قد يعرف الناس أن أفلاطون فيلسوف، العامي في الشارع سمع ذلك سماعا، والطالب الجامعي مرت عليه مادة تحدثت عن أفلاطون في صفحة، ومراهق الفلسفة قرأ كلاما عن أفلاطون ولم يقرأ له، قِسْ على هذا أن منازل التحقيق ليست واحدة، فقد يسألُ سائل في قضية، فيجيبه أحدهم ممن لهم بالقضية علم، ولكنَّ الجوابَ للسائل كالعلم للمسؤول، الأول لا يستطيع الأخذ والرد لأنه يجهل القضية، والثاني حسبه ما يعرفه من علم، أما الشاهد هنا أن الاثنين يقفان عند حد علمهما، أيْ، وما أريد إيصاله، أن المسؤول صاحبَ الجواب ذاك لم تنتهِ عنده الأجوبة، فقد يذهب السائل لغيره ممن علمُهم أكثر، فيجد جوابا لا يستطيع الأخذ والرد معه أيضا؛ إنَّ مراتب معرفة أحدنا لفيلسوف ما تتباين تباينًا عظيمًا، مِن معرفةٍ ضحلة لأعمال وأفكار فيلسوف بشكلٍ متقطع وعرضي منفصل، إلى اتقانٍ تام لنظامه الفلسفي بأكمله حيث تتضح الرؤية بعمق لكل أجزاء فلسفته وكل المفاهيم، وبغياب هذا الترابط المفاهيمي والمنطقي المُحكم لفهم فيلسوفٍ ما؛ تبقى معرفته الدقيقة غائِبةٌ عن أذهاننا، ثم أضف هذا إلى التقليد الفلسفي الّذي ينتمي إليه، وكيف تأوّله، والمدرسة الّتي جاء في سياقها؛ والأثر الّذي مارسته على فكره، ومراحل تطور فكره والاتِّساق الّذي يجمع هذه المراحل المُختلفة، وما طُرح وما شُحِذ من مفهومٍ ما في مراحل تطوره، ومرحلة ظهوره، في أي مرحلة من تطوره الفكري، وما علاقته بالمفاهيم الأخرى الّتي قد ولدته أو تمخضت هي ذاتها عنه، وهكذا؛ إذ إنَّ المراحل المتأخرة تكاد تكون نتيجةً منطقية لتطور ونمو هذا الفكر واختمار هذه المفاهيم في ذهن الفيلسوف؛ ولا تجد لهذه المفاهيم نضجًا مُفاجئ، فهي لا تنبثق فجأةً؛ بل تحتمي على نار العقل الهادئة حتّى تنضج، وهذا بالضبط ما يضفي مقدارًا من الصرامة والقوّة لفكر فيلسوف ما عن غيره، إذ تبعده عن شبهة الصبيانية وغياب الجدية في نظامه الفلسفي، وما يتمخض من هذا هو إنَّ القراءة العشوائية اللازمنية لأعمال مفكر ما تحرم المرء من رؤية هذه التطورات بِشكل جلي، وقد تجعله يُسيء فهم مقاصده والعجز عن تحقيق اتقان لنظامه، فلا يتساوي كل قارئ في معرفة فيلسوف ما مع آخر، بل إن الفيلسوف ذاته واع لهذا الشيء، لذا قد تُقيم المصدات للفهم أو قد يُسَّهل السبيل أمام الفهم، فخذ كتابات أرسطو الخاصة الّتي لا نعرف عنها شيئًا، فهي قد كانت موجهةً للخاصة من أصدقاءه والفلاسفة، وذات أسلوب أدبي بديع في هيئة محاورات؛ كما نقل ذلك مؤرخي الفلسفة، فأرسطو في هذه الأعمال لا يعمد التوضيح المفرط؛ بل يكتب بتدفقٍ حر لأنه يعرف مقدار نضج العقول الّتي يوجه لها هذه الكتابات، ثم هناك على الجانب الآخر كتاباته الّتي عرفناها وعن طريقها وصلتنا فلسفته، فهي تعمد أسلوب المحاضرة والشرح أكثر مما تعمد أسلوب الإيجاز والبلاغة، لأنها كانت موجهة لعامة الجمهور، فترى الفيلسوف نفسه عارِف لهذه الحقيقة، قد نرى هذه النسقية في الفكر تُخالف من قبل بعض الفلاسفة كنيتشه وغيرهم؛ لكن حتّى نيتشه فهو نسقي، يمكن توسيم كتاباته بإنها ذي نسق شذري، والترابط فيما بينها جلي للقارئ، ذلك إذا كان للقارئ نباهة ونفس طويل لتتبع تطور الفكرة في هذا النسق وطبيعته، فترى إن النسقية شيئًا حتميًا في التفلسف؛ هذا الشيء تجده حتى في الطب في تباين منازل الفهم ودقيق الملاحظة فلا يتساوى أحد يعرف عن السل أو الصرع علاماته وأعراضه؛ وتاريخ ظهورها زمنيًا وتقدمها، ودورة كل نوع من تلك الأنواع المتعددة والعلامات والأعراض الخاصة بها، والعلاجات المختلفة لها وسبل الوقاية منها، والعملية الدقيقة لتقدم المرض؛ فتبين من كل هذا إنما غور المعرفة والفكرة وأبعادها والإحاطة بكل ذلك، من الأمور الّتي قد يستقصيها عقلًا وقد تغيب عن عقل آخر.
