«ولكن بأيِّ علامةٍ نعرفُ عظمةَ الرجل؟ إنّما تُعرَفُ بسُلطانِ أفكارِه، حين تنتصرُ مبادئُه ومنظومتُه على الرغمِ من موتهِ أو هزيمته. أليست هذه، في الحقيقة، خاصّةَ العبقرية: أن تبقى بعد الدمار، وأن تمدَّ سلطانَها على الأجيالِ الآتية؟ لقد زالَ قيصر، غيرَ أنّ أثرَه اليومَ أشدُّ غلبةً ممّا كان عليه في حياتِه. وها هو شيشرون، خصمُه، يُضطرُّ إلى أن يهتف: “إنّ جميعَ أعمالِ قيصر، وكتاباتِه، وأقوالِه، ووعودِه، وأفكارِه، لأشدُّ قوّةً بعد موتِه ممّا لو كان حيًّا.” ولقد كان يكفي، طوالَ أحقابٍ، أن يُقالَ للعالم: تلك إرادةُ قيصر، حتّى يُذعنَ العالمُ لها.
وإنّ الملاحظاتِ السالفةَ لتُبيّنُ بما فيه الكفايةِ الغايةَ التي أقصدُ إليها من كتابةِ هذا التاريخ. وهذه الغايةُ هي أن أُثبتَ أنّ العنايةَ الإلهيّة، حين تُقيمُ رجالًا من طرازِ قيصر، وشارلمان، ونابليون، فإنّما تُقيمُهم ليرسموا للشعوبِ السبيلَ الذي ينبغي أن تسلكَه؛ وليَسِموا بخاتمِ عبقريتِهم عصرًا جديدًا؛ وليُنجزوا في أعوامٍ قليلةٍ عملَ قرونٍ طوال. فطوبى للشعوبِ التي تفهمُهم وتتبعُهم! وويلٌ للذين يُسيئون فهمَهم ويُقاومونهم! فإنّهم يفعلون كما فعلَ اليهودُ بمسيحِهم: يصلبونَه؛ وهم عُميٌ وآثمون: عُميٌ لأنّهم لا يُبصرون عجزَ مساعيهم عن وقفِ الظَّفَرِ النهائيِّ للخير؛ وآثمون لأنّهم لا يصنعون سوى إبطاءِ التقدُّم، بإعاقتهم تطبيقَه السريعَ المثمر."
— نابليون الثالث؛ تاريخ يوليوس قيصر، المجلد الأول.
وإنّ الملاحظاتِ السالفةَ لتُبيّنُ بما فيه الكفايةِ الغايةَ التي أقصدُ إليها من كتابةِ هذا التاريخ. وهذه الغايةُ هي أن أُثبتَ أنّ العنايةَ الإلهيّة، حين تُقيمُ رجالًا من طرازِ قيصر، وشارلمان، ونابليون، فإنّما تُقيمُهم ليرسموا للشعوبِ السبيلَ الذي ينبغي أن تسلكَه؛ وليَسِموا بخاتمِ عبقريتِهم عصرًا جديدًا؛ وليُنجزوا في أعوامٍ قليلةٍ عملَ قرونٍ طوال. فطوبى للشعوبِ التي تفهمُهم وتتبعُهم! وويلٌ للذين يُسيئون فهمَهم ويُقاومونهم! فإنّهم يفعلون كما فعلَ اليهودُ بمسيحِهم: يصلبونَه؛ وهم عُميٌ وآثمون: عُميٌ لأنّهم لا يُبصرون عجزَ مساعيهم عن وقفِ الظَّفَرِ النهائيِّ للخير؛ وآثمون لأنّهم لا يصنعون سوى إبطاءِ التقدُّم، بإعاقتهم تطبيقَه السريعَ المثمر."
— نابليون الثالث؛ تاريخ يوليوس قيصر، المجلد الأول.
nature seems to accord well with the aristotelian virtue of moderation in her fastidious workings, in animal as well as in man, physiologically considered, the slightest increase or decrease in the respective organ's or organs systems function would present as a pathology, the concept is of such intiutive power that it holds true even in the most microscopic biochemical processes across all life forms.
