Conatus
574 subscribers
151 photos
1 file
21 links
a florilegium of thoughts and reflections.
a cornucopia of artistic and sublime images.
personal writings.
@religiomedici_bot
Download Telegram
"Schools serve the same social functions as prisons and mental institutions, to define, classify, control, and regulate people."

— Michel Foucault, Discipline and Punishment.
عندما يتفوّه إنسانٌ ما بألفاظ تُشوِّه حاسة السمع حتى تجعل المرء يأنف أن يُصغي إليه، فهو في نظري ينحدر إلى مرتبة في السلوك أدنى من الحيوان؛ إذ إنّ الأخير يتصرف بتلقائية في أفعاله لأنه يفتقد لأي إرادة، وهو مُسيَّر طبيعيًا في انفعالاته وغرائزه المتصارعة. أما الإنسان، رغم امتلاكه الإرادة وإمكانية شحذها، نراه ينحدر إلى ما هو أسوأ جرّاء انفعالٍ حيواني ساذج تجاه أمر ما، أو -ما هو أضر من ذلك- عندما يعبّر عن أشياء رفيعة بهذا السلوك. لكن هذا السلوك نفسه ناطقٌ حقيقي عن ذاته؛ إذ يكشف أنه لم يَعِ قدرها، ولم تمسّ روحه تلك الدرجة التي تجعله مُدركًا لمغزاها. إنّ التعسّف في ما ينتقيه المرء من كلام، بوصفه تعبيرًا عن وعيه تجاه أمرٍ ما أو عن نفسه تجاه تجربةٍ عاشها، إنما هو علامة على قربه وحميميته من اللغة، وعلى حساسيته أو انعدام حساسيته تجاهها. فغياب الذوق الحسي تجاه اللغة، والعبث بها، أمور تفصح بالكثير عن ذات القائل.

هذا السلوك ذاته يتخذ فعل الإفصاح؛ لأن اللغة هنا لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل هي تصوير لما في بواطن المرء. إنهم يوظفون اللغة بعبثية مُضحكة، كأنها لا تعبّر عن أعمق أعماق الذات، بينما هي في الحقيقة حضورٌ تام لما هو عليه الإنسان. فالمرء يبرز إلى الآخر من العتمة إلى الضوء بفعل حديثه، ويظهر بكل ما في داخله من محمولات، فتكون اللغة طريقًا لوصف ونقل تجربته مع ذاته والعالم والآخرين، وطريقًا إلى تأصيله في العالم. إن حاسة السمع نافذة موسيقية إلى روح الإنسان، لكن لا يقدّرها من لم يفقه معناها العميق بعد. ونلفى اليوم، في كل مساحة عيش، محاولات كثيرة لاغتيال حياة الحواس وتدنيسها؛ إذ يُغذّى ويُنشّأ المرء على تجارب حسية وروحية مُنهِكة، منها تدفّق الصور والأصوات بشكل يومي متواصل يستنزف طاقاته. ومن هنا، ينبغي أن تكون الأمور التي تخاطب حاسة السمع -تلك الحاسة الموسيقية والليلية في جوهرها- أمورًا مقدسة في ذاتها. وعموما، عندما ينطق المرء عن ذاته في حال كهذه، فكأنه يقول بصريح العبارة: “انظر كما أنا بذيء وسوقي وجلف”. هنا يفرغ ما هو باطن إلى الخارج، فنحن نستمع إلى ما هو عليه في ذاته عبر لغته. فهو يتخذ سلوكًا جليًا في إبراز شخصه إلى العيان؛ فاللغة هي أنا المرء، بها أجرب العالم وأجول فيه.

