في المنفى سلمٌ وهدوءٌ
تجدون الجنة في المنفى!
الجنة .. في عبق اللوز ..
ورائحة الليمون
الجنة في حبات تراب تفهم لغتي ..
تدرك كم أعشقها.
الجنة في رائحة الحقل البائر
في أصوات ثكالى يندبن الزوج..
وفقد الابن..
الجنة في قلب الأم..
وعين الطفل المتيتم.
الجنة.. أن أطلي بدمائي جدران البيت.
أن تُقرع أجراس المهد..
وتقام صلاة الجمعة تحت سماء الحرية
الجنة في قلبي..
أحملها للمنفى ! "
- أشرف فيّاض
تجدون الجنة في المنفى!
الجنة .. في عبق اللوز ..
ورائحة الليمون
الجنة في حبات تراب تفهم لغتي ..
تدرك كم أعشقها.
الجنة في رائحة الحقل البائر
في أصوات ثكالى يندبن الزوج..
وفقد الابن..
الجنة في قلب الأم..
وعين الطفل المتيتم.
الجنة.. أن أطلي بدمائي جدران البيت.
أن تُقرع أجراس المهد..
وتقام صلاة الجمعة تحت سماء الحرية
الجنة في قلبي..
أحملها للمنفى ! "
- أشرف فيّاض
لكُلِّ هذا الحزن،
لكُلِّ هذه المُوسيقى المجروحةِ بالنَّسيمِ وألوانِ الورد،
لكُلِّ الأشجارِ الموجوعةِ من شدَّة الليل،
لكُلِّها؛
أعصرُ خمرَ الأيَّام السَّهْرانة في حسابِ المجاهل
أرى البحرَ المُنعكسَ على مياهِ السَّماء
أرى العين ترقص من شدَّة الكلمات:
الزمانُ الأعمى / المسبوقُ أبداً / الذي لا وجودَ له ولا مكان / الغامضُ مطلقاً / الذي لا يعودُ ولا ينفدُ / الشَّفافُ في أرواح الجماد / المُعلَّقُ على جدران الماء / التَّجربةُ بين يدي ربِّها تُحاول ولا تكاد / الأمل المحبوس في قبضة الحنان الألوهي.
حاتم الكناني.
* السودان
لكُلِّ هذه المُوسيقى المجروحةِ بالنَّسيمِ وألوانِ الورد،
لكُلِّ الأشجارِ الموجوعةِ من شدَّة الليل،
لكُلِّها؛
أعصرُ خمرَ الأيَّام السَّهْرانة في حسابِ المجاهل
أرى البحرَ المُنعكسَ على مياهِ السَّماء
أرى العين ترقص من شدَّة الكلمات:
الزمانُ الأعمى / المسبوقُ أبداً / الذي لا وجودَ له ولا مكان / الغامضُ مطلقاً / الذي لا يعودُ ولا ينفدُ / الشَّفافُ في أرواح الجماد / المُعلَّقُ على جدران الماء / التَّجربةُ بين يدي ربِّها تُحاول ولا تكاد / الأمل المحبوس في قبضة الحنان الألوهي.
حاتم الكناني.
* السودان
Forwarded from الكناري..
عدنان العمري
#قراءات_في_حضرة_امرأة_قمرية
--25--
_________
شاءَكِ الغيابْ...
وقلبي خدين الحزن
على أملٍ رطبٍ
يتعتع وحشة المنافي
و يحمـ...لقُ في البعيدْ ...
.. بالبعيدِ
يجيء الليل
أو لا يجيء الليل ...
هو ماء الحنين
يسيل بالأسماء والأشعار
والنساء والرفاق...
وبغتة تطفو الكوامن
في عمق القلب فـ أجيء
مثل ليلٍ يهبط ثقيلًا
على شرفات الوحيدين
يسامر البيوت والشبابيك ..
وحلم صبية
تسرح بفستانها المشجر
وشاطئ في البعيدْ ....