ثمّةَ أناسٌ، على قِصَرِ المُدّةِ الّتي يلبثونها في هذه الأرض، يبلغون من غزارةِ الخِصبِ العقليّ وقوّةِ الابتكار مبلغًا يُخيَّلُ معه أنّ أعمارًا أطولَ كانت لتُحتاجَ من أجل الإتيانِ بمثلِ ذلك الأثر. فهم يُشبهون نجومًا شُحِنَت بطاقةٍ هائلةٍ مركَّزة، تتّقدُ بِلَهَبٍ من الشدّة، فتُضيءُ العالمَ حتّى تستنفدَ تلك الطاقةَ في لَمْحةٍ خاطفة، ثمّ لا تلبثُ بعد ذلك أن تنفجرَ على ذاتِها وتفنى.
لا أظنّ أنّ هناك فراغًا حقيقيًا ما يزال قائمًا في العالم الحديث؛ فموته كان كامنًا منذ ولادة فكرة العمل نفسها، ومنذ أن أُعيد تنظيم الحياة كلها حولها، حتى العائلة والصداقة. ما يُسمّى اليوم فراغًا أو وقتًا حرًّا (leisure) ما يزال خاضعًا لدورات العمل ومقتضياته، سواء جاء بعده أو سبقه. فالوقت الحرّ، أي الوقت الحرّ من العمل، يُعاش في ظلّ نهايته المحتومة. يُقضى في ترقّب العودة إلى العمل بقلق، وفي ترتيب شؤونه مسبقًا، وفي ادخار الطاقات من أجله، والبقاء ذهنيًا داخل أفقه قبل أن يبدأ من جديد. لم يعد الإنسان يسكن الزمن بحرية، وصار أقصى ما يفعله هو إدارة الفواصل بين ضرورات متعاقبة.
وهذه السيطرة لا تقف عند الزمن، وتمتدّ إلى الرغبة نفسها. فالأهواء والميول تخضع بدورها لإيقاع العمل. حتى حين يمتلك المرء شغفًا حقيقيًا، فإنه يضطرّ إلى تقليصه ليتناسب مع الإرهاق، والجداول المفروضة، وتشتّت الطاقة الجسدية والذهنية. فلا يعود يختار اهتماماته بحسب قيمتها أو عمقها، وإنما بحسب قدرتها على التكيّف مع الالتزامات المهنية، وبحسب ما تبقّى له من طاقة بعد الاستنزاف، وهكذا لا يتراجع الفراغ في كميّته فقط، ويتحوّل في كَيفه أيضًا، فما يبقى اليوم ليس فراغًا بالمعنى القديم الكلاسيكي، وإنما أشكال من الاستراحة، والاستشفاء، والإلهاء، والاستهلاك الموجّه، كلها تدور داخل مناخ يهيمن عليه العمل. وقد يحصل الإنسان المعاصر على ساعات بعيدة عنه، لكنه نادرًا ما يخرج من ظله.
وهذه السيطرة لا تقف عند الزمن، وتمتدّ إلى الرغبة نفسها. فالأهواء والميول تخضع بدورها لإيقاع العمل. حتى حين يمتلك المرء شغفًا حقيقيًا، فإنه يضطرّ إلى تقليصه ليتناسب مع الإرهاق، والجداول المفروضة، وتشتّت الطاقة الجسدية والذهنية. فلا يعود يختار اهتماماته بحسب قيمتها أو عمقها، وإنما بحسب قدرتها على التكيّف مع الالتزامات المهنية، وبحسب ما تبقّى له من طاقة بعد الاستنزاف، وهكذا لا يتراجع الفراغ في كميّته فقط، ويتحوّل في كَيفه أيضًا، فما يبقى اليوم ليس فراغًا بالمعنى القديم الكلاسيكي، وإنما أشكال من الاستراحة، والاستشفاء، والإلهاء، والاستهلاك الموجّه، كلها تدور داخل مناخ يهيمن عليه العمل. وقد يحصل الإنسان المعاصر على ساعات بعيدة عنه، لكنه نادرًا ما يخرج من ظله.
