ضفـة
462 subscribers
1.11K photos
171 videos
97 files
1.49K links
للبحـث عنگ..هناگ..

لـتواصـل @Almurhaf
Download Telegram
‏قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، فإياك أن تعتقد أنك تفهمني بمجرد أنني تحدثت إليك

- دوستويفسكي
‏"الكلمات الآتية من القلب لاتنطق أبدًا، إنما تعلق بالحلق، ولا تستطيع قراءتها سوى العيون". | ساراماغو
رسـالة إلي إيليـن
رسالة إلى إيلين


عزيزتي إيلين، الآن انتهيتُ من فضّ حقائبي. أنت عظيمة ولست أدري ماذا أفعل بدونك. كل شيء يلزمني وضعتِهِ في الحقائب. تسعة قمصان “فان هوسن” ثلاثة منها لا تحتاج للكيّ. “أغسلها وأنشفها وألبسها”. وأنت تعلمين أنني لن أفعل شيئاً من هذا القبيل. ربطة العنق التي اشتريتها لي في العام الماضي في بوند ستريت، وجدتها مع خمس كرافتات أخرى. “خمس كرافتات تكفيك، أنت لن تخرج كثيراً ولن يدعوك أحد لحفلة، وإذا دُعيت فلا تذهب”. كم أحببتكِ لأنكِ تذكرتِ أن تضعي في حقائبي هذه الربطة، ربطة عنق قرمزية اللون، واحدة من ملايين الأشياء الصغيرة التي تشد قلبي إليك.

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، بعد ثمانية أشهر من معرفتي إياكِ، في القطار الذي يسير تحت الأرض، الساعة السادسة، والناس مزدحمون، ونحن واقفان وأنتِ متكئة عليّ، فجأة قلت لك “إنني أحبك… أريد أن أتزوجك”. إحمرّ خداكِ، والتفتَ الناس إلينا. طيلة ثمانية أشهر عرفتك فيها لم أقل لك أنني أحبك. كنت أتهرب وأداري وأزوغ. ثم فجأة وسط الزحام، في الساعة السادسة مساء، حين يعود الناس التعبون، مرهقين إلى بيوتهم بعد عملٍ شاق طيلة اليوم، فجأة خرجت الكلمة المحرَّمة من فمي وكأنني محموم يهذي.

لا أعلم أي شيطان حرّك لساني، أي ثائر أثارني، ولكنني شعرتُ بسعادة عظيمة، في تلك الساعة، في ذلك الجو الخانق، بين تلك الوجوه الكالحة المكدودة التي اختفت وراء صُحف المساء. ولما خرجنا ضغطتِ على يدي بشدة، ورأيتُ في عينيك طيفاً من دموع، وقلت لي “إنك مهووس. أنت أهوس رجل على وجه البسيطة. ولكنني أحبك. إذا رأيت أن تتزوجني فأنت وشأنك”.

ثمانية أشهر وأنا أتهرب وأحاور وأحاضر. أحاضرك في الفوارق التي تفرقنا. الدين والبلد والجنس. أنت من ابردين في اسكتلندا، وأنا من الخرطوم. أنت مسيحية، وأنا مسلم. أنت صغيرة مرحة متفائلة، وأنا قلبي فيه جروح بعدُ لم تندمل. أي شيء حببني فيكِ؟ أنت شقراء زرقاء العينين ممشوقة الجسم، تحبين السباحة ولعب التنس، وأنا طول عمري أحنُّ إلى فتاة سمراء، واسعة العينين، سوداء الشعر، شرقية السمات، هادئة الحركة. أي شيء حبَّبكِ فيَّ، أنا الضائع الغريب، أحمل في قلبي هموم جيل بأسره؟ أنا المغرور القلق المتقلب المزاج؟ “لا تتعب عقلك في تفسير كل شيء. أنت حصان هرم من بلد متأخر، وقد أراد القدر أن يصيبني بحبك. هذا كل ما في الأمر. تذكر قول شيكسبير. كيوبيد طفل عفريت. ومن عفرتته أنه أصاب قلبي بحب طامة كبيرة، مثلك”. وتضحكين، ويقع شعرك الذهبي على وجهك فتردِّينه بيدك، ثم تضحكين ضحكتك التي تحاكي رنين الفضة. وذهبنا إلى مطعم صيني واحتفلنا، وكنتُ نسيتُ أن اليوم هو يوم ميلادي. أنا لا أحفل بأمسي ولا بيومي وأنت تحفلين بكل شيء. أنت تذكرتِ، فأحضرتِ ربطة العنق القرمزية هذه. كم أحبكِ لأنك وضعتها بين متاعي.