.. بالبعيدِ
ممعن في أثر الخطوات
وأمعنُ أكثر مما ينبغي برغبةٍ
يـ ـتـ ـفـ ـصـ ـد
عنها النوم بين ذراعيك
و خدرٌ بالحدس
يجتاحني في البعيدْ ....
.. بالبعيدِ
شاءَك الغيابْ...
و شيءٌ من نافل القول قلبي
كمدينة مشاءَة للخرابِ ...
قلبي الذي روما
وكل الجهات نيرون ...
فمن دربك ?..
يا وجه الحدائق في طلعة نيسان
لتشبهين بالغيابِ
أعواد الثقابْ !...
من دربك ?..
يا هذا اللون الكوفي
الواضح في سجعِ الليلْ..
لتأخذ كالطير
من القلب أكنانًا
وتحوم كلَّ الديار في البعيدْ ...
..بالبعيدِ
شاءَكِ الغيابْ ..
وغاب عن يديك الملطختين بالتلويح
عاشقٌ أطلق الساق للجهات
وذاب في البعيدْ ...
..بالبعيدِ
ها أنا كما الصوفي
في نوبة المدد
تصوفت بك حد أني
رأيت الندبة في قلبك
حشد خيبات في دَمِي ...
حد أنك هئتِ ولكأنك
واحة ضمٍّ
لا تعرف الحرمان ...
ومددٌ ..
مددْ ..
رأيت فاكهةً والنخل ذات الأكمام ..
وقلتُ هاتي خيولك
تشرب من زرقتي وتطوحي
وتخيب مكر السرابْ
في البعيد ...
بالبعيدِ
صحتُ
هذا التاريخ
لا يذكر النساء
اللاتي قضين في ليل سيناء
ويذكر وجوه الرؤساء...
هذا التاريخ لا يعرف
صبايا المصاطب والحجلة
في صحن المخيم
ويعرف تاريخ الردم ...
فها جسدي هاكيه سيناءً
ويداك نيلٌ عريق ...
ها قلبي هاكيه مخيمًا
يحن "لـ قوار الزرع" على الشبابيك ...
ويقرأ في بياض العمر
أقاحي مشكوكة
في حلكة ضفيرتك ...
وخذيني وصدري
لو شامة نغفو على الزند مرةً ...
وخذيني
من النقيض إلى النقيض ...
أتقمص اللون في خيط المطر
وأفوت عميقًا.. عميقًا
أفوت.. أفوت
إلى بهجة تفيض ....
خذيني
لو أرتج غزالان مذعوران
من حمى الاشتياق
تحت الثيابْ...
في البعيدْ...
..بالبعيدِ
أي تنوير أكثر من وجهك
الطالعُ كطالعِ السمار في حظ العناق
والقلب يبابْ ..
يقارع وجه العالم الناشف
في البعيدْ...
..بالبعيدِ
لست أحار بين موتين
ما بين موت يشرح الطريق إليك
كخاتمةٍ
أو أندب الفوات في الأواوين
وأموت ألف مرةً
على الوسادة ...
و لست أناقش قمرًا
بالخسوف يضارع شرفة الخد..
قمرٌ يحسبه الراؤونْ..
من فرط الحلكة شامةْ...
يا هذا القمر المتعبْ
الذي جواب البحر لموال السفن
منذ الرحيل ساكتٌ...
مثلكُ أيها القمر قلبي
مقيم على الشباك
يطالع في خشوع الليل في البعيدْ...
بالبعيد
شاءك الغياب ...
وأنا لم أزل
أقايض المواويل والقصائد
بأحزان العشاقِ
وأقرأ بالغصن الملوح بالشجر
صبية على عتبة البحار
لم يقرأ التاريخ منها
إلا الجسد الذي مد أقاليمه
نحو البحر ...
و ذاب في البعيد ...
#قراءات_في_حضرة_امرأة_قمرية
--25--
_________
شاءَكِ الغيابْ...
وقلبي خدين الحزن
على أملٍ رطبٍ
يتعتع وحشة المنافي
و يحمـ...لقُ في البعيدْ ...