إنّ ما سبقَ العملَ المنظَّم لم يكن «زمنًا سابقًا للعمل» بالمعنى الحديث، ولا حتى فراغًا كما نفهمه اليوم، وإنما نمطًا من الوجود لم يكن فيه التمييزُ قد نشأ أصلًا بين العمل والفراغ. والثمنُ الذي يدفعه الإنسانُ لقاءَ الحضارة هو، على التحديد، هذا الانقسامُ للحياة إلى عملٍ ولاعمل، إلى ساعاتٍ تعود إلى الضرورة، وأخرى يُفترض أنّها تعود إلى الحرية، ولو في الظاهر. غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ الوجودَ العبوديَّ الحقّ لا يتّسم بوفرة الفراغ، وإنما بزواله، حيث الإنسان لا يمتلك إرادةً في قرار ساعات حياته. ولعلّ الفراغَ الأصيل لم يوجد إلّا قبل الحضارة نفسها: في مجتمعات الصيد والجمع، حيث لم يكن الإنسان قد كوَّن بعدُ مفهومَ العمل بوصفه حيّزًا منفصلًا من الحياة. فما كان يشغله هو القوتُ المباشر، غيرُ متوسط بالنقود، ولا بالجداول، ولا بالتنظيم المجرّد لليوم إلى ساعاتٍ مضبوطة. صحيحٌ إنه لم يكن للحضارة أن تقوم إلّا باختراع العمل المنظَّم، والانضباط، والنظام الزمنيّ، وكأنّ العملَ هو الضريبةُ التي تُؤدَّى لقاءَ إمكان الحضارة نفسها. لقد امتلك الإنسانُ البدائيُّ الفراغَ لا لأنّه كان «يستريح» أكثر بالمعنى الحديث، وإنما لأنّ وجوده لم يكن قد تفتّت بعدُ إلى مقولتي العمل ووقت الفراغ.
وربّما بقي نظيرٌ حديثٌ لذلك: رجلٌ لا يعمل إلّا بقدر ما يكفل ضروراته، فيُبقي معظمَ زمانه لنفسه. غير أنّ هذه الإمكانية نفسها قلقةٌ هشّة؛ فكثيرٌ من الناس لا يملكون شغفًا باطنيًّا، ولا اهتماماتٍ شخصية، ولا غاياتٍ عليا قادرةً على ملء الحرية بالمعنى، فيغدو العملُ عندهم ممتزجًا بالهوية والاهتمام والغاية. فلا يعود الكدحُ مجرّدَ ضرورة، وإنما يصير مادةَ الحياة نفسها. وحتى الرجلُ الذي لا يعمل إلّا قليلًا قد يشعر، في فراغه الممتد، بذنبٍ خفيّ، إذ يظلّ ناظرًا بطرف عينه إلى جيرانه المنهمكين في العمل. فما من أحدٍ اليوم يتعاطى الفراغ بضميرٍ صافٍ. ولستُ أعني بهذا أولئك الذين يبدّدون أوقاتهم في التوافه، ولا الذين يجهلون كيف يملؤون هذه الحرية بمعنى.
وربّما بقي نظيرٌ حديثٌ لذلك: رجلٌ لا يعمل إلّا بقدر ما يكفل ضروراته، فيُبقي معظمَ زمانه لنفسه. غير أنّ هذه الإمكانية نفسها قلقةٌ هشّة؛ فكثيرٌ من الناس لا يملكون شغفًا باطنيًّا، ولا اهتماماتٍ شخصية، ولا غاياتٍ عليا قادرةً على ملء الحرية بالمعنى، فيغدو العملُ عندهم ممتزجًا بالهوية والاهتمام والغاية. فلا يعود الكدحُ مجرّدَ ضرورة، وإنما يصير مادةَ الحياة نفسها. وحتى الرجلُ الذي لا يعمل إلّا قليلًا قد يشعر، في فراغه الممتد، بذنبٍ خفيّ، إذ يظلّ ناظرًا بطرف عينه إلى جيرانه المنهمكين في العمل. فما من أحدٍ اليوم يتعاطى الفراغ بضميرٍ صافٍ. ولستُ أعني بهذا أولئك الذين يبدّدون أوقاتهم في التوافه، ولا الذين يجهلون كيف يملؤون هذه الحرية بمعنى.