The popularity of media that address the senses directly is no modern phenomenon; nor is the vulgarity of soul they tend to breed anything new. Both are as old as man himself, and belong to a long-standing, subtle understanding of how to tame that animal called “man”, an understanding from which plato himself might well have fled into the desert, that desolate refuge from the ceaseless flow of images, or at best, would have plucked his eyes out!
The fact that man has achieved an unprecedented immortality of spirit in his artistic and cultural creations, in contrast to the enduring fragility of the body, the height to which he has raised the spirit, almost to divinity, against the earthliness of a body subject to illness, decay, exhaustion, and the need for sleep and nourishment, remains an unhealed wound to his egoism, one he cannot yet admit and thus persistently denies, a wound that even the most advanced achievements of medicine cannot mend; whereas the accomplishments of the Olympian gods were in keeping with the perfection of their physical constitution, man bears within himself the suffering of this duality, a stigma of his Promethean condemnation, his body falling short even of the mechanical precision and subtlety he has been able to construct outside himself, as though, in doing so, he sought to perfect himself indirectly, it is even possible herein that the achievements of the intellect become a compensation for the painful imperfections of the body, particularly those intellectual inventions and works that serve to strengthen and extend the body’s own powers.
إنَّ ذلك الإحساسَ بالعُقمِ والجدوى المعدومة، الذي يعتري المرءَ حين يُقدِم على الفعل لا لشيءٍ إلا لِيُثبِتَ لنفسه أنَّه قادرٌ عليه: كإنجابِ طفل، أو ارتقاءِ جبل، أو إحرازِ ظفرٍ جنسيّ، أو حتى اقترافِ الانتحار. إنَّ سباقَ الماراثون صورةٌ منتحلةٌ من الانتحار، بل هو انتحارٌ استعراضيّ؛ عَدْوٌ غايتُه أن تُبرهن لنفسك أنّك قادرٌ على استنفاد آخر قطرةٍ من قواك… لتُثبت ماذا؟ أنّك قادرٌ على بلوغ النهاية. وكذلك شأنُ الكتاباتِ الجدارية (الغرافيتي)، فهي تحمل الرسالةَ ذاتها: لا تقول شيئًا سوى: أنا فلان، وأنا موجود! إنها دعايةٌ مجانيةٌ للوجود. أفنحنُ في حاجةٍ دائمةٍ إلى أن نُثبِت لأنفسنا أننا موجودون؟ يا له من دليلٍ غريبٍ على الضعف، ونذيرِ تعصّبٍ جديدٍ لأداءٍ بلا وجه، قائمٍ بذاته على الدوام، لا يستند إلا إلى حضوره العاري.
— جان بودريارد.
— جان بودريارد.
