Conatus
Beethoven statue by max klinger.
Of the many biographies written about him, these two remain my favorites. Their appeal lies not merely in the story they tell, but in the quality of their literary writing, one reads them as much for the prose as for the life they recount.
Conatus
Photo
إنّ التصوّر للعدالة الذي يقدّمه Cape Fear ينتمي إلى عالمٍ أقدم من عالمنا الحديث بكثير؛ إلى زمنٍ لم تكن فيه العدالة مسألة قوانين وإجراءات ومحاكم، بل مسألة قدرٍ وثأرٍ واستيفاء حق. إنّه ذلك الفهم القديم للعدالة الذي عرفته الأمم الوثنية كما عرفته الأديان التوحيدية، حين كان الإنسان يرى في العقاب ضرورةً أخلاقية، وفي الجزاء ردًّا طبيعيًّا على الفعل. ولهذا يبدو هذا التصوّر غريبًا عن الحسّ الحديث، بل يكاد يُعدّ إجراميًّا في نظره، لأنّه يقوم على غرائز وقوى أرادت الحداثة أن تروّضها أو تستبعدها من المجال العام.
ومن هذه الزاوية لا يعود الفيلم محض حكاية عن مجرمٍ يطارد محاميًا، ولا صراعًا بين فردٍ من الطبقة الدنيا ورجلٍ من طبقة أكثر حظوة. فهذه العناصر، على أهميتها الدرامية، ليست سوى القشرة الخارجية للعمل. أمّا جوهره الحقيقي فيكمن في السؤال الذي يطرحه عن معنى العدالة نفسها. وما إن نتجاوز الأبعاد الاجتماعية للشخصيات حتى يظهر أمامنا صراعٌ أعمق: صراع بين العدالة بوصفها قانونًا، والعدالة بوصفها قصاصًا.
وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح في شخصية كادي وفي الوشوم الدينية التي تغطّي جسده. فالناظر إليها لأول وهلة يرى تناقضًا بين الرموز التي يحملها والرجل الذي هو عليه. غير أنّ هذا التناقض يزول حين نحاول فهم هذه الرموز من الداخل، لا من خلال المعاني المألوفة التي نُسقطها عليها. فبالنسبة إليه ليست هذه الوشوم إعلانًا عن التقوى أو الفضيلة، وإنما تعبيرًا عن صورةٍ خاصة للعدالة، وعن يقينٍ داخلي بأنّ العالم لا يستقيم إلا حين يُستوفى الدين ويُقتصّ للمظالم. وهكذا تتحوّل الرموز الدينية إلى علاماتٍ على طبيعةٍ باطنية، لا على التزامٍ أخلاقي بالمعنى الرمزي المعتاد.
ولعلّ هذا ما يجعل الشخصية عصيّة على الفهم. فهي تتحدّث بلغة الدين، لكنّها تسعى إلى الثأر؛ وتستعير مفردات الخلاص، بينما تتحرّك بدافع القصاص. إنّها تقيم في منطقةٍ غامضة تتداخل فيها العقيدة بالغريزة، واللاهوت بالرغبة في الانتقام، حتى يصعب الفصل بينهما.
وفي النهاية، يبدو الفيلم وكأنّه يضع أمامنا رؤيتين متعارضتين للعدالة: عدالة الدولة الحديثة، القائمة على القانون والإجراءات والمؤسسات؛ وعدالة أقدم وأشدّ بدائية، تقوم على ردّ الفعل المباشر وعلى الإيمان بأنّ كلّ فعل لا بدّ أن يلقى جزاءه، وإن كانت مبنيّة على تقييم ذاتي غير دقيق. ولا تكمن قيمة الفيلم في ترجيح إحدى الرؤيتين على الأخرى، بل في إظهاره أنّ التصوّر القديم للعدالة لم يختفِ تمامًا من النفس البشرية، مهما بلغت الحضارة من التقدّم، بل ظلّ كامنًا في الأعماق، قادرًا في كلّ حين على العودة إلى السطح؛ بعد أن نجا متخفّيًا في صورة التشريعات الوضعيّة وأشكالها، متحوّلًا إلى لبٍّ باطنيٍّ لها..
