اقتناص الفوائد
1.3K subscribers
60 photos
344 videos
83 files
700 links
فوائد يومية مقتنصة ..
هذه القناة خاصة بالشيخ عبد الرحمن السحيم رحمه الله
وتُدار من ابنه (سعد)
للتواصل ams_1423@hotmail.com
Download Telegram
مِن آياته ومُعجِزاته (15)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوعُ الرابع :

آثارُهُ في الأشجارِ والْخَشَب

🔸 ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما : كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَخطب إلى جِذْع ، فلما اتّخذ المنبرَ تَحَوّلَ إليه فحَنَّ الجذعُ ، فأتاه فمَسَح يدَه عليه . رواه البخاري .

وفي رواية عن ابن عباس : فحنَّ الجذع حتى أخذه فاحتَضَنه فسَكَن ، فقال : لو لم أحتَضِنْه لَحَنَّ إلى يوم القيامة رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه ، وصححه الألباني والأرنؤوط .

قال الحافظ ابن كثير : باب حَنِين الْجِذْع شَوقًا إلى رسول الله وشَغَفًا مِنْ فِرَاقِهِ .
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحابة بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ أئمة هذا الشأن وفُرْسَان هذا الْمَيْدَان . اهـ .

وشَهِد له صلى الله عليه وسلم بِالنُبوّة : الشجرُ والحجَر

دَعَا رسول الله صلى الله عليه وسلم شَجرةً فجاءتْ تمشي إليه

🔸 قال ابنُ عمرَ رضي الله عنهما : كُنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَفر ، فأقبَلَ أعرابي ، فلمّا دنا منه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين تُريد ؟ قال : إلى أهلي ، قال : هل لك في خَير ؟ قال : وما هو ؟ قال : تَشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ ، وأن محمدا عبدُه ورسولُه . فقال : ومَن يَشهدُ على ما تقول؟ قال : هذه السَّلَمَةُ . فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بِشاطئ الوادي ، فأقبلت تَخُدُّ الأرضَ خَدّا حتى قامتْ بين يديه ، فاستَشْهَدَها ثلاثا ، فشَهِدت ثلاثا أنه كَمَا قال ، ثم رَجعت إلى مَنْبَتِها ، ورجع الأعرابي إلى قومه ، وقال : إن اتّبَعوني أتيتك بهم ، وإلاّ رجعتُ فكنتُ معك . رواه الإمام الدارمي .

🔸 وجاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بِمَ أعرف أنك نَبِيٌّ ؟ قال : إن دعوتُ هذا العِذقَ مِن هذه النخلةِ ، أتشهد إني رسولُ الله ؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعل ينزل مِن النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ارجع ، فَعَاد ، فأسلم الأعرابي . رواه الإمام أحمد والترمذي ، وهو حديث صحيح .

قال ابن الأثير : العَذْق بِالْفَتْحِ : النَّخْلة ، وَبِالْكَسْرِ : العُرجُون بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمارِيخ . اهـ .

وسيأتي في النوع السادس : تأثيرُه صلى الله عليه وسلم في الأحجارِ ، وتصَرُّفُه فيها ، وتسخيرُها له
قال ابن القيم :
إذا أردت أن تَعلَم ما عندك وعند غيرك مِن محبة الله ، فانظر مَحبة القرآن مِن قلبك ، والْتِذَاذك بِسمَاعه أعظم مِن الْتِذَاذ أصحاب الملاهي والغناء الْمُطْرِب بِسَمَاعهم ؛ فإن مِن المعلوم أنّ مَن أحب محبوبا كان كلامه وحديثه أحبّ شيء إليه .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (16)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

والنوعُ الخامس :

الماء والطعام والثمار ، الذي كان يَكثُر ببِرَكَته فوق العادة ، وهذا بابٌ واسعٌ نذكُر منه ما تَيسّر .

أما الماء : ففي الصحيحين عن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء ، فأُتي بِقَدح رَحْرَاح ، فجعل القومُ يَتَوضّؤون ، قال : فحَزَرْتُ ما بين السبعين إلى الثمانين .

وفي حديث أنس رضي الله عنه : أُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزَوراء ، فوَضَع يَدَه في الإناء ، فجعل الماءُ يَنبعُ مِن بين أصابعه ، فتوضّأ القوم . قال قتادةُ : قلت لأنس : كَم كُنتم ؟ قال : ثلاثمائة أو زُهاءُ ثلاثمائة . رواه البخاري ومسلم .