كان العرب والأغريق يشددون على أهمية أن يتكلم المرء جميلًا، وأن يتجنب الكلمات الناشزة في حديثه، لكي تكون للكلام عذوبة للسمع، مع ضرورة الانتباه لقوة الكلمات في تشييء الأشياء أو تنبيل الذات. شريطة أن يكون هذا الانتباه خطوة حذرة في انتقاء ما هو جميل وقيم. وعندما تصبح اللغة أداة نفعية/تواصلية للأمور اليومية فحسب، فإن هذا عين العبث وتخريب اللغة. إذ إن النظر إلى النفعية في المسائل اللغوية والفنية يقود إلى هلاكها. وحتى لو أخذنا الجانب الآخر، فإن كل ما يُنطق يحمل في باطنه لونًا من روح المرء؛ فاللغة حالة للتعبير عن وعيه ذاته، أي عن فكره وذوقه وسلوكه. ولذلك، فإن كل كلمة ينطقها المرء إما أن تُعمّق وعيه أو تُجوّفه. وكل ما يجري عبر الحواس إما أن يكون حياةً أو موتًا للروح. فاللغة أجنحةٌ ملائكية تُحلّق بالمرء الذي يُحسنها، ويكون مصيره السقوط إذا غفل عنها. إنها تنمو وتتفتح في مرافقتها لذواتنا في الوجود، وترفعنا بعيدًا عن أغلال القاع.

ويتناسَى المرء أن أسلوبه في المزاح واللعب والكلام هو ممثلٌ صادق عمّا هو عليه. إن استخدام اللغة بجلافة يذكّرنا بما كان الإنسان عليه قبل أن تنعّم عليه الحضارة، حين لم تكن منتجاتها قد أثّرت بعد في تهذيب ذوقه ووعيه وسلوكه. وتحضُرنا في هذه الحال مشاهد لإنسانٍ كان على درجة من البربرية في الذوق والسلوك والكلام. فالحواس برزخٌ بين العالمين، ولذلك فإن أثر الكلمات وكل ما يخاطب الحواس يتغلغل عميقًا في الروح. لكن كيف يمكن مخاطبة من هو في ذاته على غاية من الخواء الداخلي؟ إن الرغبة في أن ينحدر المرء إلى قاعه، أو أن يغرق في العنصر الجماعي ويخبط بينه وبين ذاته، أو فشله في مقاومة هذا الزخم الجمعي، كلها علامات على ابتذالٍ مُخجِل.
فنّ المحادثة المفقود

إذا أمعنت النظر في حديثٍ يجري بين إنسانين طبيعيين (أي توجه العقل الغريزي/الطبيعي)، رأيت من زلل المعاني واضطراب الدلالات، وتهافت الاستدلال، ما لو جُمع إحصاؤه لكان عجيبًا مدهشًا. وليس ذلك لأن الناس جهّالٌ بصناعة المنطق جهلًا صريحًا، أو لأن العقول خُلقت عاجزةً عن التمييز بين صحيح القول وسقيمه، ولكن لأن للمحادثة شرطًا دقيقًا، ومطلبًا دونه شُقّة المهالك. وذلك الشرط أن يخرج الإنسان من نفسه خروجًا رفيقًا، كأنه ينتزعها انتزاعًا من بين أضلاعه، ثم يتوجه بها إلى موضوع الحديث توجّه الناظر المستفهم، لا المتكلم المدّعي. فإن لم يفعل ذلك، بقي حبيس خواطره، أسير انفعالاته، لا يرى الشيء كما هو، وإنما كما تُمليه عليه نفسه وما استقر فيها من هوى أو عادة. فإذا تجاوز المرء حدود ذاته، وانفكّ قليلًا من أسر اهتماماته وانشغالاته، أمكن له أن يلقى الشيء في ذاته لقاءً أقرب إلى الصدق وأدنى إلى الإنصاف. ومن هذا الخروج الشاق تنشأ حركةٌ أخرى، كأنها الرجوع بالعقل إلى النفس، ولكن وقد حمل معه صورة الشيء كما هو، لا كما كان يتخيله أو يتوهمه. فتصير المحادثة عندئذٍ ضربًا من الانتباه الدقيق، ومن المودّة الخفية؛ كأنها ميلٌ لطيف من النفس إلى ما ليس هو النفس، وشوقٌ إلى فهم الغريب عنها. ثم إنّ الحوار الصحيح لا يقوم إلا على شيءٍ من كظم الذات، وكأنّ المتكلم يعلّق نفسه تعليقًا مؤقتًا، ثم يترك للموضوع أن يخطّ حدوده في الفكر كما يشاء، لا كما يشاء هو سلفًا أن يفرضها، فإذا غابت هذه الحال، صارت المحادثة كلامًا متجاورًا لا كلامًا متحاورًا، ومونولوجاتٍ متوازية، لا يسمع فيها كل امرئ إلا صدى صوته، ويرى في كلام صاحبه مرآةً تعكس ما في نفسه لا غير. فمن هنا تعلم أن المحادثة الحقّة عزيزة الوجود، قليلة المثال. وأكثر ما يُرى من الكلام بين الناس ليس بحوارٍ في الحقيقة، ولكنّه متعة نفسٍ في النظر إلى نفسها منعكسةً على سطح نفسٍ أخرى؛ فهي تتكلم لتسمع ذاتها، لا لتفهم غيرها، وهذا مردُّ سوء الفهم الجمّ الذي نلفاه بين كلِّ شخصين متحادثين.
the distinction between fact and fiction

