التعقل📚
1.13K subscribers
587 photos
7 videos
14 files
138 links
محاولة لتقديم شيء من العقل الى عالم يغرق بالجنون
Download Telegram
أيدولوجيات التأخر الصناعي:
في هذا المقال أسعى إلى تلخيص الأفكار الأساسية المطروحة في الورقة العلمية بعنوان
Matossian, Mary (1958). Ideologies of Delayed Industrialization: Some Tensions and Ambiguities. Economic Development and Cultural Change
الورقة لفتت انتباهي لأنها تسعى إلى فهم الأيدولوجيات على نحو تحليلي نفسي أكثر منة محاولة لفهم الأيدولوجيا أو كيف تم تطبيقها على أرض الواقع.
هناك أربع أيدولوجيات كأيدولوجيات تأخر صناعي في الورقة وهي الغامدية [من غاندي الزعيم الهندي] والماركسية اللينينية في روسيا والكمالية في تركيا والشنتوية في اليابان.
الخلفية التي تظهر فيها أيدولوجيات التأخر الصناعي هي في بلد يحتوي على الشروط الآتية:
1- يمر البلد بحالة تماس مع الغرب الصناعي على الأقل منذ خمسين سنة
2- هناك نخبة محلية صاعدة من الأشخاص الذي لديهم شيء من التعليم الغربي
3- التحول إلى الصناعة حالة تتم دراستها والتفكير بها على صعيد شعبي أو أنه يحصل حالياً على الأكثر منذ خمس وعشرين سنة.
الشروط الثلاثة هذه كلها تنطبق على بلدان مختلفة مثل الهند والصين واليابان وروسيا وتركيا ومصر وإيران... إلخ
الأمثلة الأوضح لها هي الماركسية اللينينية في الصين على يد لينين والكمالية في تركيا على يد مصطفى كمال أتاتورك والغنادية على يد المهاتما غاندي والوطنية في الصين على يد سون يات سين
البلدان هذه تعاني من مشكلتين: الأولى هو اضمحلال المؤسسات التقليدية والقيم التقليدية لهذه البلدان أحيانا حتى قبل حصول الصناعة والمشكلة الثانية هي التحدي الذي تشكله هيمنة الغرب المعاصر.
نتيجة لهذه الأمور يظهر ما تسميه الباحث بالمفكر الذي يشعر بالإهانة وهذا المفكر يعيد توجيه نفسه على ثلاثة مستويات:
1- علاقته مع الغرب
2- علاقته من ماضي شعبه
3- علاقته مع الجماعات من شعبة.
تنتج عن هذه الثلاثة مستويات أيدولوجيا تحاول الإجابة عن هذه المشاكل:
1- تعريف الذات
2- وصف الوضع الحالية وخلفيته وما قد ينتج عنه.
3- حلول يجب اتباعها من التحليل الوصفي السابق
نتيجة هذه العمليات يذهب المفكر الذي يشعر بالإهانة إلى تبني مواقف متناقضة أو مختلفة كما أنه يمزج بين ما يرغب أن يراه وبين ما هو الواقع فعلاً نتيجة محاولته إيجاد صيغة علاجية، وكذلك نتيجة أن هذا المفكر المُهان يرى أن جنوده في هذه المعركة هي الجماهير وهذا يجعله مضطراً إلى مزج شيء من نقد الذات مع رفع قيمة الذات بشكل متوازن حتى يبقيهم متحمسين.
يجب الالتفات إلى أن جميع الأيدولوجيات الناتجة عن التأخر الصناعي تكون أيدولوجيات طوباوية أو بمعنى آخر ثورية، تسعى إلى إعادة صياغة الواقع كلياً دون أي الالتفات إلى واقعية العملية أو جدواها وهذا يجعلهم في صدام مباشر مع الأنظمة القائمة اجتماعياً وهذا يحصل حتى عندما تكون ذلك الأيدولوجيا "محافظة" حيث إن سعيها للتغير يصبح واضحا عندما نرى كمية ما تسعى من إزالته واستبداله وتغيره داخل المجتمع.
