في فينومينولوجيا السمع
إنّ الملكة السمعيّة الإنسانيّة، وقد انفصلت عن محيطها الطبيعيّ الأوّل، غدت غريبةً عنه إلى حد الاغتراب: عن نغم الأصوات الطبيعيّة وتنوّع تراكيبها التي نشأت الأذن في كنفها، ومنها تفتّق هذا الحسّ الدقيق وتكوَّن. ولئن كان السمع أقلَّ احتفاءً في المدائح من البصر، فإنّه مع ذلك يكشف عن عالمٍ خاصٍّ به، عالمٍ أُهمل طويلًا وأُسلم إلى النسيان. فبينما يُقيم البصر مسافةً ويُؤسّس للسيطرة، فإنّ السمع يَقبل الاقتحام؛ لا يستطيع أن يُغلق نفسه بإرادته إلاّ بعنف، وبذلك يعرّض الذات لما يجيء من خارجها. والصوت، بخلاف ما هو المرئي، كائنٌ زمانيٌّ على نحوٍ لا فكاك منه. إنّه لا يوجد إلاّ وهو يزول، ولا يحضر إلاّ بوصفه عبورًا وانمحاءً. ولهذا تسكن الأذن الزمانَ سكنًا أعمق من العين؛ فهي تقيم في المدّة، في التوقّع والاستبقاء، في الخيط الهشّ الذي يصل ما سُمِعَ توًّا بما هو آيلٌ إلى التلاشي. كلّ صوتٍ ذاكرةٌ منذ لحظة حضوره. والسمع، على الدوام، ضربٌ من التذكّر. وحين تتحرّر الأذن من واجبها المألوف، أي من الاقتصار على الإصغاء إلى الكلام الإنسانيّ المنطوق، تستيقظ على التطلّع، وعلى النشوة، وعلى موسيقى لم تولد بعد. وفي تضافر الحواسّ، لا يكتفي السمع بمرافقة الإدراك، بل يعيد تنظيمه، فيمنح المكان عمقًا، ويكسب الصمت كثافة. فالمسافات لا تُقاس فحسب، بل تُحَسّ سمعًا؛ وما لا يُرى يعلن عن نفسه بالرنين قبل أن يدخل مجال البصر. الكارثة أو الأمان، احتفال أو الحريق، الدفاع أو الغزو، وظائف السمع في الزمان البدائي، كلّها تُعطى لنا أوّلًا بوصفها وقائع سمعيّة، بوصفها ارتجافاتٍ في الهواء تستولي على الجسد قبل أن تخاطب العقل. وحين تُغرس الأذن في عالمٍ فنّيٍّ وثقافيّ، تتّخذ وظائف بعيدةً على نحوٍ مدهش عن مهامّها البدائيّة. فهي لا تُصغي بعد ذلك للتهديد أو للفريسة، بل للتناغم والتنافر، للإيقاع والطابع الصوتيّ. لا تستيقظ على صرخة البرّيّة بل على الموسيقى، ولا تغفو على زئير الوحوش بل على همس الحبيب الخافت. هنا يغدو السمع داخليًّا: يكفّ الصوت عن كونه إشارةً ويصير معنى، وعدًا، أو جرحًا، أو عزاءً. والصمت بدوره يتحوّل. لم يعد مجرّد غيابٍ للصوت، بل يصير فاصلًا مشحونًا، حقلَ توقّعٍ تتكاثف فيه الدلالة. تتعلّم الأذن المُهذَّبة أن تسمع الصمت بوصفه نطقًا، توتّرًا، كلامًا محجوبًا. وهكذا لا تكتفي الأذن بالتلقّي؛ إنّها تنتظر، وتترقّب، وتصغي إلى ما يتجاوز المعطى.
