ضفـة
460 subscribers
1.11K photos
172 videos
97 files
1.49K links
للبحـث عنگ..هناگ..

لـتواصـل @Almurhaf
Download Telegram
تُدهشني دائما، هذة القاصّة النيجيرية الجميلة،
أو كما وصفها الروائي النيجيري:أشينو شيبي قائلا:
" عادة لا نقرن الحكمة بالمبتدئين، لكن ها هي كاتبة جديدة تمتلك مهارة رواة القصص القدامى، لقد جاءت آديتشي كاتبة مكتملة!."
ـــــــــــــــــــ
حل يوم السبت من عام 1984 . كنت ألعب مع شقيقي الصغير شينيشوكوو في موسم تفتح الأزهار، قرب خزان الماء في المجمع السكني الواسع في نسوكا : مدينة جامعية مغبرة و هادئة تقع في شرق نيجيريا حيث كنت أعيش.
وقفت الوالدة قرب الباب الخلفي و قالت : " Bianu kene mmadu" . هيا تعالا و ألقيا التحية على الزائر. كان خادم البيت الصغير قد وصل. و كان يجلس على الكنبة في غرفة المعيشة ، وكانت ساقاه تحضنان حقيبة من البلاستيك الأسود التي وضع فيها أشياءه الشخصية.
قال شينيشوكوو : " مساء الخير " ، و قلت :" Nno " ، أهلا.
لاحقا ، و بعد أن قادت الوالدة فيدي إلى حجرته ، في ديوان الصبيان القائم خلف البيت ، أخبرتنا تقول : " جاء فيدي من القرية و هو لم يشاهد في حياته الهاتف و لا فرن الطهي بالغاز. لنتكاتف جميعا و نساعده على الاستقرار باطمئنان ".
أمعنت النظر بفيدي و أنا مأخوذة به. خادمنا السابق ، الذي غادر في الأسبوع المنصرم بعد أن سرق بعض النقود من مكتب الوالد ، كان كما نعلم من المدينة ، و كان أحيانا يقوم بإصلاح الستيريو . و لكن فيدي لم يشاهد طوال عمره ثلاجة.
كان لونه غير قاتم ، و شفتاه سميكتين و عريضتين حتى أنهما احتلتا مساحة واسعة من وجهه. و هو يتكلم بلهجة الإيغبو الريفية التي لم تتأثر بالإنكليزية ، كما هي حالنا ، و كان يمضع الأرز و فمه مفتوح – بمقدورك أن ترى الأرز ، مطحونا مثل الحبوب القديمة ، إلى أن يبتلعه. و إذا رد على الهاتف ، يقول : " انتظر " كما علمناه ، و لكنه سرعان ما يرمي السماعة فوق الجهاز. و كان يغسل ثيابنا في أحواض معدنية ، ثم يكومها على الحبل المشدود بين شجرتي مانغا و جوافة في الباحة الخلفية. و هذا يستغرق منه ساعات طويلة. أول الأمر كانت الوالدة تعنفه بصوت مرتفع و تقول : " لا تقطع عملك لتتأمل السحالي التي تمر بك !" و لكن سرعان ما تتركه وحيدا حتى ينتهي.
جلست أنا و كينيشوكوو على السلالم بينما هو ينجز عمله. في المساءات الحارة حينما تكون الشمس بلون التوباز و هي تنعكس على زجاجيات المطبخ ، كان فيدي يقص علينا حكايات عن الطيور – حكايات شعبية فيها تحلق العصافير إلى عنان السماء و تطلب من الله المطر ، ثم يخبرنا بقصص عن الطبيعة و كيف تبني العصافير أعشاشها من الشعر الذي تجمعه من باحة كوخ الحلاق في القرية. قال : " بوسعي أن أقبض على بعض العصافير من أجلكما ". ثم ألقى على الأرض فتات الخبز بخط غير مستقيم بدأ من حاوية النفايات في الخارج ، و على طول السلالم التي تقود إلى البيت، و عبر الباب الخلفي ، حتى وسط المطبخ. و كمن خلف الباب. و لدى وصول العصافير إلى المطبخ ، أغلق الباب و اندفع وراءها. و ذات مرة ، حطم بعض الأواني ، و في مرة أخرى ، مزق شبكة البعوض الي تسد النافذة ، ثم بعد ذلك كسر زبدية. و لكنه كان دائما يلقي القبض على العصافير.