عزيزتي إيلين، هذه هي الليلة الأولى بدونك، منذ عام. منذ عام كامل. ثلاثمائة وخمس وستون ليلة، وأنت تشاركينني فراشي، تنامين على ذراعي، تختلط أنفاسنا وعطر أجسادنا، تحلمين أحلامي، تقرئين أفكاري، تحضِّرين إفطاري، نستحم معاً في حمام واحد، نستعمل فرشاة أسنان واحدة، تقرئين الكتاب وتخبرينني بمحتواه فأكتفي بكِ فلا أقرأه.

تزوجتني، تزوجت شرقاً مضطرباً على مفترق الطرق، تزوجت شمساً قاسية الشعاع، تزوجت فكراً فوضويًا، وآمالاً ظمأى كصحارى قومي. الليلة الأولى عداك يا طفلة من ابردين ـ وضعتها الأقدار في طريقي. تبنّيتك وآخيتني. “يا أختاه، يا أختاه”. البذلة الرمادية التي تؤثرينها ـ “ثلاث بِدَل أكثر من الكفاية. رجل متزوج يقضي شهراً مع أهله لن يحفل بك أحد، ولن تهتم بك صبايا بلدك، ولا حاجة بك إلى هندمة نفسك والاعتناء بشكلك. ومهما يكن فإن شكلك لا تجدي معه هندمة. اذهب وعد إليّ سليماً: إذا ضحكت لك منهنَّ فتاة فكشر في وجهها”. اطمئني، فلن تضحك لي فتاة. أنا في حسابهنَّ كنخلة على الشاطئ اقتلعها التيار وجرفها بعيداً عن منبتها. أنا في حسابهنَّ تجارة كسدت. لكن ما أحلى الكساد معك.

الليلة الأولى بدونك. وبعدها ليالٍ ثلاثون كمفازة ليس لها آخر. سأجلس على صخرة قبالة دارنا وأتحدث إليك. أنا واثق أنك تسمعينني. أنا واثق أن الرياح والكهرباء التي في الأثير والهواجس التي تهجس في الكون، سترهف آذانها، وستحمل حديثي إليك. موجات هوج من قلبي، تستقبلها محطة في قلبك. حين تنامي مدّي ذراعك حيث أضع رأسي على الوسادة، فإنني هناك معك. حين تستيقظين قولي “صباح الخير” فإنني سأسمع وأرد. أجل سأسمع. أنا الآن أسمع صوتك العذب الواضح تقولين لي “اسعَدَ في عطلتك ولكن لا تسعد أكثر مما يجب. تذكر أنني هنا أتضوى وأنتظرك. ستكون مع أهلك فلا تنسَ إنك برحيلك ستتركني بلا أهل”.

أتمّ الخطاب وثناه أربع ثنيات ووضعه في الغلاف، ثم كتب العنوان. ورفعه بين إصبعيه وتمعنه طويلاً في صمت كأن فيه سراً عظيماً. نادى أخاه الصغير وأمره بإلقائه في البريد. مرَّت بعد ذلك مدة لم يعرف حسابها، لعلها طالت أو قصرت، وهو جالس حيث هو لايسمع
ولا يرى شيئاً. وفجأة سمع ضحكة عالية تتناهى إليه من الجناح الشمالي في البيت. ضحكة أمه. واتضح لأذنيه اللغط، لغط النساء اللائي جئنَّ يهنئنَّ أمه بوصوله سالماً من البلد البعيد. كلهنَّ قريباته. فيهنَّ العمة والخالة وابنة العم وابنة الخالة.