.. بالبعيدِ
يجيء الليل
أو لا يجيء الليل ...
هو ماء الحنين
يسيل بالأسماء والأشعار
والنساء والرفاق...
وبغتة تطفو الكوامن
في عمق القلب فـ أجيء
مثل ليلٍ يهبط ثقيلًا
على شرفات الوحيدين
يسامر البيوت والشبابيك ..
وحلم صبية
تسرح بفستانها المشجر
وشاطئ في البعيدْ ....
.. بالبعيدِ
ممعن في أثر الخطوات
وأمعنُ أكثر مما ينبغي برغبةٍ
يـ ـتـ ـفـ ـصـ ـد
عنها النوم بين ذراعيك
و خدرٌ بالحدس
يجتاحني في البعيدْ ....
.. بالبعيدِ
شاءَك الغيابْ...
و شيءٌ من نافل القول قلبي
كمدينة مشاءَة للخرابِ ...
قلبي الذي روما
وكل الجهات نيرون ...
فمن دربك ?..
يا وجه الحدائق في طلعة نيسان
لتشبهين بالغيابِ
أعواد الثقابْ !...
من دربك ?..
يا هذا اللون الكوفي
الواضح في سجعِ الليلْ..
لتأخذ كالطير
من القلب أكنانًا
وتحوم كلَّ الديار في البعيدْ ...
..بالبعيدِ
شاءَكِ الغيابْ ..
وغاب عن يديك الملطختين بالتلويح
عاشقٌ أطلق الساق للجهات
وذاب في البعيدْ ...
..بالبعيدِ
ها أنا كما الصوفي
في نوبة المدد
تصوفت بك حد أني
رأيت الندبة في قلبك
حشد خيبات في دَمِي ...
حد أنك هئتِ ولكأنك
واحة ضمٍّ
لا تعرف الحرمان ...
ومددٌ ..
مددْ ..
رأيت فاكهةً والنخل ذات الأكمام ..
وقلتُ هاتي خيولك
تشرب من زرقتي وتطوحي
وتخيب مكر السرابْ
في البعيد ...
بالبعيدِ
صحتُ
هذا التاريخ
لا يذكر النساء
اللاتي قضين في ليل سيناء
ويذكر وجوه الرؤساء...
هذا التاريخ لا يعرف
صبايا المصاطب والحجلة
في صحن المخيم
ويعرف تاريخ الردم ...
فها جسدي هاكيه سيناءً
ويداك نيلٌ عريق ...
ها قلبي هاكيه مخيمًا
يحن "لـ قوار الزرع" على الشبابيك ...
ويقرأ في بياض العمر
أقاحي مشكوكة
في حلكة ضفيرتك ...
وخذيني وصدري
لو شامة نغفو على الزند مرةً ...
وخذيني
من النقيض إلى النقيض ...
أتقمص اللون في خيط المطر
وأفوت عميقًا.. عميقًا
أفوت.. أفوت
إلى بهجة تفيض ....
خذيني
لو أرتج غزالان مذعوران
من حمى الاشتياق
تحت الثيابْ...
في البعيدْ...
..بالبعيدِ
أي تنوير أكثر من وجهك
الطالعُ كطالعِ السمار في حظ العناق
والقلب يبابْ ..
يقارع وجه العالم الناشف
في البعيدْ...
..بالبعيدِ
لست أحار بين موتين
ما بين موت يشرح الطريق إليك
كخاتمةٍ
أو أندب الفوات في الأواوين
وأموت ألف مرةً
على الوسادة ...
و لست أناقش قمرًا
بالخسوف يضارع شرفة الخد..
قمرٌ يحسبه الراؤونْ..
من فرط الحلكة شامةْ...
يا هذا القمر المتعبْ
الذي جواب البحر لموال السفن
منذ الرحيل ساكتٌ...
مثلكُ أيها القمر قلبي
مقيم على الشباك
يطالع في خشوع الليل في البعيدْ...
بالبعيد
شاءك الغياب ...