ومن هذه الزاوية لا يعود الفيلم محض حكاية عن مجرمٍ يطارد محاميًا، ولا صراعًا بين فردٍ من الطبقة الدنيا ورجلٍ من طبقة أكثر حظوة. فهذه العناصر، على أهميتها الدرامية، ليست سوى القشرة الخارجية للعمل. أمّا جوهره الحقيقي فيكمن في السؤال الذي يطرحه عن معنى العدالة نفسها. وما إن نتجاوز الأبعاد الاجتماعية للشخصيات حتى يظهر أمامنا صراعٌ أعمق: صراع بين العدالة بوصفها قانونًا، والعدالة بوصفها قصاصًا.
وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح في شخصية كادي وفي الوشوم الدينية التي تغطّي جسده. فالناظر إليها لأول وهلة يرى تناقضًا بين الرموز التي يحملها والرجل الذي هو عليه. غير أنّ هذا التناقض يزول حين نحاول فهم هذه الرموز من الداخل، لا من خلال المعاني المألوفة التي نُسقطها عليها. فبالنسبة إليه ليست هذه الوشوم إعلانًا عن التقوى أو الفضيلة، وإنما تعبيرًا عن صورةٍ خاصة للعدالة، وعن يقينٍ داخلي بأنّ العالم لا يستقيم إلا حين يُستوفى الدين ويُقتصّ للمظالم. وهكذا تتحوّل الرموز الدينية إلى علاماتٍ على طبيعةٍ باطنية، لا على التزامٍ أخلاقي بالمعنى الرمزي المعتاد.
ولعلّ هذا ما يجعل الشخصية عصيّة على الفهم. فهي تتحدّث بلغة الدين، لكنّها تسعى إلى الثأر؛ وتستعير مفردات الخلاص، بينما تتحرّك بدافع القصاص. إنّها تقيم في منطقةٍ غامضة تتداخل فيها العقيدة بالغريزة، واللاهوت بالرغبة في الانتقام، حتى يصعب الفصل بينهما.
وفي النهاية، يبدو الفيلم وكأنّه يضع أمامنا رؤيتين متعارضتين للعدالة: عدالة الدولة الحديثة، القائمة على القانون والإجراءات والمؤسسات؛ وعدالة أقدم وأشدّ بدائية، تقوم على ردّ الفعل المباشر وعلى الإيمان بأنّ كلّ فعل لا بدّ أن يلقى جزاءه، وإن كانت مبنيّة على تقييم ذاتي غير دقيق. ولا تكمن قيمة الفيلم في ترجيح إحدى الرؤيتين على الأخرى، بل في إظهاره أنّ التصوّر القديم للعدالة لم يختفِ تمامًا من النفس البشرية، مهما بلغت الحضارة من التقدّم، بل ظلّ كامنًا في الأعماق، قادرًا في كلّ حين على العودة إلى السطح؛ بعد أن نجا متخفّيًا في صورة التشريعات الوضعيّة وأشكالها، متحوّلًا إلى لبٍّ باطنيٍّ لها..
Conatus
إنّ التصوّر للعدالة الذي يقدّمه Cape Fear ينتمي إلى عالمٍ أقدم من عالمنا الحديث بكثير؛ إلى زمنٍ لم تكن فيه العدالة مسألة قوانين وإجراءات ومحاكم، بل مسألة قدرٍ وثأرٍ واستيفاء حق. إنّه ذلك الفهم القديم للعدالة الذي عرفته الأمم الوثنية كما عرفته الأديان التوحيدية،…
to be completed:
— for whom is the law?
— going beyond the rule of the law.
— origins and genesis of the law.
— law-breaking and law-keeping.
— for whom is the law?
— going beyond the rule of the law.
— origins and genesis of the law.