أمّا في عصر التقنيّة، فإنّ السمع يتعرّض لانزياحٍ جديد. فالصوت المُستنسَخ آليًّا ينفصل عن المكان، وعن الجسد، وعن المصدر. يبقى الصوت بلا وجه، وتستمرّ الموسيقى بلا الإيماءة التي أنشأتها. وهذا التشبّح للصوت يوسّع الأذن ويُفقِرها في آن: يمنحها الانتشار على حساب الحضور، والوفرة على حساب العمق. تُغمر الأذن بالأصوات، ومع ذلك تزداد وحدةً. ففي هذا الموضع بالذات تنكشف الأبعاد الأخلاقيّة للسمع. فأن نسمع الآخر لا يعني مجرّد تسجيل اهتزازات، بل إكرام ما يوجّه إلينا خطابًا في توجهٍ داخلي للآخر، الّذي يسبق فعل الإصغاء من الحِس. وعلى خلاف الحواسّ الأخرى، لا يمكن للمرء أن يُغلق أذنه إغلاقًا تامًّا عمّا يُقال؛ بل إنّه، إزاء الكلام الفارغ، يدعو الآخر إلى الصمت. وهكذا يصير الإصغاء مسؤوليّة، وانفتاحًا على الغيريّة لا يُختزل في الرؤية أو القبض. إنّ الأذن تتلقّى ما لا تستطيع أن تُخضعه. ومن ثمّ يظلّ السمع أكثر الحواسّ هشاشة، وربّما أكثرها إنسانيّة.
إنّ الملكة السمعيّة الإنسانيّة، وقد انفصلت عن محيطها الطبيعيّ الأوّل، غدت غريبةً عنه إلى حد الاغتراب: عن نغم الأصوات الطبيعيّة وتنوّع تراكيبها التي نشأت الأذن في كنفها، ومنها تفتّق هذا الحسّ الدقيق وتكوَّن. ولئن كان السمع أقلَّ احتفاءً في المدائح من البصر، فإنّه مع ذلك يكشف عن عالمٍ خاصٍّ به، عالمٍ أُهمل طويلًا وأُسلم إلى النسيان. فبينما يُقيم البصر مسافةً ويُؤسّس للسيطرة، فإنّ السمع يَقبل الاقتحام؛ لا يستطيع أن يُغلق نفسه بإرادته إلاّ بعنف، وبذلك يعرّض الذات لما يجيء من خارجها. والصوت، بخلاف ما هو المرئي، كائنٌ زمانيٌّ على نحوٍ لا فكاك منه. إنّه لا يوجد إلاّ وهو يزول، ولا يحضر إلاّ بوصفه عبورًا وانمحاءً. ولهذا تسكن الأذن الزمانَ سكنًا أعمق من العين؛ فهي تقيم في المدّة، في التوقّع والاستبقاء، في الخيط الهشّ الذي يصل ما سُمِعَ توًّا بما هو آيلٌ إلى التلاشي. كلّ صوتٍ ذاكرةٌ منذ لحظة حضوره. والسمع، على الدوام، ضربٌ من التذكّر. وحين تتحرّر الأذن من واجبها المألوف، أي من الاقتصار على الإصغاء إلى الكلام الإنسانيّ المنطوق، تستيقظ على التطلّع، وعلى النشوة، وعلى موسيقى لم تولد بعد. وفي تضافر الحواسّ، لا يكتفي السمع بمرافقة الإدراك، بل يعيد تنظيمه، فيمنح المكان عمقًا، ويكسب الصمت كثافة. فالمسافات لا تُقاس فحسب، بل تُحَسّ سمعًا؛ وما لا يُرى يعلن عن نفسه بالرنين قبل أن يدخل مجال البصر. الكارثة أو الأمان، احتفال أو الحريق، الدفاع أو الغزو، وظائف السمع في الزمان البدائي، كلّها تُعطى لنا أوّلًا بوصفها وقائع سمعيّة، بوصفها ارتجافاتٍ في الهواء تستولي على الجسد قبل أن تخاطب العقل. وحين تُغرس الأذن في عالمٍ فنّيٍّ وثقافيّ، تتّخذ وظائف بعيدةً على نحوٍ مدهش عن مهامّها البدائيّة. فهي لا تُصغي بعد ذلك للتهديد أو للفريسة، بل للتناغم والتنافر، للإيقاع والطابع الصوتيّ. لا تستيقظ على صرخة البرّيّة بل على الموسيقى، ولا تغفو على زئير الوحوش بل على همس الحبيب الخافت. هنا يغدو السمع داخليًّا: يكفّ الصوت عن كونه إشارةً ويصير معنى، وعدًا، أو جرحًا، أو عزاءً. والصمت بدوره يتحوّل. لم يعد مجرّد غيابٍ للصوت، بل يصير فاصلًا مشحونًا، حقلَ توقّعٍ تتكاثف فيه الدلالة. تتعلّم الأذن المُهذَّبة أن تسمع الصمت بوصفه نطقًا، توتّرًا، كلامًا محجوبًا. وهكذا لا تكتفي الأذن بالتلقّي؛ إنّها تنتظر، وتترقّب، وتصغي إلى ما يتجاوز المعطى.