المشكلة الأولى التي يحاول المفكر المُهان حلها هو التفكير بعلاقته مع الغرب وخلال هذا الأمر يمزج المفكر المُهان بين حب الغرب والنفور من الغرب، المفكر المُهان رجل يشعر بالهزيمة الفعلية أمام تقدم الغرب وبالتالي هو بحاجة إلى أسلحة جديدة للدفاع ضد الغرب.
التشخيص الثاني لهذا المفكر المُهان هو علاقته الصعبة مع نفسه ومع قومه، بما أن أكثر هؤلاء المفكرون ينتمون إلى الطبقة الوسطى فهم يمرون باختلاجات صعبة من كره الذات واصفاً نفسه بأنه مزيف أو مشوه لا ينتمي إلى الغرب ولا إلى الثقافة المحلية التي يحاول جعلها متقدمة صناعياً. وبناء على ذلك فهو غالب ما يمر بمرحلة اكتشاف "الذات الحقيقية" كما مثلاً ذهب غاندي في رحلة "لاكتشاف الهند" حيث يقول:
"إنكم إيه الإنكليز الذين قدمتم إلى الهند لستم مثالاً جيداً عن أمتكم ولا نحن أنصاف المتنأنكلزين ممثلين جيدين عن الأمة الهندية"
ويقول صوتا صاهرير الشخصية الإندونيسية المثقفة:
"في الواقع، ثقافتنا منحطة ولا يمكنها أن تمر بفترة انبعاث. لا يوجد فكر، لا يوجد صياغة عامة، لا يوجد صوت والأسوأ لا يوجد جدية أو ثقة بيننا. لا يوجد إلا نسخ مزورة [عن الغرب] تنشر مع ضجيج كبير ولكنها تمتلك القليل من المصداقية"
يحاول المثقف المُهان في هذه المعادلة ان يتخذ موقفا بين البغض للغرب والحب للغرب فمثلاً نهرو الزعيم الهندي كان يميل الى حب الغرب بينما غاندي كان يصر على ان الهنود اذا ما أرادوا ان يتعاملون مع البريطانيين يجب عليهم ان يؤمنون ان الحضارة الهندية هي الأفضل وان الحضارة الأوروبية هي انما اعجوبة مؤقتة، بلا شك يؤمن غاندي ان هناك عيوبا في الحضارة الهندية مثل زواج الأطفال والدعارة الدينية ولكنه يرى "ان الحضارة الهندية فيها نزعة نحو رفع الشعور الأخلاقي والحضارة الغربية انما تنشر الانحطاط الأخلاقي"
يسعى المفكر المُهان الى إيجاد تنازل بين امته وبين الغرب قد يدعي ان ببساطة ان حضارته افضل من الغرب كما قال غاندي "اننا نرى ان حضارتنا تفوق حضارتكم بأشواط" او قد يرى ان اسلافه رفضوا الحضارة الغربية منذ عصور مضت على انها حضارة اقل قيمة ولكن هكذا ادعاءات لا تلقى رواجاً كبيراً لذلك ينحون المفكر المُهان الى القول "ان حضارتكم ليست افضل من حضارتنا" او "اننا والغرب متساوون" أو "في الماضي لم تكونوا افضل منا" او "في الماضي كانت لدينا خصال جيدة افسدتها عناصر غريبة" او "لدينا فضائل روحية رغم فقرنا المادي ولكنكم ماديون بلا أرواح" او "كل ما له قيمة في تقاليدكم بديته منا". الوطني مثلاً يقول انه يسع لمزج الأفضل من "الشرق والغرب" ولكن لا يوضح لماذا يجب ان يكون هناك اثار غربية او شرقية في انتاج ثقافته الجديدة. خلف كل هذه العبارات هناك امنية مخفية وهي ان يرى المثقف المُهان "الشرق" كشريك للغرب او مساو له.
