قناة عبدالرحمن السديس
20.5K subscribers
789 photos
130 videos
18 files
116 links
قناة علمية.
عبدالرحمن بن صالح السديس
الرياض.
‏تويتر https://x.com/assdais?t=bamsawh__YRgDV1YxYVNdQ&s=35
يوتيوب
https://youtube.com/@assdais?si=crAripvh6ZLH8bnv
Download Telegram
السعادة والكسل

قال أبو علي مسكويه -وذكر جملة من الفضائل وكيف تحصّل-:

«فهذه حالة السعادات الإنسانية التي لا تتم لنا إلا بالأفعال والأحوال المدنية، وبالأعوان الصالحين والأصدقاء المخلصين.
وهي كما تراها كثيرة، والتعب بها عظيم، ومن قصر فيها قصرت به السعادة الخاصة به.
ولذلك صار الكسل ومحبة الراحة من أعظم الرذائل؛ لأنهما يحولان بين المرء وبين جميع الخيرات والفضائل، ويسلخان الإنسان من الإنسانية.
ولذلك ذممنا المتوسمين بالزهد إذا تفردوا عن الناس وسكنوا الجبال والمفازات واختاروا التوحش الذي هو ضد التمدن؛ لأنهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقية التي عددناها كلها.
وكيف يعف ويعدل ويسخو ويشجع مَن فارق الناس وتفرد عنهم وعدِم الفضائل الخلقية؟ وهل هو إلا بمنزلة الجماد والميت؟».

«تهذيب الأخلاق» ص٣٨٧.
قناة عبدالرحمن السديس
مزلق التدقيق في الكلام
.
قال كشاجم: «والعربية أكثر من أن يخطئ فيها متكلم».

«أدب النديم» ص٩٤.

تأمل!
ولا تعجل في تخطئة ولا قبولها؛ خاصة ممن ليس من أهل الاتساع فيها.


و«كشاجم» لقب، واسمه محمود بن الحسين ت٣٥٠ هـ. 

وفي «فوات الوفيات» ٩٩/٤: 
«لقب نفسه «كشاجم» فسئل عن ذلك؟
فقال: الكاف من ‌كاتب، والشين من ‌شاعر، والألف من أديب، والجيم من جواد، والميم من منجم».
لا تغتر بطول الأمل
فقد يعمر الكبير ويهلك الشاب!


قال ياقوت: «وحكي أن أعرابيين مرّا بالشريف عمر -وهو يغرس فسيلا- فقال أحدهما للآخر: أيطمع هذا الشيخ مع كبره أن يأكل من جنى هذا الفسيل؟
فقال الشريف: يا بنيّ كم من كبش في المرعى وخروف في التنور!

ففهم أحدهما ولم يفهم الآخر، فقال الذي لم يفهم لصاحبه: أيش قال؟
قال: إنه يقول: كم من ناب يسقى في جلد حوار!
فعاش حتى أكل من ثمر ذلك الفسيل».

«معجم الأدباء» ٢٠٦٣/٥.
قناة عبدالرحمن السديس
‏❍ وقال في مسألة كراهة الجلوس للتعزية:

«وعندي أن جلوس أهل المصيبة من الرجال والنساء بالنهار في مكان معلوم ليأتيهم من يعزيهم مدة الثلاث؛ لا بأس به»
خبر: إسماعيل، عن قيس، عن جرير: «كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام لهم من أمر الجاهلية».

لم يرو إلا من هذا الطريق، ورواه عن إسماعيل؛ نصرُ بن باب.
قال الإمام أحمد في مسنده (٦٩٠٥) حدثنا نصرُ بن باب عن إسماعيل به.

ونصر بن باب هذا عامة الحفاظ على تركه وجرحه واتهامه؛ إلا الإمام أحمد فقد كان حسن الظن به، وسمع منه قديما، قال في (٢٢٢٧): حدثنا نصر بن باب أبو سهل في شوال سنة إحدى وثمانين ومائة.
أي: وعمر الإمام أحمد ١٧ سنة.

