اقتناص الفوائد
1.3K subscribers
60 photos
344 videos
83 files
700 links
فوائد يومية مقتنصة ..
هذه القناة خاصة بالشيخ عبد الرحمن السحيم رحمه الله
وتُدار من ابنه (سعد)
للتواصل ams_1423@hotmail.com
Download Telegram
الحمد لله:
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (28)

قال ابن كثير :
القَول فيما أُوتِي سليمان بن داود عليه السلام :

قال الله تعالى : (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ) .

وأمّا تسخير الرِّيح لِسُليمان ؛ فقد قال الله تعالى في شأن الأحزاب : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) ، وقد تقدم في الحديث الذي رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُّورِ .

وثبت في " الصحيحين " : " نُصِرْتُ بِالرُّعْب مَسِيرة شَهْر " . ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قَصَد قِتال قوم من الكفار ، ألْقَى الله الرُّعبَ في قلوبهم منه قبل وُصوله إليهم بِشَهر ، ولو كان مَسِيره شهرا ، فهذا في مقابلة : (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) ، بل هذا أبلغ في التمكين والنصر والتأييد والظَّفَر ، وسُخِّرَت له الرِّياح تَسوق السَّحَاب لإنزال المطر الذي امْتَنّ الله به حين استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في غير ما موطن .

◀️ وقال أبو نعيم : فإن قيل : فإن سُليمان سُخِّرت له الرّيح فسَارت به في بلاد الله ، وكان غدوها شهرا ورَواحها شهرا . قيل : ما أعطي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكبر ؛ لأنه سَارَ في ليلة واحدة مِن مكة إلى بيت المقدس مَسيرة شهر ، وعُرِج به في مَلكوت السماوات مَسيرة خمسين ألف سنة في أقل مِن ثُلث ليلة ، فَدَخل السماوات سماء سماء ، ورأى عجائبها ، ووقف على الجنة والنار ، وعُرِض عليه أعمال أُمّته ، وصَلى بالأنبياء وبملائكة السّماوات ، واختَرَق الْحُجُب ، وهذا كله في ليلة . فأيّمَا أكبر وأعجب ؟!

وأما تَسخِير الشياطين بين يديه [أي : سليمان] تَعمل ما يشاء مِن مَحَاريب وتَمَاثِيل وجِفَان كَالْجَوَاب وقُدُور رَاسِيات ؛ فقد أنزل الله الملائكة المقرّبين لِنُصْرة عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في غير ما مَوْطِن : يوم أُحُد ، وبَدر ، ويوم الأحزاب ، ويوم حُنين . وذلك أعظم وأبْهَر وأجلّ وأعلى مِن تسخير الشياطين .

وفي " الصحيحين " مِن حَديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن عِفْرِيتًا مِن الجن تَفَلّت عليّ البارحة - أو كَلِمَة نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي .

وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ، قَالَ : " ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ ، وَاللَّهِ لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوَثَّقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ " .

✳️ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال : " إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ " مَرَدَةُ الْجِنِّ ". فَهَذَا مِنْ بَرَكَةِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ .

وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ، فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ ، وَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَحَذَّرُوهُمْ مُخَالَفَتَهُ ؛ لأَنَّهُ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ ، فَآمَنَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْجِنِّ كَثِيرَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ وُفُودٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ " الرَّحْمَنِ " ، وَخَبَّرَهُمْ بِمَا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مَنِ الْجِنَانِ ، وَمَا لِمَنْ كَفَرَ مِنَ النِّيرَانِ ، وَشَرَعَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ وَمَا يُطْعِمُونَ دَوَابَّهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَيَّنَ لَهُمْ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ .
🔅 وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا حَدِيثَ الْغُولِ الَّتِي كَانَتْ تَسْرِقُ التَّمْرَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ صلى الله عليه وسلم ، وَيُرِيدُونَ إِحْضَارَهَا إِلَيْهِ فَتَمْتَنِعُ كُلَّ الامْتِنَاعِ ؛ خَوْفًا مِنَ الْمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ افْتَدَتْ مِنْهُم الحمد لله:
ْ بِتَعْلِيمِهِمْ قِرَاءَةَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ الَّتِي لا يَقْرَبُ قَارِئَهَا الشَّيْطَانُ .

وَالْغُولُ هِيَ : الْجِنُّ الْمُتَبَدِّي بِاللَّيْلِ فِي صُورَةٍ مُرْعِبَةٍ .

🔘 وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ هَا هُنَا حِمَايَةَ جِبْرِيلَ لَهُ عليه الصلاة والسلام ، غَيْرَ مَا مَرَّةٍ مِنْ أَبِي جَهْلٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي السِّيرَةِ ، وَذَكَرَ مُقَاتَلَةَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ .

🔸 وَأَمَّا مَا جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِسُلَيْمَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ كَمَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ ، فَقَدْ خَيَّرَ اللَّهُ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا أَوْ عَبْدًا رَسُولا ، فَاسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فِي ذَلِكَ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَاضَعَ ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولا . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ .

وَلا شَكَّ أَنَّ مَنْصِبَ الرِّسَالَةِ أَعْلَى ، وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم كُنُوزَ الأَرْضِ فَأَبَاهَا ، قَالَ : " وَلَوْ شِئْتُ لأَجْرَى اللَّهُ مَعِي جِبَالَ الأَرْضِ ذَهَبًا ، وَلَكِنْ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا " . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ بِأَدِلَّتِهِ وَأَسَانِيدِهِ فِي " التَّفْسِيرِ " وَفِي السِّيرَةِ أَيْضًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .

🔸 قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : فَإِنْ قِيلَ : سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يَفْهَمُ كَلامَ الطَّيْرِ وَالنَّمْلَةِ .

قِيلَ : قَدْ أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لِكَلامِ الْبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ وَحَنِينِ الْجِذْعِ وَرُغَاءِ الْبَعِيرِ وَكَلامِ الشَّجَرِ وَتَسْبِيحِ الْحَصَا وَالْحَجْرِ ، وَدُعَائِهِ إِيَّاهُ وَاسْتِجَابَتِهِ لأَمْرِهِ ، وَإِقْرَارِ الذِّئْبِ بِنُبُوَّتِهِ ، وَتَسْخِيرِ الطَّيْرِ لِطَاعَتِهِ ... وَمَا فِي مَعْنَاهُ .
إذا لم تحزن على فوات مواسم الخيرات ؛ ففتّش عن قلبك ، فالمؤمن يحزن على فوات الطاعات
وقد وَصَف الله تبارك وتعالى حال الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، فقال : (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (٩٢) [سورة التوبة] .

🔸 قال ابن القيم :
اطلب قلبك في ثلاثة مواطن :
عند سماع القرآن .
وفي مجالس الذّكْر .
وفي أوقات الخلوة .
فإن لم تجده في هذه المواطن ، فَسَل الله أن يَمنّ عليك بِقلب ، فإنه لا قلب لك .
الحزن على فِراق رمضان

قال ابن رجب :
كيف لا تجري للمؤمن على فِراقه دموع ، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع ؟
تذكرت أياما مضت ولياليا ... خَلَت فَجَرتْ مِن ذكرهن دموع


أين حُرق المجتهدين في نهاره ؟
أين قَلق المجتهدين في أسحاره؟

إذا كان هذا جزع مَن ربح فيه ، فكيف حال مَن خَسر في أيامه ولياليه ؟

ماذا ينفع المُفرّط فيه بكاؤه وقد عَظُمت فيه مصيبته وَجَلّ عزاؤه؟

كم نُصح المسكين فما قَبِل النصح، كم دُعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصّلْح ، كم شاهد الواصِلين فيه وهو متباعد ، كم مَرّت به زُمَر السائرين وهو قاعد حتى إذا ضاق به الوقت وخاف المَقْت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم ، وطلب الإستدراك في وقت العدم .

يا شهر رمضان ترفّق ، دموع المحِبّين تدفّق ، قلوبهم مِن ألم الفراق تشقّق ، عسى وقفة للوداع تطفىء مِن نار الشوق ما أُحرِق ، عسى ساعة توبة وإقلاع تَرفُو مِن الصيام كلما تخرّق ، عسى مُنقطِع عن رَكب المقبولين يَلحَق ، عسى أسير الأوزار يُطلَق ، عسى مَن استوجَب النار يُعتَق .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (29)

قال ابن كثير :
الْقَوْلُ فِيمَا أُوتِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ عليه السلام مَخْلُوقٌ بِالْكَلِمَةِ مِنْ أُنْثَى بِلا ذَكَرٍ ، كَمَا خُلِقَتْ حَوَّاءُ مِنْ ذَكَرٍ بِلا أُنْثَى ، وَكَمَا خُلِقَ آدَمُ لا مِنْ ذَكَرٍ وَلا مِنْ أُنْثَى ، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ تُرَابٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ وَبِنَفْخِ جِبْرِيلَ فِي فَرْجِ مَرْيَمَ ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا عِيسَى .

وَمِنْ خَصَائِصِهِ وَأُمِّهِ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ حِينَ وُلِدَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ ، كَمَا جَاءَ فِي " الصَّحِيحِ ". وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ ، وَهُوَ حَيٌّ الآنَ بِجَسَدِهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا . وَسَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ ، فَيَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلا ، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا ، وَيَحْكُمُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ ، ثُمَّ يَمُوتُ وَيُدْفَنُ .

وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلاّمَةُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ رحمه الله تَعَالَى : وَأَمَّا مُعْجِزَاتُ عِيسَى عليه السلام ؛ فَمِنْهَا : إِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَلِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلِكَ كَثِير ، وَإِحْيَاءُ الْجَمَادِ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ كَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الذِّرَاعَ الْمَسْمُومَةَ ، وَهَذَا الإِحْيَاءُ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الإِنْسَانِ الْمَيِّتِ مِنْ وُجُوهٍ :

أَحَدُهَا : أَنَّهُ إِحْيَاءُ جُزْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ دُونَ بُقِّيةِ بَدَنِهِ ، وَهَذَا مُعْجِزٌ لَوْ كَانَ مُتَّصِلا بِالْبَدَنِ .

الثَّانِي: أَنَّهُ أَحْيَاهُ وَحْدَهُ مُنْفَصِلا عَنْ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ مَعَ مَوْتِ الْبَقِيَّةِ .

الثَّالِثُ : أَنَّهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْحَيَاةَ مَعَ الإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَيَوَانُ يَعْقِلُ فِي حَيَاتِهِ ، فَصَارَ جُزْؤُهُ حَيًّا يَعْقِلُ .

الرَّابِعُ : أَنَّهُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى النُّطْقِ وَالْكَلامِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَيَوَانُ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ مِمَّا يَتَكَلَّمُ ، وَفِي هَذَا مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَيَاةِ الطُّيُورِ الَّتِي أَحْيَاهَا اللَّهُ لإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم .

قُلْتُ : وَفِي حُلُولِ الْحَيَاةِ وَالإِدْرَاكِ وَالْعَقْلِ فِي الْحَجَرِ الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ ، كَمَا رُوِيَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنَ الْمُعْجِزِ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ إِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لأَنَّهُ كَانَ مَحَلاّ لِلْحَيَاةِ فِي وَقْتٍ ، بِخِلافِ هَذَا حَيْثُ لا حَيَاةَ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ تَسْلِيمُ الأَحْجَارِ وَالْمَدَرُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الأَشْجَارُ وَالأَغْصَانُ وَشَهَادَتُهَا بِالرِّسَالَةِ ، وَحَنِينُ الْجِذْعِ إِلَيْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ .

قال ابن كثير :

قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي سَبْرَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ : أَقْبَلُ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَنِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ نَفَقَ [أي : مات] حِمَارُهُ ، فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي جِئْتُ مِنَ الدَّثِينَةِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى وَتَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، لا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ عَلَيَّ الْيَوْمَ مِنَّةً ، أَطْلُبُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ أَنْ تَبْعَثَ حِمَارِي . فَقَامَ الْحِمَارُ يَنْفُضُ أُذُنَيْهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ كَرَامَةً لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ .
قال ابن كثير :

قُلْتُ : كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَذَكَرَهُ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَأَنَا رَأَيْتُ الْحِمَارَ بِيعَ أَوْ يُبَاعُ فِي الْكُنَاسَةِ . يَعْنِي بِالْكُوفَةِ ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ قَوْمِهِ فِي ذَلِكَ :

وَمِنَّا الَّذِي أَحْيَا الإِلَهُ حِمَارَهُ ... وَقَدْ مَاتَ مِنْهُ كُلُّ عُضْوٍ وَمَفْصِلِ
وَأَمَّا قِصَّةُ زَيْدِ بْنِ خَارِجَةَ وَكَلامُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَشَهَادَتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ بِالصِّدْقِ ؛ فَمَشْهُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ .

قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ الْكَبِيرِ ": زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ الْخَزْرَجِيُّ الأَنْصَارِيُّ شَهِدَ بَدْرًا ، وَتُوُفِّيَ زَمَنَ عُثْمَانَ ، وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بَعْدَ الْمَوْتِ .

وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلائِلِهِ " وَصَحَّحَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَارِجَةَ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ تُوُفِّيَ زَمَنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَسُجِّيَ فِي ثَوْبِهِ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَمِعُوا جَلْجَلَةً فِي صَدْرِهِ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : أَحْمَدُ أَحْمَدُ فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ ، صَدَقَ صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ الضَّعِيفُ فِي نَفْسِهِ ، الْقَوِيُّ فِي أَمْرِ اللَّهِ ، فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ ، صَدَقَ صَدَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ، فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ ، صَدَقَ صَدَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مَضَتْ أَرْبَعٌ وَبَقِيَتْ ثِنْتَانِ ، أَتَتِ الْفِتَنُ وَأَكَلَ الشَّدِيدُ الضَّعِيفُ ، وَقَامَتِ السَّاعَةُ ، وَسَيَأْتِيكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ خَبَرُ بِئْرِ أَرِيسَ ، وَمَا بِئْرُ أَرِيسَ .

قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : ثُمَّ هَلَكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي خَطْمَةَ فَسُجِّيَ بِثَوْبِهِ ، فَسُمِعَ جَلْجَلَةٌ فِي صَدْرِهِ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ صَدَقَ صَدَقَ .

وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا وَأَطْوَلَ ، وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ فِي التَّكَلُّمِ بَعْدَ الْمَوْتِ عَنْ جَمَاعَةٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . اهـ .
ولا يُستَغْرَب أن يَتكلّم أحد بعد الموت ؛ لأن إحياء الميّت أعظَم مِن كلامه ، والله عزّ وَجَلّ قد أحيا قَتِيل بني إسرائيل ثم تكلّم ثم مات .

ففي قصة البقرة والأمْر بِذَبحِها : (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [(2)البقرة: 72 ، 73] .

قال عِكْرِمَة : (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) قَالَ: بِفَخِذِهَا ، فَلَمَّا ضُرِبَ بِهَا عَاشَ ، وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ ؛ ثُمَّ عَادَ إِلَى حَالِهِ . رواه ابن جرير في تفسيره : جامع البيان عن تأويل آي القرآن .

ولا يُستَغْرَب أن يُحيي الله الحمار للرّجُل ؛ فقد أحيا الله عُزَيْرًا وحماره بعد موت مائة سَنَة .

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة:259] .

وفي خَبَر بَنِي إسرائيل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) [البقرة:243] .

قال ابن العربي : أمَاتَهم الله تَعالى مُدّةً عُقُوبَة لَهُم ، ثم أحْيَاهُم . ومِيتَةُ العُقُوبَة بَعْدَها حَيَاة ، ومِيتَة الأجَل لا حَيَاة بَعْدَها . اهـ .

