وقال ابن تيمية رحمه الله: «وأصل قول الجهمية هو نفي الصفات بما يزعمون من دعوى العقليات التي عارضوا بها النصوص، إذ كان العقل الصريح الذي يستحق أن تسمى قضاياه عقليات موافقا للنصوص لا مخالفا لها.
ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى، كقول أبي تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء!
فهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم:
أحدها: ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والثاني: ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء.
والثالث: جعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين.
والرابع: تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول.
وأما أهل العلم والإيمان: فهم على نقيض هذه الحال، يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقا، وما خالفه كان باطلا.
ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي أستفرغ به وسعه؛ غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية، أو المسائل العملية؛
فإنه ليس كل ما كان معلوما متيقنا لبعض الناس؛ يجب أن يكون معلوما متيقنا لغيره.
وليس كل ما قال رسول الله ﷺ يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيرا منه،
وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده،
وإن كان كلامه في نفسه محكما مقرونا بما يبين مراده، لكن أهل العلم يعلمون ما قاله، ويميزون بين النقل الذي يصدق به والنقل الذي يكذب به، ويعرفون ما يعلم به معاني كلامه ﷺ.
فإن الله تعالى أمر الرسول بالبلاغ المبين، وهو أطوع الناس لربه، فلا بد أن يكون قد بلغ البلاغ المبين، ومع البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبسا مدلسا».
«درء تعارض العقل والنقل» ٢٧٦/١.
ولما كان قد شاع في عرف الناس أن قول الجهمية مبناه على النفي صار الشعراء ينظمون هذا المعنى، كقول أبي تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء!
فهؤلاء ارتكبوا أربع عظائم:
أحدها: ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والثاني: ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء.
والثالث: جعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين.
والرابع: تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول.
وأما أهل العلم والإيمان: فهم على نقيض هذه الحال، يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقا، وما خالفه كان باطلا.
ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي أستفرغ به وسعه؛ غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية، أو المسائل العملية؛
فإنه ليس كل ما كان معلوما متيقنا لبعض الناس؛ يجب أن يكون معلوما متيقنا لغيره.
وليس كل ما قال رسول الله ﷺ يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيرا منه،
وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده،
وإن كان كلامه في نفسه محكما مقرونا بما يبين مراده، لكن أهل العلم يعلمون ما قاله، ويميزون بين النقل الذي يصدق به والنقل الذي يكذب به، ويعرفون ما يعلم به معاني كلامه ﷺ.
فإن الله تعالى أمر الرسول بالبلاغ المبين، وهو أطوع الناس لربه، فلا بد أن يكون قد بلغ البلاغ المبين، ومع البلاغ المبين لا يكون بيانه ملتبسا مدلسا».
«درء تعارض العقل والنقل» ٢٧٦/١.
Forwarded from قناة عبدالرحمن السديس
لماذا الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد ولد آدم، وخيرة خلق الله، إمام الأنبياء، وخاتم المرسلين، أما بعد
فالاحتفال بالمولد النبوي بدعة؛ لأنه لم يفعله النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا الأئمة الأربعة وأقرانهم من الأئمة الهداة، وهم أعظم الناس حبا واتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام.
وهو أمر أحدثه أهل البدع بعد القرون المفضلة، مع أن تاريخ مولد النبي ﷺ مختلف في تحديده، ولا يصح في ذلك خبر.
ولم يحتفل هو ﷺ بيوم مولده، ولا بيوم بعثته.
ولابنجاته من المشركين يوم الهجرة ويوم أحد.
ولم يحتفل بنصره يوم بدر ويوم فتح مكة وغيرها من الأيام العظيمة.
ولو كان الاحتفال بالمولد أو هذه الأيام خيرا؛ لأرشدنا إليه، وأمرنا به، فما من خير إلا دلنا عليه، فقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح أمته.