— law-breaking and law-keeping.
« النبيل لا يتنبّل، كما أنّ الفصيحَ لا يتفصّح، لأنّ النّبيلَ يكفيه نبلُه عن التنبّل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصُّح. ولم يتزيّد أحد قطّ إلّا لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلّا لِوهَنٍ قد أحسّ به في قوته، والكبير من جميع الناس قبيح ومن كل العبادِ مسخوط، إلا أنه عند الناس من عظماء الأعرابِ، وأشباه الأعراب أوجدُ، وهو لهم أسرع لجفائهم وبعدهم عن الجماعة، ولقلة مخالطتهم لأهل العفةِ والرّعة والأدب والصنعة »
— الجَاحِظ في الرَّسَائل الأَدَبِيَّة الكَامِلة.
— الجَاحِظ في الرَّسَائل الأَدَبِيَّة الكَامِلة.
وليس الذي يوجب لك الرّفعة أن تكون عند نفسك -دون أن يراك الناس- رفيعًا، وتكون في الحقيقة وضيعًا.
— الجَاحِظ الرسائل الأدبية.
— الجَاحِظ الرسائل الأدبية.
"Of this I am convinced, that if the rise of great and rare men had been made dependent upon the voices of the multitude (taking for granted, of course, that the latter knew the qualities which belong to greatness, and also the price that all greatness pays for its self-development), then there would never have been any such thing as a great man!
The fact that things pursue their course independently of the voice of the many, is the reason why a few astonishing things have taken place on earth."
The fact that things pursue their course independently of the voice of the many, is the reason why a few astonishing things have taken place on earth."
إنّ نظام التعليم القائم اليوم، الذي يستنفد من الإنسان زهرةَ عمره بين مراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية والثانوية من أجل وظيفةٍ ما، ليس مما يُرى أنه وُضع ابتداءً لتزكية النفس وتوسعة العقل وتحرير الإرادة، بقدر ما يُرى أنه جُعل على هيئةٍ تُروِّض الإنسان وتُكيّفه مع مقتضيات النظام الاجتماعي والسياسي القائم، بما يخدم أمره ويستقيم به شأنه. وهو، مع ذلك، لا يخلو من ضروبٍ من التلقين، وألوانٍ من الصياغة الذهنية المكرورة، وما يُشبه الغسل الفكري والإضعاف النفسي على طرائقَ وإن بدت خفيةً فإن أثرها في توحيد الأنماط الذهنية وإضعاف ملكة الاستقلال في الحكم والتفكير بيّنٌ لمن تأمّل.
ولذلك لا تعجبنَّ إذا رأيتَ كثيرًا من حملة الشهادات قد ألفوا من الصبر على الفاقة والحرمان والظلم والمهانة ما لا يكاد يُرى مثله عند رجلٍ بسيطٍ لم يعرف هذه المدارج المدرسية ولم يُؤدَّب بتلك السلاسل الطويلة من الإلزام. فكأنّ هذا التعليم، في صورته المؤسسية الحديثة، قد أفلح في بعض أحواله في أن يُخرِج أفرادًا أحذقَ بالوظيفة وأمهرَ بالامتثال، لا أشدَّ بأسًا في حفظ الكرامة ولا أقوى على صيانة الاستقلال.
ومن هاهنا وقع الشكُّ عندي في كل تعليمٍ مؤسسيٍّ يُدار من أعلى إلى أسفل، ويُفرض على العقول فرضًا، ويُراد به أن يسير الناس في طريقٍ واحدٍ كأنهم سُيّار في قافلةٍ لا يملكون منها تحوّلًا ولا انصرافًا. وإنما أصدقُ العلم عندي ما نشأ في النفس من حاجةٍ ملحّة، وطلبٍ صادقٍ، وسعيٍ حرٍّ إلى الحقيقة؛ لا ما جرى مجرى التلقين الجامد، ولا ما صار كالمتاع يُستخرج من الكتب استخراجًا ثم يُحفظ حفظًا ثم يُنسى نسيانًا، لا يجاوز اللسان إلى القلب ولا يتحول إلى فهمٍ يُدرك أو معنى يُعاش.