كان يضعها في علب كرتون مثقبة لنتسلى بها ، و كنا نطعمها الخبز و الغاري. ماتت الصافير بعد يوم أو إثنين. واحد منها استمر معنا أربعة أيام. و حينما مات أخيرا ، أمسك فيدي بالهيكل و الريش و قال ، على سبيل الفكاهة :
" إنه في السماء الآن ، و يتسول الخبز من الله ".
بعد سنوات ، و بعد أن توفي فيدي ، لا زلت أفكر بما يلي : "عصفور يبسط جناحه القوي و يسأل الله من أجل الخبز ".
و غالبا ما كانت الوالدة تشتم فيدي. كم هي مبدعة في إهاناتها بلغة الإيغبو. كانت تقول إذا استغرق في واجباته فترة طويلة :
" أنت كسول بدين ، nnukwu esu" و إذا نسي أداء عمل آخر طلبته منه ، تقول : " انظروا إليه ، ike akpi ، مؤخرته مثل قفا العقرب ". و لكن إذا كذب تقول :
" لتأكل الكلاب عينيك !" .
و كانت تطلب من فيدي أن يبدأ بطعام الغداء بعد العصر لأنه يهدر الوقت في تناوله - فالتهام عجينة الأرز وحدها تستغرق منه أربع ساعات كاملة. و لا تزال ذكرى أمسية في الذهن. كان فيدي عند منضدة فورميكا في المطبخ ، و يقشر حراشف سمك التلابيا بسكين . كان يقوم بالعمل ببطء متعمد – يقشر ، و يتنفس ، يقشر و يتنفس. و كانت هناك حراشف شفافة على ذقنه و على ذراعيه و على الأرض. قلت له :
" أنت تستغرق الدهر كله في هذه المهمة "
فقال فيدي :
" هذا يشبه تجهيز جثمان لجنازة . لا بد من متسع في الوقت لتأدية العمل كما يجب " ، كانت نكتة ، و أغرق بعدها بالضحك. و لكن ، بعد أن لاقى منيته ، خطرت لي الفكرة ذاتها أيضا. هذا صحيح.
انتسب فيدي لمدرسة خاصة ، أكاديمية السكرتاريا العالمية ، و هو اسم كبير لبناية صغيرة فيها أربع حجرات و آلة كاتبة لحق بها الصدأ ، و بعض الاختزالات. كتب فيدي بخط أسود بارز على كتبه ، تحت اسمه " فيدي أبوناي " ، الحروف التي يعتز بها : " U. S . A . ".
و حينما استعار أشقائي 👇
اصدقائهم أشرطة مسجلة ، لأفلام أمريكية ، شاهدها فيدي معنا.
حينما كنا نستعير الكتب من المكتبة ، كان فيدي يمسكها و يحرك شفتيه. و عندما قام انقلاب عسكري في لاغوس البعيدة ، وضع والدي المذياع على طاولة الطعام و انضم إلينا فيدي بينما نحن مجتمعون حولها و أصاخ السمع لبيانات يتلوها أحدهم بالإنكليزية إنما بلهجة سكان شمال نيجيريا ، و كانت تقاطعها ألحان حزينة لعزف عسكري. وقع الانقلاب عام 1993 في يوم حار و عاصف. لقد أمسك الجنرال ساني أباتشا بزمام الحكم.