لَأَنْ يهلكَ العَدَميُّ المُعلِنُ عن عَدَميّتِه نفسَه بيديه، كما فعل بعضُ العدميّين الحقيقيّين والأصيلين، لكان ذلك أشرفَ وأكرمَ من أن يُسلِّمها، على نحوٍ مُضمر، إلى أيدي الآخرين، من خلال سلبيّتِه الدائمة إزاء العالم وتنصله المستمرّ من مواجهته؛ إذ إنّ تلك السلبيّة نفسها لا تؤول إلّا إلى سحقه في خاتمة الأمر.
The aristocratic and ascetic warrior castes were characterized by a relatively restrained attitude toward the body, reflecting their orientation toward spiritual and higher values. Care for the body was regarded as necessary only insofar as it served the elevation, refinement, and strengthening of the spirit, never to the point of indulgence. The gigantic monstrosities so common today, whether in the excesses of bodybuilding or in gluttonous overconsumption, would have been seen as animalistic encumbrances upon the soul. Nor should this be confused with the Christian mortification of the flesh: the body was neither worshipped nor despised, rather disciplined and ordered according to a higher principle.
«ولكن بأيِّ علامةٍ نعرفُ عظمةَ الرجل؟ إنّما تُعرَفُ بسُلطانِ أفكارِه، حين تنتصرُ مبادئُه ومنظومتُه على الرغمِ من موتهِ أو هزيمته. أليست هذه، في الحقيقة، خاصّةَ العبقرية: أن تبقى بعد الدمار، وأن تمدَّ سلطانَها على الأجيالِ الآتية؟ لقد زالَ قيصر، غيرَ أنّ أثرَه اليومَ أشدُّ غلبةً ممّا كان عليه في حياتِه. وها هو شيشرون، خصمُه، يُضطرُّ إلى أن يهتف: “إنّ جميعَ أعمالِ قيصر، وكتاباتِه، وأقوالِه، ووعودِه، وأفكارِه، لأشدُّ قوّةً بعد موتِه ممّا لو كان حيًّا.” ولقد كان يكفي، طوالَ أحقابٍ، أن يُقالَ للعالم: تلك إرادةُ قيصر، حتّى يُذعنَ العالمُ لها.
وإنّ الملاحظاتِ السالفةَ لتُبيّنُ بما فيه الكفايةِ الغايةَ التي أقصدُ إليها من كتابةِ هذا التاريخ. وهذه الغايةُ هي أن أُثبتَ أنّ العنايةَ الإلهيّة، حين تُقيمُ رجالًا من طرازِ قيصر، وشارلمان، ونابليون، فإنّما تُقيمُهم ليرسموا للشعوبِ السبيلَ الذي ينبغي أن تسلكَه؛ وليَسِموا بخاتمِ عبقريتِهم عصرًا جديدًا؛ وليُنجزوا في أعوامٍ قليلةٍ عملَ قرونٍ طوال. فطوبى للشعوبِ التي تفهمُهم وتتبعُهم! وويلٌ للذين يُسيئون فهمَهم ويُقاومونهم! فإنّهم يفعلون كما فعلَ اليهودُ بمسيحِهم: يصلبونَه؛ وهم عُميٌ وآثمون: عُميٌ لأنّهم لا يُبصرون عجزَ مساعيهم عن وقفِ الظَّفَرِ النهائيِّ للخير؛ وآثمون لأنّهم لا يصنعون سوى إبطاءِ التقدُّم، بإعاقتهم تطبيقَه السريعَ المثمر."
— نابليون الثالث؛ تاريخ يوليوس قيصر، المجلد الأول.
وإنّ الملاحظاتِ السالفةَ لتُبيّنُ بما فيه الكفايةِ الغايةَ التي أقصدُ إليها من كتابةِ هذا التاريخ. وهذه الغايةُ هي أن أُثبتَ أنّ العنايةَ الإلهيّة، حين تُقيمُ رجالًا من طرازِ قيصر، وشارلمان، ونابليون، فإنّما تُقيمُهم ليرسموا للشعوبِ السبيلَ الذي ينبغي أن تسلكَه؛ وليَسِموا بخاتمِ عبقريتِهم عصرًا جديدًا؛ وليُنجزوا في أعوامٍ قليلةٍ عملَ قرونٍ طوال. فطوبى للشعوبِ التي تفهمُهم وتتبعُهم! وويلٌ للذين يُسيئون فهمَهم ويُقاومونهم! فإنّهم يفعلون كما فعلَ اليهودُ بمسيحِهم: يصلبونَه؛ وهم عُميٌ وآثمون: عُميٌ لأنّهم لا يُبصرون عجزَ مساعيهم عن وقفِ الظَّفَرِ النهائيِّ للخير؛ وآثمون لأنّهم لا يصنعون سوى إبطاءِ التقدُّم، بإعاقتهم تطبيقَه السريعَ المثمر."