وأنا لم أزل
أقايض المواويل والقصائد
بأحزان العشاقِ
وأقرأ بالغصن الملوح بالشجر
صبية على عتبة البحار
لم يقرأ التاريخ منها
إلا الجسد الذي مد أقاليمه
نحو البحر ...
و ذاب في البعيد ...
من أجمل ما كتبه الأديب الفلسطيني/ مريد البرغوثي الي زوجته الروائية المصرية الراحلة رضوى عاشور:
أنتِ وأنا.. إلى رضوى عاشور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنتِ جميلةٌ كوطنٍ مُحرَّر،
وأنا مُتعَبٌ كوطنٍ مُحتلّ
أنتِ حزينةٌ كمخذولٍ يُقاوِم..
وأنا مُستَنهَضٌ كحربٍ وشيكَة
أنتِ مُشتهاةٌ كتوقّف الغارة
وأنا مخلوعُ القلب كالباحثِ بين الأنقاضْ!
أنتِ جَسورةٌ كَطَيّارٍ يتدرّب..
وأنا فخورٌ كجدّته
أنتِ ملهوفةٌ كوالد المريض
وأنا هادئٌ كمُمَرِّضَة
كلانا جامحٌ كالانتقام..
كلانا وديعٌ كالعفْو
أنتِ قويّةٌ كأعمِدة المَحْكَمَة
وأنا دَهِشٌ كَمَغْبونْ
وكلما التقينا
تحدَّثْنا بلا توقّف، كمحامِيَيْنْ
عن العالَمْ!
* طال الشتات - مريد البرغوثي 1983.
أنتِ وأنا.. إلى رضوى عاشور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنتِ جميلةٌ كوطنٍ مُحرَّر،
وأنا مُتعَبٌ كوطنٍ مُحتلّ
أنتِ حزينةٌ كمخذولٍ يُقاوِم..
وأنا مُستَنهَضٌ كحربٍ وشيكَة
أنتِ مُشتهاةٌ كتوقّف الغارة
وأنا مخلوعُ القلب كالباحثِ بين الأنقاضْ!
أنتِ جَسورةٌ كَطَيّارٍ يتدرّب..
وأنا فخورٌ كجدّته
أنتِ ملهوفةٌ كوالد المريض
وأنا هادئٌ كمُمَرِّضَة
كلانا جامحٌ كالانتقام..
كلانا وديعٌ كالعفْو
أنتِ قويّةٌ كأعمِدة المَحْكَمَة
وأنا دَهِشٌ كَمَغْبونْ
وكلما التقينا
تحدَّثْنا بلا توقّف، كمحامِيَيْنْ
عن العالَمْ!
* طال الشتات - مريد البرغوثي 1983.
Forwarded from HekmahOrg
"فالسلالات التي قدر لها القدر مائة عام من العزلة،
لا يمنحها القدر على الارض فرصة أخرى!."
- ماركيز -
لا يمنحها القدر على الارض فرصة أخرى!."