ومن يستدل على تسويغ هذه البدعة بصيامه ﷺ اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وأهلك فرعون؛ فقد أبعد النجعة؛ لأن نجاة نبينا أعظم ونصره أهم، ومع ذلك؛ لم يحتفل ﷺ بذلك ولا أصحابه.
ومن يستدل بقوله ﷺ لما سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي». رواه مسلم.
فيقال: هذا فيه فضيلة لصوم يوم الاثنين من كل أسبوع، لا يوم اثنين واحد في السنة، مع أن مقيمي المولد لا يجعلونه في يوم الاثنين، بل في أي يوم صادف ١٢ من ربيع الأول.
وهؤلاء المحدثون لهذه البدعة عامتهم لا يصومونه؛ بل يحتجون بهذا لما يفعلون من احتفال وإنشاد، وطرب وتمايل، وسماع وأُنس، وأكل وشرب ونحوها!
فهؤلاء المحتفلون إما أنهم أعلم منه ﷺ بما يجب له ويستحب!
أو هم مبتدعون مخالفون لسنته وهديه.
فمن كان صادقا في حبه ﷺ؛ فليتبعه ويفعل كما فعل، وعليه أن يلزم شرعه وأمره، ويحذروا نهيه ومخالفة هديه، فخير الهدي هديه ﷺ، وهذا هو الذي أمر به ربنا عز وجل، فقال الله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون}.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد ولد آدم، وخيرة خلق الله، إمام الأنبياء، وخاتم المرسلين، أما بعد
فالاحتفال بالمولد النبوي بدعة؛ لأنه لم يفعله النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا الأئمة الأربعة وأقرانهم من الأئمة الهداة، وهم أعظم الناس حبا واتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام.
وهو أمر أحدثه أهل البدع بعد القرون المفضلة، مع أن تاريخ مولد النبي ﷺ مختلف في تحديده، ولا يصح في ذلك خبر.
ولم يحتفل هو ﷺ بيوم مولده، ولا بيوم بعثته.
ولابنجاته من المشركين يوم الهجرة ويوم أحد.
ولم يحتفل بنصره يوم بدر ويوم فتح مكة وغيرها من الأيام العظيمة.
ولو كان الاحتفال بالمولد أو هذه الأيام خيرا؛ لأرشدنا إليه، وأمرنا به، فما من خير إلا دلنا عليه، فقد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح أمته.
ومن يستدل على تسويغ هذه البدعة بصيامه ﷺ اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وأهلك فرعون؛ فقد أبعد النجعة؛ لأن نجاة نبينا أعظم ونصره أهم، ومع ذلك؛ لم يحتفل ﷺ بذلك ولا أصحابه.
ومن يستدل بقوله ﷺ لما سئل عن صوم الاثنين؟ فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي». رواه مسلم.
فيقال: هذا فيه فضيلة لصوم يوم الاثنين من كل أسبوع، لا يوم اثنين واحد في السنة، مع أن مقيمي المولد لا يجعلونه في يوم الاثنين، بل في أي يوم صادف ١٢ من ربيع الأول.
وهؤلاء المحدثون لهذه البدعة عامتهم لا يصومونه؛ بل يحتجون بهذا لما يفعلون من احتفال وإنشاد، وطرب وتمايل، وسماع وأُنس، وأكل وشرب ونحوها!
فهؤلاء المحتفلون إما أنهم أعلم منه ﷺ بما يجب له ويستحب!
أو هم مبتدعون مخالفون لسنته وهديه.
فمن كان صادقا في حبه ﷺ؛ فليتبعه ويفعل كما فعل، وعليه أن يلزم شرعه وأمره، ويحذروا نهيه ومخالفة هديه، فخير الهدي هديه ﷺ، وهذا هو الذي أمر به ربنا عز وجل، فقال الله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون}.
قناة عبدالرحمن السديس
فاستشير فيمن يصلح لذلك، فقال: أبو بكر أحمد بن علي الرازي [الحنفي].
