اقتناص الفوائد
1.3K subscribers
60 photos
344 videos
83 files
700 links
فوائد يومية مقتنصة ..
هذه القناة خاصة بالشيخ عبد الرحمن السحيم رحمه الله
وتُدار من ابنه (سعد)
للتواصل ams_1423@hotmail.com
Download Telegram
مِن آياته ومُعجِزاته (17)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

والنوع السادس :

🔸 تأثيرُه في الأحجارِ ، وتصَرُّفُه فيها ، وتسخيرُها له ؛ ففي صحيح البخاري عن أنسٍ قال : صَعِد النبي صلى الله عليه وسلم أُحُدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فَرَجَفَ بهم الجبلُ ، فقال : اسكُنْ - وضربه بِرِجْلِه - فليس عليك إلا نبيٌّ ، وصديقٌ ، وشهيدان .

🔸 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرفُ حجرًا بمكةَ كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أُبْعَثَ ، إني لأعرفه الآن . رواه مسلم .

🔸 ورَوَى ابن عَبَّاس رضي الله عنهما : أَنَّ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ ، فَتَعَاهَدُوا بِاللاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأُخْرَى : لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ ، قَالَ : فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَبْكِي حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا ، فَقَالَتْ : هَؤُلاءِ الْمَلأ مِن قَوْمِكَ فِي الْحِجْرِ ، قَدْ تَعَاهَدُوا : أَنْ لَوْ قَدْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ .

قَالَ : " يَا بُنَيَّةُ أَدْنِي وَضُوءًا " ، فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ ، قَالُوا : هُوَ هَذَا ، هُوَ هَذَا . فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُم ، وَعُقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ ، فَحَصَبَهُمْ بِهَا ، وَقَالَ : " شَاهَتِ الْوُجُوهُ " قَالَ : فَمَا أَصَابَتْ رَجُلاً مِنْهُمْ حَصَاةٌ إِلاَّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا . رواه الإمام أحمد بإسناد حَسَن .

🔘 وفي هذا الموقف تَجَلّت شَجاعته صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يَختَبئ عنهم ، ولم يَهرب منهم ، بل استعان بِالله وتَوضأ ، وخَرَج إليهم وَحيدا ، وهُم جَماعة !

وفيه : أن مِقدار قَبضة مِن تُراب أصابَت عددا كبيرا منهم .

وفيه : كِفاية الله عزّ وَجَلّ لِنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم ، حيث كَفَاه الله أعداءه .
وسَبّح الحصى في يَدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي أيدي أصحابه

قال أَبو ذَرّ رضي الله عنه : انْطَلَقْتُ أَلْتَمِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ ، قَالَ أَبُو ذَرّ : وَحَصَيَاتٌ مَوْضُوعَة بَيْنَ يَدَيْه ، فَأَخَذَهُنَّ فِي يَدِهِ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَسَكَتْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرَسْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُمَرَ ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرَسْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَسَبَّحْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرَسْنَ . رواه ابن أبي عاصم في " السّنّة " والبَزّار والطبراني في الصغير . وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه محمد بن أبي حميد ، وهو ضعيف ، وله طريق أحسن مِن هذا في علامات النبوة ، وإسناده صحيح . اهـ .

🔘 وفي رواية : فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعَ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ فِي كَفِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .
شَرَف الزمان والمكان يُوجِب تعظيم واحترام الزمان والمكان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المعتمر في رمضان : اجتمع له حُرمة شهر رمضان وحُرمة العُمرة ، وصار ما في ذلك مِن شرف الزمان والمكان يناسب أن يُعدَل بما في الحج في شرف الزمان - وهو أشهر الحج - وشرف المكان .