وقال عبدالله بن الإمام أحمد عقب حديث (١٤٣٣١): «قلت لأبي: سمعت أبا خيثمة يقول: نصر بن باب كذاب!
فقال: أستغفر الله، كذاب؟!
إنما عابوا عليه أنه حدث عن إبراهيم الصائغ، وإبراهيم الصائغ من أهل بلده، فلاينكر أن يكون سمع منه».
ونحوه في العلل (٥٣٣٨).

وقد روى عنه الإمام في المسند نحو ٢٠ رواية عامتها عن حجاج بن أرطاة؛ إلا هذا الخبر عن إسماعيل، ولم يذكره في مسند جرير البجلي؛ بل في مسند عبدالله بن عمرو، وسط مرويات عن نصر عن حجاج عن عمرو بن شعيب!

وعلى كل حال؛ فرواية نصر لهذا الخبر إن لم تضره فلن تنفعه؛ فهو شديد الضعف لايعتبر به عند جمهور الأئمة النقاد.

ورواه عن إسماعيل أيضا؛ هشيم بن بشير.

رواه ابن ماجه (١٦١٢) من طريق سعيد بن منصور وشجاع بن مخلد عن هشيم به.
والطبراني في الكبير (٢٢٧٩) من طريق أحمد بن منيع عن هشيم به.

وفي مسائل أبي داود للإمام أحمد (١٨٦٧): «ذكرت لأحمد: حديث هشيم، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير: «كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام لهم من أمرالجاهلية»؟
قال: زعموا أنه سمعه من شريك.
قال أحمد: وما أُرى لهذا الحديث أصل».

والإمام أحمد من تلاميذ هشيم ولازمه ٤ أو ٥ سنوات، وذكر أنه وحش التدليس، وقد تتبعه في مواضع كثيرة جدا وبين أنه دلسها.

انظر ترجمة هشيم في «موسوعة أقواله» ٤/ ٤٨-٦٣.

وهذا السؤال والجواب يقوي أن الخبر مشهور متداول عند الحفاظ، وقد تنكبوه عمدا لعلته.

فلم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وكتابه أقلها درجة وأكثرها أحاديث باطلة ومنكرة وضعيفة.

قال ابن رجب -بعد أن ذكر أنه يخرج لقوم المتروكين والمجهولين دون غيره-: «ومن هنا نزلت درجة كتابه عن بقية الكتب، ولم يعده من ‌الكتب ‌المعتبرة سوى طائفة من المتأخرين».
«شرح علل الترمذي» ٦١٥/٢.

قال ابن حجر: «مصنَّفه في السنن ‌جامعٌ‌ جيّد، ‌كثير ‌الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا، حتى بلغني أن السري كان يقول: مهما انفرد بتخريجه؛ فهو ضعيف غالبًا، وليس الأمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة، والله المستعان.
ثم وجدتُ بخط الحافظ شمس الدين محمد بن علي الحسيني ما لفظه: «سمعت شيخنا الحافظ أبا الحَجَّاج المِزِّي يقول: كل ما انفرد به ابن ماجه فهو ضعيف؛ يعني بذلك: ما انفرد به من الحديث عن الأئمة الخمسة، انتهى ما وجدته بخطه».
انتهى من «تهذيب التهذيب» ٤٦١/١٢، ثم وجهه وعقب عليه، ولم يرضه.

وقد تساهل كثير من المتأخرين والمعاصرين في التصحيح، وغرتهم ظواهر الأسانيد، ولم ينقبوا عن العلل؛ وبعضهم تجاهلها، وقد يرد على الحفاظ كلامهم!
وقد صحح هذا الخبر جماعة منهم من غير التفات؛ لعلته وكلام الإمام أحمد، وصنيع بقية الأئمة الحفاظ!
مع أن هشيما مدلس ولم يصرح
بالسماع!