- ماركيز -
الطريق بين قريتين
1
جلست الى الحائط الإسمنتي
احَدثُ نفسي
فتفتْت
2
السلك النحاسي المجدول حول عنقي
شمس سالتْ
علي
3
هو منحدر من فوهة الغيب و لا عيب آتٍ سواي
4
الرحيل انا و الرجل العتيق في نهار ٍ ٍ ٍ صاخبٍ ٍ ٍ
منونٌ بالكسرةِ
كأنني شبه جملةٍ يا حبيبي
5
الليل لا يكذب
و لا نكذب عليه
6
قميصي المشجر يتساقط كل خريف
قميصي تهزه قدماي
7
أخدود من فضة و الجسر الذهب
الطريق بين قريتين
8
اليوم اكملتُ لكم
وجهيَ في المرآة
9
الحزن مدخنة .... الوجع قطار
10
احرس كهفي المتحرك
اجره خلفي
تابوت
11
البقع على ساعدي المالح وشم
و حنين
12
خيّطت بالركضِ
فتقاً في الهواء
13
الغروب
ان تجعل قلبكَ
مقراً للصمتِ
او
لموسيقا البحر
14
انتعلت هواء غرفة صغيرة كي أنام عاريا
15
النهر علته حذائي الذي تركته و انا اصعد الجبل
16
من منحوتاتي القيمة
وجهي
ليس للريح سواه
17
لا ينام من يفترش الريح
18
هواءٌ يتربع كأنه بوذا
ذلك الرجل الذي خرج من قميصي
ليلة أمس
19
ينتعلُ العتمةَ فلا ظلَّ له و لا صورة
20
كلما مالت الارض
غصّ الهواء بضلع او اكثر
21
اكلتك النار .... ففرّ الفراشُ إليك
22
كلما زرتكِ ضيّعتُ مفتاح بيتي
23
السيدة التي تزور القبور كل شتاء
اسلاكُ مظلتها قفصي الصدري
24
ستحصلين على سرير آخر
فوق هذه الارض
شجرتان و بدني
25
وضعتً بحيرة طبريا في اسطوانة حبر صغيرة
لأكتبَ سيرة جدي
26
السماء حوض ماء
و قلبي خزان
شعر: يونس العطاري
1
جلست الى الحائط الإسمنتي
احَدثُ نفسي
فتفتْت
2
السلك النحاسي المجدول حول عنقي
شمس سالتْ
علي
3
هو منحدر من فوهة الغيب و لا عيب آتٍ سواي
4
الرحيل انا و الرجل العتيق في نهار ٍ ٍ ٍ صاخبٍ ٍ ٍ
منونٌ بالكسرةِ
كأنني شبه جملةٍ يا حبيبي
5
الليل لا يكذب
و لا نكذب عليه
6
قميصي المشجر يتساقط كل خريف
قميصي تهزه قدماي
7
أخدود من فضة و الجسر الذهب
الطريق بين قريتين
8
اليوم اكملتُ لكم
وجهيَ في المرآة
9
الحزن مدخنة .... الوجع قطار
10
احرس كهفي المتحرك
اجره خلفي
تابوت
11
البقع على ساعدي المالح وشم
و حنين
12
خيّطت بالركضِ
فتقاً في الهواء
13
الغروب
ان تجعل قلبكَ
مقراً للصمتِ
او
لموسيقا البحر
14
انتعلت هواء غرفة صغيرة كي أنام عاريا
15
النهر علته حذائي الذي تركته و انا اصعد الجبل
16
من منحوتاتي القيمة
وجهي
ليس للريح سواه
17
لا ينام من يفترش الريح
18
هواءٌ يتربع كأنه بوذا
ذلك الرجل الذي خرج من قميصي
ليلة أمس
19
ينتعلُ العتمةَ فلا ظلَّ له و لا صورة
20
كلما مالت الارض
غصّ الهواء بضلع او اكثر
21
اكلتك النار .... ففرّ الفراشُ إليك
22
كلما زرتكِ ضيّعتُ مفتاح بيتي
23
السيدة التي تزور القبور كل شتاء
اسلاكُ مظلتها قفصي الصدري
24
ستحصلين على سرير آخر
فوق هذه الارض
شجرتان و بدني
25
وضعتً بحيرة طبريا في اسطوانة حبر صغيرة
لأكتبَ سيرة جدي
26
السماء حوض ماء
و قلبي خزان
شعر: يونس العطاري
إخــترنــا لــكم:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة قصيرة :
"الموت أقوى من الحُبُّ"
* غابريل غارسيا ماركيز
عندما وجد السيناتور أونيسمو سانشيز امرأة التي انتظرها طوال عمره، كان لا يزال أمامه ستة أشهر وأحد عشر يوماً قبل أن توافيه المنية. وكان قد التقاها في روزال دل فيري، وهي قرية متخيّلة، كانت تستخدم كرصيف ميناء سري لسفن المهربين في الليل، أما في وضح النهار، فكانت أشبه بمنفذ لا فائدة منه يفضي إلى الصحراء، وتواجه بحراً قاحلاً لا اتجاه له، وكانت قرية نائية وبعيدة عن أي شيء، إلى درجة أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون بوسع أي انسان أن يغيّر مصير أي فرد من سكانها. حتى أن اسمها كان يثير الضحك نوعا ما، وذلك لأن الوردة الوحيدة الموجودة في تلك القرية كان يضعها السيناتور أونيسمو سانشيز في سترته عصر ذلك اليوم الذي التقى فيه لورا فارينا.