من الأمور الّتي تثير سخريتي أن يخرج أحدُ أخلاقيّي عصرنا، من هذا الجمع الغفير من مهرّجي وسائل التواصل الاجتماعي، ليندّد بفعلٍ مشين صُوِّر ونُشر، لا كأنّه يكتفي بإدانته، بل كأنّ فعل الإدانة نفسه صار وسيلةً للإيحاء بتقواه ونقاء أخلاقه وعظمة نفسه. إنّه ذلك اللون من التباهي الأخلاقي، أو ما يُسمّى بـ virtue signaling، حيث يتحوّل الاستنكار إلى حيلةٍ نفسيّة يخدع بها الإنسان ذاته قبل غيره؛ فيعرض، -بالقول لا بالفعل-، صورةً مصقولة عن فضيلته واستقامته، حتى تنطلي عليه لعبته الخاصة، ويبدأ بتصديق القناع الّذي صنعه لنفسه.
ومن عرف شيئًا من فساد الطبيعة البشرية، وتأمّل دخائل نفسه بصدق، يدرك مقدار التفاهة والنفاق الكامن في هذا المشهد. فكم من امرئٍ يلعن علنًا ما كان ليستسيغه سرًّا، أو يبالغ في إظهار اشمئزازه من فعلٍ لا يفصله عنه في الحقيقة سوى الخوف أو العجز أو غياب الفرصة.
لكن السؤال الّذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا عن الأفعال الّتي لا تُصوَّر؟ ماذا عن التاريخ الشخصي لكلّ هؤلاء الواعظين؟ هل كانت حياتهم طاهرةً إلى هذا الحد؟ هل كانوا مقدّسين، منزّهين عن الدناءة والضعف والتناقض؟ إنّ كثيرًا من البشر لا يختلفون عن "المذنب" الّذي يشجبونه إلا في أنّ خطاياهم بقيت مستورة، أو أنّ أحدًا لم يسلّط عليها الضوء.
ولعلّ أكثر ما يبعث على الريبة ليس وجود الشرّ أو الضعف في الإنسان، فذلك قديمٌ قِدم البشر، لكن ذلك الشغف المستمر بتحويل الأخلاق إلى عرضٍ اجتماعي، وإلى مسرحٍ تتضخّم عليه الذوات وهي ترتدي أقنعة الفضيلة أمام الجمهور. وأشدّ من ينبغي الارتياب منهم، في نظري، هم أولئك الّذين لا يكفّون عن تحويل فضيلتهم إلى عرضٍ اجتماعيّ هزليّ؛ أولئك الّذين لا يتركون مناسبةً إلا ويعتلون فيها منصّة الإدانة يجلدون به الآخرين، آه ياللسخرية، أنظر كم هم جيّدون وفاضلون وآلهة في أعين أنفسهم، فيما هم يتفنّنون في الخفاء بكلّ صنوف الانحطاط!
ومن عرف شيئًا من فساد الطبيعة البشرية، وتأمّل دخائل نفسه بصدق، يدرك مقدار التفاهة والنفاق الكامن في هذا المشهد. فكم من امرئٍ يلعن علنًا ما كان ليستسيغه سرًّا، أو يبالغ في إظهار اشمئزازه من فعلٍ لا يفصله عنه في الحقيقة سوى الخوف أو العجز أو غياب الفرصة.
لكن السؤال الّذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا عن الأفعال الّتي لا تُصوَّر؟ ماذا عن التاريخ الشخصي لكلّ هؤلاء الواعظين؟ هل كانت حياتهم طاهرةً إلى هذا الحد؟ هل كانوا مقدّسين، منزّهين عن الدناءة والضعف والتناقض؟ إنّ كثيرًا من البشر لا يختلفون عن "المذنب" الّذي يشجبونه إلا في أنّ خطاياهم بقيت مستورة، أو أنّ أحدًا لم يسلّط عليها الضوء.