وفي «العلل» للدارقطني (٣٣٥٣): «وسئل عن حديث قيس، عن جرير، قال: «كانوا يرون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة؟».
فقال: يرويه هشيم بن بشير، واختلف عنه؛ فرواه سريج بن يونس، والحسن بن عرفة، عن هشيم، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير.
ورواه خالد بن القاسم المدائني -قيل: ثقة؟ قال: لا أضمن لك هذا، جرحوه- عن هشيم، عن شريك، عن إسماعيل.
ورواه أيضا، عباد بن العوام، عن إسماعيل كذلك».

ورواية عباد التي أشار إليها الدارقطني: رواها الطبراني في الكبير (٢٢٧٨) حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال جرير بن عبدالله: «يعددون الميت -أو قال-: أهل الميت بعد ما يدفن؟ -شك إسماعيل-
قلت: نعم، قال: «كنا نعدها ‌النياحة».

وهذا المتن كأنه مختصر، وإن كان مفهوما، ومعناه مستقيم، وهو يختلف عما قبله، فالأول في الاجتماع وصنع الطعام. وهذا في تعداد أهل الميت.
والمراد -والله أعلم- مآثر الميت، وهذا منهي عنه؛ لأنه يبعث على الجزع والسخط، ويزيد الحزن واللوعة على فراقه؛ وتسخط القدر.
والمأمور به التسليم والحمد، والصبر
وقول ما يرضي الله عز وجل.

وانقلاب أهل الميت بعد الدفن لبيتهم وجلوسهم فيه أمر طبيعي، وقصد معارفهم لمواساتهم وعزائهم وتصبيرهم وتذكيرهم بالله وشرعه وثوابه؛ حسن.

والله أعلم.

كتبته قبل ثلاثة أشهر على أن أضيف إليه الأخبار التي فيها ذكر جلوس أهل الميت، فذهب هذا الوقت وذهب معه النشاط له، فلعل أحدا يفعل ذلك.
فمن ذلك: ما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما جاء النبي ﷺ قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة، جلس يعرف فيه الحزن -وأنا أنظر من صائر الباب، شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء ‌جعفر، وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن، فذهب، ثم أتاه الثانية، لم يطعنه، فقال: انههن. فأتاه الثالثة، قال: والله غلبننا يا رسول الله.
فزعمت أنه قال: فاحث في أفواههن ‌التراب.
فقلت: أرغم الله أنفك، لم تفعل ما أمرك رسول الله ﷺ، ولم تترك رسول الله ﷺ
من العناء».

قال ابن حجر: «قوله: (إن نساء جعفر) أي: امرأته -وهي أسماء بنت عميس الخثعمية- ومن حضر عندها من أقاربها، وأقارب جعفر، ومن في معناهن، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء». «فتح الباري» ١٦٧/٣.

وفي البخاري تعليقا بصيغة الجزم:
«وقال عمر رضي الله عنه: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة».
والنقع التراب على الرأس، واللقلقة الصوت.

قال ابن حجر: «قوله: وقال عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان إلخ.
هذا الأثر وصله المصنف في «التاريخ الأوسط» من طريق الأعمش عن شقيق قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة -أي: بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهن بنات عم خالد بن الوليد بن المغيرة- يبكين عليه، فقيل لعمر: أرسل إليهن فانههن.. فذكره.
وأخرجه ابن سعد عن وكيع وغير واحد عن الأعمش».
«فتح الباري» ١٦١/٣.

ورواه أبو عبيد في «غريب الحديث» ١٧١/٤ فقال: «حديث عمر [رضي الله عنه] حين قيل له: «إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: «وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقلة».

حدثناه جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمر.
وحدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن الحسن بن عمرو، عن أبي وائل، عن عمر مثله، إلا أنه زاد فيه: «أن يسفكن من دموعهن، وهن جلوس».

وهو صحيح ثابت.
قاله ابن القيم في «طريق الهجرتين» ٤٠٠/١.