وفي الصحيحين عن جابر قال : قد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حضرتْ صلاة العصر، وليس معنا ماءٌ غيرَ فَضْلَة ، فجُعِلَ في إناء ، فأتَى النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل يَده فِيه ، وفَرّج أصابعه ، وقال : حي على الوضوء ، والبرَكةُ مِن الله . فلقد رأيت الماءَ يتفجّرُ مِن بين أصابعه ، فتوضّأ الناسُ وشَرِبوا، فجعلتُ لا آلُو ما جَعلتُ في بَطني منه ، فعلمتُ أنه بَركة ، قيل لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألْفًا وأربعمائة .

ودعا وبارَك في طعام قليل ، فكَفَى أَلْفَ شخص ، وذلك يومُ الخندق ، كما لي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، وهو مُخرّج في الصحيحين .
وسَبّح الطعام بين يديه صلى الله عليه وسلم

قال ابن مسعود رضي الله عنه : كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا . كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ : اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ ، فَجَاؤُوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهْوَ يُؤْكَلُ. رواه البخاري .

قال ابن حَجَر : أي في عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غالِبا . اهـ .
مِن آياته ومُعجِزاته (17)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

والنوع السادس :

🔸 تأثيرُه في الأحجارِ ، وتصَرُّفُه فيها ، وتسخيرُها له ؛ ففي صحيح البخاري عن أنسٍ قال : صَعِد النبي صلى الله عليه وسلم أُحُدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ، فَرَجَفَ بهم الجبلُ ، فقال : اسكُنْ - وضربه بِرِجْلِه - فليس عليك إلا نبيٌّ ، وصديقٌ ، وشهيدان .

🔸 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرفُ حجرًا بمكةَ كان يُسَلِّم عليّ قبل أن أُبْعَثَ ، إني لأعرفه الآن . رواه مسلم .

🔸 ورَوَى ابن عَبَّاس رضي الله عنهما : أَنَّ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ ، فَتَعَاهَدُوا بِاللاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأُخْرَى : لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ ، قَالَ : فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَبْكِي حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا ، فَقَالَتْ : هَؤُلاءِ الْمَلأ مِن قَوْمِكَ فِي الْحِجْرِ ، قَدْ تَعَاهَدُوا : أَنْ لَوْ قَدْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ فَقَتَلُوكَ ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِكَ .

قَالَ : " يَا بُنَيَّةُ أَدْنِي وَضُوءًا " ، فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ ، قَالُوا : هُوَ هَذَا ، هُوَ هَذَا . فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُم ، وَعُقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ ، فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ ، فَحَصَبَهُمْ بِهَا ، وَقَالَ : " شَاهَتِ الْوُجُوهُ " قَالَ : فَمَا أَصَابَتْ رَجُلاً مِنْهُمْ حَصَاةٌ إِلاَّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا . رواه الإمام أحمد بإسناد حَسَن .

🔘 وفي هذا الموقف تَجَلّت شَجاعته صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يَختَبئ عنهم ، ولم يَهرب منهم ، بل استعان بِالله وتَوضأ ، وخَرَج إليهم وَحيدا ، وهُم جَماعة !

وفيه : أن مِقدار قَبضة مِن تُراب أصابَت عددا كبيرا منهم .

وفيه : كِفاية الله عزّ وَجَلّ لِنَبِيِّه صلى الله عليه وسلم ، حيث كَفَاه الله أعداءه .
وسَبّح الحصى في يَدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي أيدي أصحابه

قال أَبو ذَرّ رضي الله عنه : انْطَلَقْتُ أَلْتَمِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ ، قَالَ أَبُو ذَرّ : وَحَصَيَاتٌ مَوْضُوعَة بَيْنَ يَدَيْه ، فَأَخَذَهُنَّ فِي يَدِهِ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ وَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَسَكَتْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرَسْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُمَرَ ، فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرَسْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَسَبَّحْنَ ، ثُمَّ أَخَذَهُنَّ فَوَضَعَهُنَّ فِي الأَرْضِ فَخَرَسْنَ . رواه ابن أبي عاصم في " السّنّة " والبَزّار والطبراني في الصغير . وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه محمد بن أبي حميد ، وهو ضعيف ، وله طريق أحسن مِن هذا في علامات النبوة ، وإسناده صحيح . اهـ .