وظل كذلك برهة. ثم جاء أبوه ومعه حشد من الرجال. كلهم أقرباؤه. سلموا عليه وجلسوا. جيء بالقهوة والشاي وعصير البرتقال وعصير الليمون. شيء يشبه الاحتفال. سألوه أسئلة رد عليها، ثم بدأوا في حديثهم الذي ظلوا يتحدثونه طول حياتهم. وشعر في قلبه بالإمتنان لهم أنهم تركوه وشأنه. وفجأة تضخمتْ في ذهنه فكرة ارتاع لها. هؤلاء القوم قومه. قبيلة ضخمة هو فرد منها. ومع ذلك فهم غرباء عنه. هو غريب بينهم. قبل أعوام كان خلية حيّة في جسم القبيلة المترابط. كان يغيب فيخلف فراغاً لا يمتلئ حتى يعود. وحين يعود يصافحه أبوه ببساطة وتضحك أمه كعادتها ويعامله بقية أهله بلا كلفة طوال الأيام التي غابها. أما الآن، أبوه احتضنه بقوة، وأمه ذرفت الدموع وبقية أهله بالغوا في الترحيب به. هذه المبالغة هي التي أزعجته. كأن إحساسهم الطبيعي قد فتر فدعموه بالمبالغة. “طويل الجرحِ يغري بالتناسي”. وسمع صوت إيلين واضحاً عذباً تقول له وهي تودعه “أرجو من كل قلبي أن تجد أهلك كما تركتهم، لم يتغيروا. أهم من ذلك من أن تكون أنت لم تتغير نحوهم”. آه منك يا زمان النزوح.

 

_____________________
* قصة للأديب السوداني الكبير: الطيب صالح. نشرت ضمن مجموعته: “دومة ود حامد” – 1997م.
ميثم راضي
Forwarded from Deleted Account
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
Forwarded from ضفـة
فيلم قصـير
مقتبس من قصة للكاتب برگة ساكن
#وصمة_وطن

اخراج
مجتبي محمود
درويش
تنسي گأنگ لم تگن

👇👇
تُنْسَى كمصرع طائرٍ

ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى،

كحبّ عابرٍ

وكوردةٍ في الليل .... تُنْسَى

أَنا للطريق...هناك من سَبَقَتْ خُطَاهُ خُطَايَ

مَنْ أَمْلَى رُؤاهُ على رُؤَايَ. هُنَاكَ مَنْ

نَثَرَ الكلام على سجيَّتِه ليدخل في الحكايةِ

أَو يضيءَ لمن سيأتي بعدَهُ

أَثراً غنائياً...وحدسا

تُنْسَى, كأنك لم تكن

شخصاً, ولا نصّاً... وتُنْسَى

أَمشي على هَدْيِ البصيرة، رُبّما

أُعطي الحكايةَ سيرةً شخصيَّةً. فالمفرداتُ

تسُوسُني وأسُوسُها. أنا شكلها
وهي التجلِّي الحُرُّ. لكنْ قيل ما سأقول.

يسبقني غدٌ ماضٍ. أَنا مَلِكُ الصدى.

لا عَرْشَ لي إلاَّ الهوامش. و الطريقُ

هو الطريقةُ. رُبَّما نَسِيَ الأوائلُ وَصْفَ

شيء ما، أُحرِّكُ فيه ذاكرةً وحسّا
تُنسَى، كأنِّكَ لم تكن

خبراً، ولا أَثراً... وتُنْسى

أَنا للطريق... هناك مَنْ تمشي خُطَاهُ

على خُطَايَ, وَمَنْ سيتبعني إلى رؤيايَ.