وكان الرازي تزيد حاله على منزلة الرهبان في العبادة؛ فأريد للقضاء؛ فامتنع،
وكان الرازي تزيد حاله على منزلة الرهبان في العبادة؛ فأريد للقضاء؛ فامتنع،
وأبو بكر الرازي هذا هو الجصاص صاحب كتاب «أحكام القرآن»، وهو عالم محدث فقيه حنفي.
قال الذهبي: «وقيل: كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها، نسأل الله السلامة».
«سير أعلام النبلاء» ٣٤١/١٦.
قلت: كتابه طافح في تقرير مذهب المعتزلة في الصفات والقدر وغيرها..
وهذه الصورة من كتابه «أحكام القرآن»!
قال الذهبي: «وقيل: كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها، نسأل الله السلامة».
«سير أعلام النبلاء» ٣٤١/١٦.
قلت: كتابه طافح في تقرير مذهب المعتزلة في الصفات والقدر وغيرها..
وهذه الصورة من كتابه «أحكام القرآن»!
قناة عبدالرحمن السديس
قول بعض الأئمة: أصح حديث في هذا الباب حديث كذا، لا يعني أن يكون الحديث صحيحا.
فإنهم يقولون: هذا أصح ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفا.
ومرادهم: أرجحه وأقله ضعفا، ويكون بقية ما في الباب أشد ضعفا.
فإنهم يقولون: هذا أصح ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفا.
ومرادهم: أرجحه وأقله ضعفا، ويكون بقية ما في الباب أشد ضعفا.
وقال ابن القيم: «وفيما قاله المنذري نظر، فإن أبا داود لم يحكم بصحته، وإنما قال بعد روايته: «هذا أصح من حديث ابن جريج أنه طلق امرأته ثلاثا، لأنهم أهل بيته وهم أعلم بقصتهم وحديثهم».
وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وهذا ضعيف أيضا، فهو أصح الضعيفين عنده.
وكثيرا ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير في كلام المتقدمين.
ولو لم يكن اصطلاحا لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: «هذا أصح من هذا»، ولا يدل على أنه صحيح مطلقا. والله أعلم».
«تهذيب السنن» ٥٣٧/١.
وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وهذا ضعيف أيضا، فهو أصح الضعيفين عنده.
وكثيرا ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير في كلام المتقدمين.
ولو لم يكن اصطلاحا لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: «هذا أصح من هذا»، ولا يدل على أنه صحيح مطلقا. والله أعلم».
«تهذيب السنن» ٥٣٧/١.
Forwarded from ثلاثون ثانية
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
احذر الفخر ! | الشيخ: عبدالرحمن بن صالح السديس
قناة عبدالرحمن السديس
وبحسبك من أخيك أكثره
هذه الكلمات من الجاحظ من أروع ما قيل هذا الباب لفظا ومعنى!
هذه الكلمات من الجاحظ من أروع ما قيل هذا الباب لفظا ومعنى!
.
تلق من جاءك بالبشر ولا تعاتب.
قال عبدالله بن طاهر:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول.
تلق من جاءك بالبشر ولا تعاتب.
قال عبدالله بن طاهر:
مدمن الإغضاء موصول ... ومديم العتب مملول.
سمج التأويل
قال ابن القيم -وذكر الخلاف أين صلى النبي ﷺ الظهر يوم النحر وتوجيه ما روي من الأحاديث وتأويل بعضهم-:
«قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه، ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل .. ثم رجع إلى منى، فرأى قوما لم يصلوا فصلى بهم ثالثة..
وهذه خرفشة في العلم، وطريقة يسلكها القاصرون فيه، وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان، الذي هو عرضة البشر.
ومن له إلمام بالسنة ومعرفة حجه ﷺ، يقطع بأنه لم يصل الظهر في ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات، بل ولا مرتين. وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده ﷺ».
«تهذيب السنن» ٣٩٩/١.
وقال -بعد ذكر تأويلات تبشعها وردها-:
«وهذا وأمثاله لولا أنه قد سودت به الأوراق، وصنفت فيه الكتب، وحمله الناس؛ لكان الأولى بنا الرغبة عنه، لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به، فإنه من زَبَد الصدور، لا من زُبدها!».