A fact can never be apprehended in isolation, for it enters the order of knowledge only through its relation to other facts. Every perception of a fact is illuminated by light refracted from others, woven into an endless web of references and connections. Each fact presupposes another, and that another still, in an unbroken regress that stretches toward an ultimate foundation. Until such an absolute ground is reached, a point beyond which no further fact need be invoked, every consciousness of fact remains dependent upon another fact as a prior essential.

The very essence of a fact consists in this: it becomes an object of apprehension only within the larger totality of facts. No fact stands wholly alone, its intelligibility derives from its place within a wider order of reality.

Consider the seemingly simple statement, “The sky is blue.” Even this elementary assertion presupposes a multitude of prior facts. It presupposes, first, that there is such a thing as a sky, for without the existence of the sky the proposition would be unintelligible. It further presupposes a perceiver capable of distinguishing colors, a language in which the terms sky and blue possess determinate meanings, and an entire background of experiences and concepts through which the statement can be understood. What appears at first glance as a single fact thus reveals itself as a node within a vast network of other facts upon which its meaning depends.

A useful way of understanding what a fact truly is is to set it against its contrary: fiction. A fiction belongs to the realm of imagination. It is not something that exists independently in the world, nor does it derive its validity from any external reality. Rather, it finds its justification only through its relation to other fictions, within a self-contained imaginative interior order that by virtue of universality between individuals become common.

There are as many kinds of fiction as there are orders within which fictions may be arranged. The classification of a fiction is determined by its inclusion in a network of other fictions that together constitute a coherent world endowed with particular characteristics and governing principles. A mythological figure, a literary character, and a mathematical idealization each belong to different fictional orders because each derives its meaning from a different system of relations.

there also exist fictions which, paradoxically, owe their very existence to reference to a real fact. Such fictions are neither wholly imaginary nor wholly real. They are hybrids of fact and imagination, mediations between reality and the imaginary. They arise when the mind transforms a factual element through interpretation, symbolization, or invention, producing forms that remain tethered to reality while simultaneously transcending it. In this sense, they constitute a synthesis of the real and the imaginary: creations that cannot exist without the fact from which they originate, yet which are not themselves reducible to that fact.

— personal, on some logical concepts.
Conatus
the distinction between fact and fiction A fact can never be apprehended in isolation, for it enters the order of knowledge only through its relation to other facts. Every perception of a fact is illuminated by light refracted from others, woven into an…
تتمةٌ: قراءةٌ في تاريخ المنطق

