من القوانين والسنن التي لا يمكن تبدّلها يوماً: أنَّ الاستعداد شرط الإمداد، ولا يمكن صبُّ الماء في كأس ممتلئة، وأنّ أيّ تحليق يلزمه تخفيف، فلا ينهض لمعاريج الله من أثقلته أوزار الطّين؛ لذا أفهم رمضان أنّه شهر إزالة لامتلاء جديد، وتمهيد لارتفاع روحيّ مستمرّ، فأستقبله بنيّة إفساح مساحة وتفريغ حيّزي الشعوريّ من الأغيار والحُجب التي كثّفتها العادات وغذّتها الغفلات.
وبتتبّع آثار المدد الإلهيّ في القرآن والسنّة، نجد أنَّ الفيض غير ضنين، والوهّاب لا يمنع نواله، وإنما العائق في قابليّة القابل، وليس في فاعليّة الفاعل؛ فبقدر ما يتّسع الفراغ الباطنيّ، ينسكب النور المشهوديّ، وبقدر ما يخفّ حِمل الجسم، يتسارع عروج الروح في فضاءات القرب!
كلّ عام وأنتم بفيوضات أُنس الله الواحد الصمد، وبخفّة تُعلي مراتبكم في معاريج القرب الإلهيّ.
وبتتبّع آثار المدد الإلهيّ في القرآن والسنّة، نجد أنَّ الفيض غير ضنين، والوهّاب لا يمنع نواله، وإنما العائق في قابليّة القابل، وليس في فاعليّة الفاعل؛ فبقدر ما يتّسع الفراغ الباطنيّ، ينسكب النور المشهوديّ، وبقدر ما يخفّ حِمل الجسم، يتسارع عروج الروح في فضاءات القرب!
كلّ عام وأنتم بفيوضات أُنس الله الواحد الصمد، وبخفّة تُعلي مراتبكم في معاريج القرب الإلهيّ.
سبحانك ربّي، الفيض منك مدرار لا ينقطع، فوسِّع في قلبي قابليّة قبول القرب منك، واجعلني وعاءً صالحاً لتلقّي أنوارك، وخفّف عنّي أحمال الطين لأرتفع، وأزل عن بصري حُجب العادة لأبصر، واجعل صومي تخلية من كلّ دنس، ليتحقّق فيَّ سرّ الوصل، وتشرق في ليل غفلتي شمس القرب.
أنتَ الغمامة التي حجبتْ شمسك، والعقدة التي أوثقتْ سرّك؛ فحلَّ عِقاد نفسك عن نفسك، تنجلِ لك حقيقتك!
إشارة مستوحاة من ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكيّة)، بتصرّف واسع
إشارة مستوحاة من ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكيّة)، بتصرّف واسع
المحبّة الحقّة سيرٌ من عتمات النفس إلى إشراق الصفاء؛ لذا كلّ محبّة لا تكشف لك سرّاً من أسرارك، أو تصفّي لك كدراً، إنّما هي ميلٌ موهوم.
أمّا الهاء، فهو حرف يخرج من أقصى الحلق، وهو مبدأ المخارج، ويشير إلى كونه تعالى مبدأً للموجودات. وأمّا الواو، فهو دائرة الشفتين وخَتْمُ المخارج، يجمع ما تفرّق ويضمّ ما انتشر، فيشير إلى منتهى السير وتمام الرجوع، وإلى أن الحقّ تعالى هو الآخِر كما كان الأوّل؛ به البداية وإليه النهاية، وفيه يلتقي الابتداء بالانتهاء.
لوامع البيّنات، الرازي، بتصرّف شديد في تعليل الواو
لوامع البيّنات، الرازي، بتصرّف شديد في تعليل الواو
حين أفرغ من مهمّات عالم الكبار التي تحيطني من كلّ جانب، أستريح بإعادة مشاهدة مغامرات السندباد، بيد أنّني بتكرار مشاهدته صرت أستبصر جوانب تتجاوز مجرّد الترفيه الطفوليّ، وأبعاداً تتصل بالحقائق القرآنيّة، لا سيّما أنّني أعدّ القرآن الكريم خِزانة القوانين الكونيّة والنموذج الأعلى الذي تنهل منه العقول البشريّة قصصها الأولى.