ولعلّ أكثر ما يبعث على الريبة ليس وجود الشرّ أو الضعف في الإنسان، فذلك قديمٌ قِدم البشر، لكن ذلك الشغف المستمر بتحويل الأخلاق إلى عرضٍ اجتماعي، وإلى مسرحٍ تتضخّم عليه الذوات وهي ترتدي أقنعة الفضيلة أمام الجمهور. وأشدّ من ينبغي الارتياب منهم، في نظري، هم أولئك الّذين لا يكفّون عن تحويل فضيلتهم إلى عرضٍ اجتماعيّ هزليّ؛ أولئك الّذين لا يتركون مناسبةً إلا ويعتلون فيها منصّة الإدانة يجلدون به الآخرين، آه ياللسخرية، أنظر كم هم جيّدون وفاضلون وآلهة في أعين أنفسهم، فيما هم يتفنّنون في الخفاء بكلّ صنوف الانحطاط!
في أيِّ وجوهٍ نُسيءُ إلى الفقراء؟ إنّ من يملكُ حقًّا إرادةَ الخيرِ لهم قد يفضي إلى ترسيخِ ضربٍ من التبعيّة الخفيّة، ونوعٍ من التطفّل على الحياة، على نحوٍ مفارق، لأنّه في السيرورات المعيشيّة للفقراء قلّما يُشاهَدُ ارتقاءٌ حقيقيٌّ أو تَسامي الذات؛ إذ إنّ شروطًا سابقةً على أيِّ وجودٍ فرديٍّ هي التي تعوق ذلك. كم من الألم يُخفى في طيّاتِ إيماءاتِنا الخيريّة، لعلّه أيضًا علامةٌ هشّةٌ على بقاءِ صلتِنا بإنسانيّةٍ تبدو هي نفسها على شفا الانهيار.
ليس ما يقودُ العملَ الخيريَّ حاجاتُ الآخر، بل الحاجة إلى اختبارِ قدرتِنا نحن، وإلى استشعارِ قوّتنا تحت ستارِ العطاء.
ليس ما يقودُ العملَ الخيريَّ حاجاتُ الآخر، بل الحاجة إلى اختبارِ قدرتِنا نحن، وإلى استشعارِ قوّتنا تحت ستارِ العطاء.
Forwarded from 0/0 (Haidar A. Fahad)
إذا ما أسَنَّ المَرءُ أقصاهُ أهلُه
وجارَ عليه النَّجلُ والعَبدُ والعِرسُ
وقَد كانَ من فُرسانِ حَربٍ وغارَةٍ
فَلَمْ يُغنِ عنه السَّيفُ والرمحُ والتُّرسُ
وأصبحَ عندَ الغانياتِ مُبَغَّضًا
كأنّ نَشرَه دَفرٌ وعَنبَرُه كِرسُ
— اللزوميات، لأبي العلاء المعرّي
وجارَ عليه النَّجلُ والعَبدُ والعِرسُ
وقَد كانَ من فُرسانِ حَربٍ وغارَةٍ
فَلَمْ يُغنِ عنه السَّيفُ والرمحُ والتُّرسُ
وأصبحَ عندَ الغانياتِ مُبَغَّضًا
كأنّ نَشرَه دَفرٌ وعَنبَرُه كِرسُ
— اللزوميات، لأبي العلاء المعرّي
ويا لَخَسارةِ العقلِ البشريِّ! فإنَّ أبعدَ الأمورِ عنه، وأقلَّها مَساسًا بحياتِه، كدَورانِ الكواكبِ في أُفُقِ السماءِ، هيَ أقربُ إلى ذهنِه، وأثبتُ في علمِه، وأوضحُ في تصوُّرِه؛ وأمَّا المعاني الأخلاقيَّةُ، وهيَ ممَّا يُلامِسُ نَفْسَه، ويُديرُ دَفَّةَ وُجودِه، فهيَ دومًا مُضطربةٌ كالأمواجِ، تَجْتَرِفُها أهواءُ النُّفوسِ، أو تُسيِّرُها جَهالاتٌ مُستحكِمةٌ، تَنقُلُها ألسِنةٌ، وتَتلقَّفُها آذانٌ، فتَبقى ضَيعةً بينَ جَهلٍ مُتفَشٍّ، وهوًى مُتَسلِّط.
— تشيزاري بيكاريا: في الجنايات والعقوبات.