إنما يراد العلم للعمل
قناة عبدالرحمن السديس
مزلق الخطأ في النقول المطولة
قال الغزالي: «ومهما حصل تردد؛ فالتوقف في التكفير أولى.
والمبادرة إلى التكفير إنما يغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل».
«فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة» ص٨٧.


هذا نقله ابن تيمية في «بغية المرتاد» ص٣٤٥ عن الغزالي في كتابه «فيصل التفرقة»، وكان النقل طويلا من ص٣٣٢ وفيه أمور متعددة وتفاصيل..

وقال ابن تيمية بعد كلامه ص٣٤٧: «قلت: ليس المقصود هنا تعقب كلامه في التكفير؛ فإن هذه مسألة كبيرة، وفيها اضطراب عظيم لا يحتمله هذا الموضع.
وإنما المقصود الكلام على تصويب التأويل وتخطئته والقطع بذلك.. ».

فهذه الكلمة قُطعت من نقل طويل ونسبت لابن تيمية خطأ، ثم تناقلها الناس عن بعض.
وإن كانت لا إشكال فيها، لكن هي مثال لما يحصل من جنس هذا الوهم.
فحرر ما تنقل وتثبت.
عشرة مواضع
بين الله فيها في كتابه
أنه سبحانه وحده من يبسط الرزق ويقدر
كلها قدم فيها لفظ الجلالة على الفعل لإفادة الحصر والاختصاص
عشر مرات في كتاب الله
تبين لك
أن رزقك أثر من آثار الربوبية ....ليس لك فيه مثقال ذرة.
فلا تذهب نفسك حسرات
لا تلم الظروف ولا الحظوظ
ولا تأس على فوات الفرص وخطأ الاختيار
ولا تعبث بك (لو) وأخواتها
ليس هناك فرص ضائعة
ولا ثروات ممكنة
شيء لم يكتب لك
لن يكون....لن يكون.
لم تكن أنت غبيا
ولا كسولا
ولا تعيسا
ولا من بسط لهم
محظوظين
ولا فطنين
ولا
أحب إلى الله أو أقرب إليه منك
الرزق قاعة من قاعات الامتحان
وسؤال من سؤالات الابتلاء
يبتلى قوم في كراسي الغنى
وآخرون على كراسي الفقر
وينتقل بعضهم من حال إلى حال
والابتلاء يلاحقهم في كل الأحوال
ليس المهم أي حال كنت عليها
الأهم
هو ماذا فعلت حينئذ.
للفقر عبودية
وللغنى عبودية
والناجحون هم المتقون فيهما
ليس الأغنياء ولا الفقراء
اللهم اجعلنا من المتقين
التزام مكارم الأخلاق

قال مالك بن نضلة: يا رسول الله! رجلٌ نزلت به؛ فلم يَقْرِني ولم يكرمني، ثم نزل بي؛ أقريه أو أجزيه بما صنع؟
قال: «بل اقْرِه».

رواه أحمد، وصححه ابن حبان.
قناة عبدالرحمن السديس
خطر المراء في العلم

روى ابن وهب عن الإمام مالك:
«المراء في العلم يقسي القلوب، ويورث الضغائن».
.
من شر المراء وأضره

قال أبو حيان: «وكان أبو حامد ابن بشر المروروذي إذا سمع تراجع المتكلمين في مسائلهم، ورأى ثباتهم على مذاهبهم بعد طول جدلهم ينشد:
وَمَهْمَهٍ دَلِيله مُطَوّح ... يدأبُ فيه القوم حتى يطْلَحُوا
ثم يظلون كأن لم يبرَحوا ... كأنما أمسوا بحيث أصبحوا».

«البصائر والذخائر» ٦٥/١.


ومثله اليوم أكثر نقاشات الناس؛ إذ
كثير منها لا تحرر فيه نقطة الخلاف.
وكثير منها يكون بعضهم أو كلهم يناقش فيما لا يحسن وما لم يحط به علما.