— نابليون الثالث؛ تاريخ يوليوس قيصر، المجلد الأول.
nature seems to accord well with the aristotelian virtue of moderation in her fastidious workings, in animal as well as in man, physiologically considered, the slightest increase or decrease in the respective organ's or organs systems function would present as a pathology, the concept is of such intiutive power that it holds true even in the most microscopic biochemical processes across all life forms.
ثمّةَ أناسٌ، على قِصَرِ المُدّةِ الّتي يلبثونها في هذه الأرض، يبلغون من غزارةِ الخِصبِ العقليّ وقوّةِ الابتكار مبلغًا يُخيَّلُ معه أنّ أعمارًا أطولَ كانت لتُحتاجَ من أجل الإتيانِ بمثلِ ذلك الأثر. فهم يُشبهون نجومًا شُحِنَت بطاقةٍ هائلةٍ مركَّزة، تتّقدُ بِلَهَبٍ من الشدّة، فتُضيءُ العالمَ حتّى تستنفدَ تلك الطاقةَ في لَمْحةٍ خاطفة، ثمّ لا تلبثُ بعد ذلك أن تنفجرَ على ذاتِها وتفنى.
لا أظنّ أنّ هناك فراغًا حقيقيًا ما يزال قائمًا في العالم الحديث؛ فموته كان كامنًا منذ ولادة فكرة العمل نفسها، ومنذ أن أُعيد تنظيم الحياة كلها حولها، حتى العائلة والصداقة. ما يُسمّى اليوم فراغًا أو وقتًا حرًّا (leisure) ما يزال خاضعًا لدورات العمل ومقتضياته، سواء جاء بعده أو سبقه. فالوقت الحرّ، أي الوقت الحرّ من العمل، يُعاش في ظلّ نهايته المحتومة. يُقضى في ترقّب العودة إلى العمل بقلق، وفي ترتيب شؤونه مسبقًا، وفي ادخار الطاقات من أجله، والبقاء ذهنيًا داخل أفقه قبل أن يبدأ من جديد. لم يعد الإنسان يسكن الزمن بحرية، وصار أقصى ما يفعله هو إدارة الفواصل بين ضرورات متعاقبة.
وهذه السيطرة لا تقف عند الزمن، وتمتدّ إلى الرغبة نفسها. فالأهواء والميول تخضع بدورها لإيقاع العمل. حتى حين يمتلك المرء شغفًا حقيقيًا، فإنه يضطرّ إلى تقليصه ليتناسب مع الإرهاق، والجداول المفروضة، وتشتّت الطاقة الجسدية والذهنية. فلا يعود يختار اهتماماته بحسب قيمتها أو عمقها، وإنما بحسب قدرتها على التكيّف مع الالتزامات المهنية، وبحسب ما تبقّى له من طاقة بعد الاستنزاف، وهكذا لا يتراجع الفراغ في كميّته فقط، ويتحوّل في كَيفه أيضًا، فما يبقى اليوم ليس فراغًا بالمعنى القديم الكلاسيكي، وإنما أشكال من الاستراحة، والاستشفاء، والإلهاء، والاستهلاك الموجّه، كلها تدور داخل مناخ يهيمن عليه العمل. وقد يحصل الإنسان المعاصر على ساعات بعيدة عنه، لكنه نادرًا ما يخرج من ظله.