🔘 وفي رواية : فَسَبَّحْنَ فِي يَدِهِ حَتَّى سَمِعَ لَهُنَّ حَنِينًا كَحَنِينِ النَّحْلِ فِي كَفِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .
شَرَف الزمان والمكان يُوجِب تعظيم واحترام الزمان والمكان

قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المعتمر في رمضان : اجتمع له حُرمة شهر رمضان وحُرمة العُمرة ، وصار ما في ذلك مِن شرف الزمان والمكان يناسب أن يُعدَل بما في الحج في شرف الزمان - وهو أشهر الحج - وشرف المكان .

🔹 وقال شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله :
سيئة الْحَرَم وسيئة رمضان وسيئة عشر ذي الحجة أعظم إثْمًا مِن السيئة فيما سِوى ذلك ؛ فَسَيّئة في مكة أعظم وأكبر وأشد إثْمًا مِن سيئة في جدة والطائف مثلا ، وسيئة في رمضان وسيئة في عشر ذي الحجة أشد وأعظم مِن سيئة في شعبان ونحو ذلك .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (18)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوع السابع :

مِن آياته صلى الله عليه وسلم : تأييدُ اللهِ له بملائكته . قال الله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) .

وفي الصحيحين عن سعدِ بنِ أبي وقاص قال : رأيتُ يومَ أُحُدٍ عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن يساره رَجُلين عليهم ثيابٌ بِيضٌ يُقَاتِلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ القِتال ، ما رَأيتهما قبل ذلك اليومِ ولا بَعده . ويَعني جبرائيل وميكائيل عليهما السلام .

ورَوَى ابن عباس عن عُمر بن الخطاب قال: لَمّا كان يوم بَدْر نَظَر رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُ مِئَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً ، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ : اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ، وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [(8)الأنفال:9] ، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ .
🔸 قال ابْنُ عَبَّاسٍ : بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ ، وَشُقَّ وَجْهُهُ ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ ، فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : صَدَقْتَ ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ . فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ . رواه مسلم .
أوّل ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم

قال عمرو بن عَبَسة السلمي : كنت وأنا في الجاهلية أظنّ أن الناس على ضَلالة ، وأنهم ليسوا على شيء وهُم يَعبدون الأوثان ، فسَمِعتُ بِرَجُل بِمَكّة يُخْبِر أخْبَارا ، فقَعَدت على راحِلتي ، فَقَدِمْتُ عليه ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عليه قَومه ، فتَلَطّفْتُ حتى دَخَلتُ عليه بِمَكّة ، فقلت له : ما أنت ؟
قال : أنا نَبِيّ .
فقلت : وما نَبِيّ ؟
قال : أرْسَلَني الله .
فقلت : وبأيّ شيء أرسَلك ؟
قال : أرسلني بِصِلَة الأرحَام ، وكَسْر الأوثان ، وأن يُوحّد الله لا يُشْرَك به شيء .
قلت له : فمن معك على هذا ؟
قال : " حر وعبد ". قال : ومعه يومئذ أبو بكر، وبلال ممن آمن به.
فقلت : إني مُتّبعك .
قال : " إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ؛ ألا ترى حالي وحال الناس ؟ ولكن ارجع إلى أهلك ، فإذا سمعت بي قد ظهرت ، فأتِنِي . رواه مسلم .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (19)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوع الثامن :

في كفايةِ اللهِ له أعداءَه ، وعِصمتِه له مِن الناس ، وهذا فيه آيةٌ لِنُبُوّته صلى الله عليه وسلم مِن وُجوه :

منها : أن ذلك تصديقٌ لِقوله تعالى : (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 94] ، فهذا إخبارُ الله بأنه يَكْفِيه المشركين المستهزئين .

ومنها : أنه كَفَاه أعداءه بأنواعٍ عجيبةٍ خارجةٍ عن العادةِ المعروفة .

ومنها : أنه نَصَره مع كَثْرَة أعدائه ، وقُوتِهم ، وغَلَبتِهم ، وأنه كان وَحدَه جاهِرا بمعاداتهم ، وسَبِّ آبائهم ، وشَتْمِ آلهتهم ، وتسفيهِ أحلامهم ، والطعنِ في دينهم ، وهذا مِن الأمور الخارقةِ للعادة ، والمستهزئون كانوا مِن أعظم ساداتِ قريش ، وعظماءِ العرب . اهـ .

