يمكن تلخيص أنطولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها انقلابًا على الكوجيتو الديكارتي، بحيث يغدو: «أنا مرئي، إذن أنا موجود». وذلك منذ نشأتها وبكافة التطورات التي خضعت لها؛ فكل شيء فيها يتمحور حول السطوح، والظهور، والاستعراض، والأداء، والمظهر، أي هيمنة مطلقة للخارجية في مقابل غياب شبه تام للباطنية الأصيلة. ولا بد من شهود عيان على ما يفعله المرء ويعمله ويأكله ويحبّه ويكرهه، ولو عاش هذا كله فعلًا بالمعنى الحق، لما تجرأ على بثّه إلى أناس لا يعرفهم في الغالب. ثم يأتيك كائنٌ تعسٌ يحدثك عن حريته في مناخٍ مبرمج على هذا النحو، رقميًا ونفسيًا.
إن مثل هذا الكائن، الذي يتكئ في وجوده على ذواتٍ رقمية لا يعرفها معرفةً حقيقية، يصبح أكثر ضعفًا وهشاشة، وأكثر قابليةً للتدجين والسيطرة. إنه يعيش حياةً مُراقَبة أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تُجمع المعلومات حول تفضيلاته وهويته وتاريخه، وتُحلَّل تحليلاً نفسيًا دقيقًا من أجل ضبطٍ محكم لسلوكه وتوجيهه بالتنويم المغناطيسي. وفي مثل هذا النظام المحكم، شديد النسج خلف الأضواء، يغدو المرء أكثر فأكثر متطبّعًا بهذا النمط من الوجود، بدل أن يحيا اللحظة المعيشة في كثافتها وحضورها الفعلي.
إن مبدأ الباطنية نفسه لا يبقى بمنأى عن هذا التحول؛ إذ يُزَحْزَح ويُخرَج من عمقه ليُستبدل بشكلٍ أدائيٍّ مُعْلَن. فلم تعد الحياة الباطنية تُعاش بوصفها تجربة صامتة، بل تُستعرض وتُصاغ وتُقدَّم بوصفها مادةً للعرض. ويمكن أيضًا القول إن حيثما تسود الذهنية الجمعية وديناميات الجماعة، تميل الخارجية إلى الهيمنة، بينما ارتبطت الداخلية تاريخيًا بالعزلة: بصحراء الخلوة، وبالبراري، وبصورة الكائن المنفرد، ذاك الذي ينسحب من مرأى الآخرين كي يفكر ويحس ويكون خارج وساطة النظرات.
إن مثل هذا الكائن، الذي يتكئ في وجوده على ذواتٍ رقمية لا يعرفها معرفةً حقيقية، يصبح أكثر ضعفًا وهشاشة، وأكثر قابليةً للتدجين والسيطرة. إنه يعيش حياةً مُراقَبة أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تُجمع المعلومات حول تفضيلاته وهويته وتاريخه، وتُحلَّل تحليلاً نفسيًا دقيقًا من أجل ضبطٍ محكم لسلوكه وتوجيهه بالتنويم المغناطيسي. وفي مثل هذا النظام المحكم، شديد النسج خلف الأضواء، يغدو المرء أكثر فأكثر متطبّعًا بهذا النمط من الوجود، بدل أن يحيا اللحظة المعيشة في كثافتها وحضورها الفعلي.
إن مبدأ الباطنية نفسه لا يبقى بمنأى عن هذا التحول؛ إذ يُزَحْزَح ويُخرَج من عمقه ليُستبدل بشكلٍ أدائيٍّ مُعْلَن. فلم تعد الحياة الباطنية تُعاش بوصفها تجربة صامتة، بل تُستعرض وتُصاغ وتُقدَّم بوصفها مادةً للعرض. ويمكن أيضًا القول إن حيثما تسود الذهنية الجمعية وديناميات الجماعة، تميل الخارجية إلى الهيمنة، بينما ارتبطت الداخلية تاريخيًا بالعزلة: بصحراء الخلوة، وبالبراري، وبصورة الكائن المنفرد، ذاك الذي ينسحب من مرأى الآخرين كي يفكر ويحس ويكون خارج وساطة النظرات.
Conatus
Beethoven statue by max klinger.
Of the many biographies written about him, these two remain my favorites. Their appeal lies not merely in the story they tell, but in the quality of their literary writing, one reads them as much for the prose as for the life they recount.