وفي هذا الباب يجيء قولُ إيفان إيلتش في نقده للمدرسة الحديثة، حين دعا إلى «نزع الطابع المدرسي عن المجتمع» Ivan Illich، إذ يريد بذلك أن يُفكَّك ذلك الاحتكار الذي جعل من المدرسة بابًا وحيدًا للعلم، وممرًّا لا يُجاوز، وسلطانًا لا يُنازع، حتى صارت هي التي تُقرر ما يُعلَّم، ومتى يُعلَّم، وكيف يُعلَّم.
غير أنّ هذا المعنى إن أُخذ على إطلاقه، فحُملت مهمة التثقيف كلها على عاتق الأب والأم وحدهما، خرج الأمر عن غايته، وانتقل الاحتكار من جهةٍ إلى جهة، لا أنه زال أو انحلّ. فإنّ الأسرة، على تفاوت أحوالها، ليست وعاءً واحدًا للمعرفة، ولا طريقًا مطردًا للانفتاح على العالم، بل هي هيئاتٌ مختلفة تتباين فيها القدرة والوقت والوعي، فلا يستوي فيها حالٌ بحال. ومن ثمّ فليس المقصود أن يُستبدل قيدٌ بقيد، ولكن أن يُفتح باب التعلّم على وجوهٍ شتى، ومسالكَ متعددة، يكون فيها الإنسان متعلّمًا من غير إكراه، وسالكًا طريقه إلى المعرفة من غير احتكارٍ ولا إلزام، ولا حصرٍ ولا تضييق، وبما في ذلك حريته في ألا يتعلم إطلاقًا.
ولذلك لا تعجبنَّ إذا رأيتَ كثيرًا من حملة الشهادات قد ألفوا من الصبر على الفاقة والحرمان والظلم والمهانة ما لا يكاد يُرى مثله عند رجلٍ بسيطٍ لم يعرف هذه المدارج المدرسية ولم يُؤدَّب بتلك السلاسل الطويلة من الإلزام. فكأنّ هذا التعليم، في صورته المؤسسية الحديثة، قد أفلح في بعض أحواله في أن يُخرِج أفرادًا أحذقَ بالوظيفة وأمهرَ بالامتثال، لا أشدَّ بأسًا في حفظ الكرامة ولا أقوى على صيانة الاستقلال.
ومن هاهنا وقع الشكُّ عندي في كل تعليمٍ مؤسسيٍّ يُدار من أعلى إلى أسفل، ويُفرض على العقول فرضًا، ويُراد به أن يسير الناس في طريقٍ واحدٍ كأنهم سُيّار في قافلةٍ لا يملكون منها تحوّلًا ولا انصرافًا. وإنما أصدقُ العلم عندي ما نشأ في النفس من حاجةٍ ملحّة، وطلبٍ صادقٍ، وسعيٍ حرٍّ إلى الحقيقة؛ لا ما جرى مجرى التلقين الجامد، ولا ما صار كالمتاع يُستخرج من الكتب استخراجًا ثم يُحفظ حفظًا ثم يُنسى نسيانًا، لا يجاوز اللسان إلى القلب ولا يتحول إلى فهمٍ يُدرك أو معنى يُعاش.
وفي هذا الباب يجيء قولُ إيفان إيلتش في نقده للمدرسة الحديثة، حين دعا إلى «نزع الطابع المدرسي عن المجتمع» Ivan Illich، إذ يريد بذلك أن يُفكَّك ذلك الاحتكار الذي جعل من المدرسة بابًا وحيدًا للعلم، وممرًّا لا يُجاوز، وسلطانًا لا يُنازع، حتى صارت هي التي تُقرر ما يُعلَّم، ومتى يُعلَّم، وكيف يُعلَّم.