— تشيزاري بيكاريا: في الجنايات والعقوبات.
Conatus
ويا لَخَسارةِ العقلِ البشريِّ! فإنَّ أبعدَ الأمورِ عنه، وأقلَّها مَساسًا بحياتِه، كدَورانِ الكواكبِ في أُفُقِ السماءِ، هيَ أقربُ إلى ذهنِه، وأثبتُ في علمِه، وأوضحُ في تصوُّرِه؛ وأمَّا المعاني الأخلاقيَّةُ، وهيَ ممَّا يُلامِسُ نَفْسَه، ويُديرُ دَفَّةَ وُجودِه،…
مِن أهم مؤسسيّ فقه القانون الحديث.
يمكن للمرء أن يعرف الإنسان الكاتب معرفةً أصدق من خلال رسائله، وخصوصًا اللارسمية منها، أكثر ممّا يعرفه من خلال كتاباته المنهجيّة أو حتى فلسفته. ففي الرسائل يظهر الفرد في ضوءٍ أكثر حميميّةً وخصوصيّة، ويُفصح فيها عن ذاته على نحوٍ أعمق ممّا يحدث في أيّ جنسٍ أدبيّ آخر. فالمؤلَّف الفلسفيّ يتوجّه إلى جمهورٍ عامّ، إلى جمعٍ من القرّاء، أمّا الرسالة فتُوجَّه إلى شخصٍ بعينه، وفي هذه العلاقة المفردة تتجلّى جوانب من الطبع لا تكاد تنكشف في غيرها. ولهذا تتّسم الرسائل بصدقٍ خاصّ. إذ يقلّ فيها مجال التكلّف، أو صناعة الصورة العامّة، أو التمثّل أمام الآخرين. لا يكتب المرء رسالته كما يكتب رسالته العلميّة أو أطروحته؛ وإنما ليّلين فيها الأسلوب، ويغدو الفكر أكثر مباشرةً وحياةً وأقلّ تحفّظًا. حتى التناقضات والتردّدات والانفعالات العارضة تجد لها سبيلًا طبيعيًّا إلى الظهور.
كذلك تكشف المراسلات عمّا كان عليه وجود المرء الداخليّ يومًا بيوم: ما كان يقلقه، وما كان يبهجه، ومن كان يخشاه أو يُعجب به أو يحسده أو يحبّه. وعلى هذا النحو تظهر الرسائل كما لو إنها شذرات من حضورٍ معيش، تحفظ المزاج الإنسانيّ في جريانه الحيّ. ولعلّ هذا ما يجعل رسائل شخصيّات مثل فريدريش نيتشه وفرانز كافكا وجون كيتس وغيرهم تبدو أكثر باطنيّةً وكشفًا من أعمالهم الرسميّة؛ إذ تقدّم كتبهم الأفكار في صورتها المكتملة، كما لو كان المرء أمام لوحة مكتملة لا يعرف كيفيّة تشكلها، أمّا رسائلهم فتُظهر حركة الروح في طور تشكّلها. والرسائل، في نهاية الأمر، هي الطبع اليوميّ وقد أُقيم في صورةٍ فنيّة.
كذلك تكشف المراسلات عمّا كان عليه وجود المرء الداخليّ يومًا بيوم: ما كان يقلقه، وما كان يبهجه، ومن كان يخشاه أو يُعجب به أو يحسده أو يحبّه. وعلى هذا النحو تظهر الرسائل كما لو إنها شذرات من حضورٍ معيش، تحفظ المزاج الإنسانيّ في جريانه الحيّ. ولعلّ هذا ما يجعل رسائل شخصيّات مثل فريدريش نيتشه وفرانز كافكا وجون كيتس وغيرهم تبدو أكثر باطنيّةً وكشفًا من أعمالهم الرسميّة؛ إذ تقدّم كتبهم الأفكار في صورتها المكتملة، كما لو كان المرء أمام لوحة مكتملة لا يعرف كيفيّة تشكلها، أمّا رسائلهم فتُظهر حركة الروح في طور تشكّلها. والرسائل، في نهاية الأمر، هي الطبع اليوميّ وقد أُقيم في صورةٍ فنيّة.