة أروبا"، أجابت المرأة بروح دمثة، "وعثر على امرأة أجنبية، من النوع الذي يضع الماس في أسنانهن".
أحدث الجواب عاصفة من الضحك.
"حسناً، قرّر السيناتور، " ستحصلين على حمارك".
وما هي إلا لحظات، حتى أحضر أحد مساعديه حماراً مزوداً بسرج جيد إلى بيت المرأة، وقد دُوِّن على كفله شعار من شعارات الحملة الانتخابية بطلاء لا يمكن إزالته لكي لا ينسى أحد أبداً أنه هدية من السيناتور.
وعلى امتداد الشارع القصير، قام ببعض الأعمال الصغيرة الأخرى، بل وحتى قدم ملعقة دواء للرجل المريض الذي أمر بإخراج سريره ووضعه عند باب بيته كي يتمكن من رؤية السيناتور عندما يمرّ.
في الزاوية الأخيرة تلك، ومن خلال ألواح السياج، رأى نلسن فارينا وهو مستلق في أرجوحته، وقد بدا شاحباً وكئيباً، لكن ومع ذلك، حيّاه السيناتور دون أن يبدي له أية مشاعر بالمودّة.
"مرحباً، كيف حالك؟"
التفت نلسن فارينا من فوق أرجوحته ورمقه بنظرته المفعمة بالارتياب والغّل.
"أنا، كما تعرف"، قال.
خرجت ابنته إلى الباحة عندما سمعت التحية.
كانت ترتدي فستاناً هندياً رخيصاً من نوع غواجيرو، وكانت تزّين رأسها أقواس ملوّنة، وكانت قد دهنت وجهها بأصباغ لتقيه من أشعة الشمس. إلا أنه، حتى في وضعها السيئ ذاك، يستطيع المرء أن يتصور أنه لا توجد امرأة أخرى في جمالها على وجه البسيطة كلها. وقف السيناتور منقطع ال
أنفاس وقال بدهشة: "اللعنة. يفعل الله أكثر الأشياء جنوناً".

في تلك الليلة، جعل نلسن فارينا ابنته ترتدي أجمل ثيابها، وبعث بها إلى السيناتور. وطلب منها الحارسان المسلحان بالبنادق اللذان كانا يهزان رأسيهما من شدة الحرارة في البيت المستعار، أن تنتظر على الكرسي الوحيد في الردهة.
كان السيناتور يعقد في الغرفة المجاورة اجتماعاً مع أناس على قدر من الأهمية في روزال دل فالي، الذين كان قد جمعهم لينشد على مسامعهم الحقائق التي لم يكن قد ذكرها في خطابه، والذين كانوا يشبهون إلى درجة كبيرة جميع من كان يلتقي بهم في البلدات الصحراوية كلها. وكان قد بدأ يعتري السيناتور الملل ويشعر بالتعب من تلك الجلسات الليلية التي لم تكن تتوقف. كان قميصه مبللاً بالعرق، وكان يحاول أن يجففه على جسده من التيار الحار المنبعث من المروحة الكهربائية التي كانت تصدر طنيناً كطنين ذبابة الفرس في وسط الحرارة اللاهبة التي تغمر الغرفة.
قال: "بالطبع لا نستطيع أن نأكل طيوراً ورقية" ثم أضاف: "إنكم تعرفون، وأنا أعرف أن اليوم الذي ستنمو فيه الأشجار والأزهار في كومة روث العنزات هذه، وفي اليوم الذي سيحل سمك الشابل محل الديدان في برك الماء، عندها، لن يعود لكم، ولن يعود لي شيء هنا، هل تفهمون ما أقوله لكم؟"
لم يحر أحد جواباً. وفيما كان السيناتور يتكلم، مزّق صفحة من التقويم، وشكّل منها بيديه فراشة ورقية، ثم ألقاها نحو تيار الهواء المنبعث من المروحة، فراحت الفراشة تتطاير حول الغرفة، ثم خرجت وانسلت عبر شق الباب الموارب. وتابع السيناتور كلامه، بعد أن تمالك نفسه، يساعده في ذلك الموت المتواطئ معه.