«زاد المعاد» ١٠١/١.
وقال: «فالأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة فغير محصورة ولا متناهية، بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم، وما تخرجهم إليه ظنونهم وأوهامهم.
ولذلك لا يزال المستقصي عند نفسه في البحث عن المقالات وتتبعها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال، ولا تدور له في خيال، ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم، ليس لها ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق، ولا أشرقت عليها شمس الهداية، ولا باشرت حقيقة الإيمان، فخواطرها وهوسها لا غاية له يقف عندها.
فإن أردت الإشراف على ذلك؛ فتأمل كتب المقالات والآراء والديانات، تجد كل ما يخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون، وصار إليه صائرون، ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بال!
وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها، وتحمله على تأويلها؛ ومع ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارعين، وفي القبول منهم راغبين.
فهم مبادرون إلى أخذ ما يوردونه عليهم، وقبولهم إياه عنهم».
«الصواعق المرسلة» ١٥٢/١.
قال ابن القيم -وذكر الخلاف أين صلى النبي ﷺ الظهر يوم النحر وتوجيه ما روي من الأحاديث وتأويل بعضهم-:
«قالوا: ولعله صلى الظهر بأصحابه، ثم جاء إلى مكة فصلى الظهر بمن لم يصل .. ثم رجع إلى منى، فرأى قوما لم يصلوا فصلى بهم ثالثة..
وهذه خرفشة في العلم، وطريقة يسلكها القاصرون فيه، وأما فحول أهل العلم فيقطعون ببطلان ذلك، ويحيلون الاختلاف على الوهم والنسيان، الذي هو عرضة البشر.
ومن له إلمام بالسنة ومعرفة حجه ﷺ، يقطع بأنه لم يصل الظهر في ذلك اليوم ثلاث مرات بثلاث جماعات، بل ولا مرتين. وإنما صلاها على عادته المستمرة قبل ذلك اليوم وبعده ﷺ».
«تهذيب السنن» ٣٩٩/١.
وقال -بعد ذكر تأويلات تبشعها وردها-:
«وهذا وأمثاله لولا أنه قد سودت به الأوراق، وصنفت فيه الكتب، وحمله الناس؛ لكان الأولى بنا الرغبة عنه، لضيق الزمان عن كتابته وسماعه والاشتغال به، فإنه من زَبَد الصدور، لا من زُبدها!».
«زاد المعاد» ١٠١/١.
وقال: «فالأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة فغير محصورة ولا متناهية، بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم، وما تخرجهم إليه ظنونهم وأوهامهم.
ولذلك لا يزال المستقصي عند نفسه في البحث عن المقالات وتتبعها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال، ولا تدور له في خيال، ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم، ليس لها ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق، ولا أشرقت عليها شمس الهداية، ولا باشرت حقيقة الإيمان، فخواطرها وهوسها لا غاية له يقف عندها.
فإن أردت الإشراف على ذلك؛ فتأمل كتب المقالات والآراء والديانات، تجد كل ما يخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون، وصار إليه صائرون، ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بال!
وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها، وتحمله على تأويلها؛ ومع ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارعين، وفي القبول منهم راغبين.
فهم مبادرون إلى أخذ ما يوردونه عليهم، وقبولهم إياه عنهم».
«الصواعق المرسلة» ١٥٢/١.
قناة عبدالرحمن السديس
مسائل فقهية في الخسوف
من فقه الخسوف 👆
ما الذي يقدم الخسوف أو المكتوبة؟
ذكر في «الفروع» عن الجمهور تقديم الخسوف إن أمن فوت وقت المكتوبة.
وفي «الإنصاف»: «ولو اجتمع مع الكسوف عيد أو مكتوبة، قدم عليها إن أمن الفوت. على الصحيح من المذهب.
وقيل: يقدمان عليه. واختاره المصنف. وهو من المفردات.