🔹 وقال شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله :
سيئة الْحَرَم وسيئة رمضان وسيئة عشر ذي الحجة أعظم إثْمًا مِن السيئة فيما سِوى ذلك ؛ فَسَيّئة في مكة أعظم وأكبر وأشد إثْمًا مِن سيئة في جدة والطائف مثلا ، وسيئة في رمضان وسيئة في عشر ذي الحجة أشد وأعظم مِن سيئة في شعبان ونحو ذلك .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (18)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوع السابع :

مِن آياته صلى الله عليه وسلم : تأييدُ اللهِ له بملائكته . قال الله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) .

وفي الصحيحين عن سعدِ بنِ أبي وقاص قال : رأيتُ يومَ أُحُدٍ عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن يساره رَجُلين عليهم ثيابٌ بِيضٌ يُقَاتِلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ القِتال ، ما رَأيتهما قبل ذلك اليومِ ولا بَعده . ويَعني جبرائيل وميكائيل عليهما السلام .

ورَوَى ابن عباس عن عُمر بن الخطاب قال: لَمّا كان يوم بَدْر نَظَر رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُ مِئَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً ، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ : اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ، وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [(8)الأنفال:9] ، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ .
🔸 قال ابْنُ عَبَّاسٍ : بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ . فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ . رواه مسلم .
أوّل ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم

قال عمرو بن عَبَسة السلمي : كنت وأنا في الجاهلية أظنّ أن الناس على ضَلالة ، وأنهم ليسوا على شيء وهُم يَعبدون الأوثان ، فسَمِعتُ بِرَجُل بِمَكّة يُخْبِر أخْبَارا ، فقَعَدت على راحِلتي ، فَقَدِمْتُ عليه ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عليه قَومه ، فتَلَطّفْتُ حتى دَخَلتُ عليه بِمَكّة ، فقلت له : ما أنت ؟
قال : أنا نَبِيّ .
فقلت : وما نَبِيّ ؟
قال : أرْسَلَني الله .
فقلت : وبأيّ شيء أرسَلك ؟
قال : أرسلني بِصِلَة الأرحَام ، وكَسْر الأوثان ، وأن يُوحّد الله لا يُشْرَك به شيء .
قلت له : فمن معك على هذا ؟
قال : " حر وعبد ". قال : ومعه يومئذ أبو بكر، وبلال ممن آمن به.
فقلت : إني مُتّبعك .
قال : " إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ؛ ألا ترى حالي وحال الناس ؟ ولكن ارجع إلى أهلك ، فإذا سمعت بي قد ظهرت ، فأتِنِي . رواه مسلم .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (19)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوع الثامن :

في كفايةِ اللهِ له أعداءَه ، وعِصمتِه له مِن الناس ، وهذا فيه آيةٌ لِنُبُوّته صلى الله عليه وسلم مِن وُجوه :

منها : أن ذلك تصديقٌ لِقوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 94] ، فهذا إخبارُ الله بأنه يَكْفِيه المشركين المستهزئين .

ومنها : أنه كَفَاه أعداءه بأنواعٍ عجيبةٍ خارجةٍ عن العادةِ المعروفة .

ومنها : أنه نَصَره مع كَثْرَة أعدائه ، وقُوتِهم ، وغَلَبتِهم ، وأنه كان وَحدَه جاهِرا بمعاداتهم ، وسَبِّ آبائهم ، وشَتْمِ آلهتهم ، وتسفيهِ أحلامهم ، والطعنِ في دينهم ، وهذا مِن الأمور الخارقةِ للعادة ، والمستهزئون كانوا مِن أعظم ساداتِ قريش ، وعظماءِ العرب . اهـ .

🔘 وقد عَصَمَه الله مِن مَكْر اليهود ، ففي حديث أَنَسٍ ، أَنَّ امْرَأَة يَهُودِيَّة أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَسْمُومَة ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ ، قَالَ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ ، قَالَ : أَوْ قَالَ : عَلَيَّ . رواه البخاري ومسلم .
وحَفظ الله نَبِيّه وحَرَسَه مِن كَيد المشرِكين وبَطشِهم .