وأضاف: "لذلك، لا يتعين عليّ أن أكرّر على أسماعكم ما تعرفونه جيداً: بأن انتخابي مرة أخرى هو لمصلحتكم أنتم أكثر مما هو لمصلحتي أنا، لأني سئمت المياه الراكدة وعرق الهنود، في الوقت الذي تكسبون فيه أنتم، أيها الناس، رزقكم منه".
رأت لورا فارينا الفراشة الورقية وهي تنسرب من باب الغرفة. رأتها فقط لأن الحارسين في البهو كانا يغطان في النوم وهما جالسين على الدرج، يعانق كل منهما بندقيته. وبعد أن دارت عدة دورات، انفتحت الفراشة المثنية بكاملها، وارتطمت بالحائط، والتصقت به. حاولت لورا فارينا أن تقتلعها بأظافرها. إلا أن أحد الحارسين، الذي استيقظ على صوت تصفيق منبعث من الغرفة المجاورة، لاحظ محاولتها العقيمة.
"لا يمكنك اقتلاعها"، قال بفتور، "إنها مرسومة على الحائط". عادت لورا فارينا وجلست عندما بدأ الرجال يخرجون من الاجتماع. وقف السيناتور عند مدخل الغرفة ويده على المزلاج. ولم يلحظ لورا فارينا إلا عندما أضحت الردهة خاوية.
"ماذا تفعلين هنا؟"
قالت: "لقد أرسلني أبي".
فهم السيناتور . أمعن النظر في الحارسين النائمين، ثم تمعّن في لورا فارينا، التي كان جمالها الفائق يفوق ألمه، وهنا عرف أن الموت هو الذي اتخذ قراره نيابة عنه.
"ادخلي" قال لها.
وقفت لورا فارينا والدهشة تعتريها عند مدخل الغرفة: كانت آلاف من الأوراق النقدية تتطاير في الهواء، تخفق كالفراشات. لكن السيناتور أطفأ المروحة، فتوقفت عن السباحة في الهواء وأخذت تتهاوى وتتساقط فوق قطع الأثاث في الغرفة.
"كما ترين"، قال مبتسماً، " حتى الخراء يمكن أن يطير".
جلست لورا فارينا على المقعد المدرسي. كانت بشرتها ناعمة ومشدودة، وبلون النفط الخام وكثافته،
وكان شعرها مثل عرف فرس صغيرة، وكانت عيناها الواسعتان تمنحان بريقاً أكثر لمعاناً من وهج الضوء. وتبع السيناتور مسار نظرتها ووجد أخيراً الوردة التي تلوثت بنترات البوتاسيوم.
قال: "إنها وردة".
"نعم" قالت وفي صوتها نبرة ارتباك. "لقد شاهدتها عندما كنت في ريوهاتشا".
جلس السيناتور على السرير العسكري، وراح يتحدث عن الورود فيما بدأ يفك أزرار قميصه. وعلى الجانب الذي كان يخيّل إليه أن قلبه موجود فيه داخل صدره، كان قد رُسم وشم في شكل قلب يخترقه سهم. ألقى القميص المبلل على الأرض وطلب من لورا فارينا أن تساعده في خلع حذائه الطويل.
جثت أمام السرير. لم يبعد السيناتور عينيه عنها وهو يتمعن فيها بدقّة، وفيما كانت تفكّ رباط حذائه، كان يتساءل من منهما سيكون سيء الحظ من لقائهما هذا.
قال: "إنك مجرد طفلة".
قالت: "قد لا تصدق. سأبلغ التاسعة عشرة من عمري في شهر نيسان القادم". أبدى السيناتور مزيداً من الاهتمام.
"في أيّ يوم؟"
قالت: "في اليوم الحادي عشر".
أحس السيناتور بأنه أصبح أفضل حالاً، ثم قال: " ننتمي كلانا إلى برج الحمل"، ثم أضاف مبتسماً:
"إنه برج العزلة".