🔘 وقد عَصَمَه الله مِن مَكْر اليهود ، ففي حديث أَنَسٍ ، أَنَّ امْرَأَة يَهُودِيَّة أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَسْمُومَة ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ ، قَالَ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ ، قَالَ : أَوْ قَالَ : عَلَيَّ . رواه البخاري ومسلم .
وحَفظ الله نَبِيّه وحَرَسَه مِن كَيد المشرِكين وبَطشِهم .

قال أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّد وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ فَقِيل : نَعَم ، فقال : وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ ، أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَاب ، قَالَ : فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي ، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلى رَقَبَتِه ، قال : فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْه وَيَتَّقِي بِيَدَيه ، قال : فَقِيل لَه : مَا لَكَ ؟ فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً .

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لَوْ دَنَا مِنِّي لاَخْتَطَفَتْه الْمَلاَئِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا . رواه مِن حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ورواه البخاري مُخْتَصرا مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

🔸 وهذا فيه : كفايةِ اللهِ لِنَبِيّه صلى الله عليه وسلم أعداءَه ، وعِصْمته له مِن الناس ، وتأييده له بالملائكة .

🔸 وعَصَمَ الله رَسُوله مِن مُؤامَرات المشركين . وتقدّم عَزْم المشرِكين على قَتْل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروجه صلى الله عليه وسلم إليهم ، ورَمْي التراب في وُجوههم .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (20)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في أنواع مُعجِزاته الْمُتَعَلّقة بِالقُدْرة والفِعل والتأثير :

النوع التاسع :

في إجابةِ دعوتِه ، وإجابةُ الدعاء منه ما تكون إجابتُه مُعتادةٌ لِكثير مِن عبادِ الله كَالإغْنَاء ، والعافية ، ونحو ذلك ، ومنه ما يكون الْمَدعُوّ به مِن خَوَارِق العادات ، كَتَكْثِير الطعام والشراب كثرةً خارجةً عن العادة ، وإطعامُ النّخلِ في العام مَرّتين مع أن العادة في مِثله مَرّة ، وردُّ بَصَرِ الذي عَمِي ، ونحو ذلك .

ومعلومُ أن مَن عوّده الله إجابةَ دعائه لا يكون إلاّ مع صلاحِه ودينِه .

🔘 وقد تقدّم دعاؤه للذي ذهَبَ بَصَرُه فأبْصَر ، ودعاؤه في الاستسقاء فمَا رَدّ يَديه إلاّ والسماءُ قد أمْطَرَت، ودعاؤه في الاستصحاء ، وإشارتُه إلى السحاب فتقطّع مِن ساعته ، ودعوتُه على سُراقة بن جُعشم لَمّا تَبِعَهم في الهجرة فغَاصَت فَرَسُه في الأرض ، ودعاؤه يومَ بدر ، ويومَ حُنين .

🔶 ودَعَا صلى الله عليه وسلم لأنسٍ رضي الله عنه : " اللهم ارزقه مالاً وولدا ، وبارك له فيه " . قال أنسٌ : فإني أكثرُ الأنصار مَالاً ، وحدّثتني ابنتي أُمَيْنَة أنه دُفِن لصُلْبي إلى مَقدَمِ الحَجاجِ البصرةَ بِضع وعشرون ومائة . رواه البخاري .
🔸 وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي خَلْدَة قال : قُلْتُ لأَبِي الْعَالِيَة : سَمِعَ أَنَسٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ ، وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ .

🔅 وفي صحيح البخاري أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعطى عُروةَ بنَ الجعدِ البارقيّ دينارا يَشتري له به شاة ، فاشترى له به شاتَين ، فباعَ إحداهما بِدينار وجاءه بدينارٍ وشاة ، فَدَعا له بالبركة في بَيعِه ، وكان لو اشترى التراب لَرَبِحَ فيه .

وخلاصةُ القول : ما قالَه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية : وكان يَأتِيهم بالآياتِ الدالةِ على نُبُوّتِه صلى الله عليه وسلم. ومُعجزاتُه تزيد على ألفِ معجزة . اهـ .

(الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) بتصرف واختصار وزيادةٍ في بعض المواضع .
شَفَقَة الوالد وحرصه على وَلَده

قالت عزّة بنت عياض بن أبي قِْرصَافة : أَسَر الرّومُ ابْنًا لأبي قِرْصَافة ، فكان أبو قِرْصَافة إذا كان وقت كل صلاة صَعِد سُور عَسقَلان ، ونادى : يا فُلان الصلاة ، فَيسمِعَه وهو في بَلَد الرّوم . رواه الطبراني .

وفي تهذيب الكمال للمِزّي : وكَانَ أَبُو قرصافة يناديه مِن سُور عَسقلان في كل صلاة : يا فلان الصلاة ، فيَسمَعه فيُجيبه ، وبينهما عرض البحر .
و"عَسقلان" في فلسطين طهّرها الله مِن دنس اليهود .

وأبو قِرصَافة هذا صحابي ، رضي الله عنه .
قال ابن عبد البر : جندرة بن خيشنة ، أبو قِرْصَافة ، مشهور بِكُنْيَتة . اهـ .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وَكَرَامَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهُ إنَّمَا حَصَلَتْ بِبَرَكَةِ اتِّبَاعِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَدْخُلُ فِي مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم . اهـ .

وقال ابن كثير : وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلأَنْبِيَاءِ ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ بِهِ .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (21)

جَمْع العلماء ما وَقَع لِنبِيّنا صلى الله عليه وسلم أوْ لأحَدٍ مِن أتباعه على مِلّتِه مما يُوافِق آيات الأنبياء الْمَاضِين عليهم الصلاة والسلام . وهذا يدلّ على أن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم ما لَم يُعطِ نَبِيًّا قَبلَه ، وأعطى أمّته ما لم يُعطِ أمّة قبلها ، وهو دالّ على مَنْزِلَة نَبِيّنا صلى الله عليه وسلم ، وعلى كَرَامة هذه الأمّة على الله إذا هي تَمَسّكَت بِدِين الله ، وما أهون الخَلْق على الله إذا هُم تركوا أمره .

🔘 قال ابن كثير : التَّنْبِيهُ عَلَى ذِكْرِ مُعْجِزَاتٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُمَاثِلَةٍ لِمُعْجِزَاتِ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ ، أَوْ أَعْلَى مِنْهَا ، خَارِجًا عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ .

🔸 فَمِنْ ذَلِكَ : الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الآبَادِ ، وَلا يَخْفَى بُرْهَانُهَا ، وَلا يَنْخَفِضُ شَأْنُهَا ، وَقَدْ تَحَدَّى بِهِ الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ .
وَفي الْحَدِيث الْمُتَّفَق عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .

وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ أُوتِيَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا يَقْتَضِي إِيمَانَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِن أُولِي الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى ، لا مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالشَّقَاءِ ، " وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ " ، أَيْ : جُلُّهُ وَأَعْظَمُهُ وَأَبْهَرُهُ : الْقُرْآنُ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لا يَبِيدُ وَلا يَذْهَبُ كَمَا ذَهَبَتْ مُعْجِزَاتُ الأَنْبِيَاءِ وَانْقَضَتْ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِهِمْ فَلا تُشَاهَدُ ، بَلْ يُخْبَرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ أَوِ الآحَادِ ، بِخِلافِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، فَإِنَّهُ مُعْجِزَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ ، مُسْتَمِرَّةٌ دَائِمَةُ الْبَقَاءِ بَعْدَهُ ، مَسْمُوعَةٌ لِكُلٍّ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .

🔹 وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ مُعْجِزَاتٌ لِلأَنْبِيَاءِ ؛ لأَنَّ الْوَلِيَّ إِنَّمَا نَالَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ لِنَبِيِّهِ ، وَثَوَابِ إِيمَانِهِ بِهِ .
قال ابن كثير : قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري ابن الزّمْلَكَاني - ومِن خطّه نَقَلتُ - : وبيان أن كُلّ مُعجِزة لِنَبِيّ فَلِنَبِيّنا صلى الله عليه وسلم مِثلها أو أتَمّ ، يَستدعي كلاما طويلا وتفصيلا لا يَسَعه مجلّدات عديدة ، ولكن نُنَبّه بالبعض على البعض ، فلنذكر جلائل مُعجزات الأنبياء عليهم السلام .
سَيِّد الْخَلْق : البشير النذير ، والسراج المنير صلى الله عليه وسلم

مِن آياته ومُعجِزاته (22)

القول فيما أُوتِي نوح عليه السلام :

🔘 فمِنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين ، ولا شك أن حَمْل الماء للناس مِن غير سفينة أعظم مِن السلوك عليه في السفينة .