وقال ابن قدامة: «والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال؛ لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة، لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم، وانتظارهم للصلاة الواجبة، مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وقد أمر النبي ﷺ بتخفيف الصلاة الواجبة، كيلا يشق على المأمومين، فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة، مع أنها غير واجبة، أولى».
«المغني».
ما الذي يقدم الخسوف أو المكتوبة؟
ذكر في «الفروع» عن الجمهور تقديم الخسوف إن أمن فوت وقت المكتوبة.
وفي «الإنصاف»: «ولو اجتمع مع الكسوف عيد أو مكتوبة، قدم عليها إن أمن الفوت. على الصحيح من المذهب.
وقيل: يقدمان عليه. واختاره المصنف. وهو من المفردات.
وقال ابن قدامة: «والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال؛ لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة، لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم، وانتظارهم للصلاة الواجبة، مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وقد أمر النبي ﷺ بتخفيف الصلاة الواجبة، كيلا يشق على المأمومين، فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة، مع أنها غير واجبة، أولى».
«المغني».
لا تشرع صلاة الخسوف إذا لم تُمكِن رؤيته في البلد أو المحلة.. لغيم أو غبار؛
لأنه تخلف سبب العبادة وهو رؤية الخسوف.
وتخلفت الحكمة من شرعية الصلاة، وهي التخويف.
قال ابن تيمية: «إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك؛ فلا يكادون يخطئون، ومع هذا؛ فلا يترتب على خبرهم علم شرعي؛ فإن صلاة الكسوف والخسوف، لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك».
قال في «الفروع» -في الفقه الحنبلي-: «ولا عبرة بقول المنجمين، ولا يجوز العمل به».
وفي «النجم الوهاج» -في الفقه الشافعي-: «ولا يعمل في الكسوف بقول المنجمين، فلو أخبروا به ثم حصل عارض غيم؛ لم يصل له».
وعلمنا بوقوعه من جهة خبر الفلكيين؛ لا يترتب عليه عمل شرعي.
فهذه الآية الكونية منع من وقوع أثرها عندنا آية كونية أخرى، وكل من عند ربنا سبحانه وتعالى.
فإن قيل: قد يخبرنا به من رآه في بلد آخر، ونحن مثلهم؛ فالخسوف واقع علينا وإن لم نره؟
قيل: رجعنا إلى أن مصدر العلم بوجوده عندنا قول الفلكيين، وتقدم أنه لا عبرة شرعية بخبرهم في هذا.
كما لو أخبروا بوجود الهلال ثم حال دون رؤيته غيم أو غبار.
والله أعلم.
لأنه تخلف سبب العبادة وهو رؤية الخسوف.
وتخلفت الحكمة من شرعية الصلاة، وهي التخويف.
قال ابن تيمية: «إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك؛ فلا يكادون يخطئون، ومع هذا؛ فلا يترتب على خبرهم علم شرعي؛ فإن صلاة الكسوف والخسوف، لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك».
قال في «الفروع» -في الفقه الحنبلي-: «ولا عبرة بقول المنجمين، ولا يجوز العمل به».
وفي «النجم الوهاج» -في الفقه الشافعي-: «ولا يعمل في الكسوف بقول المنجمين، فلو أخبروا به ثم حصل عارض غيم؛ لم يصل له».
وعلمنا بوقوعه من جهة خبر الفلكيين؛ لا يترتب عليه عمل شرعي.
فهذه الآية الكونية منع من وقوع أثرها عندنا آية كونية أخرى، وكل من عند ربنا سبحانه وتعالى.
فإن قيل: قد يخبرنا به من رآه في بلد آخر، ونحن مثلهم؛ فالخسوف واقع علينا وإن لم نره؟
قيل: رجعنا إلى أن مصدر العلم بوجوده عندنا قول الفلكيين، وتقدم أنه لا عبرة شرعية بخبرهم في هذا.
كما لو أخبروا بوجود الهلال ثم حال دون رؤيته غيم أو غبار.