فاحفظ دينك وعقلك ووقتك من تبديده مع من لا يحسن، فإن أبيت؛ فثمرت ذلك مع النكد: (كأنما أمسوا بحيث أصبحوا)!
سبب كثرة الكناية عما يستقبح

قال أبو حيان: «حدثني ابن فارس: جرى بين يديه أسماء الفرج وكثرتها، فقال بعض الحاضرين:
ماذا أراد العرب بتكثيرها مع قُبحها؟

فقال: لما رأوا الشيء قبيحا؛ جعلوا يكنون عنه، وكانت الكناية عند فُشُوِّها؛ تصير إلى حد الاسم الأول؛ فينتقلون إلى كناية أخرى، فإذا اتسعت أيضا رأوا فيها من القبح مثل ما كنوا عنه من أجله، وعلى هذا، فكثرت الكنايات، وليس غرضهم تكثيرها».

«أخلاق الوزيرين» ص٣٨٧.

#عادات_العرب #ذوق #العربية.

ابن فارس: هو صاحب كتاب «مقاييس اللغة» وغيره.
.
من أسباب إصرار بعض الناس على الضلالات الواضحة، والعقائد الباطلة، والأفكار الساقطة 👆

وكذلك الردود الضعيفة عليهم؛ فالرد الذي لا يقطع دابرهم يغريهم بأن هذا منتهى ما عند المخالفين لهم!

وليس كل عالم يحسن الرد والجدال، وأما اليوم فأكثر الخائضين لا علم ولا جدل!

الصورة من كتاب «الاعتصام» للشاطبي ٣.
وهذا كلام الغزالي في الصورة 👆وفيه بقية حسنة..

قال الغزالي: «طائفة من أهل الضلال يتفرس فيهم مخائل الذكاء والفطنة ويتوقع منهم قبول الحق بما اعتراهم في عقائدهم من الريبة أو بما يلين قلوبهم لقبول التشكيك بالجبلة والفطرة؛
فهؤلاء يجب التلطف بهم في استمالتهم إلى الحق وإرشادهم إلى الاعتقاد الصحيح، لا في معرض المحاجة والتعصب؛ فإن ذلك يزيد في دواعي الضلال ويهيج بواعث التمادي والإصرار.

وأكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهال أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والادلاء، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والإزراء؛
فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في نفوسهم الاعتقادات الباطلة، وعسر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها..

والمجادلة والمعاندة داء محض لا دواء له، فليتحرز المتدين منه جهده، وليترك الحقد والضغينة.
وينظر إلى كافة خلق الله بعين الرحمة، وليستعن بالرفق واللطف في إرشاد من ضل من هذه الأمة، وليتحفظ من النكد الذي يحرك داعية الضلال، وليتحقق أن مهيج داعية الإصرار بالعناد والتعصب؛ معين على الإصرار على البدعة، ومطالب بعهدة إعانته في القيامة».

«الاقتصاد في الاعتقاد» ص١٥.


وقال: «إذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل، فأعرض عنه، ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال، ولأجله كثر الخلاف بين الناس، ولو سكت من لا يدري لقل الخلاف بين الخلق».

«فيصل التفرقة» ص٩٣.

واليوم أكثر من يتحمس لهذه القضايا ويتصدر للكلام عنها: المتعالمون، وصغار طلبة العلم، ويكثر منهم التطاول والتحدي والفحش، وقبيح الأخلاق!
والله المستعان!
#إحماض_الجمعة

قال الكسائي: حلفت ألا أكلم عاميا إلا بما يوافقه ويشبه كلامه، وقفت على نجار، فقلت: بكم هذان البابان؟
فقال: بسلحتان!

«تاريخ بغداد» ٣٥٦/١٣.