لم تكن لورا فارينا تبدي اهتماماً بما كان يقوله لأنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بالحذاء. أما السيناتور، فلم يكن يعرف ماذا يفعل بلورا فارينا، لأنه لم يكن قد اعتاد مثل علاقات الحبّ المفاجئة هذه، كما أنه كان يعرف أن أصل هذه العلاقة يعود إلى الذل والمهانة. ولكي يتاح له قليل من الوقت للتفكير، أمسك لورا فارينا بإحكام بين ركبتيه، وضمها حول خصرها، واستلقى على ظهره فوق السرير. ثم أدرك أنها كانت عارية تحت ثيابها، بعد
أن انبعثت من جسدها رائحة قوية من عطر حيوان الغابة، لكن قلبها كان واجفاً، وكسا جلدها عرق جليدي.
"لا أحد يحبّنا"، قال متنهداً.
حاولت لورا فارينا أن تقول شيئاً، لكن لم يكن لديها من الهواء سوى قدر يكفيها كي تتنفس. جعلها تستلقي بجانبه ليساعدها، وأطفأ الضوء وأصبحت الغرفة في ظلّ الوردة. استسلمت إلى رحمة قدرها. وراح السيناتور يداعبها ببطء، يسعى إليها بيده، يلمسها لمساً خفيفاً، لكنه صادف شيئاً حديدياً يعوق طريقه في البقعة التي كان يسعى إليها.
"ماذا تضعين هناك؟"
قالت: "قفل".
"لماذا بحق السماء!" قال السيناتور غاضباً وسأل عن الشيء الذي يعرفه جيداً. "أين المفتاح؟"
تنفست لورا فارينا الصعداء.
أجابت: "إنه موجود عند أبي"، وأضافت: "لقد طلب مني أن أخبرك بأن ترسل أحداً من رجالك للحصول عليه، وأن ترسل معه وعداً خطياً بأنك ستحلّ مشكلته".
ازداد السيناتور توتراً. ودمدم ساخطاً: "يا له من ضفدع ابن زنى". ثم أغمض عينيه ليسترخي وألقى بنفسه في الظلام. تذكّر، تذكّر، سواء كنت أنت أو شخصاً آخر، فلن تمضي في هذه الحياة فترة طويلة وستموت حتى لن يبقى أحد يلهج باسمك.
انتظر حتى تلاشت القشعريرة التي اعترته.
سألها: "قولي لي شيئاً واحداً: ماذا سمعت عني؟"
"هل تريد أن أقول الحق؟"
"الحق".
قالت لورا فارينا: "حسناً، إنهم يقولون إنك أسوأ من الآخرين لأنك مختلف".
لم ينزعج السيناتور. لاذ بالصمت لفترة طويلة وهو مغمض العينين. وعندما فتحهما ثانية، بدا أنه أفاق من أكثر غرائزه المثيرة للخوف.
ثم قرّر: "أوه، بحقّ السماء، قولي لأبيك ابن العاهرة بأنني سأحلّ مشكلته".
"إذا أردت، يمكنني أن أذهب وأجلب المفتاح بنفسي"، قالت لورا فارينا، لكن السيناتور أوقفها.
قال: "انسِ أمر المفتاح، ونامي قليلاً معي. جميل أن يكون بصحبة المرء أحد عندما يكون وحيداً تماماً".
ثم وضعت رأسه على كتفها، وعيناها مثبتتان على الوردة. طوّق السيناتور خصرها بذراعيه، ودفن وجهه في إبطها الذي تفوح منه رائحة حيوان الغابة، واستسلم للرعب. وبعد ستة أشهر وأحد عشر يوماً مات وهو في تلك الوضعية ذاتها، مُحتقراً ومُهاناً بسبب الفضيحة التي شاعت بأنه كان مع لورا فارينا وكان يبكي بحرقة لأنه مات بدونها.

* المصدر/من صفحة غابرييل غارسيا ماركيز.
#مكتبة_أغردات_العامة
بالريَّاح التي
أطربت النافذة
بالعويل الذي يطرقُ الباب
ثمَّ
يختفي في هديلِ الشجر
بالطير
يصيبُ السماءَ بالطيران
ويرحلُ..
بالذي لا يُصدّق
من هوْل,
بمَكر الحياة الرحيم الرحيم
وبالتهلكة
ألقِ بنفسِك في البحر
قبْلَ النجاة.
حاتم الكناني
*السودان