Conatus
Photo
إنّ التصوّر للعدالة الذي يقدّمه Cape Fear ينتمي إلى عالمٍ أقدم من عالمنا الحديث بكثير؛ إلى زمنٍ لم تكن فيه العدالة مسألة قوانين وإجراءات ومحاكم، بل مسألة قدرٍ وثأرٍ واستيفاء حق. إنّه ذلك الفهم القديم للعدالة الذي عرفته الأمم الوثنية كما عرفته الأديان التوحيدية، حين كان الإنسان يرى في العقاب ضرورةً أخلاقية، وفي الجزاء ردًّا طبيعيًّا على الفعل. ولهذا يبدو هذا التصوّر غريبًا عن الحسّ الحديث، بل يكاد يُعدّ إجراميًّا في نظره، لأنّه يقوم على غرائز وقوى أرادت الحداثة أن تروّضها أو تستبعدها من المجال العام.
ومن هذه الزاوية لا يعود الفيلم محض حكاية عن مجرمٍ يطارد محاميًا، ولا صراعًا بين فردٍ من الطبقة الدنيا ورجلٍ من طبقة أكثر حظوة. فهذه العناصر، على أهميتها الدرامية، ليست سوى القشرة الخارجية للعمل. أمّا جوهره الحقيقي فيكمن في السؤال الذي يطرحه عن معنى العدالة نفسها. وما إن نتجاوز الأبعاد الاجتماعية للشخصيات حتى يظهر أمامنا صراعٌ أعمق: صراع بين العدالة بوصفها قانونًا، والعدالة بوصفها قصاصًا.
وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح في شخصية كادي وفي الوشوم الدينية التي تغطّي جسده. فالناظر إليها لأول وهلة يرى تناقضًا بين الرموز التي يحملها والرجل الذي هو عليه. غير أنّ هذا التناقض يزول حين نحاول فهم هذه الرموز من الداخل، لا من خلال المعاني المألوفة التي نُسقطها عليها. فبالنسبة إليه ليست هذه الوشوم إعلانًا عن التقوى أو الفضيلة، وإنما تعبيرًا عن صورةٍ خاصة للعدالة، وعن يقينٍ داخلي بأنّ العالم لا يستقيم إلا حين يُستوفى الدين ويُقتصّ للمظالم. وهكذا تتحوّل الرموز الدينية إلى علاماتٍ على طبيعةٍ باطنية، لا على التزامٍ أخلاقي بالمعنى الرمزي المعتاد.
ولعلّ هذا ما يجعل الشخصية عصيّة على الفهم. فهي تتحدّث بلغة الدين، لكنّها تسعى إلى الثأر؛ وتستعير مفردات الخلاص، بينما تتحرّك بدافع القصاص. إنّها تقيم في منطقةٍ غامضة تتداخل فيها العقيدة بالغريزة، واللاهوت بالرغبة في الانتقام، حتى يصعب الفصل بينهما.
وفي النهاية، يبدو الفيلم وكأنّه يضع أمامنا رؤيتين متعارضتين للعدالة: عدالة الدولة الحديثة، القائمة على القانون والإجراءات والمؤسسات؛ وعدالة أقدم وأشدّ بدائية، تقوم على ردّ الفعل المباشر وعلى الإيمان بأنّ كلّ فعل لا بدّ أن يلقى جزاءه، وإن كانت مبنيّة على تقييم ذاتي غير دقيق. ولا تكمن قيمة الفيلم في ترجيح إحدى الرؤيتين على الأخرى، بل في إظهاره أنّ التصوّر القديم للعدالة لم يختفِ تمامًا من النفس البشرية، مهما بلغت الحضارة من التقدّم، بل ظلّ كامنًا في الأعماق، قادرًا في كلّ حين على العودة إلى السطح؛ بعد أن نجا متخفّيًا في صورة التشريعات الوضعيّة وأشكالها، متحوّلًا إلى لبٍّ باطنيٍّ لها..