غير أنّ هذا المعنى إن أُخذ على إطلاقه، فحُملت مهمة التثقيف كلها على عاتق الأب والأم وحدهما، خرج الأمر عن غايته، وانتقل الاحتكار من جهةٍ إلى جهة، لا أنه زال أو انحلّ. فإنّ الأسرة، على تفاوت أحوالها، ليست وعاءً واحدًا للمعرفة، ولا طريقًا مطردًا للانفتاح على العالم، بل هي هيئاتٌ مختلفة تتباين فيها القدرة والوقت والوعي، فلا يستوي فيها حالٌ بحال. ومن ثمّ فليس المقصود أن يُستبدل قيدٌ بقيد، ولكن أن يُفتح باب التعلّم على وجوهٍ شتى، ومسالكَ متعددة، يكون فيها الإنسان متعلّمًا من غير إكراه، وسالكًا طريقه إلى المعرفة من غير احتكارٍ ولا إلزام، ولا حصرٍ ولا تضييق، وبما في ذلك حريته في ألا يتعلم إطلاقًا.
"I reject compulsory education as nonsense. It was one of the greatest wellsprings of misfortune in the world"
"that world of examinations, positions, academies and honors is basically, irrelevant. That is the world that is swarming with revolutionaries who are not even capable of living without a car and who parasitically batten, like remoras on a whale, on the stomach of Leviathan, upon whom they depend for good or for ill."
~ Ernst Jünger
"that world of examinations, positions, academies and honors is basically, irrelevant. That is the world that is swarming with revolutionaries who are not even capable of living without a car and who parasitically batten, like remoras on a whale, on the stomach of Leviathan, upon whom they depend for good or for ill."
~ Ernst Jünger
"Schools serve the same social functions as prisons and mental institutions, to define, classify, control, and regulate people."
— Michel Foucault, Discipline and Punishment.
— Michel Foucault, Discipline and Punishment.
عندما يتفوّه إنسانٌ ما بألفاظ تُشوِّه حاسة السمع حتى تجعل المرء يأنف أن يُصغي إليه، فهو في نظري ينحدر إلى مرتبة في السلوك أدنى من الحيوان؛ إذ إنّ الأخير يتصرف بتلقائية في أفعاله لأنه يفتقد لأي إرادة، وهو مُسيَّر طبيعيًا في انفعالاته وغرائزه المتصارعة. أما الإنسان، رغم امتلاكه الإرادة وإمكانية شحذها، نراه ينحدر إلى ما هو أسوأ جرّاء انفعالٍ حيواني ساذج تجاه أمر ما، أو -ما هو أضر من ذلك- عندما يعبّر عن أشياء رفيعة بهذا السلوك. لكن هذا السلوك نفسه ناطقٌ حقيقي عن ذاته؛ إذ يكشف أنه لم يَعِ قدرها، ولم تمسّ روحه تلك الدرجة التي تجعله مُدركًا لمغزاها. إنّ التعسّف في ما ينتقيه المرء من كلام، بوصفه تعبيرًا عن وعيه تجاه أمرٍ ما أو عن نفسه تجاه تجربةٍ عاشها، إنما هو علامة على قربه وحميميته من اللغة، وعلى حساسيته أو انعدام حساسيته تجاهها. فغياب الذوق الحسي تجاه اللغة، والعبث بها، أمور تفصح بالكثير عن ذات القائل.