كل هذه العبارات قد تكون كافية للمثقف المُهان ولكنها لا تؤدي إلى الأفعال والحركة على أرض الواقع ما لم يستخرج منها بعض المبادئ التي يجب اتباعها. مثلاً
"يجب أن ننظف ثقافتنا الوطنية من العناصر الغريبة التي تفسدها وأن ندرك شخصيتنا الحقيقة التي كانت خامدة داخلنا"
ونقد الذات أيضا مفيد لأنه يجعل الاسترخاء أو التراجع مستحيلاً كما قال جوزف ستالين:
"هناك ميزة أساسية في تاريخ روسيا القديم انها تتعرض للضرب نتيجة تخلفها ورجعيتها. لقد أشبعها خانات المغول ضرباً وكذلك البيات الاتراك وقد ضربها الاقطاعيون السويديون والفلاحون البولنديون واللتوانيون وكذلك ضربها البارونات اليابانيون. الجميع ضربها بسبب رجعيتها وتخلفها العسكري والثقافي والسياسي والصناعي والزراعي.... ولهذا يجب ان لا نتأخر خلفهم اننا متأخرو خمسين او مئة سنة خلف البلدان المتقدمة. وعلينا ان نقطع المسافة في عشر سنين والا سوف يسحقوننا"
رجل آخر كان يوزع نقد الذات بشكل مباشر ومتكرر هو مصطفى كمال أتاتورك الذي قال للجمعية التركية العامة 1920:
"لقد قررنا ان لا نتنازل عن استقلالنا الوطني. ولكننا لم نأخذ بعين الاعتبار درجة نهضة البلد، أن ثروة الأمة ومرحلتها العقلية عندما تقارن مع تقدم العالم فعلينا أن ندرك أننا لسنا متخلفين فقط بل متخلفين جداً"
ورغم ذلك فقد كان يكرر أتاتورك مدائح للخصال الحميدة للأمة التركية وإنجازاتها التاريخية ولكونه يميل إلى حب الغرب فقد تغلب على بغض الغرب في شعبه عن طريق الخطاب الأيديولوجي. عندما قيل له إن الاقتباس من الغرب يتعارض مع المبدئ الوطني كان جوابه:
"البلدان كثيرة لكن الحضارة واحدة ومن أجل تقدم الأمة فمن الواجب المشاركة في تلك الحضارة الواحدة"
وعندما كان هناك حركة استيراد للكلمات غير التركية إلى اللغة التركية استعمل أتاتورك نظرية علمية مزيفة تزعم أن كل اللغات أصلها من اللغة التركية فهو لا يقتبس فعلاً وإنما يعيد الكلمات التي اقتبسها الآخرون إلى اللغة التركية.
وبنفس الوقت كان يزيل المظاهر المحلية عبر وصفها بأنها مستوردة وليست أصلية كما فعل مع الطربوش حيث ادعى أنه قد جاء من أوروبا قبل مائة سنة.
عندما يتجاوز المفكر المُهان مرحلة التلاقي مع الغرب الصناعي فهو يجابه خمسمائة عام من الفروقات التكنولوجية، الفنية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، والدينية. امام هذه التطورات يشعر انه سوف يغرق وهنا يحاول ان يسيطر على ماذا يدخل من الثقافة الغربية حتى لا يفقد ثقافته المحلية دون ان يكون هناك أي مقياس فعلي لما الذي يجب إدخاله وما الذي يجب رفضه. بعض الوطنيين قد يحاولون ان يقولون انهم يسمحون فقط بما يثري الامة ويقويها ويتوافق معها. وهذه الطريقة مطاطة تسمح للوطنين ان يدخلون او يرفضون أي شيء.