و حينما قال : " أبناء شعبي النيجيريين " ، كنا في غاية التأثر و البلادة فالإعلان عن انقلاب عسكري يجعلك خاملا : بسبب عدم القدرة على الاختبار ، و غياب فرصة الاختيار أصلا ، و حقيقة أنك تتلقى الخبر من باب العلم بالشيء فقط ، و حتى لا تشعر بالدهشة عندما تشاهد صورة أخرى على جدران المطارات و المكاتب الحكومية. ثم لأنه ليس بمقدورك أن تفعل شيئا إزاء ذلك.
بالعادة " تبدأ حياة " ولد خادم أو بنت خادمة بعد أن تكون الفرصة قد سنحت له أو لها بقضاء فترة معقولة بصحبتك.
كان فيدي معنا لإثني عشر عاما. و عندما سأله والداي ماذا يرغب أن يفعل بعد أن يتركنا ،كانا يودان أن ينوي متابعة دراساته في قسم السكرتاريا. و لكن فيدي أعلن أنه يفكر بالانضمام للجيش ، و لقد فعل ذلك.
في أول الأمر كتب لنا رسائل حارة ، و أرسل لنا الصور و هو بثياب مبرقعة و بين يديه بندقية طويلة و براقة . كان يخامره شعور الاعتزاز بوطه ، و كتب كيف كان يلمعه بدهان الكيوي ، نفس الطريقة التي دهن بها الأحذية التي يلبسها الوالد أثناء محاضراته. كان خط يده بالكاد صالحا للقراءة ، و إنكليزيته مضحكة. قال :
" الجوع يقتلني " و كتب عن الحالة الوضيعة للثكنة. و كتب أيضا حول عدم دفع الرواتب. و بالتدريج ، تباطأت الرسائل. ثم في رسالة مستعجلة ، كتب أن من المحتمل أن يغادر إلى ليبيريا ، كجزء من الفوج النيجيري لحفظ السلام. كانت الحرب الأهلية تعصف هناك. كان الناس يسلخون من جلودهم و هم على قيد الحياة. هكذا ورد في رسالته. كان الناس يستدرجون إلى حتفهم .
قال الوالد :
" لا أظن أنه سيسافر إلى ليبيريا. و سوف يكون على ما يرام".
لم يذهب فيدي إلى ليبيريا. و بعد شهور ، وقع انقلاب عسكري في سيراليون. قرر الجنرال ساني أباتشا ، الذي يغتال النشطاء بشكل روتيني ، و الذي يغلق وسائل الإعلام بشكل روتيني ، و الذي يعتقل و يسجن المعارضة بشكل روتيني ، إرسال القوات المسلحة إلى هناك ، لاستعادة الديمقراطية.
و حينما أخبرني الوالدان أن فيدي مات – لقد انفجر به لغم أرضي في سيراليون ، في 3 أيلول ، 1997 – ألقيت نظرة ثاقبة عليهما ثم شرعت أبتسم لأنني توقعت أنهما مخطئان.
سألت :
" أي فيدي ؟". كأنني أعرف أكثر من فيدي واحد.
قالت الوالدة :
" فيدي الذي كان معنا ". و تلك الكلمات لم تغادر مخيلتي أبدا ، لأن اللوعة ضمتني ، و أدركت على الفور كم كانت تلك الكلمات بليغة. فيدي الذي كان معنا.
لقد كان فيدي مِنّا!"
ـــــــــــــــــــ
ـ من مقال تحت عنوان:
"الحياة في ظل الحرب"..سيراليون 1997.
لـِ القاصّة النيجيرية/ شيماماندا نجوزي إديتشي.
ـ ترجمة: صالح الرزوق.
‏كتب سجينٌ على حائط زنزانته :
" أخيراً عاقبتُ العالم وسجنتهُ
خارج زنزانتي "
♥️ اقتباسات
Forwarded from المشروع
عندما كنّا يتامى ـ كازو إيشيجورو
الحائز على نوبل في الآداب 2017
المجلس القومي للترجمة
ت: طاهر البربري
476 صفحة
يذوب الرذاذ من على الأوراقِ ، ويسقط المعنى
من البهجة ، ويذهب اللحن الرتيب من الموسيقى ،
وتتلاطم الكلمات بين جنبات المشاعر ،
وتختفي الألوان من أحضان الطبيعة ،
إلا أنتِ فيك معنى يُسعد القلب المُعنّى .