والله أعلم.
قناة عبدالرحمن السديس
لماذا تأخذون بالحساب في أوقات الصلاة، ولا تأخذون به في دخول الشهر والخسوف وتشترطون الرؤية؟
قبل أن يأتي الاعتراض هذا 👆 الجواب:)
فتنة التأويل!
في ترجمة أبي القاسم القشيري صاحب «الرسالة»:
«ولمَّا قدم بغداد عقد مجلس التذكير، فروى عن النبي ﷺ: «السفر قطعة من العذاب». الحديث.
فقام إليه سائلٌ فقال: لِمَ سمَّاه النبيُّ ﷺ قطعةً من العذاب؟
فأجاب بديهًا؛ لأنه سببٌ لفراق الأحباب. فصاح الناس وماجوا، ولم يقدر على إتمام المجلس، فنزل».
«مرآة الزمان» ٢٦٦/١٩.
ونحوه في «طبقات الأولياء» لابن الملقن ٢٥٩.
ونقله ابن الملقن في شرحه للبخاري «التوضيح» ٢٧٤/١٢ لكن نسبة لأبي المعالي الجويني!
فقال: «فائدة: من طُرَف ما وقع لي أن إمام الحرمين سأله بعضهم -لما جُعِل مكان والده- عن معنى قوله: «السَّفرُ قطعة من العذاب»؛ فأجاب في الحال؛ لأن فيه فراق الأحباب، وهو من عجيب الأجوبة».
ويبدو عنه ابن حجر في «فتح الباري» ٦٢٤/٣.
ثم تناهبه الناس بعد ذلك!
مع أن لفظ الحديث -وهو في الصحيحين- يدفع هذا؛ قال النبي ﷺ قال: «السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته؛ فليعجل إلى أهله».
فـ«يمنع أحدكم..» جواب سؤال مقدر: لِم كان السفر قطعة من العذاب؟
ولا يغب عنك حال السفر في ذلك الزمان؛ فكان على الأقدام أو الإبل، والمخاطر كثيرة من الهوام والسباع، وفقد الماء، وشدة الجو، وقطع الطريق..
في ترجمة أبي القاسم القشيري صاحب «الرسالة»:
«ولمَّا قدم بغداد عقد مجلس التذكير، فروى عن النبي ﷺ: «السفر قطعة من العذاب». الحديث.
فقام إليه سائلٌ فقال: لِمَ سمَّاه النبيُّ ﷺ قطعةً من العذاب؟
فأجاب بديهًا؛ لأنه سببٌ لفراق الأحباب. فصاح الناس وماجوا، ولم يقدر على إتمام المجلس، فنزل».
«مرآة الزمان» ٢٦٦/١٩.
ونحوه في «طبقات الأولياء» لابن الملقن ٢٥٩.
ونقله ابن الملقن في شرحه للبخاري «التوضيح» ٢٧٤/١٢ لكن نسبة لأبي المعالي الجويني!
فقال: «فائدة: من طُرَف ما وقع لي أن إمام الحرمين سأله بعضهم -لما جُعِل مكان والده- عن معنى قوله: «السَّفرُ قطعة من العذاب»؛ فأجاب في الحال؛ لأن فيه فراق الأحباب، وهو من عجيب الأجوبة».
ويبدو عنه ابن حجر في «فتح الباري» ٦٢٤/٣.
ثم تناهبه الناس بعد ذلك!
مع أن لفظ الحديث -وهو في الصحيحين- يدفع هذا؛ قال النبي ﷺ قال: «السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته؛ فليعجل إلى أهله».
فـ«يمنع أحدكم..» جواب سؤال مقدر: لِم كان السفر قطعة من العذاب؟
ولا يغب عنك حال السفر في ذلك الزمان؛ فكان على الأقدام أو الإبل، والمخاطر كثيرة من الهوام والسباع، وفقد الماء، وشدة الجو، وقطع الطريق..