أمّا في عصر التقنيّة، فإنّ السمع يتعرّض لانزياحٍ جديد. فالصوت المُستنسَخ آليًّا ينفصل عن المكان، وعن الجسد، وعن المصدر. يبقى الصوت بلا وجه، وتستمرّ الموسيقى بلا الإيماءة التي أنشأتها. وهذا التشبّح للصوت يوسّع الأذن ويُفقِرها في آن: يمنحها الانتشار على حساب الحضور، والوفرة على حساب العمق. تُغمر الأذن بالأصوات، ومع ذلك تزداد وحدةً. ففي هذا الموضع بالذات تنكشف الأبعاد الأخلاقيّة للسمع. فأن نسمع الآخر لا يعني مجرّد تسجيل اهتزازات، بل إكرام ما يوجّه إلينا خطابًا في توجهٍ داخلي للآخر، الّذي يسبق فعل الإصغاء من الحِس. وعلى خلاف الحواسّ الأخرى، لا يمكن للمرء أن يُغلق أذنه إغلاقًا تامًّا عمّا يُقال؛ بل إنّه، إزاء الكلام الفارغ، يدعو الآخر إلى الصمت. وهكذا يصير الإصغاء مسؤوليّة، وانفتاحًا على الغيريّة لا يُختزل في الرؤية أو القبض. إنّ الأذن تتلقّى ما لا تستطيع أن تُخضعه. ومن ثمّ يظلّ السمع أكثر الحواسّ هشاشة، وربّما أكثرها إنسانيّة.
على خلاف حاسّة البصر، يتمتّع السمع بدرجةٍ من الخصوصيّة؛ فهو عالمُ نفاذٍ إلى نطاقاتٍ معيّنة من الأصوات، لا يُفتح إلاّ بقدر ما يُؤذَن له. أمّا البصر، فله قدرةٌ كاسحة تكاد تكون مطلقة، تعبر الأشياء دقيقها وجليلها من غير استئذان؛ تنفذ إليها، وتغزوها، وتُخضعها. في حين أنّ السمع ينتظر في صبرٍ وتواضعٍ أن تبلغَه ماهيّة الأشياء الصوتيّة، فلا يقتحم، بل يُصغي. ومن ثمّ فهو حسٌّ أكثر تواضعًا، وأقلّ ادّعاءً للسيادة. ثمّ إنّ ما يُسمَع لا يبقى صوتًا محضًا في هيئةٍ حسّيّة داخليّة، بل إنّ صورة الشيء بأسرها تُستحضَر في أتون الكينونة الباطنيّة، في موضعٍ تتداخل فيه الحاسّة والمحسوس، حتى يكادا يندمجان. فالصوت يستدعي الهيئة، والإيقاع يستحضر الحضور، ويغدو السمع ضربًا من التشكّل الباطنيّ للعالم. وفي بعض الأحوال، ولا سيّما في فينومينولوجيا الحالات المرضيّة للهلاوس السمعيّة، تنقلب هذه الحاسّة الدقيقة إلى الداخل، وتتنازل عن الموضوعات الخارجيّة تنازلًا تامًّا، مكتفيةً بمدى تجاربها الصوتيّة الخاصّة، التي تنسج منها عالمًا مقلوبًا على ذاته. هناك، لا يعود الصوت علامةً على شيء، بل يصير كيانًا مكتفيًا بنفسه، يُنتج عالمه من غير مرجع، يسبح في اضطراب هجين من الأصوات. إنّ قوى الحواسّ، إذا ما انفردت وتخلّت عن جماعة نظائرها، تعاني انحسارًا شديدًا في الحساسيّة والدلالة؛ أمّا حين تتآزر وتتضافر، فإنّها تبلغ تمام جمالها، ويظهر العالم في اكتماله وتعدّده وعمقه، مرآةً لهذه الحواس.
