Conatus
574 subscribers
151 photos
1 file
21 links
a florilegium of thoughts and reflections.
a cornucopia of artistic and sublime images.
personal writings.
@religiomedici_bot
Download Telegram
"There are but three beings worthy of respect: the philosopher, the warrior and the poet. To know, to kill and to create. The rest of mankind may be taxed and drudged, they are born for the stable, that is to say, to practise what they call professions."

— Charles Baudelaire, My Heart Laid Bare.
إنَّ نمطَ الحياةِ الاقتصاديَّةَ المُعاصِرةَ يقفُ على شفا هاويةٍ مُتصدِّعة، غيرَ أنّ الإنسانَ لا يريدُ أن يُطيلَ النظرَ إليها، كأنّه يظنُّ أنّ تجاهلَها كفيلٌ بمحوها وإحالتها عدمًا؛ مع أنّها ستنهارُ يومًا وتجرُّه معها لا محالة. فالضغطُ الشامل، والعبثُ اللامباليُّ باستنزافِ مواردِ الأرضِ الدامية، من أجلِ إدامةِ حياةٍ لا همَّ لها سوى الاستهلاك، والإغراقِ في الفراغِ القاتمِ الّذي يُولِّده هذا الهوسُ الاستهلاكيُّ حدَّ الثمالة، كلُّ ذلك إنّما يكشفُ عن طبيعةِ هذا العصرِ وأزمتهِ الدفينة. لقد كان ماركس، كما في كثيرٍ من تصوّراته، مخطئًا حين ظنَّ أنّ الإنتاجَ هو السِّمةُ الجوهريّةُ للاقتصادِ الحديث؛ إذ ليس الإنتاجُ سوى تابعٍ لشيءٍ أعمقَ منه: للاستهلاكِ الّذي يقودُ هذا النظامَ ويحفظُ دورانَه. إنّها سيرورةٌ لا تنقطعُ من تخليقِ الرغائبِ والحاجاتِ والأحلامِ والمخاوفِ والآمالِ الزائفة، تلك الّتي لا تُشبَعُ إلا عبرَ السلعِ والمنتجاتِ ضمنَ بناءٍ اقتصاديٍّ بالغِ التعقيد. وكيفيّةُ هذا التخليقِ أشبهُ بعمليّةِ إيحاءٍ نفسيّ؛ فالمستهلكُ لا يكونُ واعيًا أصلًا بوجودِ هذه الرغائبِ في ذاته، ولا بضرورتِها المزعومةِ لبقائه، وإنّما تُوحى إليه إيحاءً عبرَ الإعلاناتِ والإعلامِ وغيرِهما من أدواتِ التوجيهِ الحديثة، حتى تغدوَ جزءًا من تكوينِه النفسيّ.

والحالُ أنّ أكثرَ هذه الرغائبِ لا أصلَ لها سوى ذلك الإيحاءُ الّذي صنعها. ومن هنا يغدو الاستغناءُ عنها ضربًا من التحرّرِ العميقِ للنفسِ من فوائضِها وأثقالِها. ولهذا نرى الإنسانَ، في أزمنةِ الكوارثِ والأزماتِ، حين تصفعه الوقائعُ وتوقظه من سباته، يكتفي بأدنى الضروريّات، غيرَ عابئٍ بشيءٍ من تلك المُغرِقاتِ الّتي كانت تسمُّ جسدَه وروحَه معًا. وهكذا تُخلَّدُ هذه العمليّةُ بإقامةِ أساسِها في نفسِ المستهلكِ ذاتِه؛ إذ ينبغي، قبلَ كلِّ شيء، السيطرةُ على الداخل، على الرغبةِ والخيالِ والحاجة، لا على وسائلِ الإنتاجِ وحدَها. ومن ثمّ فإنّ الاضطغانَ الماركسيَّ لا يستطيعُ بلوغَ غاياتِه ما دام يُحيلُ المشكلةَ إلى الصُّنّاعِ والمُنتجين، بدلَ أن يردَّها، كما ينبغي، إلى المستهلكِ نفسِه. وحتى حين ألمحَ ماركسُ إلى المستهلك، فإنّما قصده بوصفِه أداةً لهدمِ النظامِ وتقويضِه، لا من جهةِ تحوّله الداخليّ أو مراجعتِه الذاتيّة؛ إذ ظلَّ مسكونًا بهاجسِ تغييرِ العالم، لا تغييرِ الإنسانِ في أعماقِه.