فمثلاً كان الماركسيون في روسيا يعتبرون أن أي عناصر تقدمية في الغرب هي عناصر يمكن استيرادها لأن الشرق الماركسي سوف يتجاوز الغرب عموماً وبالتالي هذا الاقتباس والاستيراد سوف يساعد المجتمع الماركسي على تجاوز العقبات التي سبقت هذا التقدم عبر الاقتباس مباشرة وعندما يتحلل الغرب سوف تكون الأمم المتخلفة سابقاً قد تجاوزته بسنين.
هناك داخل المفكر المُهان نزاع بين محاولة الرجوع إلى الماضي ومحاولة الذهاب إلى المستقبل.
في محاولة الرجوع إلى الماضي هناك محاولة لأعاده عصر ذهبي متخيل وبالعادة لا يكون هذا العصر في الماضي القريب الذي يكون متنازعا عليه وإنما في الماضي السحيق لا يمكن الكشف عنه إلا في الأبحاث التاريخية
موسوليني أعلى من شأن مجد الإمبراطورية الرومانية والدول المستقلة في العصور الوسطى. السلافيون القوميون مجدوا الأرثوذكسية المسيحية في روسيا والإقطاعيين الزراعيين، الشنتويون مجدوا الميثولوجيا القديمة لليابان وأعادوا عبادة الإمبراطور، سون يات سين طالب بأحياء الأخلاق الكونفشيوسية، غاندي مجدة عصر الرماة راج الهندي وأتاتورك مجد الفضائل البربرية للبدو العصمليين.
بالطبع عندما يطالب بأحياء الماضي يأتي السؤال أي جزء من الماضي، ومتى كان عصرنا الذهبي ولماذا؟ في بعض الأحيان يتم اختيار العصر الذي كانت فيه الأمة إمبراطورية عندما تمتع القوم بسلطة عسكرية على الآخرين، في بعض الأحيان يمدح عصر "البساطة الجميلة" ولكن البحث عن إمبراطورية جديدة غير متوافق مع التخلف الصناعي والسياسي والعودة إلى حياة "بسيطة وهادئة" لا يتوافق مع التقدم الصناعي وفي هكذا حالات لا تعتبر نزعة الرجوع إلى الماضي نزعة جادة لحل المشكلة.
ولكن هناك استخدام أكثر فائدة للتاريخ. قد يرى المفكر أن قومه قد كانوا في الماضي يمتلكون الصفات الحميدة التي يسعى إلى فرضها الآن فمثلاً الماليون يمجدون أسلافهم على أنهم شجعان متسامحين واقعيين وكرماء ومسالمين ويحترمون المرأة باختصار الجنتل مان الغربي المثالي. ولكن هؤلاء "الأتراك" الأصليين أفسدهم مُؤَكِّدًا النفوذ الثقافي العربي– الفارسي– البيزنطي والآن قد حان وقت عودتهم ليأخذوا مكانهم المناسب بين الشعوب المتحضرة. مع أننا قد نرى أنها نزعة رجوع إلى الماضي إلى ألانها فعليا محاولة لتبرير الذهاب إلى مستقبل معين.
المفكر المُهان سواء كان وطنيا أو شيوعيا في علاقته مع الجموع غير المتعلمة من شعبه هناك نظرة عاطفية استعلائية واحتقاريه فمثلاً يقول سون يات سين:
"لقد نشر جنود سلالة منج الوطنية بين الطبقات الدنيا من الشعب الصيني ولكن بسبب الفهم الطفولي لهذه الطبقات الدنيا لم يستطيعوا أن يدركوا كيف يجب الاستفادة من الوطنية عكسنا نحن"
ومثلاً يقول محمد نجيب المصري في عام 1955:
"بالنظر إلى الوضع المنحط في القرى المصرية فمحاولة التفريق بين الإجبار والتعاون لا معنى لها، الفلاح العادي سقط كثيراً ولم يعد قادراً على مساعدة نفسه بلا درجة كبيرة من المساعدة الإجبارية من الحكومة"
يجب ان يمزج المفكرون بين المقدار الكافي من النقد للجموع مع التعزيز الكافي لهم حتى يتبعوهم في "معركة" الصناعة. لذلك هو تلوم الفلاح على تخلفه ولكنها تمدحه لأنه يمثل الشخصية الحقيقة للثقافة المحلية. هكذا ايدولوجيات قد تروج للمساواة ولكنها ايضاً تطلب من الجموع طاعة القيادة وان تقبل بالمكافأة غير المتساوية. هذا لا يعني انهم أصحاب نية سيئة وانما من المعقول ان يلصق المفكر بنفسه مفاهيم متناقضة كثيرة.