قال أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّد وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ فَقِيل : نَعَم ، فقال : وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ ، أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَاب ، قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي ، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلى رَقَبَتِه ، قال : فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْه وَيَتَّقِي بِيَدَيه ، قال : فَقِيل لَه : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً .

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لَوْ دَنَا مِنِّي لاَخْتَطَفَتْه الْمَلاَئِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا . رواه مِن حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ورواه البخاري مُخْتَصرا مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

🔸 وهذا فيه : كفايةِ اللهِ لِنَبِيّه صلى الله عليه وسلم أعداءَه ، وعِصْمته له مِن الناس ، وتأييده له بالملائكة .

🔸 وعَصَمَ الله رَسُوله مِن مُؤامَرات المشركين . وتقدّم عَزْم المشرِكين على قَتْل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه صلى الله عليه وسلم إليهم ، ورَمْي التراب في وُجوههم .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (20)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوع التاسع :

في إجابةِ دعوتِه ، وإجابةُ الدعاء منه ما تكون إجابتُه مُعتادةٌ لِكثير مِن عبادِ الله كَالإغْنَاء ، والعافية ، ونحو ذلك ، ومنه ما يكون الْمَدعُوّ به مِن خَوَارِق العادات ، كَتَكْثِير الطعام والشراب كثرةً خارجةً عن العادة ، وإطعامُ النّخلِ في العام مَرّتين مع أن العادة في مِثله مَرّة ، وردُّ بَصَرِ الذي عَمِي ، ونحو ذلك .

ومعلومُ أن مَن عوّده الله إجابةَ دعائه لا يكون إلاّ مع صلاحِه ودينِه .

🔘 وقد تقدّم دعاؤه للذي ذهَبَ بَصَرُه فأبْصَر ، ودعاؤه في الاستسقاء فمَا رَدّ يَديه إلاّ والسماءُ قد أمْطَرَت، ودعاؤه في الاستصحاء ، وإشارتُه إلى السحاب فتقطّع مِن ساعته ، ودعوتُه على سُراقة بن جُعشم لَمّا تَبِعَهم في الهجرة فغَاصَت فَرَسُه في الأرض ، ودعاؤه يومَ بدر ، ويومَ حُنين .

🔶 ودَعَا صلى الله عليه وسلم لأنسٍ رضي الله عنه : " اللهم ارزقه مالاً وولدا ، وبارك له فيه " . قال أنسٌ : فإني أكثرُ الأنصار مَالاً ، وحدّثتني ابنتي أُمَيْنَة أنه دُفِن لصُلْبي إلى مَقدَمِ الحَجاجِ البصرةَ بِضع وعشرون ومائة . رواه البخاري .
🔸 وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي خَلْدَة قال : قُلْتُ لأَبِي الْعَالِيَة : سَمِعَ أَنَسٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ ، وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ .

🔅 وفي صحيح البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى عُروةَ بنَ الجعدِ البارقيّ دينارا يَشتري له به شاة ، فاشترى له به شاتَين ، فباعَ إحداهما بِدينار وجاءه بدينارٍ وشاة ، فَدَعا له بالبركة في بَيعِه ، وكان لو اشترى التراب لَرَبِحَ فيه .

وخلاصةُ القول : ما قالَه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية : وكان يَأتِيهم بالآياتِ الدالةِ على نُبُوّتِه صلى الله عليه وسلم. ومُعجزاتُه تزيد على ألفِ معجزة . اهـ .

(الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) بتصرف واختصار وزيادةٍ في بعض المواضع .
شَفَقَة الوالد وحرصه على وَلَده

قالت عزّة بنت عياض بن أبي قِْرصَافة : أَسَر الرّومُ ابْنًا لأبي قِرْصَافة ، فكان أبو قِرْصَافة إذا كان وقت كل صلاة صَعِد سُور عَسقَلان ، ونادى : يا فُلان الصلاة ، فَيسمِعَه وهو في بَلَد الرّوم . رواه الطبراني .