قال ابن كثير : قَالَ شَيْخُنَا : وَمِنْ مُعْجِزَاتِ عِيسَى الإِبْرَاءُ مِنَ الْجُنُونِ ، وَقَدْ أَبْرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يَعْنِي مِنْ ذَلِكَ . هَذَا آخَرُ مَا وَجَدْتُهُ مِمَّا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ . فَأَمَّا إِبْرَاءُ عِيسَى مِنَ الْجُنُونِ ، فَمَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلا خَاصًّا ، وَإِنَّمَا كَانَ يُبَرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ ، وَالظَّاهِرُ : وَمِنْ جَمِيعِ الْعَاهَاتِ وَالأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ .

وقد تقدَّم في النوع الثالث مِن مُعجِزاته صلى الله عليه وسلم : تصرفه في الحيوان : الإنس ، والجن ، والبهائم .

وذَكَرتُ أمثلة لإبرائه صلى الله عليه وسلم مِن الجنون .

🔸 ووقَع ذلك لبعض أصحابه رضي الله عنهم .

رَوَى خَارِجَة بن الصَّلْت التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِهِ ، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ ، فَقَالَ أَهْلُهُ : إِنَّا حُدِّثْنَا أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ جَاءَ بِخَيْرٍ ، فَهَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ تُدَاوِيهِ ؟ فَرَقَيْتُهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَبَرَأَ . رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الكبرى ، وصححه الألباني ، وحسّنه الأرنؤوط .

وفي رواية : قَالَ : فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، كُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ثُمَّ تَفَلَ ، فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ .

" وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلأَنْبِيَاءِ ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ بِهِ " .
قال ابن كثير : وَأَمَّا إِبْرَاءُ عِيسَى الأَكْمَهَ ، وَهُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي لا يُبْصِرُ فِي النَّهَارِ وَيُبْصِرُ فِي اللَّيْلِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي " التَّفْسِيرِ " وَالأَبْرَصُ الَّذِي بِهِ بَهَقٌ ، فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ عَيْنَ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ إِلَى مَوْضِعِهَا بَعْدَ مَا سَالَتْ عَلَى خَدِّهِ ، فَأَخَذَهَا فِي " يَدِهِ الْكَرِيمَةِ " وَأَعَادَهَا إِلَى مَقَرِّهَا ، فَاسْتَمَرَّتْ بِجِمَالِهَا وَبَصَرِهَا ، وَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

وَقَدْ دَخَلَ بَعْضُ وَلَدِهِ ، وَهُوَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ :

أَنَا ابْنُ الَّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدِّ عَيْنُهُ ... فَرُدَّتْ بِكَفِّ الْمُصْطَفَى أَحْسَنَ الرَّدِّ

فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ لأَوَّلِ أَمْرِهَا ... فَيَا حُسْنَ مَا عَيْنٍ وَيَا حُسْنَ مَا خَدِّ

فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ:

تِلْكَ الْمَكَارِمُ لا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالا

ثُمَّ أَجَازَهُ فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ . اهـ .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَسَالَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لا ، وَدَعَاهُ ، وَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ ، فَكَانَ لا يَدْرِي أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ ، فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدَّهُمَا .

وَفِي رِوَايَةٍ : فَرَفَعَ حَدَقَتَهُ حَتَّى وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا، ثُمَّ غَمَزَهَا بِرَاحَتِهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْسِبْهُ جَمَالا . فَمَاتَ وَمَا يَدْرِي مَنْ لَقِيَهُ أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ . رَوَاهُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَغَازِي . اهـ .

قال ابن كثير : وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَثَ فِي عَيْنَيْ عَلِيٍّ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهُوَ أَرْمَدُ فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ ، ثُمَّ لَمْ تَرَمَدْ بَعْدَهَا أَبَدًا ، وَمَسَحَ رِجْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ ، وَقَدِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ لَيْلَةَ قَتَلَ أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْخَيْبَرِيَّ ، فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ أَيْضًا .

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ يَدَ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ ، وَكَانَتْ قَدِ احْتَرَقَتْ بِالنَّارِ فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَمَسَحَ رِجْلَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ، وَقَدْ أُصِيبَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَبَرَأَتْ مِنْ سَاعَتِهَا ، وَدَعَا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يُشْفَى مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَشُفِيَ .

وَكَمْ لَهُ مِنْ مِثْلِهَا وَعَلَى مَسْلَكِهَا ؛ مِنْ إِبْرَاءِ آلامٍ ، وَإِزَالَةِ أَسْقَامٍ ، مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَبَسْطُهُ .
وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)[الْمَائِدَةِ]

فقَدْ كَانَتْ مَوَائِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ ، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَكَمْ قَدْ أَشْبَعَ مِنْ طَعَامٍ يَسِيرٍ أُلُوفًا وَمِئَاتٍ وَعَشَرَاتٍ بَعْدَ عَشَرَاتٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ مَا تَعَاقَبَتِ الأَوْقَاتُ ، وَمَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) الآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: 49] . فَهَذَا سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ ...

وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ طِبْقَ مَا وَقَعَ ، وَعَنِ الأَخْبَارِ الْحَاضِرَةِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ أَكْلِ الأَرَضَةِ لِتِلْكَ الصَّحِيفَةِ الظَّالِمَةِ الَّتِي كَانَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ قَدْ تَمَالَأَتْ عَلَى مُقَاطَعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الأَرَضَةَ ، فَأَكَلَتْهَا إِلاّ مَوَاضِعِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ وَهُمْ بِالشِّعْبِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو طَالِبٍ ، وَقَالَ لَهُمْ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ ، فَقَالُوا : إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلاّ فَسَلِّمُوهُ إِلَيْنَا . فَقَالُوا : نَعَمْ . فَأَنْزَلُوا الصَّحِيفَةَ ، فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، فَأَقْلَعَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ عَمَّا كَانُوا تَمَالَئُوا عَلَيْهِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَهَدَى اللَّهُ بِذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا ، وَكَمْ لَهُ مِثْلُهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ وَبَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .

وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ لَمَّا طَلَبَ مِنَ الْعَبَّاسِ عَمَّهُ فِدَاءً ، ادَّعَى أَنَّهُ لا مَالَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَحْتَ أُسْكُفَّةِ الْبَابِ ، وَقُلْتَ لَهَا : إِنْ قُتِلْتُ فَهُوَ لِلصِّبْيَةِ ؟! فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرِي وَغَيْرُ أُمِّ الْفَضْلِ إِلاّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .

وَأَخْبَرَ بِمَوْتِ النَّجَاشِيِّ يَوْمَ مَاتَ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ .

وَأَخْبَرَ عَنْ قَتْلِ الأُمَرَاءِ يَوْمَ " مُؤْتَةَ " وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ .

وَأَخْبَرَ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ مَعَ سَارةَ مَوْلاةِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهَا عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ ، فَوَجَدُوهَا قَدْ جَعَلَتْهُ فِي عِقَاصِهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِي حُجْزَتِهَا .

وَقَالَ لأَمِيرَيْ كِسْرَى اللَّذَيْنِ بَعَثَ بِهِمَا نَائِبُ الْيَمَنِ لِكِسْرَى لِيَسْتَعْلِمَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ اللَّيْلَةَ رَبَّكُمَا ". فَأَرَّخَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَإِذَا كِسْرَى قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَدَهُ فَقَتَلَهُ ، فَأَسْلَمَا وَأَسْلَمَ بَاذَامُ نَائِبُ الْيَمَنِ ، وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .
وَأَمَّا إِخْبَارُهُ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْغُيُوبِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا ، كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ ؛ فَيَقَعُ ذَلِكَ طِبْقَ مَا قَالَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ .

وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي مُقَابَلَةِ سِيَاحَةِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : كَثْرَةَ جِهَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .

وَفِي مُقَابَلَةِ زُهْدِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : زَهَادَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُنُوزِ الأَرْضِ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ فَأَبَاهَا ، وَقَالَ : " أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا ". وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ زَوْجَةً يَمْضِي عَلَيْهِنَّ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ لا تُوقَدُ عِنْدَهُنَّ نَارٌ وَلا مِصْبَاح ، إِنَّمَا هُوَ الأَسْوَدَانِ : التَّمْرُ وَالْمَاءُ ، وَرُبَّمَا رَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ ، وَمَا شَبِعُوا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا ، وَكَانَ فِرَاشُهُ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ ، وَرُبَّمَا اعْتَقَلَ الشَّاةَ لِيَحْلِبَهَا ، وَرَقَّعَ ثَوْبَهُ ، وَخَصَفَ نَعْلَهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ ، وَمَاتَ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى طَعَامٍ اشْتَرَاهُ لأَهْلِهِ .

هَذَا ، وَكَمْ آثَرَ بِآلافٍ مُؤَلَّفَةٍ وَالإِبِلِ وَالشَّاءِ وَالْغَنَائِمِ وَالْهَدَايَا عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ وَالأَرَامِلِ وَالأَيْتَامِ وَالأَسْرَى وَالْمَسَاكِينِ . اهـ .

ومِن آيات عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام : أنه يُخبِر الناس بِما في بيوتهم (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)

وهذه آية قد أعطاها الله عَزّ وَجَلّ لِنَبِيّنا محمد صلى الله عليه وسلم .

🔸 فقد أخْبَر النبي صلى الله عليه وسلم أحَدَ أصحابه بِما في بَيْتِه ، مما لا عِلْم لِصاحِب البيت به .

قال قتادة بن النُّعمَان : كانت ليلة شديدة الظُّلْمَة والْمَطَر ، فقُلْتُ : لو أني اغْتَنَمْتُ هذه الليلة شُهُود العَتَمَة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فَفَعَلْت ، فلمّا انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أبْصَرَني ومعه عُرْجُون يَمْشِي عليه ، فقال : مَا لَك يا قتادة ، ههنا هذه الساعة ؟ قلت : اغْتَنَمْتُ شُهود الصلاة معك يا رسول الله ، فأعْطَاني العُرْجُون ، فقال : إن الشيطان قد خَلَفَك في أهلك ، فاذْهَب بهذا العُرْجُون ، فأمْسِك به حتى تأتي بَيْتَك ، فَخُذه مِن وَراء البَيت فَاضْرِبه بِالعُرْجُون ، فَخَرَجْتُ مِن المسجد ، فَأضَاء العُرْجُون مِثل الشّمْعَة نُورًا ، فاسْتَضَأت بِه ، فأتَيتُ أهلِي فَوَجَدْتهم رُقُودا ، فَنَظَرتُ في الزّاوية فإذا فيها قُنْفُذ ، فلم أزَل أضْرِبه بِالعُرْجُون حتى خَرَج . رواه الطبراني ، وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ، ورِجَاله مُوَثّقون . والحديث مُخَرّج في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " للألباني .