إنَّ كلَّ نسقٍ منطقيٍّ ـ أرسطيًّا كان أو باكونيًّا أو لايبنتزيًّا أو هوسرليًّا أو رياضيًّا حديثًا، أو غير ذلك من الأنساق ـ ليس في جوهره، اكتشافًا موضوعيًّا للعقل، بقدر ما كان ترجمةً لاواعيةً لمفاهيم واضعه الميتافيزيقيّة في رموزٍ وأبنيةٍ صوريّة، وإرادةً لإخضاع الواقع للمبادئ التي افترضها ابتداءً. فالنسق الذي يهيمن في عصرٍ أو قرنٍ أو ثقافةٍ ما لا يشهد بصدقٍ كونيّ لصورةٍ موضوعيّة للعقل، بقدرما يكشف عن صلابة الإرادة التي أنشأته، وعن الحقائق التي صاغتها إراداتٌ مفردة؛ إذ تشكّل هذه الإرادات العقلَ المنطقيَّ لعصرها، وتحدّد له مساره في التعاطي مع الواقع والعلوم المنبثقة عنه وفقًا لذلك المنطق المقرَّر. ولو تأمّلنا ما خلّفه عصرٌ من العلوم، لكان يسيرًا أن نستدلّ منه على طبيعة المنطق الذي سيّره وضبط اتجاهه. ومن هذا المنظور يتجلّى معنى التعاقب الديالكتيكي للأنساق المنطقيّة في تاريخ الفكر؛ إذ يستوعب النسق اللاحق سابقَه ضمن وحدةٍ أوسع، جامعًا إيّاه في بنيته الكبرى. وهكذا يبدو تاريخ المنطق صراعًا بين إراداتٍ متجسّدةٍ ميتافيزيقيًّا، وتعاقبًا لتأويلاتٍ رمزيّةٍ تُفرض على الواقع؛ ذلك الواقع الذي يظلّ، في ذاته، عصيًّا على إدراك الإنسان، ولا يُنال إلا من خلال تلك الشبكة من الرموز التي تُثبّت الشيءَ المفهوم وتمنحه صورةً قابلةً للتداول العقلي، بوصفها صورة وسيطة.

وإنَّ انتقاء أيّ نسقٍ منطقيٍّ، واعتماده، ثم تشييده، إنما يتمّ بواسطة الآليّة التأويليّة نفسها التي نشأ عنها؛ وفي الجوهر، يمكن بناء عددٍ لا يُحصى من الأنساق المنطقيّة، كلُّ واحدٍ منها ثمرةُ إرادةٍ مفردةٍ ورؤيةٍ مخصوصة تحررت عن سابقتها من الأنظمة المنطقية. وهذا ما يفسّر اندثار أنساقٍ منطقيّةٍ عديدة في غياهب النسيان؛ إذ كانت أضعف من أن تسود، وإن وُجدت جنبًا إلى جنب مع منطق أرسطو. ومن ذلك المنطق الرواقيّ، وإن فُقد جلُّ تراثه، فما زلنا نعلم أسسه الميتافيزيقيّة، وبذلك يمكن تخمين ماهيته وإعادة بناء معالمه العامة. غير أنّه لم يُمنح تلك القوّة الإراديّة التي ضمنت لمنطق أرسطو البقاء والهيمنة، مقرونةً بقوّة النسق الفلسفيّ الذي انبثق منه، وما يكشف عنه من اتّساقٍ بين الغرائز والدوافع المؤوِّلة لذلك الواقع. فالمنطق، في جوهره، ليس سوى نسقٍ اعتباطيٍّ من العلامات، نشأ عن إرادة تأسيسٍ وتأويلٍ مخصوصة، ولا يختلف في طبيعته عن اللغة من حيث كونه بناءًا رمزيًّا. ومن ثمّ يمكن إدراجه ضمن علم السيمياء العام؛ إذ لا يقوم على كشفٍ ضروريٍّ لبنية واقع، بل على تثبيت علاماتٍ وتأويلاتٍ تمارس سلطةً عليه. فهو لسانٌ آخر، أو «نحوٌ رمزيّ» يُلزم الفكر بمساره، كما تُلزم اللغةُ الناطقَ بها.
on a neurosis of a country — If I were to interpret the modern history of the Iraqi pseudostate, so called because it lacks the defining characteristics of a state in the genealogical sense, I would represent it as a vicious Sisyphean circle, condemned to eternal recurrence. For it is evident that the oppressed classes of one generation grow embittered, resentful, and psychologically saturated with a poison that seeks only a single outlet: the transformation of the oppressed into an oppressor. This ambition, born of accumulated humiliation, has repeatedly realized itself throughout the history of this wretched country. The younger generation inherits the injuries of its predecessors, and when its opportunity arrives, it reproduces in turn the very structures from which it once suffered. The cycle then begins anew.