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
من كنوز القرآن
طريقة دفع الشر الواصل للعبد
طريقة دفع الشر الواصل للعبد
الحسن أحمر، والموت أحمر!
قال المتنبي: مَنِ الجآذرُ في زيّ الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلَى والمطايا والجلابيبِ؟
قال أبو القاسم الأصبهاني:
«قال أبو الفتح [ابن جني]: (حُمر الحلى) أي: هن شراف، وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء، إنما المعنى أنهن حسان يلبسن حسان الملابس، استضافة جمال إلى جمال.
وروى الأصمعي في كتاب «الأجناس» أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يَشُب لون المرأة.
أي: ينوره ويجلوه، وكلما ازدادت الظلمة سوادًا؛ ازدادت الأنوار ضياءً.
والعرب تقول: الحُسن أحمر، ومنه قول بشار:
وخُذي ملابس زِينَةٍ ... ومُصبَّغاتٍ هُنَّ أَنْوَرُ
فإذا دَخَلنا فادخُلي ... في الحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحمرُ.
وقد ذكر ابن الرومي هذا البيت في قوله:
قل للمليحة في الخِمار المُذَهبِ ... أفسدتِ نُسْك أخي التُّقى المُترَهّبِ
وجَمعتِ بين المُذْهَبَينِ فلم يكن ... للحُسن في ذَهَبَيْهِما مِن مَذهبِ.
والعلماء يقولون في قولهم: (الحسن أحمر) وجهًا آخر، وهو:
أنه يُخاض فيه الشدائد حتى إن الدم يُراق فيه، كما يقولون: الموت أحمر، وهو الذي يراق فيه الدم».
«الواضح في مشكلات شعر المتنبي» ص٣٤.
تتمة:
قال أبو عبيد البكري: «ومن بديع ما سمعه الناس في تفضيل نساء البداوة مع حلاوة وطلاوة، وصحّة معنى، وقرب مأخذ، وجودة لفظ؛ قول أبي الطيّب:
مَنِ الجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل شكًّا في معارفها ... فمن رماك بتسهيد وتعذيب
ثم قال:
ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويّات الرعابيب
حُسْن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المَعيزُ من الآرام ناظرة ... وغير ناظرة في الحسن والطيب
ومِن هوى كل من ليست مموّهة ... تركتُ لون مشيبي غير مخضوب.
فلو لم تفضّل البادية بشعر إلا هذا؛ لكان فيه مقنع وكفاية».
«اللآلي شرح الأمالي» ٤٥٧/١.
قال المتنبي: مَنِ الجآذرُ في زيّ الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلَى والمطايا والجلابيبِ؟
قال أبو القاسم الأصبهاني:
«قال أبو الفتح [ابن جني]: (حُمر الحلى) أي: هن شراف، وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء، إنما المعنى أنهن حسان يلبسن حسان الملابس، استضافة جمال إلى جمال.
وروى الأصمعي في كتاب «الأجناس» أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يَشُب لون المرأة.
أي: ينوره ويجلوه، وكلما ازدادت الظلمة سوادًا؛ ازدادت الأنوار ضياءً.
والعرب تقول: الحُسن أحمر، ومنه قول بشار:
وخُذي ملابس زِينَةٍ ... ومُصبَّغاتٍ هُنَّ أَنْوَرُ
فإذا دَخَلنا فادخُلي ... في الحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحمرُ.
وقد ذكر ابن الرومي هذا البيت في قوله:
قل للمليحة في الخِمار المُذَهبِ ... أفسدتِ نُسْك أخي التُّقى المُترَهّبِ
وجَمعتِ بين المُذْهَبَينِ فلم يكن ... للحُسن في ذَهَبَيْهِما مِن مَذهبِ.
والعلماء يقولون في قولهم: (الحسن أحمر) وجهًا آخر، وهو:
أنه يُخاض فيه الشدائد حتى إن الدم يُراق فيه، كما يقولون: الموت أحمر، وهو الذي يراق فيه الدم».
«الواضح في مشكلات شعر المتنبي» ص٣٤.