ورواه الإمام أحمد وابن خُزيمة مِن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . وفيها : قال: " فإذا صَلَيتَ فَاثْبُت حتى أمُرّ بِك ". فلمّا انْصَرَف أعْطَاه العُرْجُون ، وقال : " خُذ هذا فَسَيُضِيء لك أمَامَك عَشْرا ، وخَلْفَك عَشْرا ، فإذا دَخَلتَ البَيت وتَرَاءيْتَ سَوَادًا في زَاوية البَيت فاضْرِبْه قَبل أن يَتَكَلّم ، فإنه شيطان .

قال ابن الأثير : العُرْجُون : هو العُود الأصفر الذي فيه شَمَارِيخ العِذْق . اهـ .

وقال السندي : وَسَيُضِيء : مِن الإضاءة . عَشْرا : الظاهر أن المراد عَشْرَة أذْرُع . اهـ .
ومِن كَرَامَات أتباعه صلى الله عليه وسلم : أنهم ربما أخْبَروا بما غَابَ عنهم

وممما يَلْتَحِق بهذا :

أن عُمر رضي الله عنه خَاطَب قائد جَيشه ، لِيَنْحَاز بِالْجَيْش ، وعُمَر كان في المدينة النّبويّة ، وقائد جَيشه في بلاد فارِس !

رَوَى البيهقي في " الاعتقاد " واللالكائي في " كرامات الأولياء " مِن طريق نافع عن ابن عُمر أن عُمر بن الخطاب بَعَث جَيْشًا وأمَّر عليهم رجلا يُدعى سَارِيَة ، قال : فَبَيْنَا عُمر يَخطُب قال : فَجَعَل يَصِيح وهو على المنبر : يا سَارِيَة الْجَبَل ، يا سَارِيَة الْجَبَل . قال : فَقَدِم رسول الجيش فَسَأله فقال : يا أمير المؤمنين لَقِينا عَدُوّنا فَهَزَمُونا ، وإن الصائح ليَصِيح : يا سَارية الْجَبَل ، يا سَارية الْجَبَل ، فَشَدَدْنا ظُهورنا بِالْجَبَل ، فَهَزَمَهم الله . فقيل لِعُمَر : إنك كنتَ تَصِيح بذلك .

وذَكَر ابن كثير بعض طُرُق هذه القصة ، ثم قال : وهذا إسناد جَيّد حَسَن .

وتقدم أن الرّوم أَسَرت ابْنًا لأبي قِرْصَافة ، فكان أبو قِرْصَافة إذا كان وقت كل صلاة صَعِد سُور عَسقَلان ، ونادى : يا فُلان الصلاة ، فَيسمِعَه وهو في بَلَد الرّوم . رواه الطبراني .

وقد أوْرَد ابن كثير قولَ الإمام الشافعي : ما أعطى الله نَبِيًّا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم . فقيل له : أعطى عيسى إحياءَ الموتى . فقال : أعطى محمدًا صلى الله عليه وسلم الجذعَ الذي كان يخطب إلى جَنبه ، حين هُيئ له المنبرُ : حَنّ الجذعُ حتى سُمع صوتُه ، فهذا أكبرُ من ذاك .

ثم قال ابن كثير : والمراد مِن إيراد ما نَذكره في هذا الباب : التّنْبِيهُ على شَرفِ ما أعطَى الله أنبياءه عليهم السلام مِن الآياتِ البيّنات ، والخوارقِ القاطعاتِ ، والحججِ الوَاضِحاتِ ، وأن الله تعالى جَمَع لِعَبده ورسولِه سَيّدِ الأنبياء وخاتَمِهِم مِن جميع أنواع المحاسِن والآيات ، مع ما اختَصّه الله به مما لم يُؤتِ أحدًا قَبله ....

وإنما قال [يعني : الإمام الشافعي] : فهذا أكْبَر مِن ذلك ؛ لأن الجذعَ ليس مَحَلّا للحَياة ، ومع هذا حصل له شعورٌ وَوَجْدٌ ، لَمّا تَحوّل عنه إلى المنبرِ فَأنَّ وحَنّ حَنينَ العِشَار حتى نَزل إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاحتَضَنَه وسَكَّنه حتى سَكَن .

قال الحسن البصري : فهذا الجذعُ حنّ إليه ، فإنهم أحقُّ أن يَحِنّوا إليه .

وأما عودُ الحياة إلى جسدٍ كانت فيه بإذنِ الله فعظيم ، وهذا أعجبُ وأعظم مِن إيجاد حياة وشعور في مَحَلٍّ ليس مألُوفًا لذلك لم تكن فيه قَبْل بِالكُلِّيَّة . فسبحان الله ربّ العالمين .
قال الإمام الشافعي : لم تُمْسِ بِنَا نِعمة ظَهَرَت ولا بَطَنَت ، نِلْنَا بها حَظّا في دِين أو دُنيا ، أو رُفع عنا بها مكروه فيهما أوْ في واحدٍ منهما ؛ إلاّ ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها .
ومَن أراد الاستزادة ، فيُراجِع الكُتب التالية :
الشفا بتعريفِ حقوق المصطفى ، للقاضي عياض
دلائلِ النبوة للفريابي .
دلائلِ النبوة لأبي نُعيم الأصبهاني .
دلائلِ النبوة للبيهقي .
دلائلِ النبوة لإسماعيل الأصبهاني .
الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ، لشيخ الإسلام ابن تيمية (4/161 – 227)
والبداية والنهاية ، لابن كثير (9/305 – 409) .
وأشكر لأخي د. محمد ، حيث أهداني قبل أكثر من 10 سَنَوات كِتَابا قيِّما ، وهو كتاب " الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح " ، ووجدت به هذا العِلْم الغَزِير حَول مُعجِزات نَبِيّنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، وهذا التقسيم لِمُعجِزاته صلى الله عليه وسلم ، مع أن الكتاب ليس مِن مَظَانّ هذه المسألة .
خمسٌ مِن سُنن العيد