بينما تفتقر الحواسّ الأخرى إلى سلطانٍ حقيقيّ على الزمان، ومن ثمّ على الذاكرة، تُظهر حاسّة السمع قدرتها على وجه التحديد في هذا المجال بعينه. فالكيان المتلاشي ببطءٍ للزمن تستطيع الأذن أن تستعيده متى شاءت؛ لا يكاد صوتٌ أو لحنٌ يفلت من قبضتها. إنّ حياة السمع تتكوّن حصريًّا من تلك الفواصل الزمنيّة التي اختبر فيها الأصوات والأنغام؛ أمّا ما عداها من الفواصل، فيبقى جسدًا زمانيًّا خواءً، فراغًا لا تجرؤ الأذن على ولوجه. فبالسمع يُستعاد ما انقضى، ويُبعث ما تلاشى، ويغدو الزمان نفسه مادّةً قابلةً للإنصات، لا مجرّد تعاقبٍ أعمى للحظات. هنا لا تكون الذاكرة مستودعًا ساكنًا، بل فعلَ استحضارٍ حيّ، تُعاد فيه الأصوات إلى الوجود كما لو أنّها لم تفارق الحضور قطّ. لكلّ كائنٍ عالمُه الفرديّ الظاهريّ، عالمٌ لا يُنال إلاّ عبر حواسّه، ومن خلاله وحده يقيم علاقته بالعالم. فالحاسّة هنا أفقُ ظهورٍ خاصّ، تتشكّل فيه الموجودات على نحوٍ فريد، وتكتسب معناها ووزنها ودلالتها. وهكذا لا يكون العالم واحدًا على الإطلاق، بل يتعدّد بتعدّد طرائق الإحساس، ويتلوّن بحسب المقامات التي تفتحها الحواسّ لكلّ ذاتٍ حيّة.
بينما تفتقر الحواسّ الأخرى إلى سلطانٍ حقيقيّ على الزمان، ومن ثمّ على الذاكرة، تُظهر حاسّة السمع قدرتها على وجه التحديد في هذا المجال بعينه. فالكيان المتلاشي ببطءٍ للزمن تستطيع الأذن أن تستعيده متى شاءت؛ لا يكاد صوتٌ أو لحنٌ يفلت من قبضتها. إنّ حياة السمع تتكوّن حصريًّا من تلك الفواصل الزمنيّة التي اختبر فيها الأصوات والأنغام؛ أمّا ما عداها من الفواصل، فيبقى جسدًا زمانيًّا خواءً، فراغًا لا تجرؤ الأذن على ولوجه. فبالسمع يُستعاد ما انقضى، ويُبعث ما تلاشى، ويغدو الزمان نفسه مادّةً قابلةً للإنصات، لا مجرّد تعاقبٍ أعمى للحظات. هنا لا تكون الذاكرة مستودعًا ساكنًا، بل فعلَ استحضارٍ حيّ، تُعاد فيه الأصوات إلى الوجود كما لو أنّها لم تفارق الحضور قطّ. لكلّ كائنٍ عالمُه الفرديّ الظاهريّ، عالمٌ لا يُنال إلاّ عبر حواسّه، ومن خلاله وحده يقيم علاقته بالعالم. فالحاسّة هنا أفقُ ظهورٍ خاصّ، تتشكّل فيه الموجودات على نحوٍ فريد، وتكتسب معناها ووزنها ودلالتها. وهكذا لا يكون العالم واحدًا على الإطلاق، بل يتعدّد بتعدّد طرائق الإحساس، ويتلوّن بحسب المقامات التي تفتحها الحواسّ لكلّ ذاتٍ حيّة.
إن بين الإنسان الخلّاق، سواء أكان شاعرًا أو فنانًا أو مهندسًا أو طبيبًا، وبين بعضٍ من أعضائه صلةً خفيّةً باطنة، تُضفي على ذلك العضو منزلة وجودية، ويصيرُ محلًا لمعنى كيانه بأسره، حتى ليغدو ذلك العضو هو محور الذات، وأساس تصوّرنا له كفردٍ فريدٍ لا يُتصوّر سواه، إذ به تُنسَج ذاته، وبه تدور عوالمه، وحوله تنتظم سائر جوارحه. فما سواه من الأعضاء يصير دون رتبته، وتُقسَّم الأدوار ويُرسم الحدّ، وتُمنح الحياة لكلّ عضو بمقدار ما يُنسب إلى ذلك الأصل الأوّل، ولا نرى في هذا تهميشاً أو إقصاء، بل هي معمارٌ إلهيٌّ ذو مراتب، تتجلّى فيه وحدة الجسد على نسق روحاني متناسق، تتدرّج فيه الأعضاء من المركز إلى الأطراف. فذلك العضو الأوّل هو مظهر الروح وتجسيد الوجود الأرضي، وبه تُفصح الذات عن أخصّ ما فيها، وفق الصورة التي تراها هي لنفسها، ولا يظهر هذا المعنى إلا في أفعال مخصوصة، تتجلّى فيها وظيفة ذلك العضو على أكمل وجه، وكأنما خُلق لذلك العمل وحده، لا يتعدّاه ولا يتجاوزه.