تتمة:
قال أبو عبيد البكري: «ومن بديع ما سمعه الناس في تفضيل نساء البداوة مع حلاوة وطلاوة، وصحّة معنى، وقرب مأخذ، وجودة لفظ؛ قول أبي الطيّب:
مَنِ الجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل شكًّا في معارفها ... فمن رماك بتسهيد وتعذيب
ثم قال:
ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويّات الرعابيب
حُسْن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المَعيزُ من الآرام ناظرة ... وغير ناظرة في الحسن والطيب
ومِن هوى كل من ليست مموّهة ... تركتُ لون مشيبي غير مخضوب.
فلو لم تفضّل البادية بشعر إلا هذا؛ لكان فيه مقنع وكفاية».
«اللآلي شرح الأمالي» ٤٥٧/١.
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
كتاب نافع ممتع
مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي
للدكتور محمود الطناحي رحمه الله
مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي
للدكتور محمود الطناحي رحمه الله
سوء الظن وحسنه.
قال الجاحظ: «وليس سوء الظن في الجملة بالمذموم، ولا حسن الظن بالمحمود، وإنما المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القوية والضعيفة، والذي يتجلى للعيون من الأمور المقربة، وعلى ما جرت عليه العادة والتجربة».
«البرصان والعرجان» ص٣٣.
وقال ابن حزم: «استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتأهب.
واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ؛ فتربح راحة النفس».
وقال: «وأما سوء الظن؛ فيعده قوم عيبا على الإطلاق، وليس كذلك؛ إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة، أو إلى ما يقبح في المعاملة، وإلا فهو حزم، والحزم فضيلة».
«مداواة النفوس» ص٣١و٣٥.
وهذا كما ترى!
وبعض الناس حسن الظن دوما؛ فيقع في مخانق تهلكه أو تكاد.
وقال أبو القاسم -على قول الله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن}-:
«والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا ترى إلى قوله: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}؟
فإن قلت: بيِّن الفصل بيْن {كثيرا}، حيث جاء نكرة، وبينه لو جاء معرفة [الكثير]؟
قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وأنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين؛ لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر.
ولو عُرِّف؛ لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطا بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظنيه.
والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر؛ كان حراما واجب الاجتناب،
وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر؛ فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث».
«الكشاف».
قال الجاحظ: «وليس سوء الظن في الجملة بالمذموم، ولا حسن الظن بالمحمود، وإنما المحمود من ذلك الصواب على قدر الأسباب القوية والضعيفة، والذي يتجلى للعيون من الأمور المقربة، وعلى ما جرت عليه العادة والتجربة».
«البرصان والعرجان» ص٣٣.
وقال ابن حزم: «استعمل سوء الظن حيث تقدر على توفيته حقه في التحفظ والتأهب.
واستعمل حسن الظن حيث لا طاقة بك على التحفظ؛ فتربح راحة النفس».
وقال: «وأما سوء الظن؛ فيعده قوم عيبا على الإطلاق، وليس كذلك؛ إلا إذا أدى صاحبه إلى ما لا يحل في الديانة، أو إلى ما يقبح في المعاملة، وإلا فهو حزم، والحزم فضيلة».
«مداواة النفوس» ص٣١و٣٥.
وهذا كما ترى!
وبعض الناس حسن الظن دوما؛ فيقع في مخانق تهلكه أو تكاد.
وقال أبو القاسم -على قول الله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن}-:
«والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة، ألا ترى إلى قوله: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}؟
فإن قلت: بيِّن الفصل بيْن {كثيرا}، حيث جاء نكرة، وبينه لو جاء معرفة [الكثير]؟
قلت: مجيئه نكرة يفيد معنى البعضية، وأنّ في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين؛ لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر.
ولو عُرِّف؛ لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطا بما يكثر منه دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظنيه.
والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أنّ كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر؛ كان حراما واجب الاجتناب،
وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر؛ فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهره الناس بتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث».
«الكشاف».