وفي تهذيب الكمال للمِزّي : وكَانَ أَبُو قرصافة يناديه مِن سُور عَسقلان في كل صلاة : يا فلان الصلاة ، فيَسمَعه فيُجيبه ، وبينهما عرض البحر .
و"عَسقلان" في فلسطين طهّرها الله مِن دنس اليهود .

وأبو قِرصَافة هذا صحابي ، رضي الله عنه .
قال ابن عبد البر : جندرة بن خيشنة ، أبو قِرْصَافة ، مشهور بِكُنْيَتة . اهـ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وَكَرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهُ إنَّمَا حَصَلَتْ بِبَرَكَةِ اتِّبَاعِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَدْخُلُ فِي مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم . اهـ .

وقال ابن كثير : وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلأَنْبِيَاءِ ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ بِهِ .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (21)

جَمْع العلماء ما وَقَع لِنبِيّنا صلى الله عليه وسلم أوْ لأحَدٍ مِن أتباعه على مِلّتِه مما يُوافِق آيات الأنبياء الْمَاضِين عليهم الصلاة والسلام . وهذا يدلّ على أن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم ما لَم يُعطِ نَبِيًّا قَبلَه ، وأعطى أمّته ما لم يُعطِ أمّة قبلها ، وهو دالّ على مَنْزِلَة نَبِيّنا صلى الله عليه وسلم ، وعلى كَرَامة هذه الأمّة على الله إذا هي تَمَسّكَت بِدِين الله ، وما أهون الخَلْق على الله إذا هُم تركوا أمره .

🔘 قال ابن كثير : التَّنْبِيهُ عَلَى ذِكْرِ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُمَاثِلَةٍ لِمُعْجِزَاتِ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ، أَوْ أَعْلَى مِنْهَا ، خَارِجًا عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ .

🔸 فَمِنْ ذَلِكَ : الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الآبَادِ ، وَلا يَخْفَى بُرْهَانُهَا ، وَلا يَنْخَفِضُ شَأْنُهَا ، وَقَدْ تَحَدَّى بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ .
وَفي الْحَدِيث الْمُتَّفَق عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .

وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُوتِيَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا يَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِن أُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى ، لا مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالشَّقَاءِ ، " وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ " ، أَيْ : جُلُّهُ وَأَعْظَمُهُ وَأَبْهَرُهُ : الْقُرْآنُ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لا يَبِيدُ وَلا يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَتْ مُعْجِزَاتُ الأَنْبِيَاءِ وَانْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِهِمْ فَلا تُشَاهَدُ ، بَلْ يُخْبَرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الآحَادِ ، بِخِلافِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ ، مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْبَقَاءِ بَعْدَهُ ، مَسْمُوعَةٌ لِكُلٍّ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .

🔹 وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلأَنْبِيَاءِ ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ بِهِ .
قال ابن كثير : قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري ابن الزّمْلَكَاني - ومِن خطّه نَقَلتُ - : وبيان أن كُلّ مُعجِزة لِنَبِيّ فَلِنَبِيّنا صلى الله عليه وسلم مِثلها أو أتَمّ ، يَستدعي كلاما طويلا وتفصيلا لا يَسَعه مجلّدات عديدة ، ولكن نُنَبّه بالبعض على البعض ، فلنذكر جلائل مُعجزات الأنبياء عليهم السلام .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (22)

القول فيما أُوتِي نوح عليه السلام :

🔘 فمِنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين ، ولا شك أن حَمْل الماء للناس مِن غير سفينة أعظم مِن السلوك عليه في السفينة .

🔘 وفي قِصة العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك .

قال سَهم بن مِنْجَاب: غَزونا مع العَلاء بن الحضرمي دَارِين ، فَدَعا بثلاث دعوات فاستُجِيبَت له ، فَنَزَلْنا مَنْزلا فَطَلب الماء فلم يَجده ، فقام فصلى ركعتين وقال : اللهم إنا عَبِيدك ، وفي سبيلك ، نُقَاتِل عدوك ، اللهم اسْقِنا غَيثًا نتوضأ به ونَشْرَب ، ولا يكون لأحدٍ فيه نَصيب غيرنا . فَسِرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه ، فتوضأنا منه وتَزَوّدْنا ، ومَلأتُ إدَاوتي وتَرَكْتُها مَكانها حتى أنظر هل استُجِيب له أم لا ؟

فَسِرْنا قليلا ثم قلت لأصحابي : نَسيتُ إدَاوتي ! فَرَجَعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يُصبه ماء قط .

ثم ِسِرنا حتى أتينا دَارِين والبحر بيننا وبينهم ، فقال : يا عَليم يا حَليم يا عليّ يا عظيم ، إنا عَبيدك ، وفي سبيلك ، نُقَاتِل عدوّك ، اللهم فاجْعل لنا إليهم سبيلا . فَدَخَلنا البحر فلم يبلغ الماء لُبُودَنا ، ومَشَينَا على مَتْن الماء ولم يَبْتَلّ لنا شيء . وذكر بقية القصة .

🔸قال : فهذا أبلغ مِن رُكوب السفينة ؛ فإن حَمْل الماء للسفينة مُعتاد .

🔸وأبلغ مِن فَلْق البحر لموسى ؛ فإن هناك انحسر الماء حتى مَشَوا على الأرض ، فالْمُعْجِز انحسار الماء ، وها هنا صار الماء جَسَدا يَمْشُون عليه كالأرض ، وإنما هذا منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبَرَكَته .
🔹 قصة أخرى شَبِيهة بذلك :

رَوى البيهقي من طريق أبي النّضْر عن سليمان بن المغيرة أن أبا مُسلم الخولاني جاء إلى دِجْلة وهي تَرمي الخشب مِن مَدّها ، فَمَشَى على الماء ، والْتَفَت إلى أصحابه وقال : هل تَفقدون مِن مَتَاعِكم شيئا ؟ فنَدعو الله تعالى . ثم قال : هذا إسناد صحيح .

ثم أوْرد ابن كثير أمثلة أخرى ، ثم قال :

🔸 فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء هي مِن مُعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تَقدّم تقريره ؛ لأنهم إنما نَاُلوا ذلك بِبَرَكة مُتَابَعته ، ويُمْن سِفَارته ، إذْ فيها حُجّة في الدِّين ، وحاجَة أكيدة للمسلمين ، وهي مُشابِهة لِمُعجِزة نوح عليه السلام في مَسِيرِه فوق الماء بالسفينة التي أمَرَه الله تعالى بِعَمَلها ، ومُعجزة موسى عليه السلام في فَلْق البَحر ، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك مِن جهة مَسيرهم على مَتن الماء مِن غير حائل حامِل ، ومِن جِهة أنه ماء جارٍ والسير عليه أعجب مِن السير على الماء القارّ الذي يُجاز ، وإن كان ماء الطوفان أطمّ وأعظم، فهذه خارق ، والخارق لا فَرق بين قليله وكثيره ، فإن مَن سَلَك على وجه الماء الخضَمّ الجارِي العَجَاج ، فلم يَبْتَلّ مِنه نِعال خيولهم ، أو لم يَصِل إلى بطونها ، فلا فَرق في الخارق بين أن يكون قامَة أو ألف قامَة ، أو أن يكون نهرا أو بحرا ، بل كونه نهرا عَجَاجا كالبَرق الخاطِف والسيل الجارِف : أعظم وأغرب .
تنتشر رسالة تُنسَب لابن تيمية رحمه الله ، وتُنسَب لابن رجب أيضا رحمه الله ، وفيها :
إذا وافقت ليلة الجمعة ليلة وِتر فهي أرْجَى مِن غيرها في ان تكون ليلة القدر .
وهذا القول لَم أره في كُتب شيخ الإسلام ابن تيمية .