وهذه السيطرة لا تقف عند الزمن، وتمتدّ إلى الرغبة نفسها. فالأهواء والميول تخضع بدورها لإيقاع العمل. حتى حين يمتلك المرء شغفًا حقيقيًا، فإنه يضطرّ إلى تقليصه ليتناسب مع الإرهاق، والجداول المفروضة، وتشتّت الطاقة الجسدية والذهنية. فلا يعود يختار اهتماماته بحسب قيمتها أو عمقها، وإنما بحسب قدرتها على التكيّف مع الالتزامات المهنية، وبحسب ما تبقّى له من طاقة بعد الاستنزاف، وهكذا لا يتراجع الفراغ في كميّته فقط، ويتحوّل في كَيفه أيضًا، فما يبقى اليوم ليس فراغًا بالمعنى القديم الكلاسيكي، وإنما أشكال من الاستراحة، والاستشفاء، والإلهاء، والاستهلاك الموجّه، كلها تدور داخل مناخ يهيمن عليه العمل. وقد يحصل الإنسان المعاصر على ساعات بعيدة عنه، لكنه نادرًا ما يخرج من ظله.
إنّ ما سبقَ العملَ المنظَّم لم يكن «زمنًا سابقًا للعمل» بالمعنى الحديث، ولا حتى فراغًا كما نفهمه اليوم، وإنما نمطًا من الوجود لم يكن فيه التمييزُ قد نشأ أصلًا بين العمل والفراغ. والثمنُ الذي يدفعه الإنسانُ لقاءَ الحضارة هو، على التحديد، هذا الانقسامُ للحياة إلى عملٍ ولاعمل، إلى ساعاتٍ تعود إلى الضرورة، وأخرى يُفترض أنّها تعود إلى الحرية، ولو في الظاهر. غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ الوجودَ العبوديَّ الحقّ لا يتّسم بوفرة الفراغ، وإنما بزواله، حيث الإنسان لا يمتلك إرادةً في قرار ساعات حياته. ولعلّ الفراغَ الأصيل لم يوجد إلّا قبل الحضارة نفسها: في مجتمعات الصيد والجمع، حيث لم يكن الإنسان قد كوَّن بعدُ مفهومَ العمل بوصفه حيّزًا منفصلًا من الحياة. فما كان يشغله هو القوتُ المباشر، غيرُ متوسط بالنقود، ولا بالجداول، ولا بالتنظيم المجرّد لليوم إلى ساعاتٍ مضبوطة. صحيحٌ إنه لم يكن للحضارة أن تقوم إلّا باختراع العمل المنظَّم، والانضباط، والنظام الزمنيّ، وكأنّ العملَ هو الضريبةُ التي تُؤدَّى لقاءَ إمكان الحضارة نفسها. لقد امتلك الإنسانُ البدائيُّ الفراغَ لا لأنّه كان «يستريح» أكثر بالمعنى الحديث، وإنما لأنّ وجوده لم يكن قد تفتّت بعدُ إلى مقولتي العمل ووقت الفراغ.
وربّما بقي نظيرٌ حديثٌ لذلك: رجلٌ لا يعمل إلّا بقدر ما يكفل ضروراته، فيُبقي معظمَ زمانه لنفسه. غير أنّ هذه الإمكانية نفسها قلقةٌ هشّة؛ فكثيرٌ من الناس لا يملكون شغفًا باطنيًّا، ولا اهتماماتٍ شخصية، ولا غاياتٍ عليا قادرةً على ملء الحرية بالمعنى، فيغدو العملُ عندهم ممتزجًا بالهوية والاهتمام والغاية. فلا يعود الكدحُ مجرّدَ ضرورة، وإنما يصير مادةَ الحياة نفسها. وحتى الرجلُ الذي لا يعمل إلّا قليلًا قد يشعر، في فراغه الممتد، بذنبٍ خفيّ، إذ يظلّ ناظرًا بطرف عينه إلى جيرانه المنهمكين في العمل. فما من أحدٍ اليوم يتعاطى الفراغ بضميرٍ صافٍ. ولستُ أعني بهذا أولئك الذين يبدّدون أوقاتهم في التوافه، ولا الذين يجهلون كيف يملؤون هذه الحرية بمعنى.