وكانت كذلك محطة إجبارية في الحملة الانتخابية التي كان يقوم بها السيناتور كلّ أربع سنوات. فقد كانت عربات الكرنفال قد وصلت في الصباح الباكر، ثم تبعتها الشاحنات التي تقل الهنود الذين كانوا يُستأجرون ويُنقلون إلى المدن الصغيرة لزيادة عدد الحشود في الاحتفالات العامة وتضخيمها. وقبل الساعة الحادية عشرة بقليل، وصلت السيارة التابعة للوزارة التي يشبه لونها لون مشروب الفراولة الغازي، بالإضافة إلى السيارات التي تقل الموسيقيين، والألعاب النارية، وسيارات الجيب التي تقل أفراد الحاشية. أما السيناتور أونيسمو سانشيز، فكان يجلس مسترخياً في سيارته المكيّفة، لكنه ما أن فتح باب السيارة، حتى هبّت عليه نفحة قوية من اللهب، وعلى الفور تبلل قميصه المصنوع من الحرير الصافي، وأصبح وكأنه قد غمس في حساء فاتح اللون، واعتراه شعور بأنه كبر عدة سنوات، وأحس بالوحدة على نحو لم يشعر به من قبل. في الحياة الحقيقية، كان قد بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد تخرّج من جامعة غوتينجين بدرجة شرف كمهندس في استخراج المعادن. كان قارئاً نهماً للأعمال الكلاسيكية اللاتينية المترجمة ترجمة ركيكة. وكان السيناتور زوج امرأة ألمانية متألقة أنجبت له خمسة أطفال، وكانوا جميعهم يعيشون بسعادة في بيتهم، وكان هو أكثرهم سعادة إلى أن أخبروه، منذ ثلاثة أشهر، بأنه سيموت ميتة أبدية قبل أن يحل عيد الميلاد القادم.
وفيما كانت التحضيرات للاجتماع الحاشد على وشك أن تُستكمل، تمكّن السيناتور من الاختلاء بنفسه لمدة ساعة في البيت الذي كانوا قد أعدّوه له ليرتاح فيه. وقبل أن يتمدد على الفراش، وضع الوردة التي حافظ عليها طوال رحلته عبر الصحراء في كأس مليء بمياه الشرب، وابتلع الحبوب التي أخذها معه ليتحاشى تناول قطع لحم العنز المقلّي التي كانت تنتظره أثناء النهار، وتناول عدّة حبوب مسكّنة قبل وقتها المحدد خشية أن يعتريه الألم. ثم وضع المروحة الكهربائية قرب الأرجوحة واستلقى عارياً لمدة خمس عشرة دقيقة في ظلّ الوردة، وبذل جهداً كبيراً كي يبعد فكرة الموت عنه كي يغفو قليلاً. وفيما عدا الأطباء، لم يكن أحد يعرف أن أمامه أياماً معدودات سيعيشها، لأنه قرّر أن يبقي سرّه طي الكتمان، وأن لا يغيّر شيئاً في حياته، لا بدافع من الكبرياء، بل بسبب الخجل والخزي.