هذا السلوك ذاته يتخذ فعل الإفصاح؛ لأن اللغة هنا لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل هي تصوير لما في بواطن المرء. إنهم يوظفون اللغة بعبثية مُضحكة، كأنها لا تعبّر عن أعمق أعماق الذات، بينما هي في الحقيقة حضورٌ تام لما هو عليه الإنسان. فالمرء يبرز إلى الآخر من العتمة إلى الضوء بفعل حديثه، ويظهر بكل ما في داخله من محمولات، فتكون اللغة طريقًا لوصف ونقل تجربته مع ذاته والعالم والآخرين، وطريقًا إلى تأصيله في العالم. إن حاسة السمع نافذة موسيقية إلى روح الإنسان، لكن لا يقدّرها من لم يفقه معناها العميق بعد. ونلفى اليوم، في كل مساحة عيش، محاولات كثيرة لاغتيال حياة الحواس وتدنيسها؛ إذ يُغذّى ويُنشّأ المرء على تجارب حسية وروحية مُنهِكة، منها تدفّق الصور والأصوات بشكل يومي متواصل يستنزف طاقاته. ومن هنا، ينبغي أن تكون الأمور التي تخاطب حاسة السمع -تلك الحاسة الموسيقية والليلية في جوهرها- أمورًا مقدسة في ذاتها. وعموما، عندما ينطق المرء عن ذاته في حال كهذه، فكأنه يقول بصريح العبارة: “انظر كما أنا بذيء وسوقي وجلف”. هنا يفرغ ما هو باطن إلى الخارج، فنحن نستمع إلى ما هو عليه في ذاته عبر لغته. فهو يتخذ سلوكًا جليًا في إبراز شخصه إلى العيان؛ فاللغة هي أنا المرء، بها أجرب العالم وأجول فيه.
كان العرب والأغريق يشددون على أهمية أن يتكلم المرء جميلًا، وأن يتجنب الكلمات الناشزة في حديثه، لكي تكون للكلام عذوبة للسمع، مع ضرورة الانتباه لقوة الكلمات في تشييء الأشياء أو تنبيل الذات. شريطة أن يكون هذا الانتباه خطوة حذرة في انتقاء ما هو جميل وقيم. وعندما تصبح اللغة أداة نفعية/تواصلية للأمور اليومية فحسب، فإن هذا عين العبث وتخريب اللغة. إذ إن النظر إلى النفعية في المسائل اللغوية والفنية يقود إلى هلاكها. وحتى لو أخذنا الجانب الآخر، فإن كل ما يُنطق يحمل في باطنه لونًا من روح المرء؛ فاللغة حالة للتعبير عن وعيه ذاته، أي عن فكره وذوقه وسلوكه. ولذلك، فإن كل كلمة ينطقها المرء إما أن تُعمّق وعيه أو تُجوّفه. وكل ما يجري عبر الحواس إما أن يكون حياةً أو موتًا للروح. فاللغة أجنحةٌ ملائكية تُحلّق بالمرء الذي يُحسنها، ويكون مصيره السقوط إذا غفل عنها. إنها تنمو وتتفتح في مرافقتها لذواتنا في الوجود، وترفعنا بعيدًا عن أغلال القاع.
ويتناسَى المرء أن أسلوبه في المزاح واللعب والكلام هو ممثلٌ صادق عمّا هو عليه. إن استخدام اللغة بجلافة يذكّرنا بما كان الإنسان عليه قبل أن تنعّم عليه الحضارة، حين لم تكن منتجاتها قد أثّرت بعد في تهذيب ذوقه ووعيه وسلوكه. وتحضُرنا في هذه الحال مشاهد لإنسانٍ كان على درجة من البربرية في الذوق والسلوك والكلام. فالحواس برزخٌ بين العالمين، ولذلك فإن أثر الكلمات وكل ما يخاطب الحواس يتغلغل عميقًا في الروح. لكن كيف يمكن مخاطبة من هو في ذاته على غاية من الخواء الداخلي؟ إن الرغبة في أن ينحدر المرء إلى قاعه، أو أن يغرق في العنصر الجماعي ويخبط بينه وبين ذاته، أو فشله في مقاومة هذا الزخم الجمعي، كلها علامات على ابتذالٍ مُخجِل.