في الكثير من الأحيان تنمو الأيدولوجيات الناتجة عن التأخر الصناعي في حالة سقوط للحكام التقليديين (ملوك، سلاطين، قياصرة.. إلخ) إما تم أسقتاهم أو أنهم على وشك السقوط. ولكن عندما يكون الحكام التقليديون في الحكم كما في اليابان فإنهم يتلقون الدعم من قوى اجتماعية جديدة ويأخذون وظائف جديدة داخل المجتمع وعليهم الآن أن يعبئوا العامة نحو التقدم الصناعي. سواء كان هناك ثورة كاملة أو تغير في النخب الاجتماعية فإن الثورة الاجتماعية حتمية.
يرى عالم السياسية والعلاقات الدولة روبرت إيمرسون أن عملية التحول إلى المجتمع الصناعي إذا قادها نخب متغربة بالعادة تكون الأيدولوجيا الناتجة عن هذه العملية أيدولوجيا تركز على المساواة
بعكس ما لو قاد العملية نخب اجتماعية تقليدية
كلما ازدادت سيطرة الغرب على دولة ما عبر الاستعمار كلما فقدت النخب الاجتماعية التقليدية مكانتها وتم استبدالها بنخب متغربة
وهذا قد يفسر لماذا هناك دول نجحت بالتحول إلى المجتمع الصناعي بنجاح
مثل اليابان حيث لم يكن هناك سيطرة غربية مباشرة وقوية على النخب الاجتماعية ولم تفقد النخب الاجتماعية مكانتها في المجتمع الياباني
بينما هناك الكثير من الدول الأخرى فشلت في أن تصبح دولا صناعية متقدمة لأن النخب التي قادت هذا التحول هي نخب متغربة ولا تمتلك سلطة تقليدية ولذلك هو تركز على المساواة
بالطبع الصدام بين ما يطالبونه من انصياع وبين ما يؤمنون به من مساواة يؤدي إلى إنشاء توليفة مثل عقيدة "الإرشاد للأمة" وفقاً لهذه التوليفة فإن الأمة لا تمتلك القدرة الكافي على الذهاب مباشرة إلى نظام ديمقراطي مساواتي ومهمة النخبة الحاكمة الجديدة أن تدفع بالأمة نحو حالة تؤهلها إلى استلام زمام الحكم بشكل ديمقراطي مباشر. وإن الدكتاتورية التي يمتلكها هؤلاء النخبويون سوف تضمحل مع الوقت.
يمكننا إضافة ان النخب هذه بالعادة تركز على ان الحاكم هو فرد من الشعب لا يختلف عنهم كثيراً وبالعادة ليس من الصعب اثبات ذلك خصوصاً ان الكثير منهم يأتون من طبقات متوسطة او فقيرة بعكس السلطات التقليدية التي تركز على ان الحاكم له افضلية تؤهله الى ان يكون حاكم مثل كونه ينتمي الى سلالة عريقة او ابن الالهة كما في اليابان
وهنا يحاول أن يصدر الحاكم الذي قد أتى مع أيدولوجيا مساواتية تصديه للحكم على أنه تجسد الأمة المحكومة ولا يمتلك شيء أفضل منهم وإنما هو فضائلهم الخامدة التي استيقظت به شخصياً ليقود الأمة نحو التقدم الصناعي.