ففي الشاعر والكاتب، هي اليد الهادئة الصامتة، التي تنطق بكلّ ما في الإنسان من عمقٍ وتأمل، ترسم لنا صورة الحياة المتأملة التي تحملها دون أن تفصح، وكأنها تُعلن، في صمتها، اكتمال وجوده، وتُظهر ما فيه من تفرد، فينتقل من ظلمة الوجود الخامل إلى نور الفكر والإبداع والحياة النشطة. وأما في العازف، فهي اليد المتحركة، اللاهبة، المتفجرة بالنغمة، تُفصح في كلّ حركة دقيقة عن جوهر النفس الحارّة الملتهبة، وتصل اللحظة العابرة من الأداء، بزمن الإنسان كلّه، فتصير اليد جسرًا بين آنٍ فانٍ ووجود دائم. وأما في الفيلسوف، فقد صار كلّه روحاً، فإذا بالحياة الصامتة للفكر تنبض في كل أعضائه، ويُصبح جسده تجسيدًا للفكرة ذاتها. وإنّا إذا تخيّلنا فقدان ذلك العضو، كأنّما نتخيل فقدان الإنسان بأسره، فهو إن فُقِدَ، فُقِدَتْ معه فرديّته، واندثرت ذاته، وصار كأن لم يكن شيئًا مذكورًا.
ففي الشاعر والكاتب، هي اليد الهادئة الصامتة، التي تنطق بكلّ ما في الإنسان من عمقٍ وتأمل، ترسم لنا صورة الحياة المتأملة التي تحملها دون أن تفصح، وكأنها تُعلن، في صمتها، اكتمال وجوده، وتُظهر ما فيه من تفرد، فينتقل من ظلمة الوجود الخامل إلى نور الفكر والإبداع والحياة النشطة. وأما في العازف، فهي اليد المتحركة، اللاهبة، المتفجرة بالنغمة، تُفصح في كلّ حركة دقيقة عن جوهر النفس الحارّة الملتهبة، وتصل اللحظة العابرة من الأداء، بزمن الإنسان كلّه، فتصير اليد جسرًا بين آنٍ فانٍ ووجود دائم. وأما في الفيلسوف، فقد صار كلّه روحاً، فإذا بالحياة الصامتة للفكر تنبض في كل أعضائه، ويُصبح جسده تجسيدًا للفكرة ذاتها. وإنّا إذا تخيّلنا فقدان ذلك العضو، كأنّما نتخيل فقدان الإنسان بأسره، فهو إن فُقِدَ، فُقِدَتْ معه فرديّته، واندثرت ذاته، وصار كأن لم يكن شيئًا مذكورًا.
Conatus
Photo
On Man Ray’s Surrealist Photography
The female face, with its vast range of expression, is an ideal subject for photography. Ordinary as it may appear to the casual observer, such ordinariness matters little to the artist. His task is to fashion images that return the gaze to unfamiliar territory, to renew perception rather than accept what is merely habitual, to transmute the familiar into the unfamiliar by a certain angle of seeing.
And what object holds more fascination for the artist than the human face? Nothing approximates its living animation, its continual becoming in the world, the source of its enduring allure. In the surrealist vision, the face becomes a site where the natural is overturned, suspended, or inverted, objects torn from the very tissue of space and made to float in a field where neither time nor distance carries weight. What matters is not the empirical world but the face’s relation to the category of objectivity itself, a presence simultaneously real and unmoored, at once intimate and estranged, It is, as well, an excavation of the mind by way of the object rather than the subject, a discovery of the subject through outrospection rather than introspection, revealed not by turning inward but by observing the powers it exerts over objects, and the infinite transformations those objects undergo under its gaze.