هذا السلوك ذاته يتخذ فعل الإفصاح؛ لأن اللغة هنا لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل هي تصوير لما في بواطن المرء. إنهم يوظفون اللغة بعبثية مُضحكة، كأنها لا تعبّر عن أعمق أعماق الذات، بينما هي في الحقيقة حضورٌ تام لما هو عليه الإنسان. فالمرء يبرز إلى الآخر من العتمة إلى الضوء بفعل حديثه، ويظهر بكل ما في داخله من محمولات، فتكون اللغة طريقًا لوصف ونقل تجربته مع ذاته والعالم والآخرين، وطريقًا إلى تأصيله في العالم. إن حاسة السمع نافذة موسيقية إلى روح الإنسان، لكن لا يقدّرها من لم يفقه معناها العميق بعد. ونلفى اليوم، في كل مساحة عيش، محاولات كثيرة لاغتيال حياة الحواس وتدنيسها؛ إذ يُغذّى ويُنشّأ المرء على تجارب حسية وروحية مُنهِكة، منها تدفّق الصور والأصوات بشكل يومي متواصل يستنزف طاقاته. ومن هنا، ينبغي أن تكون الأمور التي تخاطب حاسة السمع -تلك الحاسة الموسيقية والليلية في جوهرها- أمورًا مقدسة في ذاتها. وعموما، عندما ينطق المرء عن ذاته في حال كهذه، فكأنه يقول بصريح العبارة: “انظر كما أنا بذيء وسوقي وجلف”. هنا يفرغ ما هو باطن إلى الخارج، فنحن نستمع إلى ما هو عليه في ذاته عبر لغته. فهو يتخذ سلوكًا جليًا في إبراز شخصه إلى العيان؛ فاللغة هي أنا المرء، بها أجرب العالم وأجول فيه.
كان العرب والأغريق يشددون على أهمية أن يتكلم المرء جميلًا، وأن يتجنب الكلمات الناشزة في حديثه، لكي تكون للكلام عذوبة للسمع، مع ضرورة الانتباه لقوة الكلمات في تشييء الأشياء أو تنبيل الذات. شريطة أن يكون هذا الانتباه خطوة حذرة في انتقاء ما هو جميل وقيم. وعندما تصبح اللغة أداة نفعية/تواصلية للأمور اليومية فحسب، فإن هذا عين العبث وتخريب اللغة. إذ إن النظر إلى النفعية في المسائل اللغوية والفنية يقود إلى هلاكها. وحتى لو أخذنا الجانب الآخر، فإن كل ما يُنطق يحمل في باطنه لونًا من روح المرء؛ فاللغة حالة للتعبير عن وعيه ذاته، أي عن فكره وذوقه وسلوكه. ولذلك، فإن كل كلمة ينطقها المرء إما أن تُعمّق وعيه أو تُجوّفه. وكل ما يجري عبر الحواس إما أن يكون حياةً أو موتًا للروح. فاللغة أجنحةٌ ملائكية تُحلّق بالمرء الذي يُحسنها، ويكون مصيره السقوط إذا غفل عنها. إنها تنمو وتتفتح في مرافقتها لذواتنا في الوجود، وترفعنا بعيدًا عن أغلال القاع.
ويتناسَى المرء أن أسلوبه في المزاح واللعب والكلام هو ممثلٌ صادق عمّا هو عليه. إن استخدام اللغة بجلافة يذكّرنا بما كان الإنسان عليه قبل أن تنعّم عليه الحضارة، حين لم تكن منتجاتها قد أثّرت بعد في تهذيب ذوقه ووعيه وسلوكه. وتحضُرنا في هذه الحال مشاهد لإنسانٍ كان على درجة من البربرية في الذوق والسلوك والكلام. فالحواس برزخٌ بين العالمين، ولذلك فإن أثر الكلمات وكل ما يخاطب الحواس يتغلغل عميقًا في الروح. لكن كيف يمكن مخاطبة من هو في ذاته على غاية من الخواء الداخلي؟ إن الرغبة في أن ينحدر المرء إلى قاعه، أو أن يغرق في العنصر الجماعي ويخبط بينه وبين ذاته، أو فشله في مقاومة هذا الزخم الجمعي، كلها علامات على ابتذالٍ مُخجِل.