فالسندباد البحريّ في الشاشة يمثّل توق الإنسان الفطريّ إلى السيادة على المادّة والأشياء، وهذا التوق، على مرّ الأزمان، لم يتحقّق إلا للنبيّ سليمان عليه السلام، فجاءت قصّة السندباد وجهاً من أوجه تجسيد الحكايا لقصّة النبيّ سليمان.
وياسمينة (الطّير) التي ترافق السندباد في رحلاته إنّما هي تجسيد لهدهد النبيّ سليمان الذي رافقه في اكتشاف عوالم غابت عن أنظار النبيّ.
وما يظهر في مغامرات السندباد من قدرة على تخطّي حواجز الزمان والمكان، ومحاولة فهم لغة الكائنات، والتعامل مع القوى غير المرئيّة، ليس إلّا صدىً بشريّاً لآيات منطق الطير وتسخير الريح وتذليل الجنّ.
ومن هنا، تغدو هذه القصص الشعبيّة الكرتونيّة وسيطاً رمزيّاً يبرهن على أن المخيال الإنسانيّ يظلّ يدور في فلك النموذج الذي صاغه القرآن للسيادة الكونيّة، إذ لا يمكن للعقل أن يتصوّر سُلطة على الطبيعة أو المادّة خارج الأطر التي رسمها الخالق في قصص أنبيائه؛ وبذلك، فإنّ ارتداد هذه الحكايات إلى مصدرها الأصيل يعيد النظر إلى مركزيّة النصّ القرآنيّ بوصفه المرجعيّة الأولى التي استمدّت منها البشريّة تصوّراتها عن الممكن والمستحيل، ليظلّ كلّ إبداع فنيّ مجرّد محاولة لاستعادة مشهد من مشاهد الحقّ التي فصّلها الذكر الحكيم.
فالسندباد البحريّ في الشاشة يمثّل توق الإنسان الفطريّ إلى السيادة على المادّة والأشياء، وهذا التوق، على مرّ الأزمان، لم يتحقّق إلا للنبيّ سليمان عليه السلام، فجاءت قصّة السندباد وجهاً من أوجه تجسيد الحكايا لقصّة النبيّ سليمان.
وياسمينة (الطّير) التي ترافق السندباد في رحلاته إنّما هي تجسيد لهدهد النبيّ سليمان الذي رافقه في اكتشاف عوالم غابت عن أنظار النبيّ.
وما يظهر في مغامرات السندباد من قدرة على تخطّي حواجز الزمان والمكان، ومحاولة فهم لغة الكائنات، والتعامل مع القوى غير المرئيّة، ليس إلّا صدىً بشريّاً لآيات منطق الطير وتسخير الريح وتذليل الجنّ.
ومن هنا، تغدو هذه القصص الشعبيّة الكرتونيّة وسيطاً رمزيّاً يبرهن على أن المخيال الإنسانيّ يظلّ يدور في فلك النموذج الذي صاغه القرآن للسيادة الكونيّة، إذ لا يمكن للعقل أن يتصوّر سُلطة على الطبيعة أو المادّة خارج الأطر التي رسمها الخالق في قصص أنبيائه؛ وبذلك، فإنّ ارتداد هذه الحكايات إلى مصدرها الأصيل يعيد النظر إلى مركزيّة النصّ القرآنيّ بوصفه المرجعيّة الأولى التي استمدّت منها البشريّة تصوّراتها عن الممكن والمستحيل، ليظلّ كلّ إبداع فنيّ مجرّد محاولة لاستعادة مشهد من مشاهد الحقّ التي فصّلها الذكر الحكيم.