🔘 مِن سُنن العيد - 1

التكبير مِن ليلة العيد إلى صلاة العيد

قال تعالى : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) 

قال ابن قدامة : يُستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطُرُقهم ، مسافرين كانوا أو مقيمين ، لظاهر الآية المذكورة .
قال بعض أهل العلم في تفسيرها : لتكملوا عدة رمضان ، ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم .
ومعنى إظهار التكبير : رفع الصوت به .
واستُحِبّ ذلك لما فيه من إظهار شعائر الإسلام ، وتذكير الغير ...
واختُصّ الفِطر بمزيد تأكيد ؛ لِوُرود النص فيه ، وليس التكبير واجبا ...
وقال أبو الخطاب : يُكبِّر من غروب الشمس من ليلة الفطر إلى خروج الإمام إل.ى الصلاة ، في إحدى الروايتين . وهو قول الشافعي . 

وقال ابن كثير في تفسير الآية السابقة : أخَذَ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر مِن هذه الآية : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم) ...
وقوله : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي : إذا قُمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه ، وترك محارمه ، وحفظ حدوده ، فلعلكم أن تكونوا مِن الشاكرين بذلك . اهـ .

قال ابن حجر : وأما صيغة التكبير فأصحّ ما وَرد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال : كبّروا الله : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر كبيرا . اهـ .


🔘 مِن سُنن العيد - 2

أن يأكل تمرات وِتْرًا قبل خروجه لصلاة عيد الفطر

قال أنس رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تَمرات ، وفي رواية : ويأكلهن وترا .
وفي رواية الإمام أحمد : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الفِطر ، لم يَخرج حتى يأكل تمرات ، يأكلهن إفْرَادا .

قال ابن رجب : وخرّجه ابن شاهين في " كتاب العيدين " ، وزاد: ثلاثا ، وكان أنس يأكل ثلاث تمرات أو خمسا ، وإن شاء زاد ، إلاّ أنه يجعلهن وترا ...
وقد استَحب أكثر العلماء الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى ، ومنهم علي وابن عباس .
وروي عنهما أنهما قالا : هو السُّنّة ...
وذَكر بعضهم معنى آخر ، وهو أن يوم الفطر قبل الصلاة تُشرّع الصدقة على المساكين بما يأكلونه خصوصا التمر ، فشُرِع له أن يأكل معهم ويشاركهم ، وفي النحر لا تكون الصدقة على المساكين إلاّ بعد الرجوع من الصلاة ، فيُؤخّر الأكل إلى حال الصدقة عليهم ، ليشاركهم أيضا . اهـ .


🔘 مِن سُنن العيد - 3

يُستَحب أن يذهب مِن طريق ويرجع مِن طريق آخر

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالَف الطريق . رواه البخاري .

وفي حديث ابنُ عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيدين من طريق ، ويرجع من طريق أخرى . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .


🔘 مِن سُنن العيد - 4

يُستَحب المَشي إلى المُصلّى

ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى العيد ماشيا ، ويرجع ماشيا .

وقال عليّ رضي الله عنه : مِن السُّنة أن تَخرج إلى العيد ماشيا ، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن . والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم ؛ يَستَحِبّون أن يَخرج الرَّجل إلى العيد ماشيا ، وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج لصلاة الفطر .
قال : ويُستَحب أن لا يَركب إلاّ مِن عُذر .


🔘 مِن سُنن العيد - 5

يُستحبّ التجمّل ولبس الجديد يوم العيد مِن غير إسراف ولا خيلاء

قال الإمام البخاري : باب قول الله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : كُلوا واشربوا والْبَسوا وتصدّقوا في غير إسراف ولا مخيلة . وقال ابن عباس : كُلْ ما شئت والْبَس ما شِئت ما أخطأتك اثنتان : سَرَف أو مَخِيلَة .

قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) :
دَلَّت الآية على لباس الرفيع من الثياب والتجمّل بها في الجمع والأعياد وعند لقاء الناس ومزاورة الأخوان . قال أبو العالية : كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا .
وقال :
وقد اشترى تميم الداري حُلّة بألف درهم كان يُصَلِّي فيها ، وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد ، وكان ثوب أحمد بن حنبل يُشترى بنحو الدينار . اهـ .

وقال الحافظ ابن كثير : ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يُستحب التجَمّل عند الصلاة ولاسيما يوم الجمعة ويوم العيد ، والطيب لأنه من الزينة ، والسواك لأنه مِن تمام ذلك ، ومن أفضل اللباس البياض . اهـ .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته

مِن آيات عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام : أنه يُخبِر الناس بِما في بيوتهم (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)

🔸 وهذه آية قد أعطاها الله عَزّ وَجَلّ لِنَبِيّنا محمد صلى الله عليه وسلم .

فقد أخْبَر النبي صلى الله عليه وسلم أحَدَ أصحابه بِما في بَيْتِه ، مما لا عِلْم لِصاحِب البيت به .