مَنْ سيقول شعراً في مديح حدائقِ المنفى،

أمامَ البيت، حراً من عبادَةِ أمسِ،

حراً من كناياتي ومن لغتي, فأشهد

أَنني حيُّ

وحُرُّ

حين أُنْسي
إقرأ
تجـد...
أگتب
تگـن...
جناَيةُ القَارِئ المُتَوَاطِئ


يحفل النَّص السَّردي بمناخٍ يُغري القارئ بالتفاعل مع "الأحداث"، إلى الدَّرجة التي يكون فيها من السَّهل على البعض أن يقع في إشكاليَّات قرائيَّةٍ كبيرةٍ جدًا، متعلّقةٍ بطبيعة النَّص السَّردي نفسه؛ إذ يجد القارئ نفسه مُتماهيًا مع السَّرد، وشخوصه، وأحداثه. هذا التَّماهي -في حد ذاته درجةٌ- يطمح كثيرٌ من الكُتَّاب إلى توصيل القرَّاء إليها، ولكن التَّماهي الذي أتكلَّم عنه هنا، لا علاقة له بدرجة مصادقيَّة الكاتب، وقدرته على قبض انتباه القارئ، وتركيزه، سَواءٌ عبر إدهاشه بفكرة السَّرديَّة وطريقة مُعالجتها، أو تشويقه بالأحداث، أو حتَّى غرائيبيَّة الواقع والوقائع. ولكن التَّماهي الذي أقصده هنا هو: رؤية القارئ لأحداث النَّص السَّردي من زاوية نظر الشَّخصيَّة المحوريَّة في النَّص "البطل"، أو حتَّى من زاوية نظر السَّارد/الرَّاوي.


قراءة النَّص بعيون بطل النَّص:

غالبًا ما يلجأ كثيرٌ من القرَّاء إلى البحث في السَّرديَّة عن "بطلٍ" أوحد، يكون هو الشَّخصيَّة المحوريَّة في النَّص، وهذا البحث نابعٌ في أساسه من افتراضٍ بديهيٍ بأنَّ السَّرديَّة ليست سوى "حكاية" تتبَّع سيرة "شخصيَّة" بعينها، تكون هي محور السَّرديَّة كُلّها، وحتَّى عندما تتعدَّد الشَّخصيَّات المحوريَّة في النَّص السَّردي، يعمد القارئ إلى التَّحالف مع شخصيَّةٍ ما، باعتبارها "البطل/ة" الافتراضيَّة، والتي يتم بناؤها في مُخيَّلة القارئ، اعتمادًا على فهم القارئ نفسه للنَّص السَّردي.

لا أنوي في هذا المقال التَّعرُّض لهذا الافتراض البديهي ومُناقشته أو حتَّى نقده، علمًا بأنَّ هذا الافتراض له ما يُبرّره، بالنَّظر إلى تاريخيَّة العلاقة بين فن السَّرد وفن الحكاية، بصرف النَّظر عن الظَّرف الثَّقافي والفلسفي الذي أدَّى إلى انفصالهما مُؤخرًا بكُل تأكيد. ولكنني أُركز هنا على إلزاميَّة هذا الافتراض، ودوره في تقييد القارئ وانحيازه لاشعوريًا لبطل النَّص الواضح، أو البطل الذي ينتقيه القارئ من خلال فهمه ورؤيته للنَّص، وطريقته في ترتيب أحداثه، في حال تعدُّد الشَّخصيّات المحوريَّة داخل النَّص السَّردي.

في هذه الحالة يجد القارئ نفسه، ليس مُتعاطفًا مع البطل وحسب؛ بل ومُنتميًا إليه، ومُتماهيًا معه، بحيث يُبرر له أفعاله وسلوكه، ويتعاطف مع مخاوفه، وانفعالاته للأحداث؛ حتَّى تلك التي لا تستحق التَّعطف. يحدث ذلك انطلاقًا من قاعدةٍ غير مُعلنة بأنَّ البطل دائمًا ما يكون شخصيَّةً أخلاقيَّةً يجب التَّعاطف معها. هذه القاعدة -في الحقيقة- لا تستند على أرضيَّةٍ صلبة يُمكنها أن تصمد أمام الأسئلة الأخلاقيَّة الصَّارمة، ولكنَّها فقط تحدث كنوعٍ من الإيحاء لمُجرَّد معرفتنا بأنَّه "بطل" السَّرديَّة. وأزعم -غير جازمٍ بذلك- أنَّ هذه الرؤية نابعةٌ -في أساسها- كدافعٍ نفسي يخلقه القارئ خصيصًا أسميَّه بدافع "المُرافقة"؛ إذ يُضطر القارئ إلى خلق هذه الحالة النَّفسيَّة لاحتمال مُرافقة الشَّخصيَّة المحوريَّة للنَّص خلال رحلته القرائيَّة، لأنَّه إن لم يفعل ذلك، فلن يستطيع مُتابعة القراءة، ولابُد أن يكون "الرَّفيق" مُحتملًا، ولا يكون كذلك إلَّا بأن نُسبل عليه صفاتٍ أخلاقيَّة، وهذا ما يجعلنا نُبرر للشخصيَّات السَّرديَّة أفعالها، وسلوكها، ونواياها، وانفعالاتها، ونزواتها.