فلنفرض أن شخصا أتاني وسألني عما إذا كنت أود أن يبني لي بيتا
مختلفا تماما عن البيت الذي أعيش فيه الآن. ولنفرض أنه أخبرني أنه
سيعلمني طرائق جديدة في العيش والتعلم والفهم والأكل واللبس والتصرف،
بل ربما والتفكير والشعور؛ هل يجوز لي أن أقبل هذا العرض من دون
التفكير أولا في الطريقة التي ستؤثر بها كل تلك الأمور علي وعلى من هم
حولي؟ وكيف سأتغير أنا وسيتغير الآخرون المهمون بالنسبة لي؟ ما الذي
سأجنيه أو أخسره إذا وافقت؟ هل يستحق ذلك الأمر عناء القيام به؟ بيد أن
هذا الافتراض ليس تمثيلا دقيقا لما حدث لنا بالفعل، سواء كنا عربا أو
مسلمين أو آسيويين أو أفارقة. فواقع الأمر هو أننا لم تتم استشارتنا، ولم
يسألنا أحد عما إذا كنا راغبين في ذلك التحول الكلي. فواقع الأمر هو أن
كل ذلك قد فرض علينا فرضا من خلال الكولونيالية، لا سيما في القرن
التاسع عشر، وأننا الآن قد نسينا ذلك الفرض الذي تم في الماضي. لقد تم
تطبيع ذلك الفرض، وبتنا لا نفكر فيه بوصفه فرضا بعد أن صرنا حداثيين .
بيد أن المأساة لا تقتصر فقط على هذا الفرض، وذلك على الرغم من قسوة
التجربة والآلام التي ارتبطت بها. فمأساة واقعنا الحالي الحقيقية تتمثل في
قبولنا لكل هذا على أنه أمر مفروغ منه من دون أن نعي ما طرأ علينا فعلا
ومن هو ذلك الغريب الكولونيالي المتطفل، وما طبيعته. لم نعد نفهم طبيعة
الكولونيالية الحقة، بل لم نعد نفهم هويتنا كأفراد شكلتهم الكولونيالية،
وهذه هي المأساة الحقيقية.
إن هذا الكتات ـ قصور الاستشراق . هو الفضيحة التي تعرينا وتعري
من فرض الكولونيالية، علينا، إذ إنه يعيد تعريفنا وتعريفه هو. فإذا كنا أفرادا
حداثيين . ونحن كذلك بالفعل - فمن نحن؟ من أين حصلنا على هذه الهوية
كأفراد حداثيين ما معنى أن نكون حدائيين؟ كيف يؤثر علينا كوننا حداثيين
وعلى العالم الذي نسكنه؟ ما هي المسؤوليات التي فقدناها ونسيناها في
الوقت الذي كنا نتحول فيه إلى أفراد حداثيين؟ ما الذي ندين به لأنفسنا؟ وما
الذي ندين به للعالم؟ وما الذي ندين به للمخلوقات التي تشاركنا هذا
العالم؟ وما الذي ندين به لأبنائنا وبناتنا؟ وما الأذى الذي سببناه لكل من سبق
لماذا نسعى للدمار؟ ولماذا تتزايد مشاكلنا الصحية والاجتماعية
والمالية والبيئية بصورة مضطردة فى الوقت الذي أضحت فيه علومنا
وتكنولوجيتنا أكثر تقدما وتفرقا من أي شيء سبقهما في التاريخ الإنسانى؟
لماذا يسبب كل هذا «التقدم» دمارا وخرابا أكر لكل شيء تقريبا في العالم؟
كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وأين تذهب من هنا؟ وكيف نحل هذه
المشكلات التي صنعناها نحن الحداثيون؟
وائل حلاق - قصور الاستشراق
#التاريخ_والهوية [1]
في هذه السلسلة : سوف نحلل أهم الافكار التي وردت في كتاب
RECLAIMING A PLUNDERED PAST: Archaeology and Nation Building
in Modern Iraq
استعادة ماضي منهوب : علم الاثار وبناء الامة في العراق المعاصر .