إن صاحبُكِ القاصي يُدني إليك محبة وحنان،
فسبحان من أسقط الجمال إليك وفرقه في ثناياك
وسبحان من صوَّرك بأبدع الصور حتى بلغ الوصف منتهاه .

#حسام_السيف
Forwarded from الكناري..
بأجملِ لغةً لِلرحيلِ
كَتبتُني..
وهَيّأتني للسفر..
لكنْ تِلكَ التَزكِرة قَطعتُها في عَام

مهلاً .. انا راحلٌ سَهواً
كَتَبْتُ شارِعِي فِي لُغةِ المَتاهاتْ

ما عادَ يُفيدُنِي المِصْباح
ومَنْ عَاد؟

اني لا اكابر صادقاً
فالحب زادٌ للطريق
اني في المتاهة باق

#gora$i
يَاسِرَ فايز
ـــــــــــــــــــــــــ

يتم تأسيس سردية تاريخية تضع قضايا الصراع السياسي والاجتماعي في السودان ضمن سياق وتفسير عنصري إثني، يلقي بمسؤولية الإشكالات على عاتق كامل المجموع الموصوف إيديولوجيا ب"الشماليين" أو "المركز"، في اتجاه تأسيس انقسام عميق بين السودانيين يتم تأجيجه بمنهجيات وخطابات وممارسات عنصرية وعنصرية مضادة، متبادلة، بين اتجاهي الانقسام الرئيسيين، وفقا لتوجه السردية التاريخية. الأمر الذي يخوض فيه الجميع، ما عدا قليل من المتبصّرين.
ثمّة من يخرط بقصد كامل في هذا التوجه والآخرون ضحايا بسبب التشويش المعرفي الذي يصبغ النشاط والإنتاج الفكري في السودان (على محدوديته) إلى جانب تعقيد قضايا الكيان السوداني.

هذا التوجه ما لم يجد مقاومة واعية لن يؤدي فقط إلى شرذمة الخارطة السياسية/الجيوبليتيكية للسودان (الموروثة عن الاستعمار)، بل سيؤدي إلى تلاشي الكيان السوداني في المدى المتوسّط..
رفيق الهجعة💝💝
التقطني يا صديقي
في الدروب
الما بتجيبك
ودفئ حضنك بالاغاني
كلما يضهب طريقك
وامسك الجمره البتبرق
بين رمادك
وبين حريقك
و رافقي الدمعة
البتعرف
شاسع الحزن البعيقك
و لو فضل في العمر
خطوة
وسع الاحلام
واهرب منو ضيقك
لي براح في الشوق
يتاوق
في شبابيك غربة حبيبك
و يا خي سيبك
من متاهات في الخواطر
والمشاوير التشاتر
يا خي سيبك
هي ضلمه
وانت عارف
ضي بريقك
وبرضو عارف
قبل ماتختار طريقك
ابقي واثق
من رفيقك
و امسك الجمرة البتبرق
بين رمادك
وبين حريقك
و انت عارف
مين رفيقك
غير شجن
واشواق
ولوعة
شحنة الحزن البصيبك
يا خي سيبك
وانت عارف سر عشيقك
كلما اتخمر عتيقك
يا خي سيبك
من سريقك
و من سليبك
و ابقي فتش لي طريقك
يمكن الاحزان تسيبك
يا خي
سيبك
نانسي عجاج
افكر برحلة ما ..
الى بلد ما جديد ..
ملامح لا اعرفها ..
مقاهي لم اجلس بها يوماً ..
وليس لدي ذكريات تجمعني مع تفاصيلها..
و حانات لم اتحدث بها يوماً عن احلامي ..
مع الرفاق ..
و طُرقات بعيدة كل البعد ..
عن خطواتي اليومية ..
سأضيع بين دهاليز البيوت ..
كطفل ..
و اغني ..
كعاشق قديم ..
و اسهر ..
كقصيدة مطوّلة ..
و أعانق كل الغرباء ..
و انام وحيداً .
#سين
ماركونى الذى يحكى