ومن هذه الزاوية لا يعود الفيلم محض حكاية عن مجرمٍ يطارد محاميًا، ولا صراعًا بين فردٍ من الطبقة الدنيا ورجلٍ من طبقة أكثر حظوة. فهذه العناصر، على أهميتها الدرامية، ليست سوى القشرة الخارجية للعمل. أمّا جوهره الحقيقي فيكمن في السؤال الذي يطرحه عن معنى العدالة نفسها. وما إن نتجاوز الأبعاد الاجتماعية للشخصيات حتى يظهر أمامنا صراعٌ أعمق: صراع بين العدالة بوصفها قانونًا، والعدالة بوصفها قصاصًا.
وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح في شخصية كادي وفي الوشوم الدينية التي تغطّي جسده. فالناظر إليها لأول وهلة يرى تناقضًا بين الرموز التي يحملها والرجل الذي هو عليه. غير أنّ هذا التناقض يزول حين نحاول فهم هذه الرموز من الداخل، لا من خلال المعاني المألوفة التي نُسقطها عليها. فبالنسبة إليه ليست هذه الوشوم إعلانًا عن التقوى أو الفضيلة، وإنما تعبيرًا عن صورةٍ خاصة للعدالة، وعن يقينٍ داخلي بأنّ العالم لا يستقيم إلا حين يُستوفى الدين ويُقتصّ للمظالم. وهكذا تتحوّل الرموز الدينية إلى علاماتٍ على طبيعةٍ باطنية، لا على التزامٍ أخلاقي بالمعنى الرمزي المعتاد.
ولعلّ هذا ما يجعل الشخصية عصيّة على الفهم. فهي تتحدّث بلغة الدين، لكنّها تسعى إلى الثأر؛ وتستعير مفردات الخلاص، بينما تتحرّك بدافع القصاص. إنّها تقيم في منطقةٍ غامضة تتداخل فيها العقيدة بالغريزة، واللاهوت بالرغبة في الانتقام، حتى يصعب الفصل بينهما.
وفي النهاية، يبدو الفيلم وكأنّه يضع أمامنا رؤيتين متعارضتين للعدالة: عدالة الدولة الحديثة، القائمة على القانون والإجراءات والمؤسسات؛ وعدالة أقدم وأشدّ بدائية، تقوم على ردّ الفعل المباشر وعلى الإيمان بأنّ كلّ فعل لا بدّ أن يلقى جزاءه، وإن كانت مبنيّة على تقييم ذاتي غير دقيق. ولا تكمن قيمة الفيلم في ترجيح إحدى الرؤيتين على الأخرى، بل في إظهاره أنّ التصوّر القديم للعدالة لم يختفِ تمامًا من النفس البشرية، مهما بلغت الحضارة من التقدّم، بل ظلّ كامنًا في الأعماق، قادرًا في كلّ حين على العودة إلى السطح؛ بعد أن نجا متخفّيًا في صورة التشريعات الوضعيّة وأشكالها، متحوّلًا إلى لبٍّ باطنيٍّ لها..
Conatus
إنّ التصوّر للعدالة الذي يقدّمه Cape Fear ينتمي إلى عالمٍ أقدم من عالمنا الحديث بكثير؛ إلى زمنٍ لم تكن فيه العدالة مسألة قوانين وإجراءات ومحاكم، بل مسألة قدرٍ وثأرٍ واستيفاء حق. إنّه ذلك الفهم القديم للعدالة الذي عرفته الأمم الوثنية كما عرفته الأديان التوحيدية،…
to be completed:
— for whom is the law?
— going beyond the rule of the law.
— origins and genesis of the law.
— law-breaking and law-keeping.
— for whom is the law?
— going beyond the rule of the law.
— origins and genesis of the law.
— law-breaking and law-keeping.
« النبيل لا يتنبّل، كما أنّ الفصيحَ لا يتفصّح، لأنّ النّبيلَ يكفيه نبلُه عن التنبّل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصُّح. ولم يتزيّد أحد قطّ إلّا لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلّا لِوهَنٍ قد أحسّ به في قوته، والكبير من جميع الناس قبيح ومن كل العبادِ مسخوط، إلا أنه عند الناس من عظماء الأعرابِ، وأشباه الأعراب أوجدُ، وهو لهم أسرع لجفائهم وبعدهم عن الجماعة، ولقلة مخالطتهم لأهل العفةِ والرّعة والأدب والصنعة »
— الجَاحِظ في الرَّسَائل الأَدَبِيَّة الكَامِلة.
— الجَاحِظ في الرَّسَائل الأَدَبِيَّة الكَامِلة.