إذا راجعنا السَّرديَّات التي قرأناها قديمًا وحديثًا، وحاولنا أن نضعها على طاولة النَّقد الأخلاقي، سنجد أنَّ أغلب الشَّخصيَّات السَّرديَّة التي تفاعلنا وتعاطفنا معها شخصيَّاتٌ ليست سويَّة إمَّا من النَّاحية الأخلاقيَّة أو الاجتماعيَّة أو حتَّى النَّفسيَّة. وخلال قراءتنا لأي نصٍ سرديٍ فإنَّنا نجد أنفسنا نتعاطف مع القتلة، والخونة، والمحتالين، والمختلين. رًبَّما لأنَّهم شخصيَّات غير حقيقيَّة، ورُبَّما لأنَّ بداخلنا مُجرمين وقتلة وخونة ومُحتالين صغار نقمعهم، ورُبَّما لأنَّنا نعلم -من خلال السَّرد- دوافع هذه الشَّخصيَّات لكُل ما يفعلونه. ونادرةٌ جدًا هي السَّرديَّات التي نخرج بها بآراءٍ سلبيَّةٍ عن شخصيَّاتها المحوريَّة "الأبطال".


قراءة النَّص بعيون السَّارد/الرَّاوي:

صوت السَّارد أو الرَّاوي لديه سُلطةٌ في النَّص تفرض نفسها على كثيرٍ من القرَّاء، باعتباره المُرشد أو الدليل Guide في النَّص، لأنَّ السَّارد في النَّص السَّردي هو بمثابة عصا الكفيف. هو الصَّوت الذي يأخذ بأيدينا في ظُلمات الأحداث التي نجهلها، ونجهل تسلسلها، ونهاياتها، وهو الذي يُقدّمنا إلى شخصيَّات السَّرديَّة الذين لا نعرفهم، ولا نعرف دواخلهم، ولا تاريخهم، بينما هو يعلم كُلَّ ذلك؛ بل ويعلم حتَّى خبايا نفوسهم، فنلجأ عندها إلى رؤية النَّص بعينيه هو، فما يراه سلميًا وصحيحًا رأيناه كذلك، وما يستهجنه استهجناه.

نخضع لهذه السُّلطة دون إرادتنا، ونجد أنفسنا مُنصاعين إلى ما تُقره وما لا تُقره، فيسلبنا السَّارد إرادتنا في الحكم على الأشياء والشُّخوص المتعلقة
بما يسرده من وجهة نظره هو، ولا نملك غير ذلك، لأنَّنا إن اختلفنا معه فلن يُمكننا أبدًا أن نُكمل القراءة، وإن كان ولابُد لنا من القراءة بدافع الفضول، فلابُد لنا -أيضًا- من أن نتواطأ مع السَّارد في مُحاولة لفهم النَّص كما فهمه هو، لا كما فهمه كاتب النَّص، غير أنَّ هذا النَّوع من التواطؤ -على الأرجح- ليس أكيدًا أن يستمر حتَّى بعد نهاية السَّرديَّة.

من الواضح أنَّ ثمَّة أزمة أساسيَّة في القراءة وكيفيَّتها، فالقارئ يتوجَّب عليه أن يتجرَّد تمامًا من سُلطة السَّارد، ومن سُلطة الافتراض البديهي بأنَّ "البطل" شخصيَّة تستحق التَّعاطف أو أنَّها شخصيَّة أخلاقيَّة، حتى نصل بالقراءة إلى المستوى الذي يُؤهلنا لفهم النَّص وماورائه، لأنَّني أزعم بأنَّ هاتين الإشكاليتين هما ما تُساعدان على اتساع الهوَّة بين الكاتب كفاعل مُبدع، وبين القارئ كمُتفاعلٍ مُبدع. وإن لم نستطع أن نفهم جوهر فكرة القراءة كعملية إبداعيَّة ثمَّ تفاعليَّة، وليس العكس، فإنَّنا سوف نجني كثيرًا على النُّصوص السَّرديَّة من حيث لا ندري.

الروائي السودانـي:
هشام ادم