أحسّ أنه يمتلك زمام أموره عندما خرج للقاء الجمهور للمرة الثانية في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، مرتاحاً ونظيفاً، وهو يرتدي بنطالاً من الكتّان الخشن، وقميصاً مزّهراً، وكانت الحبوب المضادة للألم قد ساعدته في إضفاء شيء من السكينة على روحه. غير أن التآكل الذي كان الموت يحدثه فيه أكثر خبثاً مما كان يظن، لأنه ما أن صعد إلى المنصة، حتى اعتراه شعور غريب بالازدراء للذين كانوا يسعون جاهدين لأن يحظوا بشرف مصافحته، ولم يشعر بالأسف، كما في السابق، على جموع الهنود الذين قلما كان بوسعهم تحمّل جمرات نترات البوتاسيوم الملتهبة تحت أقدامهم الحافية في الساحة الصغيرة المجدبة. وبحركة من يده أوقف التصفيق، بغضب تقريباً، وبدأ يتكلم دون أن تبدو على وجهه أية تعابير محددة. وكانت عيناه مثبتتين على البحر الذي كان يئن تحت وطأة لهيب الحرارة. وكان صوته العميق الموزون يشبه المياه الراكدة، لكنه كان يعرف أنه لم يكن يقول الصدق في الخطاب الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب، والذي كان قد ألقاه أمام الجموع مرات كثيرة، بل كان يناقض أقوال ماركوس أوريليوس صاحب النزعة الجبرية في كتاب تأملاته الرابع.
"إننا هنا لكي نلحق الهزيمة بالطبيعة"، بدأ خطابه بخلاف كلّ قناعاته. " لن نصبح لقطاء في بلدنا بعد الآن، أيتام الله في عالم العطش والمناخ الرديء، منفيين في أرض آبائنا وأجدادنا. بل سنكون أناساً مختلفين، أيها السيدات والسادة، سنكون أناساً عظماء وسعداء".
كان ثمة نمط معين في هذا السيرك الذي يقوم به. ففيما كان يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة المنتصبة من ألواح خشبية، وتطير باتجاه البحر. وفي الوقت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة قصيرة :
"الموت أقوى من الحُبُّ"
* غابريل غارسيا ماركيز
عندما وجد السيناتور أونيسمو سانشيز امرأة التي انتظرها طوال عمره، كان لا يزال أمامه ستة أشهر وأحد عشر يوماً قبل أن توافيه المنية. وكان قد التقاها في روزال دل فيري، وهي قرية متخيّلة، كانت تستخدم كرصيف ميناء سري لسفن المهربين في الليل، أما في وضح النهار، فكانت أشبه بمنفذ لا فائدة منه يفضي إلى الصحراء، وتواجه بحراً قاحلاً لا اتجاه له، وكانت قرية نائية وبعيدة عن أي شيء، إلى درجة أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون بوسع أي انسان أن يغيّر مصير أي فرد من سكانها. حتى أن اسمها كان يثير الضحك نوعا ما، وذلك لأن الوردة الوحيدة الموجودة في تلك القرية كان يضعها السيناتور أونيسمو سانشيز في سترته عصر ذلك اليوم الذي التقى فيه لورا فارينا.
وكانت كذلك محطة إجبارية في الحملة الانتخابية التي كان يقوم بها السيناتور كلّ أربع سنوات. فقد كانت عربات الكرنفال قد وصلت في الصباح الباكر، ثم تبعتها الشاحنات التي تقل الهنود الذين كانوا يُستأجرون ويُنقلون إلى المدن الصغيرة لزيادة عدد الحشود في الاحتفالات العامة وتضخيمها. وقبل الساعة الحادية عشرة بقليل، وصلت السيارة التابعة للوزارة التي يشبه لونها لون مشروب الفراولة الغازي، بالإضافة إلى السيارات التي تقل الموسيقيين، والألعاب النارية، وسيارات الجيب التي تقل أفراد الحاشية. أما السيناتور أونيسمو سانشيز، فكان يجلس مسترخياً في سيارته المكيّفة، لكنه ما أن فتح باب السيارة، حتى هبّت عليه نفحة قوية من اللهب، وعلى الفور تبلل قميصه المصنوع من الحرير الصافي، وأصبح وكأنه قد غمس في حساء فاتح اللون، واعتراه شعور بأنه كبر عدة سنوات، وأحس بالوحدة على نحو لم يشعر به من قبل. في الحياة الحقيقية، كان قد بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد تخرّج من جامعة غوتينجين بدرجة شرف كمهندس في استخراج المعادن. كان قارئاً نهماً للأعمال الكلاسيكية اللاتينية المترجمة ترجمة ركيكة. وكان السيناتور زوج امرأة ألمانية متألقة أنجبت له خمسة أطفال، وكانوا جميعهم يعيشون بسعادة في بيتهم، وكان هو أكثرهم سعادة إلى أن أخبروه، منذ ثلاثة أشهر، بأنه سيموت ميتة أبدية قبل أن يحل عيد الميلاد القادم.