بتتبّع لفظة التقوى، بتعدّد اشتقاقاتها، على مساحة النصّ القرآنيّ كلّه؛ أفهم استحالة أن يقتصر مدلولها على الشعائر بمعزل عن المحيط وما يتعرّض له ذهن الإنسان في يومه من اختراقات، أو اقتصارها على العاطفة والترهيب فتكون فقط صفة أخلاقيّة، وإنّما هي حالة إدراكيّة ونمط حياة يرتكز على الوقاية، ورصد أيّ مؤثّرات وتصفيتها وفلترتها قبل أن تسلك مسلكها في قلب الإنسان؛ إذ إنّ التقوى لغةً: اتّخاذ وقاء (و ق ي)، والوقاء يتطلّب وجود خطر أو مؤثّر خارجيّ يُتعامَل معه، فيصير المتّقي شخصاً مستهدَفاً لكنّه يملك جهاز رصد ووقاء (تقوى)، أو جهاز إنذار مُبكِّر.
ورغم أنّني لا أجد حاجة إلى استعارة لفظ خارج السياق القرآنيّ، فإنّني أقرّب التقوى إلى مفهوم "اليقظة الذهنيّة/الروحيّة"، أو بقاء القلب شغّالاً لاقِطاً للمحيط من كلّ جانب ليسهل عليه تمحيص أيّ مؤثّر يدعمه أو يخترقه، حتّى لو غابت الحواسّ عن المحيط؛ وأنا، من هذا الباب، أفهم قول النبيّ محمّد -الصلاة عليه والتسليم لمنهجه-: "يا عائشة، إنّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي"، وهذه مرتبة عليا من نظام الإبصار والتقوى تُدلِّل على أنّ قلب المؤمن، في أصله، شديد الحضور والحساسيّة، أشبه برادار لا يغفل لحظة عن الرصد والملاحظة واليقظة. ولا أستطيع أن أقرأ التقوى هنا إلّا بمعاني الوعي الاستباقيّ والقدرة التصحيحيّة وأنّها أداة كشف معرفيّ: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.
ورغم أنّني لا أجد حاجة إلى استعارة لفظ خارج السياق القرآنيّ، فإنّني أقرّب التقوى إلى مفهوم "اليقظة الذهنيّة/الروحيّة"، أو بقاء القلب شغّالاً لاقِطاً للمحيط من كلّ جانب ليسهل عليه تمحيص أيّ مؤثّر يدعمه أو يخترقه، حتّى لو غابت الحواسّ عن المحيط؛ وأنا، من هذا الباب، أفهم قول النبيّ محمّد -الصلاة عليه والتسليم لمنهجه-: "يا عائشة، إنّ عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي"، وهذه مرتبة عليا من نظام الإبصار والتقوى تُدلِّل على أنّ قلب المؤمن، في أصله، شديد الحضور والحساسيّة، أشبه برادار لا يغفل لحظة عن الرصد والملاحظة واليقظة. ولا أستطيع أن أقرأ التقوى هنا إلّا بمعاني الوعي الاستباقيّ والقدرة التصحيحيّة وأنّها أداة كشف معرفيّ: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.
تُنسَب للسيّد المسيح، عليه وعلى النبيّ محمّد السلام، حكمةٌ أحبّها وأصغي إليها في كلّ مرّة أجد فيَّ ضعفاً روحيّاً أو وهناً في التسليم لله تعالى، وهي: "إن لم تعودوا كالأطفال، فلن تدخلوا ملكوتَ السماوات"؛ إذ إنّ التسليم لله (الإسلام) حالة تقتضي وجوباً إبعاد المعادلات العقليّة والتأويلات المعقّدة التي يمارسها البالغ الكبير، والاستثمارَ في الطمأنينة المطلقة التي تتجلّى في قلب طفلٍ يلقي نفسه في تدابير والدَيه بلا خوف أو حزن أو محاولة للسيطرة والإدارة؛ وكذا المؤمن، لا يبلغ ملكوت الحقّ حتّى يخلع لله ذكاءه وحساباته وحذره الزائف، فيغدو ابن لحظته، ملقياً بقلبه في بحار المشيئة، ولا يقيس لطف الله بموازين الأسباب ولا حسابات الزمان والمكان، ولا يُنازع الله بالسؤال، ولا يبصر في الوجود عيناً ترعاه سوى عين الله الصمد.