وليس الذي يوجب لك الرّفعة أن تكون عند نفسك -دون أن يراك الناس- رفيعًا، وتكون في الحقيقة وضيعًا.
— الجَاحِظ الرسائل الأدبية.
— الجَاحِظ الرسائل الأدبية.
"Of this I am convinced, that if the rise of great and rare men had been made dependent upon the voices of the multitude (taking for granted, of course, that the latter knew the qualities which belong to greatness, and also the price that all greatness pays for its self-development), then there would never have been any such thing as a great man!
The fact that things pursue their course independently of the voice of the many, is the reason why a few astonishing things have taken place on earth."
The fact that things pursue their course independently of the voice of the many, is the reason why a few astonishing things have taken place on earth."
إنّ نظام التعليم القائم اليوم، الذي يستنفد من الإنسان زهرةَ عمره بين مراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية والثانوية من أجل وظيفةٍ ما، ليس مما يُرى أنه وُضع ابتداءً لتزكية النفس وتوسعة العقل وتحرير الإرادة، بقدر ما يُرى أنه جُعل على هيئةٍ تُروِّض الإنسان وتُكيّفه مع مقتضيات النظام الاجتماعي والسياسي القائم، بما يخدم أمره ويستقيم به شأنه. وهو، مع ذلك، لا يخلو من ضروبٍ من التلقين، وألوانٍ من الصياغة الذهنية المكرورة، وما يُشبه الغسل الفكري والإضعاف النفسي على طرائقَ وإن بدت خفيةً فإن أثرها في توحيد الأنماط الذهنية وإضعاف ملكة الاستقلال في الحكم والتفكير بيّنٌ لمن تأمّل.
ولذلك لا تعجبنَّ إذا رأيتَ كثيرًا من حملة الشهادات قد ألفوا من الصبر على الفاقة والحرمان والظلم والمهانة ما لا يكاد يُرى مثله عند رجلٍ بسيطٍ لم يعرف هذه المدارج المدرسية ولم يُؤدَّب بتلك السلاسل الطويلة من الإلزام. فكأنّ هذا التعليم، في صورته المؤسسية الحديثة، قد أفلح في بعض أحواله في أن يُخرِج أفرادًا أحذقَ بالوظيفة وأمهرَ بالامتثال، لا أشدَّ بأسًا في حفظ الكرامة ولا أقوى على صيانة الاستقلال.
ومن هاهنا وقع الشكُّ عندي في كل تعليمٍ مؤسسيٍّ يُدار من أعلى إلى أسفل، ويُفرض على العقول فرضًا، ويُراد به أن يسير الناس في طريقٍ واحدٍ كأنهم سُيّار في قافلةٍ لا يملكون منها تحوّلًا ولا انصرافًا. وإنما أصدقُ العلم عندي ما نشأ في النفس من حاجةٍ ملحّة، وطلبٍ صادقٍ، وسعيٍ حرٍّ إلى الحقيقة؛ لا ما جرى مجرى التلقين الجامد، ولا ما صار كالمتاع يُستخرج من الكتب استخراجًا ثم يُحفظ حفظًا ثم يُنسى نسيانًا، لا يجاوز اللسان إلى القلب ولا يتحول إلى فهمٍ يُدرك أو معنى يُعاش.
وفي هذا الباب يجيء قولُ إيفان إيلتش في نقده للمدرسة الحديثة، حين دعا إلى «نزع الطابع المدرسي عن المجتمع» Ivan Illich، إذ يريد بذلك أن يُفكَّك ذلك الاحتكار الذي جعل من المدرسة بابًا وحيدًا للعلم، وممرًّا لا يُجاوز، وسلطانًا لا يُنازع، حتى صارت هي التي تُقرر ما يُعلَّم، ومتى يُعلَّم، وكيف يُعلَّم.
غير أنّ هذا المعنى إن أُخذ على إطلاقه، فحُملت مهمة التثقيف كلها على عاتق الأب والأم وحدهما، خرج الأمر عن غايته، وانتقل الاحتكار من جهةٍ إلى جهة، لا أنه زال أو انحلّ. فإنّ الأسرة، على تفاوت أحوالها، ليست وعاءً واحدًا للمعرفة، ولا طريقًا مطردًا للانفتاح على العالم، بل هي هيئاتٌ مختلفة تتباين فيها القدرة والوقت والوعي، فلا يستوي فيها حالٌ بحال. ومن ثمّ فليس المقصود أن يُستبدل قيدٌ بقيد، ولكن أن يُفتح باب التعلّم على وجوهٍ شتى، ومسالكَ متعددة، يكون فيها الإنسان متعلّمًا من غير إكراه، وسالكًا طريقه إلى المعرفة من غير احتكارٍ ولا إلزام، ولا حصرٍ ولا تضييق، وبما في ذلك حريته في ألا يتعلم إطلاقًا.