The female face, with its vast range of expression, is an ideal subject for photography. Ordinary as it may appear to the casual observer, such ordinariness matters little to the artist. His task is to fashion images that return the gaze to unfamiliar territory, to renew perception rather than accept what is merely habitual, to transmute the familiar into the unfamiliar by a certain angle of seeing.
And what object holds more fascination for the artist than the human face? Nothing approximates its living animation, its continual becoming in the world, the source of its enduring allure. In the surrealist vision, the face becomes a site where the natural is overturned, suspended, or inverted, objects torn from the very tissue of space and made to float in a field where neither time nor distance carries weight. What matters is not the empirical world but the face’s relation to the category of objectivity itself, a presence simultaneously real and unmoored, at once intimate and estranged, It is, as well, an excavation of the mind by way of the object rather than the subject, a discovery of the subject through outrospection rather than introspection, revealed not by turning inward but by observing the powers it exerts over objects, and the infinite transformations those objects undergo under its gaze.
Insanity is nothing less than an absolute sinking into oneself: a total immersion, as though seized by a storm or lost within a maze whose paths fold endlessly inward. In such a state, imagination is released from all bounds. And should one, by some chance, attempt escape, no exit presents itself; for one has been locked within oneself, an excess of interiority from which there is no outward passage, mundane consciousness, by contrast, does not sink into itself. It moves outward; it cruises, externalizes itself, and remains oriented toward its surroundings, yet it does so without truly internalizing what it encounters. It registers, names, and navigates, but it does not descend. In the insane, however, it is the inner world that becomes law. Objects and things cease to appear as independent realities and are reduced instead to images, accessories, and reflections, mere extensions of an interior world.
Thus the self, having withdrawn into its own abyss, loses its anchor in the world. What emerges is an excessive overflow of imagination turned back upon itself, no longer regulated by the principles of understanding, and yet this self was not formed in isolation, It was shaped within the whirlwind of the world itself, only to fracture at a certain point in its development, severing its bond with exteriority, having turned inward beyond measure, the insane subject no longer receives the world as given but works upon it as it has received it, and begins to transfigure it, and bends it toward a further becoming of the mind, that of the insane mind, one no longer constrained by shared reality, but governed by the inexhaustible depths of its own interior life, thus the inner world becomes an object for the mind of the insane.
Thus the self, having withdrawn into its own abyss, loses its anchor in the world. What emerges is an excessive overflow of imagination turned back upon itself, no longer regulated by the principles of understanding, and yet this self was not formed in isolation, It was shaped within the whirlwind of the world itself, only to fracture at a certain point in its development, severing its bond with exteriority, having turned inward beyond measure, the insane subject no longer receives the world as given but works upon it as it has received it, and begins to transfigure it, and bends it toward a further becoming of the mind, that of the insane mind, one no longer constrained by shared reality, but governed by the inexhaustible depths of its own interior life, thus the inner world becomes an object for the mind of the insane.
"لا دوامَ لشيء، حقًّا، ولا يُعتدّ من الزمن إلا باللحظات؛ غير أنّ اللحظة لا تفصح عن بهائها إلا لمن تخيّلها أبدية. وليس جديرًا بالاعتبار إلا الزائلُ الذي يتلبّس هيئة الخلود".
— نيكولاس غوميز داڤيلا؛ ترجمة شخصية من النص الإسباني الأصلي.
— نيكولاس غوميز داڤيلا؛ ترجمة شخصية من النص الإسباني الأصلي.
يكون المرء فنانًا بقدر ما يرى كلَّ ما يسمّيه الناس غيرُ الفنيّين «شكلًا» هو الجوهر الحقيقي، وهو الأمر «الأساسي» بعينه. وبهذه الرؤية ينتمي الإنسان، بلا ريب، إلى عالمٍ مقلوب؛ إذ يغدو الجوهر، منذ ذلك الحين، شيئًا شكليًّا محضًا في نظره، بل إنّ خطّ حياته نفسه لا يخرج عن هذا الحكم، بوصفها موضوعًا فنّيًّا. وقد يشرق له عندئذٍ إدراك مفاده أنّ كلَّ جوهرٍ ممكن أو متخيَّل يمكن أن يُتَّخذ موضوعًا للفن، ما دام قادرًا على أن يضفي عليه شكلًا، ومن ثم يتولد لديه تصورٌ عن الإمكانات اللامحدودة لفنونٍ لم تولد بعد، طالما ينجح خياله في إضفاء الأشكال مع ما يتناسب مع المادة الخام.