وربّما بقي نظيرٌ حديثٌ لذلك: رجلٌ لا يعمل إلّا بقدر ما يكفل ضروراته، فيُبقي معظمَ زمانه لنفسه. غير أنّ هذه الإمكانية نفسها قلقةٌ هشّة؛ فكثيرٌ من الناس لا يملكون شغفًا باطنيًّا، ولا اهتماماتٍ شخصية، ولا غاياتٍ عليا قادرةً على ملء الحرية بالمعنى، فيغدو العملُ عندهم ممتزجًا بالهوية والاهتمام والغاية. فلا يعود الكدحُ مجرّدَ ضرورة، وإنما يصير مادةَ الحياة نفسها. وحتى الرجلُ الذي لا يعمل إلّا قليلًا قد يشعر، في فراغه الممتد، بذنبٍ خفيّ، إذ يظلّ ناظرًا بطرف عينه إلى جيرانه المنهمكين في العمل. فما من أحدٍ اليوم يتعاطى الفراغ بضميرٍ صافٍ. ولستُ أعني بهذا أولئك الذين يبدّدون أوقاتهم في التوافه، ولا الذين يجهلون كيف يملؤون هذه الحرية بمعنى.
من الأمور الّتي تثير سخريتي أن يخرج أحدُ أخلاقيّي عصرنا، من هذا الجمع الغفير من مهرّجي وسائل التواصل الاجتماعي، ليندّد بفعلٍ مشين صُوِّر ونُشر، لا كأنّه يكتفي بإدانته، بل كأنّ فعل الإدانة نفسه صار وسيلةً للإيحاء بتقواه ونقاء أخلاقه وعظمة نفسه. إنّه ذلك اللون من التباهي الأخلاقي، أو ما يُسمّى بـ virtue signaling، حيث يتحوّل الاستنكار إلى حيلةٍ نفسيّة يخدع بها الإنسان ذاته قبل غيره؛ فيعرض، -بالقول لا بالفعل-، صورةً مصقولة عن فضيلته واستقامته، حتى تنطلي عليه لعبته الخاصة، ويبدأ بتصديق القناع الّذي صنعه لنفسه.
ومن عرف شيئًا من فساد الطبيعة البشرية، وتأمّل دخائل نفسه بصدق، يدرك مقدار التفاهة والنفاق الكامن في هذا المشهد. فكم من امرئٍ يلعن علنًا ما كان ليستسيغه سرًّا، أو يبالغ في إظهار اشمئزازه من فعلٍ لا يفصله عنه في الحقيقة سوى الخوف أو العجز أو غياب الفرصة.
لكن السؤال الّذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا عن الأفعال الّتي لا تُصوَّر؟ ماذا عن التاريخ الشخصي لكلّ هؤلاء الواعظين؟ هل كانت حياتهم طاهرةً إلى هذا الحد؟ هل كانوا مقدّسين، منزّهين عن الدناءة والضعف والتناقض؟ إنّ كثيرًا من البشر لا يختلفون عن "المذنب" الّذي يشجبونه إلا في أنّ خطاياهم بقيت مستورة، أو أنّ أحدًا لم يسلّط عليها الضوء.
ولعلّ أكثر ما يبعث على الريبة ليس وجود الشرّ أو الضعف في الإنسان، فذلك قديمٌ قِدم البشر، لكن ذلك الشغف المستمر بتحويل الأخلاق إلى عرضٍ اجتماعي، وإلى مسرحٍ تتضخّم عليه الذوات وهي ترتدي أقنعة الفضيلة أمام الجمهور. وأشدّ من ينبغي الارتياب منهم، في نظري، هم أولئك الّذين لا يكفّون عن تحويل فضيلتهم إلى عرضٍ اجتماعيّ هزليّ؛ أولئك الّذين لا يتركون مناسبةً إلا ويعتلون فيها منصّة الإدانة يجلدون به الآخرين، آه ياللسخرية، أنظر كم هم جيّدون وفاضلون وآلهة في أعين أنفسهم، فيما هم يتفنّنون في الخفاء بكلّ صنوف الانحطاط!
ومن عرف شيئًا من فساد الطبيعة البشرية، وتأمّل دخائل نفسه بصدق، يدرك مقدار التفاهة والنفاق الكامن في هذا المشهد. فكم من امرئٍ يلعن علنًا ما كان ليستسيغه سرًّا، أو يبالغ في إظهار اشمئزازه من فعلٍ لا يفصله عنه في الحقيقة سوى الخوف أو العجز أو غياب الفرصة.