🔘 وفي قِصة العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك .

قال سَهم بن مِنْجَاب: غَزونا مع العَلاء بن الحضرمي دَارِين ، فَدَعا بثلاث دعوات فاستُجِيبَت له ، فَنَزَلْنا مَنْزلا فَطَلب الماء فلم يَجده ، فقام فصلى ركعتين وقال : اللهم إنا عَبِيدك ، وفي سبيلك ، نُقَاتِل عدوك ، اللهم اسْقِنا غَيثًا نتوضأ به ونَشْرَب ، ولا يكون لأحدٍ فيه نَصيب غيرنا . فَسِرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه ، فتوضأنا منه وتَزَوّدْنا ، ومَلأتُ إدَاوتي وتَرَكْتُها مَكانها حتى أنظر هل استُجِيب له أم لا ؟

فَسِرْنا قليلا ثم قلت لأصحابي : نَسيتُ إدَاوتي ! فَرَجَعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يُصبه ماء قط .

ثم ِسِرنا حتى أتينا دَارِين والبحر بيننا وبينهم ، فقال : يا عَليم يا حَليم يا عليّ يا عظيم ، إنا عَبيدك ، وفي سبيلك ، نُقَاتِل عدوّك ، اللهم فاجْعل لنا إليهم سبيلا . فَدَخَلنا البحر فلم يبلغ الماء لُبُودَنا ، ومَشَينَا على مَتْن الماء ولم يَبْتَلّ لنا شيء . وذكر بقية القصة .

🔸قال : فهذا أبلغ مِن رُكوب السفينة ؛ فإن حَمْل الماء للسفينة مُعتاد .

🔸وأبلغ مِن فَلْق البحر لموسى ؛ فإن هناك انحسر الماء حتى مَشَوا على الأرض ، فالْمُعْجِز انحسار الماء ، وها هنا صار الماء جَسَدا يَمْشُون عليه كالأرض ، وإنما هذا منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبَرَكَته .
🔹 قصة أخرى شَبِيهة بذلك :

رَوى البيهقي من طريق أبي النّضْر عن سليمان بن المغيرة أن أبا مُسلم الخولاني جاء إلى دِجْلة وهي تَرمي الخشب مِن مَدّها ، فَمَشَى على الماء ، والْتَفَت إلى أصحابه وقال : هل تَفقدون مِن مَتَاعِكم شيئا ؟ فنَدعو الله تعالى . ثم قال : هذا إسناد صحيح .

ثم أوْرد ابن كثير أمثلة أخرى ، ثم قال :

🔸 فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء هي مِن مُعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تَقدّم تقريره ؛ لأنهم إنما نَاُلوا ذلك بِبَرَكة مُتَابَعته ، ويُمْن سِفَارته ، إذْ فيها حُجّة في الدِّين ، وحاجَة أكيدة للمسلمين ، وهي مُشابِهة لِمُعجِزة نوح عليه السلام في مَسِيرِه فوق الماء بالسفينة التي أمَرَه الله تعالى بِعَمَلها ، ومُعجزة موسى عليه السلام في فَلْق البَحر ، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك مِن جهة مَسيرهم على مَتن الماء مِن غير حائل حامِل ، ومِن جِهة أنه ماء جارٍ والسير عليه أعجب مِن السير على الماء القارّ الذي يُجاز ، وإن كان ماء الطوفان أطمّ وأعظم، فهذه خارق ، والخارق لا فَرق بين قليله وكثيره ، فإن مَن سَلَك على وجه الماء الخضَمّ الجارِي العَجَاج ، فلم يَبْتَلّ مِنه نِعال خيولهم ، أو لم يَصِل إلى بطونها ، فلا فَرق في الخارق بين أن يكون قامَة أو ألف قامَة ، أو أن يكون نهرا أو بحرا ، بل كونه نهرا عَجَاجا كالبَرق الخاطِف والسيل الجارِف : أعظم وأغرب .