وقال أبو زيد الأنصاري النحوي: «وقفت.. على قصاب، وقد أخرج بطنين سمينين موفورين فعلقهما، فقلت: بكم البطنان؟

فقال: بمصفعان يا مضرطان!
قال: فغطيت رأسي وفررت؛ لئلا يسمع الناس فيضحكون مني».

«تاريخ بغداد» ١١٠/١٠.
الإعراض عن الأصاغر وطالبي الشهرة


قال بشار بن برد: «هجوت جريرا؛ فأعرض عني واستصغرني، ولو أجابني؛ لكنت أشعر الناس».

«الأغاني» ١٣٥/٣.

وفي «طبقات فحول الشعراء» ٤٠٣/٢:
أن اللعين المنقري هجا جريرا
والفرزدق..
قال يونس: «فلم يلتفتا لفته، وأراد أن يذكراه؛ فيرفعه ذلك».

وفيه ٤٤٤/٢: «كانت الشعراء تعرض لجرير؛ ليهجوهم».


وفي «العمدة في صناعة الشعر ونقده» ١٧١/١:
«باب مَن رغب من الشعراء عن ملاحاة غير الأكفاء».
وذكر أخبارا.

فهذه -كما ترى- سنة ماضية، يرغب الأصاغر في الشهرة والذكر بانتقاصهم الأكابر، والمتعين معاملتهم بنقيض قصدهم؛ بالإعراض عنهم، والترفع عن مجاراتهم.
ما الذي صح من لامية أبي طالب؟

ساق صاحب «خزانة الأدب» ٧٥/٢: لامية أبي طالب ثم قال: «تنبيه: رواية هذه القصيدة كما سطَّرتُ نقلتها من سيرة الشامي، ورواها ابن هشام في السيرة أزيد من ثمانين بيتا، ومطلعها عنده:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل.
ولم يذكر البيتين الأولين مطلع القصيدة في رواية الشامي، ولا تعرض لهما السهيلي بشيء».


قال الميمني: «الذي صح لأبي طالب من القصيدة أبيات.
قال ابن هشام بعد أن سرد القصيدة (هامش الروض ١: ١٧٩): «وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها».

أقول: وهي بحيث ترى قد شانها كثرة الزحافات ورخاوة البنية، وفيها من التجوزات اللغوية والنحوية ما لا يستهان به.

قال الجمحي (ص ٦٠): «رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا من أكثر من مائة سنة (كذا)(١): وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها
-(قال العاجز: إلى ربك منتهاها)-
وسألني الأصمعي عنها؟
فقلت: صحيحة.
قال: أتدري أين منتهاها؟
قلت: لا أدري.

وقال: (ص ٤): وممن هجن الشعر وأفسده وحمل منه كل غثاء؛ محمد بن إسحاق.. إلى آخر ما نعى به عليه».

«النكت على خزانة الأدب» ضمن «بحوث وتحقيقات» ٣١٧/١.

ـــــــــ
(١) يعني محمد بن سلام في «طبقات فحول الشعراء» وفي المطبوع بتحقيق محمود شاكر ٢٤٥/١: «صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة».
وذكر أن مراده بـ«صاحبنا» أنه جمحي مثله، واستشهد لذلك.

وقول الميمني: «قال (العاجز)» يعني نفسه، يتواضع.
والمقصود لا أحد يعلم قدر ما زيد فيها.

وقال ابن سلام أيضا هنا ٢٤٤/١: «وأشعار قريش أشعار فيها لين؛ فتشكل بعض الإشكال».

وكان في ٤٦/١ قد قال: «وليس يشكل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون.
وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعراء أو الرجل ليس من ولدهم؛ فيشكل ذلك بعض الإشكال».
قناة عبدالرحمن السديس
أنا حنبليٌّ ما حييتُ وإنْ أمت .. فوصيتي للناس أن يتحنبلوا !
نموذج للثبات والانتقال

في ترجمة أبي البقاء العكبري الحنبلي: «قال: جاء إلي جماعة من الشافعية، وقالوا: انتقل إلى مذهبنا، ونعطيك تدريس النحو واللغة بالنظامية.
فقلت: لو أقمتموني، وصببتم الذهب علي حتى واريتموني؛ ما رجعت عن مذهبي».
«معجم الأدباء» ١٥١٦/٤.