🔸 قال قتادة بن النُّعمَان : كانت ليلة شديدة الظُّلْمَة والْمَطَر ، فقُلْتُ : لو أني اغْتَنَمْتُ هذه الليلة شُهُود العَتَمَة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فَفَعَلْت ، فلمّا انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أبْصَرَني ومعه عُرْجُون يَمْشِي عليه ، فقال : مَا لَك يا قتادة ، ههنا هذه الساعة ؟ قلت : اغْتَنَمْتُ شُهود الصلاة معك يا رسول الله ، فأعْطَاني العُرْجُون ، فقال : إن الشيطان قد خَلَفَك في أهلك ، فاذْهَب بهذا العُرْجُون ، فأمْسِك به حتى تأتي بَيْتَك ، فَخُذه مِن وَراء البَيت فَاضْرِبه بِالعُرْجُون ، فَخَرَجْتُ مِن المسجد ، فَأضَاء العُرْجُون مِثل الشّمْعَة نُورًا ، فاسْتَضَأت بِه ، فأتَيتُ أهلِي فَوَجَدْتهم رُقُودا ، فَنَظَرتُ في الزّاوية فإذا فيها قُنْفُذ ، فلم أزَل أضْرِبه بِالعُرْجُون حتى خَرَج . رواه الطبراني ، وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ، ورِجَاله مُوَثّقون . والحديث مُخَرّج في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " للألباني .

ورواه الإمام أحمد وابن خُزيمة مِن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . وفيها : قال: " فإذا صَلَيتَ فَاثْبُت حتى أمُرّ بِك ". فلمّا انْصَرَف أعْطَاه العُرْجُون ، وقال : " خُذ هذا فَسَيُضِيء لك أمَامَك عَشْرا ، وخَلْفَك عَشْرا ، فإذا دَخَلتَ البَيت وتَرَاءيْتَ سَوَادًا في زَاوية البَيت فاضْرِبْه قَبل أن يَتَكَلّم ، فإنه شيطان .

قال ابن الأثير : العُرْجُون : هو العُود الأصفر الذي فيه شَمَارِيخ العِذْق . اهـ .

وقال السندي : وَسَيُضِيء : مِن الإضاءة . عَشْرا : الظاهر أن المراد عَشْرَة أذْرُع . اهـ .

العُرْجُون : هو العود الأصفر الذي فيه شماريخ العذق . كما قال ابن الأثير .
أَكْمَلُ الطَّاعَاتِ ..

قال الرازي : الدَّعْوَة إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ أَكْمَلُ الطَّاعَاتِ وَرَأْسُ الْعِبَادَاتِ .
كُن على وَجَل مِن قبول العمل

🔸 خَطَب عَدِيّ بن أَرْطَاة بَعْدَ انْقِضَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقال : كَأَنَّ كَبِدًا لَمْ تَظْمَأْ ، وَكَأَنَّ عَيْنًا لَمْ تَسْهَرْ ، فَقَدْ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَأُبْقِيَ الأَجْرُ ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنِ الْمَقْبُولُ مِنَّا فَنُهَنِّئَهُ ، وَمَنِ الْمَرْدُودُ مِنَّا فَنُعَزِّيَهُ ؟
فَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَقْبُولُ فَهَنِيئًا هَنِيئًا ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَرْدُودُ فَجَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَكَ .

🔘 قال ابنُ رجبٍ رحمه الله : رُوي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلةٍ مِن شهر رمضان : يا ليت شعري ! مَن هذا المقبولُ فَنُهَنّيه ، ومَن هذا المحرومُ فَنُعَزّيه .

🔘 وعن ابنِ مسعودٍ أنه كان يقول : مَن هذا المقبول مِنّا فَنُهَنّيه ، ومَن هذا المحروم مِنّا فَنُعَزّيه .
أيها المقبول هنيئا لك .
أيها المردود جَبَر اللهُ مُصيبتَك .
كُن على وَجَل مِن قبول العمل (2)

مسألة قبول العمل مِمَّا عُنِيَ بهِ الأنبياءُ ، واهتموا به .

فنَبيَّ اللهِ إبراهيمَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا بنى الكعبةَ قَالَ : (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .

ونبيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَمّا ضحّى قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وامرأةُ عِمرانَ لَمَّا نَذَرَتْ قَالَتْ : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
كُن على وَجَل مِن قبول العمل(3)

لَمَّا نَزَلَ قولُهُ تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) قَالَتْ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا : سألتُ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : أهُمْ الذين يَزنونَ ويَسرقونَ ويشربونَ الخمرَ ؟
قَالَ : لا يا ابنةَ الصِّدِّيقِ ، ولكنَّهُم الذين يُصَلُّونَ ويَصُومُونَ ويَتَصَدَّقُونَ ، وهم يَخَافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُم ، أولئكَ الذينَ يُسَارِعُونَ في الخيراتِ .
وفي رواية : ولكنه الرّجل يَصوم ويُصلي ويتصدّق وهو مع ذلك يخاف الله عز وجل .
رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . وصحَّحُهُ الألبانيُّ .
كُن على وَجَل مِن قبول العمل(4)

كَانَ فَضَالةُ بنُ عُبيدٍ رضي اللّه عنه يقولُ : لأنْ أكُونَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنِّي مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدّنيا ومَا فيها ؛ لأنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يَقولُ : (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) . رواه أبو نعيم في حلية الأولياء .

وجَاءَ سَائِلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، فَقَالَ لابْنِهِ أَعْطِهِ دِينَارًا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكَ يَا أَبَتَاهُ .
فَقَالَ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي سَجْدَةً وَاحِدَةً أَوْ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ . أَتَدْرِي مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللَّهُ ؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين .