منبر الخطباء والدعاة
2.99K subscribers
2 files
927 links
تهتم بالخطب.....

لخطباء المساجد......

والدعاة.......
Download Telegram
بأنَّ اللهَ باركَ لَكَ في هذا الشيءِ، بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلةً).

5- «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ»: أي: شَرَّ الذي قضيتَه؛ فإنَّ الله تعالى قد يقضي بالشَّرِّ لِحِكمةٍ بالِغة، والشَّرُّ واقعٌ في بعض مخلوقاته، لا في خَلْقِه وفِعْلِه، وفي الحديث: «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» رواه مسلم. فإنَّ فِعْلَه وخَلْقَه خيرٌ كلُّه، وهذا الدعاء يتضمَّن سُؤالَ اللهِ الوقايةَ من الشُّرور، والسلامةَ من الآفات، والحِفظَ عن البلايا والفِتن.

6- «إِنَّكَ تَقْضِيَ»: أي: تَحْكُمُ ما تشاء، وتفعل ما تُريد، ولا تُسأل عن ذلك ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]. ففيه التَّوسُّل إلى الله سبحانه بأنه يقضي على كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ له الحُكْمَ التَّام، والمَشِيئةَ النَّافذة، والقُدرةَ الشَّاملة، فهو سبحانه يقضي في عبادِه بما شاء، ويَحكم فيهم بما يُرِيد، لا رادَّ لِحُكمه، ولا مُعقِّب لِقضائه.
«وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ»: أي: لا يُوجِبُ عليك أحدٌ من خَلْقِكَ شيء، فَهُمْ مربوبون لك مقهورون بِعِزَّتِكَ، والعَجْزُ لازِمٌ لهم. فأنتَ تُوجِبُ على نفسِك ما شئتَ، قال اللهُ تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: 12]؛ وفي الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» رواه مسلم. فلا أحدَ من العِباد يقضي على اللهِ تعالى، واللهُ تعالى هو الذي يحكم عليهم بما يشاء، ويقضي فيهم بما يُريد.

7- «إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ»: لأنَّ مَنْ كان ولِيًّا لله فقد تكفَّل اللهُ بِنَصْرِه؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 173]، والذُّلُّ: هو الضَّعْفُ والهَوان. فمَنْ كان اللهُ عز وجل وَلِيَّه؛ لا يحصل له ذِلَّةٌ في نفسِه، ولا يُذِلُّهُ أحدٌ، وهذا كأنه تعليلٌ لسؤال الولاية: «وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ»؛ فإنَّ الله سبحانه إذا تولَّى العبدَ فإنه لا يَذِلُّ ولا يُذَلُّ.

8- «وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ»: أي: لا يَغلِبُ مَنْ عاديتَه، بل هو ذليلٌ؛ لأَنَّ مَنْ والاه الله فهو منصورٌ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (فإنْ قال قائلٌ: هل هذا على عُمُومِهِ، لا يَذِلُّ مَنْ وَالاه الله، ولا يَعِزُّ مَنْ عاداه؟ فالجواب: ليس هذا على عُمُومه؛ فإنَّ الذُّلَّ قد يَعْرِضُ لبعض المؤمنين، والعِزَّ قد يَعْرِضُ لبعض المشركين، ولكنَّه ليس على سبيل الإِدالة المُطلقة، الدَّائمةِ المستمرَّة، فالذي وقع في أُحُدٍ للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابِهِ لا شَكَّ أنَّ فيه عِزًّا للمشركين، ولهذا افتخروا به فقالوا: «يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ» رواه البخاري. ولكن هذا شيءٌ عارِضٌ ليس عِزًّا دائماً مُطَّرِداً للمشركين، وليس ذُلًّا للمؤمنين على وجه الدَّوام والاستمرار، وفيه مصالحُ عظيمةٌ كثيرةٌ حصَلتْ للنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابِه رضي الله عنهم) بتصرف يسير.

-----

*الخطبة الثانية*

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أيها المسلمون.. ثم خَتَمَ الدعاءَ بالثناءِ على الله تبارك وتعالى؛ فقال:
9- «تَبَارَكْتَ رَبَّنَا»: أي: تعاظَمْتَ يا الله، وعمَّت بركتُك جميعَ خلقك من أهل السموات والأرض، وما بينهما. فَلَكَ العظمةُ الكاملة، والكِبرياءُ التَّام، وعظُمَتْ أوصافُك، وكَثُرتْ خيراتُك، وعمَّ إحسانُك.

10- «وَتَعَالَيْتَ»: أي: لك العُلوُّ المُطلقُ ذاتاً وقَدْراً وقَهْراً؛ فهو سبحانه العَليُّ بذاته، قد استوى على عرشِه استِواءً يَلِيقُ بجلاله وكماله. والعلِيُّ بِقَدْره، وهو علوُّ صِفاتِه وعظَمَتُها. والعَلِيُّ بِقَهْرِه حيث قَهَرَ كلَّ شيءٍ، ودانتْ له الكائناتُ بأسْرِها، فجميعُ الخَلْقِ نواصيهم بيده، فلا يتحرَّك منهم مُتحرِّكٌ، ولا يسكن ساكِنٌ إلاَّ بإذنه.

عباد الله.. إنَّ السُّنَّةَ في قُنوتِ الوِتر؛ أنْ يفعله أحياناً ويتركه أحياناً؛ وهو مذهب جمهور العلماء. ويُشرع القنوتُ قبل الركوع وبعده؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كأحمد وَغَيْرِهِ؛ فَيُجَوِّزُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ – أي القنوت قبل الركوع وبعده - لِمَجِيءِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ بِهِمَا، وَإِنِ اخْتَارُوا الْقُنُوتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ وَأَقْيَسُ؛ فَإِنَّ سَمَاعَ الدُّعَاءِ مُنَاسِبٌ لِقَوْلِ الْعَبْدِ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" فَإِنَّهُ يُشْرَعُ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ دُعَائِهِ).

فعلى المُسلم أنْ يعتني بهذا الدعاء في قُنوت الوتر، ولا بأس لو زاد على ذلك الدعاء؛ لعموم المسلمين بما استطاع من خيرٍ، والاستغفار لهم.
الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ....

الدعاء ...
*الزكاة وأحكامها*
*الشيخ عبدالله اليابس*

*الخطبة الأولى:*

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: قَبْلَ الإِسْلَامِ كَانَتْ مَعِيشَةُ البَشَرِ كَالحَيَوَانَاتِ فِي الغَابَةِ، القَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، وَالغَنِيُّ يَزْدَرِي الفَقِيرَ، لَا تَرَاحُمَ وَلَا تَعَاطُفَ، إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ بَعْضِ مَا لَدَى العَرَبِ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.

ثُمَّ جَاءَ الِإسْلَامُ، وَآخَى بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّكَافُلِ الاِجْتِمَاعِيِّ، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الحجرات:10]، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "المسلم أخو المسلم".

وَلَمَّا أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- مُعَاذًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى اليَمَنِ أَوْصَاهُ بِوَصَايَا أَخْرَجَهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الوَصَايَا أَنْ قَالَ لَهُ: "أعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِن أغْنِيَائِهِمْ وتُرَدُّ علَى فُقَرَائِهِمْ"؛ أَمْوَالُهُمْ، تُأْخَذُ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَتُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ، يُؤْجَرُ بِهَا الغَنِيُّ وَيَتَزَكَى، وَيَسْتَغْنِي بِهَا الفَقِيرُ وَيَتَعَفَّفَ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ الزَكَاةَ ثَالِثُ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ، فَهِيَ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ، جُعِلَتْ فِي مَصَافِّ التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ وَالحَجِّ. مَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ اِبْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ -تَعَالَى- كَانَتْ لَهُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً فِي الثَّوَابِ: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ)[سبأ:39].

إِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ، فَتَجِبُ فِي مَالِ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، وَالصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ. وَيُشْتَرَطُ فِي المَالِ المُزَكَّى أَنْ يَبْلُغَ النِّصَابَ وَيَحُولَ عَلَيهِ الحَولُ، بِمَعْنَى أَنْ تَمُرَّ عَلَى مِلْكِيَّةِ المُسْلِمِ لِلْمَالِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ.

وَيَبْلُغُ نِصَابُ النَّقْدِ اليَومَ 1719.55 ريال، فَمَنِ اِمْتَلَكَ هَذَا المَبْلَغَ وَمَضَتْ عَلَيهِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَجَبَتْ عَلَيهِ الزَّكَاةُ.

وَيَجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ لِصِنْفٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الأَصْنَافِ الثَمَانِيَةِ الوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[التوبة:60]، وَمَنْ أَخْرَجَهَا لِغَيرِ هَذِهِ الأَصْنَافِ لَمْ تَصِحَ مِنْهُ، كَمَنْ صَلَّى فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.

وَتَجِبُ المُبَادَرَةُ إِلَى إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ حَالَ وُجُوبِهَا، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَنْ وَقْتِهَا عَامًا أَوْ عَامَيْنِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ زَكَاةَ عَمِّهِ العَبَّاسِ عَنْ عَامَينِ.

وَالأَصْلُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي بَلَدِ المُزَكِّي الذِي يَسْكُنُ فِيهِ، لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ"، لَكِنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ خَارِجَ البِلَادِ، أَوْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ فُقَرَاءُ خَارِجَ البِلَادِ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيهِمْ؛ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ سَمَاحَةُ الشَّيخِ عَبْدُالعَزِيزِ بنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
وَصَرْفُ الزَّكَاةِ لِلْفُقَرَاءِ إِلَى الأَقَارِبِ جَائِزٌ، بَلْ لَهُ أَجْرَانِ: كَمَا رَوَى اِبْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ بِنِ عَامِرٍ الضَّبِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اِثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ".

لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنَ الأَقَارِبِ الذِينَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ لَهُمْ: الزَوْجَاتُ وَالآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالأَجْدَادُ وَالجَدَّاتُ، إِضَافَةً إِلَى الأَبْنَاءِ وَالبَنَاتِ وَأَبْنَائِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا يُنفِقُ عَلَيهِمْ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ.

وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي المُرَتَّبِ الشَهْرِيِّ إِذَا حَالَ عَلَيهِ الحَولُ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ عَدَمِ ضَبْطِهِ لِمَوَاعِيدِ إِخْرَاجِ زَكَاةِ كِلِّ شَهْرٍ عَلَى حِدَة؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَدِّدَ لَهُ يَوْمًا فِي السَّنَةِ يُخْرِجُ زَكَاةَ مَالِهِ فِيهِ.

وَيَجِبُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ المَالِ لِلْمُسْتَحِقِّ نَقْدًا، وَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهَا كَمَوَادٍ غَذِائِيَّةٍ أَوْ أَثَاثٍ أَوْ تَسْدِيدِ إِيْجَارٍ أَوْ فَوَاتِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ هُنَاكَ فَقِيرٌ مُعَيَّنٌ، يَحْتَاجِ إِمَّا إِلَى دَوَاءٍ أَوْ غِذَاءٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ اِحْتِيَاجَاتِهِ، وَكَانَ المُزَكِّي يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَتَرَتَّبُ عَلَى صَرْفِ الزَّكَاةِ لَهُ نَقْدًا مَفْسَدَةٌ وَاضِحَةٌ، أَوْ كَانَتِ المَصْلَحَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ إِعْطَاءِ ذَلِكَ الفَقِيرِ النُّقُودَ، فَفِي هَذِهِ الحَالِ أَجَازَ بَعْضُ العُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ اِبْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ صَرْفَهَا لَهُ مَوَادًا عَيْنِيَّةً بَدَلاً مِنَ النُّقُودِ.

وَاِخْتَارَ الشَّيخُ اِبْنُ عُثَيمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أَنْ يَطْلُبَ المُزَكِّي مِنَ الفَقِيرِ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُهُ خُرُوجًا مِنَ الخِلَافِ فِي المَسْأَلَةِ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْرِجَ المُسْلِمُ زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، فَلَا يُخْرِجُهَا بِتَثَاقُلٍ أَوْ تَكَاسُلٍ، بَلْ يَعْلَمَ أَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ وَلِمَالِهِ، وَأَنَّ المَالَ حَقٌّ للهِ اِمْتَنَّ بِهِ وَتَفَضَّلَ عَلَيهِ، فَمِنْ شُكْرِهِ أَنْ يُؤَدِيَ حَقَّ اللهِ -تَعَالَى- فِيهِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى إِخْرَاجِهَا وَتَوْزِيعِهَا عَلَى المُسْتَحِقِّينَ بِنَفْسِهِ قَدْرَ الإِمْكَانِ، فَإِنَّ لِذَلِكَ أَثَرًا فِي القَلْبِ لَا يَخْفَى.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