وقال ياقوت في ترجمة شيخه الوجيه ابن الدهان: «وكان الوجيه رحمه الله حنبليا ثم صار حنفيا، فلما درس النحو بالنظامية صار شافعيا!

فقال فيه المؤيد أبو البركات محمد بن أبي الفرج التكريتي ثم البغدادي -وكان أحد تلامذته- وسمعته من لفظه غير مرة:

ألا مبلغ عني الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي إليه الرسائل
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت دين الشافعي تدينا ... ولكنما تهوى الذي هو حاصل
وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل».
«معجم الأدباء» ٢٢٦٦/٥.

النظامية: مدرسة أنشأها الوزير نِظام الملك، ببغداد، تدرس فيها العلوم الشرعية وتوابعها -فقه الشافعية وعقيدة الأشاعرة-، وكانت من أشهر المدارس.
سخاء غير السخي

قال أبو علي مسكويه: «.. وهذه الحال بعينها تظهر في من عمل عمل الأسخياء وليس بسخي.
وذلك أن من بذل أمواله في شهواته طلبا للسمعة والرياء، أو تقربا إلى السلطان، أو لدفع مضرة عن نفسه وحرمه وأولاده، أو بذلها لمن لا يستحق من أهل الشر، أو الملهين أو المساخرين، أو بذلها لطمع في أكثر منها على سبيل التجارة والمرابحة؛ فكل هؤلاء يعمل عمل الإسخياء وليس بسخي.

أما بعضهم؛ فيبذل ماله بطبيعة الشره،
وأما بعضهم فبطبيعة الطرمذة والرياء، وبعضهم على طريق الازدياد من المال والربح فيه،
وأما بعضهم فعلى سبيل التبذير وقلة المعرفة بقدر المال.

وهذا أكثر ما يعرض للوارث ولمن لا يتعب في اكتساب المال؛ فلا يعرف صعوبة الأمر فيه.
وذلك أن المال صعب الاكتساب سهل الإنفاق والتفرقة، قد شبهه الحكماء بمن يرفع حملا ثقيلا إلى قمة جبل ثم يرسله؛ فإن الأمر في ترقيته وإصعاده صعب، ولكن إرساله من هناك أمر سهل.

والحاجة إلى المال ضرورية في العيش وهو نافع في إظهار الحكمة والفضيلة، ومن اكتسبه من وجهه؛ صعب عليه.

وذلك أن المكاسب الجميلة قليلة، ووجوهها يسيرة عند الرجل العادل الحر.

وأما غير العادل الحر؛ فليس يبالي كيف اكتسبه، ومن أين وصل إليه، ولأجل ذلك يوجد كثير من الأحرار والفضلاء ناقصي الحظ منه، ويوجدون أيضا ذامين للبخت شاكين منه.

وأما أضدادهم؛ فلأجل أنهم يكتسبون المال من وجوه الخيانات، ولا يبالون كيف وصل إليهم؛ فإنهم يوجدون أبدا وافري الحظ منه، واسعي النفقات، شاكرين لبخوتهم، والعامة يغبطونهم ويحسدونهم.

إلا أن العاقل إذا رأى نفسه وهو بريء من المذمات، نقي العرض من السوآت، لم يتدنس بالقبيح من المكاسب، ولم يتطرق إليه بخيانة ولا سرقة ولا ظلم لمن هو دونه أو مثله، وتجنب فيه وجوه العار والفضائح؛ كالقيادة، والخداع، وترويج السلع القبيحة على الملوك، واستنزالهم عن أموالهم بالخدع والمكر، ومساعتهم على الفواحش، وتحسين القبائح فيما يوافق هواهم،
وما يجري مجرى ذلك؛ من السعاية والنميمة والغيبة، وضروب الفساد التي يرتكبها طلاب المال من غير وجهه، بضروب المغابنات، ووجوه الظلم؛
يُسر بنفسه، ويعتاض من المالِ الراحةَ والمحمدة؛ فلا يلوم البخت، ولا يبغض الدول، ولا يحسد أصحاب الأموال المكتسبة من غير وجوهها الجميلة.
فهذه أحوال المكتسبين للأموال ومنفقيها».