ماركونى الذى يحكى
أنت يا ماركونى تكذب ، حديثك كله خزعبلات وأوهام فاسدة ، حكاياك نفسها مركبة ، رغم خيالك الخصيب ، مركبة قسراً من مغالطات واضحة . أعترف ، هنذا أعترف أمامك أن حكاياك شيقة وأن سردك الحميم صاف وممتع وأنه يأسر كثير من المغفلين ، لكنى أرد ذلك ببساطة الى كذبك الأملس الطرئ ، والى تلفيقك الذى لا حدّ له . خذ مثلاََ مغامرتك الفجّة مع تلك الفتاة المختلقة زمن الانجليز والتى رويتها ليلة أمس . أنت قلت ذلك يا ماركونى .. كنت ذاهباً فى العشاء الأول الى سينما برمبل ، تشتم رائحة ابطيك النفاذة ، عضلاتك الناهضة تواً ، كمراهق منتش ، تكاد تفتك بأزرع القميص ، صدرك الواسع مفتوح للفضاء ، تتدلى من عنقك الطويل سلسلة مرصّعة قلت انك سرقتها من متجر الاغريقى الكسندرو بينما كان الخواجة اللئيم يحاول احدى نساء البلد ، أغراها ، حسب زعمك ، ببعض المال ، رغم أنه ، حسب ما علمنا منك ، أنه رجل شحيح ، لكنها الشهوة العارمة حين تتدلى بين فخذى رجل . كان الخواجة غائماً فى شبقه وأنت مددت يدك المدرّبة الى الفترينة وسحبت بمهارة وسرعة السلسلة قبل أن تدسها ، ويا للعجب ، بين فخذيك ، علقتها اذن فى عضوك الذى تأثر بالمشهد الحى أمامك بين أمرأة من البلد وتاجر أغريقى عجوز.
لا علينا ولنعد يا ماركونى الى قصة فتاة السينما التى رويتها ليلة أمس .. قلت ذلك ياماركونى ، أنت قلت ذلك ، وضعت أذنيك على قضيب الترماج ، لتعرف ، من أزيزالعجلات ، كعادة شبان ذلك الوقت ، الوجهة التى يأتى منها الترماج . أدركت بحدسك الملهم يا ماركونى أن الترماج سيأتى من جهة الجنوب مما يعنى أنه يتوجب عليك الانتظار فى محطة البلديّة . كان يمكنك التمشى راجلاً خصوصاً أن الطقس نشط هذا المساء وبدأ الرزاز يهطل كأنه يود أن يغسل المدينة من الغبار الأهوج الذى اجتاحها لثلاثة أيام متصلة تعطلت ازاءها الحياة واتشح الناس بالتراب كأنهم أشباح متسخة واضطرت الحكومة أن تعلن عطلة مؤقتة للأفنديّة والعمال سواء بسواء .
داخل الترماج ، قلت يا ماركونى ، أنت قلت ذلك ، افتعلت مشاجرة كبرى مع الكمسارى ، ربما تود أن تلفت الأنظار اليك ، رائحة ابطيك غمرتك بالكامل ، عضلات المراهق المنتشى والسلسلة المرصّعة التى تتدلى على الصدر المفتوح ، كل ذلك اغراك لتفتعل مشاجرة مع الكمسارى لم تخسرها كما تدعى وأنت توهم نفسك بأنك أحد أبطال هوليوود . سيذكرك هذا بيوم التخرج من معهد القرش ، اصطف الاّباء فى ناحية واصطف التلاميذ فى ناحية واصطفت أمك وحدها فى ناحية . خرج مستر جيمس الانجليزى مدير المعهد يتبعه طرماج الأساتذة ، وطنيون وأجانب، اعتلى المديرالمنصة وخطب فى الجمع ، انحفرت كلماته فى ذاكرتك الى الاّن ، قال : انها احدى فضائل هذا المعهد ، التقطنا شابا من حضيض المدينة وهانذا أقدمه بكل الفخر كعالم فى المستقبل متخصصا فى الراديو والترانسيستور، أقدم لكم الأول بجدارة ،عيسى الماظ دينق ، ودعونى أنعته بماركونى . أمك المصطفة وحدها لم تتفاجأ ، تعرف معدنك جيداً ، تعرف أنك ابن أبيك رغم سريان همهمات كثيرة وشكوك تقول بغير ذلك . ما حدث هنا قد حدث من قبل ، تقدم أبوك الجميع . فى البيادة والرماية والجرى ، ورقى مباشرة الى رتبة وكيل أمباشا ، كان مثالاً للجنديّة والانضباط ، للضبط والربط والشجاعة وفقاً لما هو مكتوب فى الشهادة التقديرية المعلقة أسفل الصورة ( لقد بلى بلاءً حسناً فى الجبهة الشرقية فى حربنا ضد الطليان واستشهد هناك كرجل محارب و شجاع).