One can, with a certain psychoanalytic confidence, foretell its future in advance. The history of such a political formation appears almost mechanically predictable, for the role of chance, contingency, and genuine rupture remains remarkably limited. What unfolds instead is the gradual development of an unconscious neurosis of domination, operating between state and society, or rather, between forces that can scarcely be distinguished from one another. The boundary separating ruler from ruled becomes blurred, as each continually generates the other. Oppression ceases to be merely a political relation and becomes a psychological inheritance, transmitted from generation to generation, reproducing itself beneath changing names, ideologies, and institutions. In this sense, the history of Iraq appears less as a succession of distinct political epochs than as the repeated return of the same unresolved pathology.
The Prodigal Son Weeps for his Errors. 1812. Giovanni Battista Biscarra.
count dracula 1931 by tod browning.
لا أعدُّ هوسَ الرأسماليين المعاصرين بالخلود وإنكار الموت ظاهرةً اختصّ بها العصر الحديث؛ بل أراهما قديمين قِدَمَ الوعي نفسه، مقترنين به اقترانَ الظلّ بصاحبه. فمنذ أن تنبّه الإنسان إلى فنائه، وأدرك أنّ الموت كامنٌ في صميم وجوده، وهو يكدح في تشييد منظوماتٍ عظمى من التحصين الروحي اتّقاءً لتلك الحقيقة المرهوبة. فما المعابد، والإمبراطوريات، والآلهة، والفلسفات، والآثار الخالدة، ومذاهب الخلاص، إلا حصونٌ أقامها الكائن المحدود في وجه علمه بحدوده، وأسوارٌ رفعها الفاني اتّقاءً لمعرفته بفنائه.

وفي عصرنا، يتخذ ذلك الهوس صورة جهاز العناية الطبية المكثّفة، بما يقتضيه من إنفاقٍ على الجسد حتى في غياب العِلَل، وما يصاحبه من بذلٍ لملايين الدولارات، ومن حرصٍ قَلِقٍ على استبقاء الحياة بأيّ ثمن، حتى إذا خبا معناها وانطفأ وهجها؛ إلا اختلافٌ في الصورة لا في الجوهر. فهو ليس إلا جدارًا آخر يُشاد على حافة الهاوية ذاتها، وحركةً رمزيةً أخرى ضمن سلسلة الرموز التي ابتدعها الإنسان اتقاءً لخوف الموت، وفصلًا جديدًا من ملحمته القديمة في مجاهدة الموت وصرف البصر عن وجهه. لقد تبدّلت الأدوات وتغيّرت الأسماء، أمّا الرهبة الأولى فما برحت هي هي؛ ذلك أنّ الإنسان، منذ أن أدرك أنّه آيلٌ إلى فناء، لم يفتأ يبتكر الرموز والعقائد والآمال، ليحجب بها عن نفسه محدودية وجوده، ويدرأ بها خوفه من الموت الذي يتراءى له في آخر الطريق.
«أنا أشبهُ دميةً مكسورةً سقطت عيناها إلى الداخل».

فيما يخصّ جنون فريدريش هولدرلين، لا أكاد أجد وصفًا أبلغ من هذه العبارة. فماهية هذا «الداخل» عنده هي ارتدادٌ إلى ألفيّةٍ من الزمن، وغوصٌ كامل في أعماق الروح الإغريقية؛ فقد تشبّع مناخُه العقلي بها تشبّعًا بلغ حدّ الهذيان، حتى غدا إغريقيًّا تائهًا لا ينتمي إلى القرن التاسع عشر. وهذا بيّنٌ في شعره؛ إذ ينظر إلى الموجودات من الأعالي، ومن منظور آلهة الأولمب، أي من منظور الألوهة المحايثة للوجود، تلك النظرة نفسها التي نعثر على أصدائها عند راينر ماريا ريلكه.