للبروفسور ماغنس ثوركيل بيرهاردسن أستاذ التاريخ السياسي المعاصر للشرق الأوسط في كلية ويليمز الامريكية :
السؤال الأول الذي قد يراودك هو لماذا يهتم الغرب بالأحافير واكتشاف الحضارات القديمة؟
جميع الأمم كانت تدرك، مثلاً، أن هناك حضارة سكنت هذا المكان، لكنها لم تعطِ لها أهمية غير الموعِظة الأخلاقية التي تستخلص من زوال الحضارات والأمم واستبدالها. ومن هنا، روي أن أمير المؤمنين - عليه السلام - مر على المدائن، فلما رأى آثار كسرى وقُرب خرابها قال رجل ممن معه: "جرت الرياح على رسوم ديارهم * فكأنهم كانوا على ميعاد"، فقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: "أفلا قُلتم كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانوا فيها فاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ". وهذا الحال من اعتبار السنن الماضية عِبرة لا أكثر، موجود حتى في باقي الأديان، فكان الاهتمام المسيحي في الآثار لفترات زمنية طويلة محصور في هذا النوع من الاعتبار بسنن من ذهبوا وتركوا آثارًا تدل على قوتهم، واليوم هم لا شيء.
لكن تغيرت هذه النظرة عندما تملك العقل الغربي فكرة التقدم. كان أول الأمر ينظر إلى اليونان وروما على أنه الأصل الذي خرج منه الإنسان العاقل المتقدم ذروة البشرية انسان التنوير والقرن السادس عشر
"ومن يتبع علم الآثار ومتى خرج، سيدرك هذه الحقيقة، حيث بدأ بمجموعة من الأثرياء والنبلاء الهواة، جمعوا التحف الآثرية التي تعود إلى عصر الإغريق القدماء والرومان. وكما يعبر كاتب الكتاب، أصبح هناك حالة من الإيمان المسيحي بمسيرة التاريخ نحو الأفضل، وفي خلال هذه المسيرة، كان الغربي يرمي ببصره نحو الإغريق كحالة مثالية لما يجب أن يكون عليه الإنسان في مستقبل الأيام. واستحدثت دراسة التاريخ بالطريقة الجديدة، المرتكزة على الأدلة المادية والأحافير، دراسة الفلسفة، بل أصبحت فلسفة العصر."
خلال رحلته في اليونان القديمة، كان الطبيب وابن العائلة الفرنسية الثرية جاكوب سبون يكتب عن مشاهداته وزياراته للآثار الإغريقية المتناثرة بين الناس، وهنا اخترع مصطلح علم الآثار، حيث دمج بين كلمة "أرخيو" [قديم من اليونانية] و "لوجوس" [علم أو عقل من اليونانية].
تحول جامعو التحف بعدها من فضوليين أغنياء إلى أوائل المنقبين والدارسين للتاريخ على الطريقة الجديدة، التي لم تعد تبحث التاريخ عبر دراسة الكتاب المقدس وما كتبه هيرودوتس و المؤرخون الآخرين.
هنا ولد علم الآثار والاهتمام بالآثار، ليس كعلم بحت، بل كفضول فلسفي ناتج من الإيمان بالتقدم البشري. وبما أن هؤلاء كانوا يؤمنون بأن مسيرة البشرية كلها تتجه باتجاه أوروبا الحديثة في القرن السادس عشر، فكان لا بد أن ينبشوا تاريخ العالم كله ليثبتوا تلك الأصول التاريخية للتقدم الغربي.
من هنا يخرج مصطلح "مهد الحضارة"، ليس كوصف فعلي لحال الحضارة الأولى ومدى علاقتها ببقية البشرية، بل كوصف فلسفي للحضارات التي ولدت على نهري دجلة والفرات، ناتج عن ذلك الإيمان المسيحي بالتقدم."