وفيما كانت التحضيرات للاجتماع الحاشد على وشك أن تُستكمل، تمكّن السيناتور من الاختلاء بنفسه لمدة ساعة في البيت الذي كانوا قد أعدّوه له ليرتاح فيه. وقبل أن يتمدد على الفراش، وضع الوردة التي حافظ عليها طوال رحلته عبر الصحراء في كأس مليء بمياه الشرب، وابتلع الحبوب التي أخذها معه ليتحاشى تناول قطع لحم العنز المقلّي التي كانت تنتظره أثناء النهار، وتناول عدّة حبوب مسكّنة قبل وقتها المحدد خشية أن يعتريه الألم. ثم وضع المروحة الكهربائية قرب الأرجوحة واستلقى عارياً لمدة خمس عشرة دقيقة في ظلّ الوردة، وبذل جهداً كبيراً كي يبعد فكرة الموت عنه كي يغفو قليلاً. وفيما عدا الأطباء، لم يكن أحد يعرف أن أمامه أياماً معدودات سيعيشها، لأنه قرّر أن يبقي سرّه طي الكتمان، وأن لا يغيّر شيئاً في حياته، لا بدافع من الكبرياء، بل بسبب الخجل والخزي.
أحسّ أنه يمتلك زمام أموره عندما خرج للقاء الجمهور للمرة الثانية في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، مرتاحاً ونظيفاً، وهو يرتدي بنطالاً من الكتّان الخشن، وقميصاً مزّهراً، وكانت الحبوب المضادة للألم قد ساعدته في إضفاء شيء من السكينة على روحه. غير أن التآكل الذي كان الموت يحدثه فيه أكثر خبثاً مما كان يظن، لأنه ما أن صعد إلى المنصة، حتى اعتراه شعور غريب بالازدراء للذين كانوا يسعون جاهدين لأن يحظوا بشرف مصافحته، ولم يشعر بالأسف، كما في السابق، على جموع الهنود الذين قلما كان بوسعهم تحمّل جمرات نترات البوتاسيوم الملتهبة تحت أقدامهم الحافية في الساحة الصغيرة المجدبة. وبحركة من يده أوقف التصفيق، بغضب تقريباً، وبدأ يتكلم دون أن تبدو على وجهه أية تعابير محددة. وكانت عيناه مثبتتين على البحر الذي كان يئن تحت وطأة لهيب الحرارة. وكان صوته العميق الموزون يشبه المياه الراكدة، لكنه كان يعرف أنه لم يكن يقول الصدق في الخطاب الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب، والذي كان قد ألقاه أمام الجموع مرات كثيرة، بل كان يناقض أقوال ماركوس أوريليوس صاحب النزعة الجبرية في كتاب تأملاته الرابع.
"إننا هنا لكي نلحق الهزيمة بالطبيعة"، بدأ خطابه بخلاف كلّ قناعاته. " لن نصبح لقطاء في بلدنا بعد الآن، أيتام الله في عالم العطش والمناخ الرديء، منفيين في أرض آبائنا وأجدادنا. بل سنكون أناساً مختلفين، أيها السيدات والسادة، سنكون أناساً عظماء وسعداء".
كان ثمة نمط معين في هذا السيرك الذي يقوم به. ففيما كان يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة المنتصبة من ألواح خشبية، وتطير باتجاه البحر. وفي الوقت