وقد نَقَل ابن رجب في " لطائف المعارف " عن ابن هبيرة قوله : وإن وقع في ليلة من أوتار العشر ليلة جمعة فهي أرجى من غيرها .
ثم قال : واعلم أن جميع هذه العلامات لا تُوجِب القَطْع بِلَيْلَة القَدْر . اهـ .

وتنتشر رسالة بعنوان : الإعجاز العددي في سورة القَدر، واعتبار ليلة القدر هي ليلة 27 باعتبار عدد كلمات سورة القَدر
قال ابن عطية في تفسير سورة الفاتحة بعد أن ذكر قولا حول عدد حروف البسملة :
وهذه مِن مُلح التفسير ، وليست من مَتين العِلم ، وهي نظير قولهم في ليلة القدر : إنها ليلة سبع وعشرين ، مُراعاة لِلَفظة (هي) في كلمات سورة (إِنَّا أَنْزَلْناهُ)

وسبق :
كيف يتوافق وجود ليلة القدر في الأقطار العربية مع اختلاف الليالي بينها ؟

http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=6493
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (23)

🔘 القول فيما أُوتِي هود عليه السلام :

قال أبو نعيم ما معناه : إن الله تعالى أهلَك قومه بالرِّيح العقيم ، وقد كانت رِيح غَضَب ، ونَصَر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بالصَّبَا يوم الأحزاب ، كما قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) .

🔘 القول فيما أُوتِي صالح عليه السلام :

قال أبو نعيم : فإن قيل : فقد أخرَج الله لِصَالح ناقة مِن الصّخْرة جَعَلها الله له آية وحُجّة على قومه ، وجَعَل لها شِرب يوم ولهم شِرب يوم معلوم . قلنا : وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، بل أبلغ ؛ لأن ناقة صالح لم تُكلّمه ولم تشهد له بالنبوّة والرسالة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم شَهِد له البَعير النادّ بالرِّسالة ، وشَكى إليه ما يَلْقَى مِن أهلِه ، مِن أنهم يُجِيعونه ويُدْئِبُونَه ..

🔸 وثبت الحديث في الصحيح بتسليم الْحَجَر عليه قَبل أن يُبْعَث ، وكذلك سَلام الأشجار والأحجار والْمَدَر عليه حين بُعِث صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين . (البداية والنهاية)
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (24)

القول فيما أُوتِي إبراهيم الخليل عليه السلام :

✳️ قال ابن كثير : قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزّمْلَكاني رحمه الله وبَلّ بالرحمة ثَرَاه : وأمّا خُمود النار لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فقد خَمَدَت لِنَبِيّنا صلى الله عليه وسلم نار فارِس - ولم تَخَمد قبل ذلك بألف عام - لِمَوْلِده صلى الله عليه وسلم وبينه وبين بِعثته أربعون سنة ، وخَمَدت نار إبراهيم لِمُبَاشَرَته لها ، وخَمَدت نار فارس لِنَبِيّنَا صلى الله عليه وسلم وبينه وبينها مَسَافة أشهر .

🔅 ثم قال شيخنا : مع أنه قد أُلْقِي بعض هذه الأمّة في النار ، فلم تُؤثّر فيه بِبَركة نَبِيّنا صلى الله عليه وسلم ، منهم : أبو مسلم الخولاني . قال : تَنَبّأ الأسود بن قيس العَنْسيّ باليَمَن ، فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فقال له : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم . قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع . فأعاد عليه ، فقال : ما أسمع ! فأمَر بِنَارٍ عظيمة فأُجّجِت ، وطُرِح فيها أبو مسلم فلم تَضُرّه . فقيل له : لئن تركتَ هذا في بلادك أفسَدها عليك . فأمَرَه بالرّحيل ، فقدِم المدينة وقد قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستُخلِف أبو بكر ، فقام إلى سارية مِن سواري المسجد يُصَلّي ، فبَصُر به عُمر فقال : مِن أين الرَّجل ؟ قال : مِن اليَمَن . قال : ما فعل عدو الله بِصَاحِبنا الذي حَرَقه بالنار ، فلم تَضرّه ؟ قال : ذاك عبد الله بن ثُوَب . قال : نَشَدْتُك بالله أنت هو ؟ قال : اللهم نعم . قال : فاعتَنَقه ثم بَكَى ، ثم ذهب به حتى أجْلَسَه بينه وبين أبي بكر الصديق ، وقال : الحمد لله الذي لم يُمْتِني حتى أرَاني في أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم مَن فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم خَليل الرحمن عليه السلام .