تدخل الاجاويد ،تقول يا ماركونى ، فضوا المشاجرة بينك وبين كمسارى الترماج الذى تزعم أنك سددت لوجهه الأمرد لكمة سينمائية محكمة حين نعتك بالجربوع ،تقول يا ماركونى ذلك، أنت تقول ان الفتاة ركبت من محطة الدايات فى زيّها الناصع ، الأبيض الأنيق ،وتقول لنا ان الممرضات ملائكة ، وأنهن رسولات العناية الالهية وان أجسادهن شبقة على الدوام وان الفتاة حين وقع بصرها عليك تنازعتها ملائكة الرحمة وشياطين الشهوة والعذاب وتقول انها اعترفت لك لما رأت السلسلة تتدلى الى صدرك وخذها ألم خاطف ولذيذ واعترفت انك أفضل من الخواجة الكسندرو ، بل أنت أفضل من فعلت معه هذا الشئ على الاطلاق.
هذه مغالطات واضحة يا ماركونى ، أنت تكذب ، أنت حزين ، أنت تعانى ، انظر لعينيك أيها العجوز، لا أقول انك تهرف ، انظر لهذا البيت الواسع ذو الغرف المتداخلة الذى تعيش فيه وحدك ، لا اخوان ، لا اصدقاء ، لا أنثى . عزلتك يا ماركونى هى سبب ما أنت فيه ، انك تتأسى ، تحن لأمك ، كل صباح تتامل صورتها ، فى زيّها الناصع ، الأبيض و الأنيق ، ملاك الرحمة ، يكتنز جسدها بالشهوة ، يوم أن ماتت كنت وحيدا ، هرولت كطفل برئ ، ما خرج الجيران ، ولولت كالنساء ، ما خرج الجيران ، الى الجامع ، لا شئ ، الى الكنيسة ، لا شئ يا ماركونى ، زملاؤك فى الاذاعة ما نعوها كخلق الله الميتين. تسائل نفسك لماذا رفض الناس أن تدفن كل ،فى مقابره ، أنت تطوّعت بالحفر كثيراً ، فى أحمد شرفى ،فى مارى جرجس ، وفى مقابر حمد النيل،
وها أنت تسلم الملاك المكتنز بالشهوة والشبق للحكومة ، الحكومة يا ماركونى .
تقول يا ماركونى ، أنت تقول ، حاول الكمسارى اعتراضك مرة أخرى حين وصل الترماج للمحطة الوسطى ، وكادت الفتاة أن تفلت فى زحمة العابرين ، النور شحيح ، وبدأ المطر فعلا بالهطول ، انزوت الفتاة داخل فرندات المحال التجاريّة ، ومن ثم مباشرة الى متجر الخواجة الكسندرو ، لكأنها تستفز مراهقتك الفائرة ، تعرف انه يتوجب عليك مقاطعتها قبل أن تصل متجر هذا العجوز العاهر ، لكن السلسلة والكمسارى معا ،مغالطات ، انظر جيدا يا ماركونى الى هرطقاتك ، الى تلفيقك الذى لا حدّ له ، الى التناقض الذى لا يصدقه سوى هؤلاء المغفلين المتحلقين حولك ، يتسلون بأوهامك المختلقة ، يهربون من قصصهم الجامدة الى كذبك الأملس الطرئ ،تعرف أنك تريد الانتقام منهم ، تستمتع كثيرا حين تجلد عجزهم بتلك الحكايات المتوهمة ، انت تتسلّى بغبائهم يا رجل ، تحتقر وجودهم ، أنت تقول يا ماركونى ان الفتاة رقصت بجنون ، جسدها الرحيب و العارى كان يتلاشى فى غيبوبة أخرى ويتبدد ، كملاك يكتنز بالنور ، السلسلة المرصّعة تغفو وتستيقظ بين نهديها المعبأين ، رقصت ، جسدها الشاسع والعارى كان يغنى بألق مع سرور، مع كرومة . أنت قلت يا ماركونى ، عدت تواً من بلاد برة ، بحثت عنها ما بين الريفيرا وحديقة الموردة وما بين سينما برمبل ، ما خطر ببالك أنها ستكون مختبئة فى متجر اللئيم الكسندرو ، لا يموت هذا العاهر أبدا . أدرت الأسطوانة على جهاز الفونوغراف الذى اشتريته من شارع نوتنغهام فى لندن ، رقصت بجنون ، جسدها العارى كان يتبدد فوق السباتة الحمراء ، دم دم دم ، جسدها المكتنز بالحياة تلاشى تحت عجلات الترماج ، انفرطت السلسلة المرصّعة ، تقول يا ماركونى انها نادتك بصوت ضعيف ، ماركو. . ماركو وهرولت أنت وحدك كطفل برئ ، ما جاء أحد ، ولولت كالنساء ، ما جاء أحد ، جاءت الحكومة ، أخذت الملاك المكتنز بالشهوة والشبق ، الحكومة ، الحكومة يا ماركونى .

مغيرة حسين حربية 
كاتب من السودان
هكذا يولد الحنين من كل حادثة جميلة، ولا يولد من الجرح ....

#محمود_درويش
Forwarded from HekmahOrg
عقل خارج الجسد - ميجويل نيكوليليس
http://hkm.ma/1Sb9FOR
...