وما المشكلاتُ الديموغرافيّة، واستنزافُ مصادرِ الأرض، وتحويلُ الجماهيرِ إلى كتلٍ عديمةِ الملامح، إلا علاماتٌ يلتقطُها الشاعرُ قبلَ غيره. إنّ هذا النظامَ الحديثَ يعملُ كعطرٍ كثيفٍ يُخفي آثارَ التعفّن، غيرَ أنّ زوالَه سيجعلُ تلك المشكلاتِ تنتصبُ دفعةً واحدةً أمامَ الإنسان، عاريةً من كلِّ زينة. وعندئذٍ سيُدرَكُ حجمُ المهالكِ الّتي كانت الحضارةُ الحديثةُ تواريها خلفَ بريقِها، وهي الّتي ظنّت أنّها قد فكّكت لغزَ العالمِ وأحكمت السيطرةَ عليه. ولعلَّ النهايةَ المحتومةَ لمثلِ هذا المسارِ ليست سوى رجعةٍ قاسيةٍ إلى عصورِ الصيدِ والجمع؛ إذ حتى الزراعةُ، في صورتِها الراهنة، لم تعد تقومُ بذاتها، وإنّما تقومُ على الصناعةِ الّتي تجعلُ تضخيمَها وإكثارَها ممكنًا. فإذا انهارت تلك البنيةُ الصناعيّة، انهارَ معها كلُّ ما يتغذّى عليها. وحينئذٍ لن يبقى للإنسانِ سوى الصراعِ على ضروريّاتِ العيشِ الأولى.
كتبتُ هذا النص منذ عامان؛ وما زال ذو صلة حتى اليوم.
You came to know, by yourself alone, many great and hidden truths; yet you grew bitter beneath their weight. They poisoned your soul, burdened it, and pressed heavily upon it. Thus you felt compelled to speak to the newcomers of truth. You cast fragments here and there with a kind of weary negligence, not because they would be understood, but because you could no longer endure their silence within you, as though they were mere stones cast into empty wells. To those foreign ears they meant nothing; yet you had to utter them nonetheless, as one final act of relief; for you had learned nothing of the bird’s swiftness in its passage across the seven skies.
يمكن تلخيص أنطولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها انقلابًا على الكوجيتو الديكارتي، بحيث يغدو: «أنا مرئي، إذن أنا موجود». وذلك منذ نشأتها وبكافة التطورات التي خضعت لها؛ فكل شيء فيها يتمحور حول السطوح، والظهور، والاستعراض، والأداء، والمظهر، أي هيمنة مطلقة للخارجية في مقابل غياب شبه تام للباطنية الأصيلة. ولا بد من شهود عيان على ما يفعله المرء ويعمله ويأكله ويحبّه ويكرهه، ولو عاش هذا كله فعلًا بالمعنى الحق، لما تجرأ على بثّه إلى أناس لا يعرفهم في الغالب. ثم يأتيك كائنٌ تعسٌ يحدثك عن حريته في مناخٍ مبرمج على هذا النحو، رقميًا ونفسيًا.

إن مثل هذا الكائن، الذي يتكئ في وجوده على ذواتٍ رقمية لا يعرفها معرفةً حقيقية، يصبح أكثر ضعفًا وهشاشة، وأكثر قابليةً للتدجين والسيطرة. إنه يعيش حياةً مُراقَبة أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تُجمع المعلومات حول تفضيلاته وهويته وتاريخه، وتُحلَّل تحليلاً نفسيًا دقيقًا من أجل ضبطٍ محكم لسلوكه وتوجيهه بالتنويم المغناطيسي. وفي مثل هذا النظام المحكم، شديد النسج خلف الأضواء، يغدو المرء أكثر فأكثر متطبّعًا بهذا النمط من الوجود، بدل أن يحيا اللحظة المعيشة في كثافتها وحضورها الفعلي.

إن مبدأ الباطنية نفسه لا يبقى بمنأى عن هذا التحول؛ إذ يُزَحْزَح ويُخرَج من عمقه ليُستبدل بشكلٍ أدائيٍّ مُعْلَن. فلم تعد الحياة الباطنية تُعاش بوصفها تجربة صامتة، بل تُستعرض وتُصاغ وتُقدَّم بوصفها مادةً للعرض. ويمكن أيضًا القول إن حيثما تسود الذهنية الجمعية وديناميات الجماعة، تميل الخارجية إلى الهيمنة، بينما ارتبطت الداخلية تاريخيًا بالعزلة: بصحراء الخلوة، وبالبراري، وبصورة الكائن المنفرد، ذاك الذي ينسحب من مرأى الآخرين كي يفكر ويحس ويكون خارج وساطة النظرات.
Beethoven statue by max klinger.
Conatus
Beethoven statue by max klinger.
Of the many biographies written about him, these two remain my favorites. Their appeal lies not merely in the story they tell, but in the quality of their literary writing, one reads them as much for the prose as for the life they recount.
Garofalo - The Apotheosis of Hercules, c. 1539. Liechtenstein Museum.
1
Conatus
Photo
إنّ التصوّر للعدالة الذي يقدّمه Cape Fear ينتمي إلى عالمٍ أقدم من عالمنا الحديث بكثير؛ إلى زمنٍ لم تكن فيه العدالة مسألة قوانين وإجراءات ومحاكم، بل مسألة قدرٍ وثأرٍ واستيفاء حق. إنّه ذلك الفهم القديم للعدالة الذي عرفته الأمم الوثنية كما عرفته الأديان التوحيدية، حين كان الإنسان يرى في العقاب ضرورةً أخلاقية، وفي الجزاء ردًّا طبيعيًّا على الفعل. ولهذا يبدو هذا التصوّر غريبًا عن الحسّ الحديث، بل يكاد يُعدّ إجراميًّا في نظره، لأنّه يقوم على غرائز وقوى أرادت الحداثة أن تروّضها أو تستبعدها من المجال العام.