لكن السؤال الّذي نادرًا ما يُطرح هو: ماذا عن الأفعال الّتي لا تُصوَّر؟ ماذا عن التاريخ الشخصي لكلّ هؤلاء الواعظين؟ هل كانت حياتهم طاهرةً إلى هذا الحد؟ هل كانوا مقدّسين، منزّهين عن الدناءة والضعف والتناقض؟ إنّ كثيرًا من البشر لا يختلفون عن "المذنب" الّذي يشجبونه إلا في أنّ خطاياهم بقيت مستورة، أو أنّ أحدًا لم يسلّط عليها الضوء.
ولعلّ أكثر ما يبعث على الريبة ليس وجود الشرّ أو الضعف في الإنسان، فذلك قديمٌ قِدم البشر، لكن ذلك الشغف المستمر بتحويل الأخلاق إلى عرضٍ اجتماعي، وإلى مسرحٍ تتضخّم عليه الذوات وهي ترتدي أقنعة الفضيلة أمام الجمهور. وأشدّ من ينبغي الارتياب منهم، في نظري، هم أولئك الّذين لا يكفّون عن تحويل فضيلتهم إلى عرضٍ اجتماعيّ هزليّ؛ أولئك الّذين لا يتركون مناسبةً إلا ويعتلون فيها منصّة الإدانة يجلدون به الآخرين، آه ياللسخرية، أنظر كم هم جيّدون وفاضلون وآلهة في أعين أنفسهم، فيما هم يتفنّنون في الخفاء بكلّ صنوف الانحطاط!
في أيِّ وجوهٍ نُسيءُ إلى الفقراء؟ إنّ من يملكُ حقًّا إرادةَ الخيرِ لهم قد يفضي إلى ترسيخِ ضربٍ من التبعيّة الخفيّة، ونوعٍ من التطفّل على الحياة، على نحوٍ مفارق، لأنّه في السيرورات المعيشيّة للفقراء قلّما يُشاهَدُ ارتقاءٌ حقيقيٌّ أو تَسامي الذات؛ إذ إنّ شروطًا سابقةً على أيِّ وجودٍ فرديٍّ هي التي تعوق ذلك. كم من الألم يُخفى في طيّاتِ إيماءاتِنا الخيريّة، لعلّه أيضًا علامةٌ هشّةٌ على بقاءِ صلتِنا بإنسانيّةٍ تبدو هي نفسها على شفا الانهيار.
ليس ما يقودُ العملَ الخيريَّ حاجاتُ الآخر، بل الحاجة إلى اختبارِ قدرتِنا نحن، وإلى استشعارِ قوّتنا تحت ستارِ العطاء.
ليس ما يقودُ العملَ الخيريَّ حاجاتُ الآخر، بل الحاجة إلى اختبارِ قدرتِنا نحن، وإلى استشعارِ قوّتنا تحت ستارِ العطاء.
Forwarded from 0/0 (Haidar A. Fahad)
إذا ما أسَنَّ المَرءُ أقصاهُ أهلُه
وجارَ عليه النَّجلُ والعَبدُ والعِرسُ
وقَد كانَ من فُرسانِ حَربٍ وغارَةٍ
فَلَمْ يُغنِ عنه السَّيفُ والرمحُ والتُّرسُ
وأصبحَ عندَ الغانياتِ مُبَغَّضًا
كأنّ نَشرَه دَفرٌ وعَنبَرُه كِرسُ
— اللزوميات، لأبي العلاء المعرّي
وجارَ عليه النَّجلُ والعَبدُ والعِرسُ
وقَد كانَ من فُرسانِ حَربٍ وغارَةٍ
فَلَمْ يُغنِ عنه السَّيفُ والرمحُ والتُّرسُ
وأصبحَ عندَ الغانياتِ مُبَغَّضًا
كأنّ نَشرَه دَفرٌ وعَنبَرُه كِرسُ
— اللزوميات، لأبي العلاء المعرّي