«تهذيب الأخلاق» ص٣٣٦.
روعة نقل الحديث وتطمين الشاك!

في قصة بيعة العقبة الثانية بين النبي ﷺ والأنصار خفية ليلا في منى..

قال كعب بن مالك: «فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل؛ خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ، نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة..

فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب -والجباجب: المنازل- هل لكم في مذمم والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم..

قال رسول الله ﷺ: ارفضوا إلى رحالكم.. فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا.

فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا، أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.

قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه -وقد صدقوا، لم يعلموه- وبعضنا ينظر إلى بعض.
ثم قام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي -وعليه نعلان له جديدان- فقلت له كلمة -كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا-: يا أبا جابر(١)، أما تستطيع أن تتخذ، وأنت سيد من ساداتنا، مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي، وقال: والله لتنتعلنهما. فقال: أبو جابر: مه، أحفظت والله الفتى، فاردد إليه نعليه.
قلت: والله لا أردهما..».

رواه ابن إسحاق في «السيرة»، ومن طريقه أحمد في «المسند» وجموع من الأئمة في كتب الحديث والتاريخ والسير.
وهو صحيح.

وبمثل هذه الحيلة اللطيفة؛ طمئن خائفا، وانشر علما، وغير حديث لغو، واحرف حديث غيبة..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) السيد الكبير الشهيد: عبدالله بن عمرو بن حرام، أبو جابر بن عبدالله، المشهور.
اختبار الجاد في العلم


نقل ياقوت عن ابن السمعاني في «المذيل على تاريخ بغداد»: «قال: سمعت المقرىء أبا عبدالله محمد بن عبدالرزاق الحداد بسرخس يقول: سمعت المقرىء أبا نصر محمد بن أحمد الكركانجي بجيرنج يقول: أردت أن أقرأ القرآن على بعض القراء بالشام برواية وقعت له عالية، فامتنع علي،
ثم قال لي: تقرأ علي كل يوم عشرا وتدفع إلي مثقالا من الفضة، فقبلت ذلك منه شئت أو أبيت!
قال: فلما وصلت إلى المفصل أذن لي كل يوم في قراءة سورة كاملة.
وكنت أرسل غلماني في التجارة إلى البلاد، وأقمت عنده سنة وخمسة أشهر أو ستة حتى ختمت.
واتفق أن لم يرد علي في هذه الرواية خلافا من جودة قراءتي.
فلما قرب أن أختم الكتاب جمع أصحابه الذين قرؤوا عليه في البلاد القريبة منه، وأمرهم أن يحمل إلي كل واحد منهم شستكة قيمتها دينار أحمر وفيها من دينارين إلى خمسة!
وقال لهم المقرىء: اعلموا أن هذا الشاب قرأ علي الرواية الفلانية ولم أحتج أن أرد عليه، ووزن في كل يوم مثقالا من الفضة، وأردت أن أعرف حرصه في القراءة مع الجودة.
ورد علي ما كان أخذه مني، ودفع إلي كل ما حمله أصحابه من الشساتك والذهب، فامتنعت،
فأظهر الكراهية حتى أخذت ما أشار إليه، وخرجت من تلك البلدة».

«معجم الأدباء» ٢٣٥٩/٥.

فهذا مثال رائع للجد في طلب العلم والصبر عليه.
ولن يستمر في العلم من لا يصبر عليه حتى يحبه، ويكون أنسه ومتعته ونعيم روحه..