ومن هذه الزاوية لا يعود الفيلم محض حكاية عن مجرمٍ يطارد محاميًا، ولا صراعًا بين فردٍ من الطبقة الدنيا ورجلٍ من طبقة أكثر حظوة. فهذه العناصر، على أهميتها الدرامية، ليست سوى القشرة الخارجية للعمل. أمّا جوهره الحقيقي فيكمن في السؤال الذي يطرحه عن معنى العدالة نفسها. وما إن نتجاوز الأبعاد الاجتماعية للشخصيات حتى يظهر أمامنا صراعٌ أعمق: صراع بين العدالة بوصفها قانونًا، والعدالة بوصفها قصاصًا.

وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح في شخصية كادي وفي الوشوم الدينية التي تغطّي جسده. فالناظر إليها لأول وهلة يرى تناقضًا بين الرموز التي يحملها والرجل الذي هو عليه. غير أنّ هذا التناقض يزول حين نحاول فهم هذه الرموز من الداخل، لا من خلال المعاني المألوفة التي نُسقطها عليها. فبالنسبة إليه ليست هذه الوشوم إعلانًا عن التقوى أو الفضيلة، وإنما تعبيرًا عن صورةٍ خاصة للعدالة، وعن يقينٍ داخلي بأنّ العالم لا يستقيم إلا حين يُستوفى الدين ويُقتصّ للمظالم. وهكذا تتحوّل الرموز الدينية إلى علاماتٍ على طبيعةٍ باطنية، لا على التزامٍ أخلاقي بالمعنى الرمزي المعتاد.

ولعلّ هذا ما يجعل الشخصية عصيّة على الفهم. فهي تتحدّث بلغة الدين، لكنّها تسعى إلى الثأر؛ وتستعير مفردات الخلاص، بينما تتحرّك بدافع القصاص. إنّها تقيم في منطقةٍ غامضة تتداخل فيها العقيدة بالغريزة، واللاهوت بالرغبة في الانتقام، حتى يصعب الفصل بينهما.

وفي النهاية، يبدو الفيلم وكأنّه يضع أمامنا رؤيتين متعارضتين للعدالة: عدالة الدولة الحديثة، القائمة على القانون والإجراءات والمؤسسات؛ وعدالة أقدم وأشدّ بدائية، تقوم على ردّ الفعل المباشر وعلى الإيمان بأنّ كلّ فعل لا بدّ أن يلقى جزاءه، وإن كانت مبنيّة على تقييم ذاتي غير دقيق. ولا تكمن قيمة الفيلم في ترجيح إحدى الرؤيتين على الأخرى، بل في إظهاره أنّ التصوّر القديم للعدالة لم يختفِ تمامًا من النفس البشرية، مهما بلغت الحضارة من التقدّم، بل ظلّ كامنًا في الأعماق، قادرًا في كلّ حين على العودة إلى السطح؛ بعد أن نجا متخفّيًا في صورة التشريعات الوضعيّة وأشكالها، متحوّلًا إلى لبٍّ باطنيٍّ لها..
power is the ultimate aphrodisiac..
« النبيل لا يتنبّل، كما أنّ الفصيحَ لا يتفصّح، لأنّ النّبيلَ يكفيه نبلُه عن التنبّل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصُّح. ولم يتزيّد أحد قطّ إلّا لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلّا لِوهَنٍ قد أحسّ به في قوته، والكبير من جميع الناس قبيح ومن كل العبادِ مسخوط، إلا أنه عند الناس من عظماء الأعرابِ، وأشباه الأعراب أوجدُ، وهو لهم أسرع لجفائهم وبعدهم عن الجماعة، ولقلة مخالطتهم لأهل العفةِ والرّعة والأدب والصنعة »

— الجَاحِظ في الرَّسَائل الأَدَبِيَّة الكَامِلة.
وليس الذي يوجب لك الرّفعة أن تكون عند نفسك -دون أن يراك الناس- رفيعًا، وتكون في الحقيقة وضيعًا.

— الجَاحِظ الرسائل الأدبية.
“The Alhambra is a poem in stone.”

- Alexandre Dumas