ولذلك لا تعجبنَّ إذا رأيتَ كثيرًا من حملة الشهادات قد ألفوا من الصبر على الفاقة والحرمان والظلم والمهانة ما لا يكاد يُرى مثله عند رجلٍ بسيطٍ لم يعرف هذه المدارج المدرسية ولم يُؤدَّب بتلك السلاسل الطويلة من الإلزام. فكأنّ هذا التعليم، في صورته المؤسسية الحديثة، قد أفلح في بعض أحواله في أن يُخرِج أفرادًا أحذقَ بالوظيفة وأمهرَ بالامتثال، لا أشدَّ بأسًا في حفظ الكرامة ولا أقوى على صيانة الاستقلال.
ومن هاهنا وقع الشكُّ عندي في كل تعليمٍ مؤسسيٍّ يُدار من أعلى إلى أسفل، ويُفرض على العقول فرضًا، ويُراد به أن يسير الناس في طريقٍ واحدٍ كأنهم سُيّار في قافلةٍ لا يملكون منها تحوّلًا ولا انصرافًا. وإنما أصدقُ العلم عندي ما نشأ في النفس من حاجةٍ ملحّة، وطلبٍ صادقٍ، وسعيٍ حرٍّ إلى الحقيقة؛ لا ما جرى مجرى التلقين الجامد، ولا ما صار كالمتاع يُستخرج من الكتب استخراجًا ثم يُحفظ حفظًا ثم يُنسى نسيانًا، لا يجاوز اللسان إلى القلب ولا يتحول إلى فهمٍ يُدرك أو معنى يُعاش.
وفي هذا الباب يجيء قولُ إيفان إيلتش في نقده للمدرسة الحديثة، حين دعا إلى «نزع الطابع المدرسي عن المجتمع» Ivan Illich، إذ يريد بذلك أن يُفكَّك ذلك الاحتكار الذي جعل من المدرسة بابًا وحيدًا للعلم، وممرًّا لا يُجاوز، وسلطانًا لا يُنازع، حتى صارت هي التي تُقرر ما يُعلَّم، ومتى يُعلَّم، وكيف يُعلَّم.
غير أنّ هذا المعنى إن أُخذ على إطلاقه، فحُملت مهمة التثقيف كلها على عاتق الأب والأم وحدهما، خرج الأمر عن غايته، وانتقل الاحتكار من جهةٍ إلى جهة، لا أنه زال أو انحلّ. فإنّ الأسرة، على تفاوت أحوالها، ليست وعاءً واحدًا للمعرفة، ولا طريقًا مطردًا للانفتاح على العالم، بل هي هيئاتٌ مختلفة تتباين فيها القدرة والوقت والوعي، فلا يستوي فيها حالٌ بحال. ومن ثمّ فليس المقصود أن يُستبدل قيدٌ بقيد، ولكن أن يُفتح باب التعلّم على وجوهٍ شتى، ومسالكَ متعددة، يكون فيها الإنسان متعلّمًا من غير إكراه، وسالكًا طريقه إلى المعرفة من غير احتكارٍ ولا إلزام، ولا حصرٍ ولا تضييق، وبما في ذلك حريته في ألا يتعلم إطلاقًا.
"I reject compulsory education as nonsense. It was one of the greatest wellsprings of misfortune in the world"
"that world of examinations, positions, academies and honors is basically, irrelevant. That is the world that is swarming with revolutionaries who are not even capable of living without a car and who parasitically batten, like remoras on a whale, on the stomach of Leviathan, upon whom they depend for good or for ill."
~ Ernst Jünger
"that world of examinations, positions, academies and honors is basically, irrelevant. That is the world that is swarming with revolutionaries who are not even capable of living without a car and who parasitically batten, like remoras on a whale, on the stomach of Leviathan, upon whom they depend for good or for ill."
~ Ernst Jünger