" رغم أن فكرة التقدم كانت تؤكد على أفضلية الحضارة الغربية على غيرها، إلا أنها أيضًا كانت تزعم أنها ذات منظور عالمي، وكانت تدعي أن أصول الحضارة الغربية لم تكن محصورة في العالم الغربي. وقد حلل الباحثون البقايا الأثرية للحضارات القديمة في إفريقيا وآسيا، من أجل أن يجدوا مصدر التقدم الغربي. ولإيجاد صورة أكبر عن تطور وطبيعة نمو المجتمعات في العالم الغربي، شعر علماء الآثار بالحاجة الملحة للعودة إلى أصولهم، للبحث عن جذورهم ما بعد اليونان، والبحث عن الحضارة في طفولتها بشكلها النقي. وهذا المنهج حتمًا سيؤدي إلى إيجاد "مهد" للحضارة."
كل عام وانتم بالف خير اعاده الله عليكم بالصحة والعافية
▪️ حول إرجاع المناهج الفكرية إلى أصولها الفلسفية الكبرى ▪️

من مهارات طالب العلم المعاصر = إرجاع تمظهرات الأفكار والأطروحات والمناهج إلى جذورها الفلسفية التي تنطلق منها.

بيان ذلك: كثير من الأفكار والأطروحات والمناهج التي تنافي رؤيتنا الإسلامية للعقائد والأحكام والنصوص، والتي نستغرب صدورها من بعض الجهلة بين الفينة والأخرى في مواقع التواصل الاجتماعي = تنطلق من جذور فلسفية كبرى كلها -أو جلها- تمت ولادتها في الغرب.

هذا الغرب الذي تمخضت أفكاره ومناهجه وفلسفاته ورؤاه للوجود والميتافيزيقا والمعرفة ضمن صراع تاريخي طويل، ولّد ردود فعل فكرية عديدة، استقرت الآن في مناهج وأفكار ومدارس محددة معروفة أكاديميًا، لها تطبيقات ومصاديق وتمظهرات عديدة.

● سأضرب لكم مثالين على ذلك:

🔹️ ١. الرؤية التي تريد إرجاع كثير من أحكام القرآن الكريم إلى سياقات تاريخية بائدة وليدة لحظتها، لا يمكنها تجاوز إطار المكان والزمان الذي نشأت فيه، وتريد أن تعطّل هذه الأحكام بهذه الحجة أو تفسّر سبب نشأتها بسبب ظرف تاريخي مادي صرف.

= هذا النمط من التفكير راجع إلى منهج التاريخانية الاستشراقي، وهو منهج مادي مفصّل، له سمات ومبادئ، أهمّها -وأنبّه أن كلامي مختصر وأرجو أن لا يكون مخلًا-:
أن يفسر الأمور تفسيرا تاريخيا محضا، ويرجع نشأة الأشياء والمواقف والنصوص إلى ظروف تاريخية محضة.

🔹️ ٢. الرؤية التي تريد تفسير القرآن الكريم باعتباره نصا قابلا للقراءات اللامتناهية، من دون الأخذ بعين الاعتبار كونه وحيا إلهيا، أو كونه مقترنا بأحاديث تتصف بالحجية في تفسيره، أو كونه نصا نازلا في مجتمع عربي يتكلم بلغة ذات ألفاظ لها دلالات واستعمالات معينة ينبغي أن نرجع إليها في فهمه، وغير ذلك.
= هذا النمط من التفكير له صلة بالرؤية التفكيكية ومبدأ (موت المؤلف) وهي من نظريات النقد الأدبي التي نشأت في الغرب وتبناها بعض العرب وحاول تطبيقها على القرآن الكريم.

هذه الطريقة من التحليل مهمة جدًا في مناقشة الأفكار، فهي تجلّي المبادئ الفكرية الكبرى التي يتحرك خلالها هؤلاء المشككون وأضرابهم في محاولاتهم للتشكيك في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ومواقف وشخصية النبي -صلى الله عليه وآله-.

▪️الناقد الإمامي▪️