🔹 ورَوى الحافظ ابن عساكر أيضا مِن غير وَجه عن إبراهيم بن دُحيم : حدثنا هشام بن عمّار حدثنا الوليد أخبرني سعيد بن بشير عن أبي بِشر جعفر بن أبي وَحشيّة أن رَجُلا مِن خولان أسْلَم ، فأراده قومه على الكُفر ، فألْقَوه في نار فلم يَحْتَرِق مِنه إلاّ أُنْمُلة لم يكن فيما مَضى يُصِيبها الوضوء ، فقَدِم على أبي بكر فقال : استَغْفِر لي قال : أنت أحق . قال أبو بكر : إنك أُلْقِيَت في النار فلم تَحْتَرِق . فاستَغْفَرَ له ، ثم خرج إلى الشام ، فكانوا يُشَبّهونَه بِإبراهيم عليه السلام .

🔹 وهذا الرَّجُل هو أبو مُسلم الخولاني ، وهذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه إنما نَالَ ذلك بِبَركة مُتَابَعته الشريعة الْمُحَمّدِيّة الْمُطَهَّرَة الْمُقَدَّسَة ، كما جاء في حديث الشفاعة : " وحَرَّم الله على النار أن تأكُل مَوَاضِع السّجُود " . وقد نَزَل أبو مسلم بِدَارِيّا ِمِن غربي دمشق ، وكان لا يَسبقه أحدٌ إلى المسجد الجامع بِدمشق وقت الصبح ، وكان يُغازِي في بلاد الرّوم ، وله أحوال وكَرَامات كثيرة جدا .

🔘 وأما الحافظ أبو نعيم فإنه قال : فإن قيل : فإن إبراهيم خُصّ بِالْخُلّة مع النبوّة . قيل : فقد اتّخذ الله محمدا خَليلا وحَبِيبًا ، والحبيب ألْطَف مِن الخليل . ثم ساق من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كنت مُتّخِذًا خَلِيلا لاتّخَذْتُ أبا بكر خليلا، ولكن صَاحِبكم خَليل الله .

🔘 ثم قال أبو نعيم : فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام حُجِب عن نَمْرُود بِحُجُب ثلاثة . قيل : فقد كان كذلك ، وحُجِب محمد صلى الله عليه وسلم عمّن أرادُوا قَتْله بِخَمْسَة حُجُب ، قال الله تعالى في أمْرِه : (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) ، فهذه ثلاث ، ثم قال : (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) ، ثم قال : (فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) . فهذه خَمْسَة حُجُب .

🔸 وذكر ابن حامد في مقابَلَة حُسن يوسف عليه السلام ، ما ذُكِر مِن جَمَال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَهَابَته وحَلاوَته شَكْلا ونُطْقا وهَدْيا ودَلاًّ وسَمْتًا .

(البداية والنهاية)
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (25)

القول فيما أُوتِي موسى عليه السلام مِن الآيات البيّنات :

وأعظَمهن تسع آيات ، كما قال تعالى : (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) .

والجمهور على أنها هي العَصا في انقلابها حيّة تَسعَى ، واليد إذا أدخل يَده في جَيب دِرْعه ثم أخرجها تُضيء كَقِطعة قَمر يتلألأ إضاءة ، ودعاؤه على قوم فرعون حين كَذّبوه فأُرْسِل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات .

وكذلك أخذهم الله بالسِّنِين ، وهي نقص الحبوب ، وبالجَدْب ، وهو نقص الثمار .

وبالموت الذريع ، وهو نقص الأنفس ، وهو الطوفان في قول .

ومنها فَلْق البَحر لإنجاء بني إسرائيل وإغراق آل فرعون .

ومنها تظليل بني إسرائيل في التّيه بالغمام ، وإنزال الْمَنّ والسّلْوى عليهم .

واستسقاؤه لهم ، فجعل الله ماءهم يخرج مِن حَجر يُحْمَل معهم على دابة ، له أربعة وجوه ، إذا ضَرَبَه موسى بِعَصاه يَخرُج مِن كل وَجه ثلاثة أعين ، لكل سِبْط عَين ، ثم يَضْرِبه فيُقْلِع .

وقَتْل كل مَن عَبَدَ العِجل منهم ثم أحياهم الله تعالى .

وقِصة البَقرة ، إلى غير ذلك مِن الآيات الباهرات .

🔅 وأمّا العَصا ؛ فقال شيخنا العلامة ابن الزّمْلَكاني : وأما حَيَاة عَصَا موسى ؛ فقد سَبّح الْحَصَا في كَفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جَمَاد ، والحديث في ذلك صحيح ... وفيه : أنهن سَبّحن في كَفّ أبي بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، كما سَبّحن في كَفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هذه خلافة النبوة " .

🔸 وأصحّ من هذا كله وأصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال : كُنّا نَسْمَع تَسبيح الطعام وهو يُؤكَل .

🔹 قال شيخنا : وكذلك قد سَلّمت عليه الأحجار .
قلت : وهذا قد رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ بمكة قبل أن أُبْعَث ، إني لأعرفه الآن " . قال بعضهم : هو الحجر الأسود .

🔘 قال : وأما حَنين الْجِذع الذي كان يَخطب إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فعُمِل له المنبر ، فلمّا رَقِيَ عليه وخطب ، حَنّ الجذع إليه حَنِين العِشَار ، والناس يسمعون صوته بمشهد الْخَلْق يوم الجمعة ، ولم يَزل يَئِنّ ويَحِنّ حتى نَزَل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاعتنقه وسَكّنه .. فهو حديث مشهور معروف ، قد رواه من الصحابة عدد كثير متواتر ، وكان بحضور الخلائق .

🔅 قال شيخنا : فهذه جمادات ونباتات ، وقد حَنَّتْ وتَكلّمتْ ، وفي ذلك ما يُقابل انقلابَ العصَا حَيّة .
قال ابن كثير :
قال شيخنا : وأما أن الله كَلّم موسى تكليما ، فقد تقدم حصول الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فيَشْهَد له : " فنُودِيت : أن يا محمد ، قد كَمّلت فَرِيضَتي ، وخَفّفتُ عن عبادي " . وسياق بَقية القصة يُرشِد إلى ذلك ، وقد حَكَى بعض العلماء الإجماع على ذلك ، لكن رأيت في كلام القاضي عياض نَقْل خلاف فيه ، والله أعلم .

وقال ابن حامد : قال الله تعالى لموسى : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي) . وقال لِمُحمّد : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .

🔅 وأما اليَد التي جَعلها الله بُرهانا وحُجّة لموسى على فرعون وقومه ، كما قال تعالى بعد ذكر صَيْرُورة العَصَا حَيّة : (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)

🔸 فقد أعطى الله محمدا انشقاق القَمر بإشارته إليه فِرقَتين ، فِرقة مِن وراء جَبل حِراء ، وأخرى أمامه ، كمَا تقدّم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) ، ولا شك أن هذا أجل وأعظم وأبْهَر في المعجزات ، وأعَمّ وأظهر وأبلَغ مِن ذلك .