ومن هنا يبدو جنونه، في أحد وجوهه على الأقل، أقرب إلى مأساةٍ روحية منه إلى عارضٍ عضوي. كان جسده حاضرًا في عالم التاسع عشر بتقنيته الناشئة وروحه الصناعيّة، لكن روحه كانت تسبح في فضاءات الأولمب. ولهذا انقطعت بينه وبين معاصريه روابط الفهم والإحالة المشتركة؛ فغدت لغته وإيقاعات دلالاتها غريبةً عن أسماعهم، وكأنها آتية من زمنٍ آخر أو من سماءٍ أخرى. ويمكن للمرء أن يلمح بواكير هذا التحوّل في بعض قصائده المتأخرة. ولم تستطع التفسيرات التي حصرت أمره في الافتراض العضوي وحده أن تنفذ إلى صميم تجربته، لأنها قلّما ربطت بين هذا التأويل وبين حياته وشعره ورؤيته للعالم. فاللافت أنّ ملكاته الشعرية لم تنطفئ انطفاءً كاملًا؛ بل ظل يكتب حتى أواخر أيامه، وقد نُسبت إليه قصائد كُتبت قبل موته بأسابيع قليلة، بعد أن كان قد أمضى قرابة أربعين عامًا في حالة الانفصال تلك.

حين كان هولدرلين يجوب كروم ألمانيا ووديانها وهضابها، كان يشعر باتحادٍ يكاد يكون تامًّا مع مظاهر الطبيعة. لم يكن يرى نفسه شيئًا في مقابل الزهرة أو الحجر أو العصفور، بل جزءًا من ذلك الكلّ الحيّ الذي يغمر الكون ويجري في عروقه. لقد مضى أبعد مما يحتمله البشر عادةً، واقترب من تخومٍ خطرة بين الإنساني والإلهي، حتى بدا، بحسب صوره الشعرية الخاصة، كأنّ «أبولّون» نفسه قد أصابه بالضربة القاضية وأرداه صريع ذلك الجنون المقدّس.
The spider spins from herself a delicate and ingenious web, drawing it out of her own substance; and this web, by the prey it ensnares, yields her a return. She is thus a creature whose dwelling lies within herself and is secreted from her own being. Man, however, is otherwise: his home does not arise from himself in the same immediate and organic manner, we are creatures of endless metamorphosis; our human essence, in its deepest core, possesses no fixed form. In caves and houses of stone, we resembled the stone itself; in dwellings of clay, we resembled the earth. Today, in our cities of plastic and glass, we resemble nothing but man.
"القيمة البيولوجية للجمال والقبح: إنّ ما نشعر نحوه بالنفور الغريزي من الوجهة الجمالية إنما يُحَسّ، وفقًا لأطول خبرةٍ راكمتها الإنسانية، على أنّه ضارٌّ وخطرٌ وجديرٌ بالريبة والاشتباه؛ فالتجلّي المفاجئ للغريزة الجمالية، كما في حالة الاشمئزاز، ينطوي في ذاته على فعلٍ من أفعال الحكم والتقدير. ومن هذه الجهة يندرج الجمال ضمن الفئة العامة للقيم البيولوجية: قيم المنفعة، والخير، وما يعزّز الحياة ويقوّيها. ولهذا فإنّ عددًا لا يُحصى من المثيرات التي اقترنت، عبر العصور، بالأشياء والأحوال النافعة، أو ذكّرت بها، يوقظ فينا إحساس الجمال؛ أي ذلك الازدياد في الشعور بالقوة. وليس الأمر مقتصرًا على الأشياء ذاتها، بل يشمل أيضًا الانفعالات المرتبطة بها أو بالرموز الدالّة عليها.

وعلى هذا النحو يُعترف بالجمال والقبح بوصفهما محدَّدَيْن بأعمق قيمنا الغريزية الرامية إلى حفظ الذات. أمّا افتراض وجود جمالٍ مطلق أو قبحٍ مطلق فليس إلا ضربًا من العبث؛ إذ لا وجود لجمالٍ مطلق، كما لا وجود لخيرٍ مطلق أو حقيقةٍ مطلقة. فالأمر، في كل حالةٍ بعينها، يتعلّق بشروط حفظ الذات الخاصة بنمطٍ معيّن من البشر؛ ولذلك فإنّ الإنسان القطيعي يملك إحساسًا بالجمال يختلف اختلافًا بيّنًا عن إحساس الإنسان الاستثنائي أو الإنسان الأعلى.

ومن المنظور الذي لا يرى إلا ما هو قريبٌ وماثلٌ في المقدّمة، أي الذي لا يلتفت إلا إلى النتائج المباشرة، تنشأ قيمة الجمال، كما تنشأ أيضًا قيمتا الخير والحقيقة.

إنّ جميع الأحكام الغريزية قصيرة النظر إزاء ترابط العواقب وتتابعها؛ فهي تُشير إلى ما ينبغي فعله على الفور. أمّا العقل فجوهره جهازٌ معيقٌ للاستجابة المباشرة لتلك الأحكام الغريزية؛ إنّه يوقفها، ويحسب، ويتتبّع سلسلة النتائج إلى مدى أبعد. فالأحكام المتعلقة بالجمال والقبح قصيرة النظر دائمًا، ولهذا يقف العقل منها موقف المعارضة؛ غير أنّها، مع ذلك، تبلغ من الإقناع أقصاه. فهي تخاطب غرائزنا في الموضع الذي تحسم فيه أمرها بأقصى سرعة، فتقول نعم أو لا بأدنى قدرٍ من التردّد، قبل أن يتسنّى للعقل أن يتدخّل.

وأكثر أحكام الجمال شيوعًا يعضد بعضها بعضًا على نحوٍ متبادل؛ فمتى بدأ «الدافع الجمالي» عمله، تبلورت حول الصورة الجميلة الواحدة جملةٌ من ضروب الكمال الأخرى، الغريبة عنها في الأصل. ومن ثمّ يستحيل أن يظلّ المرء موضوعيًا، بل يستحيل أن يتجرّد من تلك القدرة التي تؤول وتمنح وتحوّل وتُضفي بهاءً شعريًا على الأشياء؛ وهذه القدرة الأخيرة ليست سوى نسجٍ متواصلٍ من أحكام الإثبات والإقرار بالجمال ذاته. إنّ رؤية امرأةٍ جميلة…

وهكذا: إنّ الحكم على الجمال حكمٌ قصير النظر؛ إذ لا يرى سوى النتائج المباشرة. وهو يُغرق الموضوع الذي يثيره في هالةٍ من السحر والجاذبية تتشكّل من اقتران أحكامٍ جماليةٍ متعدّدة، مع أنّها أجنبيةٌ تمامًا عن ماهية ذلك الموضوع نفسه. ومن ثمّ فإنّ النظر إلى شيءٍ ما بوصفه جميلًا هو، بالضرورة، نوعٌ من النظر الخاطئ إليه؛ ولهذا السبب، وعلى سبيل المصادفة، كانت زيجات الحبّ، من الوجهة الاجتماعية، أكثر أشكال الزواج افتقارًا إلى المعقولية."
The more a person is afflicted by a disordered psychological or physiological constitution, the more he tends to be drawn toward images of death, impotence, decay, disease, the macabre, apocalyptic visions, depressive moods, ugliness, and weakness. Conversely, a person whose constitution is vigorous and healthy is more naturally attracted to beauty, strength, vitality, laughter, joy, irony, creativity, and images of permanence or immortality. What later appears as a matter of taste, preference, or intellectual interest is often rooted in a deeper and largely unconscious constitution (whether psychically or physiologically), one that precedes deliberate choice and silently guides the direction of desire, admiration, and judgment.
One of the unfortunate difficulties that arose with fixed settlement/the departure from wandering mode of life was the need to coexist not only with other people but also with the dead.