-----

*الخطبة الثانية:*

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَه إِلَّا اللهُ رَبُّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَقَيَّومُ السَّمَاوَات وَالأَرَضِين، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين، وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ بَرَكَةٌ عَلَى المَالِ، يَزِيدُ فِي بَرَكَةِ المَالِ وَيُنَمِّيهِ، (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[سبأ:39].

وَمَنْ أَمْسَكَ المَالَ رَغْبَةً فِي حِفْظِهِ وَتَنْمِيَتِهِ حَلَّتْ عَلَيهِ دَعْوَةُ المَلَكَينِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَا مِنْ يَومٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَان يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: الَّلهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: الَّلهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا"، وَأَيُّ إِمْسَاكٍ لِلْمَالِ أَعْظَمُ مِنْ إِمْسَاكِ الزَّكَاةِ الوَاجِبَةِ؟

وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ -تَعَالَى- تَارِكَ الزَّكَاةِ بِالوَعِيدِ العَظِيمِ، وَجَعَلَ -سُبْحَانَهُ- مَنْعَ الزَّكَاةِ مِنْ صِفَاتِ الكَافِرِينَ: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)[فصلت:6-7].
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي فِيهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيْدَتْ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ".

إِنَّنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَا نَصْبِرُ عَلَى البَقَاءِ فِي حَرِّ الظَهِيرَةِ، فَكَيْفَ بِحَرِّ جَهَنَّم؟!

فَبَادِرُوا بِزَكَاةِ المَالِ إِنَّ بِهَا * لِلْنَّفْسِ وَالمَالِ تَطْهِيرًا وَتَحْصِينًا
أَلَمْ تَرَوا أَنَّ أَهْلَ المَالِ فِي وَجَلٍ *
يَخْشَونَ مَصْرَعَهُمْ إِلَّا المُزَكِّينَا
فَهَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ أَوْرَثَكُمْ * مَالًا لِتَشْقَوا بِهِ جَمْعًا وَتَخْزِينًا
أَوْ تَقصُرُوهُ عَلَى مَرْضَاةِ أَنْفُسِكُمْ *
وَتَحْرِمُوا مِنْهُ مَنْكُوبًا وَمِسْكِينًا
مَا أَنْتُمُ غَيرُ أَقْوَامٍ سَيَسْأَلُكُم * إِلَهُكُمْ عَنْ حِسَابِ المُسْتَحِقِّينَا
وَلَنْ تَنَالُوا نَصِيبًا مِنْ خِلَافَتِهِ *
إِلَّا بِأَنْ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَا

(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)[التغابن:17].

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
زكاة الفطر من رمضان (فقهها وحكمتها وفضلها) - الشيخ عدنان خطاطبة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: زكاة الفطر، صدقة واجبة معروفة المقدار، يقدمها المسلم لِفِطْرِه من رمضان. وأضيفت الزكاة إلى الفطر، من إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن الفطر من رمضان هو سبب وجوبها، فأضيفت إليه؛ لوجوبها به. ويقال لها: "زكاة الفطر"، ويقال لها كذلك: "صدقة الفطر".

عباد الله: الحكم الشرعي لزكاة الفطر، هو الوجوب. والدليل على ذلك حديث ابن عمر كما في الصحيحين: "فَرَضَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض".

عباد الله: زكاة الفطر لها خصوصية فيمن تجب عليه من المسلمين، فهي لا تجب على المكلف فقط، بل تجب زكاة الفطر على كل مسلم: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجل أو امرأة، صغيرٍ أو كبيرٍ. والدليل على ذلك، حديث ابن عمر في الصحيحين، وفيه: "فَرَضَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ أو امرأةٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ".

قال ابن قدامة: "وجملته أن زكاة الفطر تجب على كل مسلم، مع الصغر والكبر، والذكورية والأنوثية, في قول أهل العلم عامة، وتجب على اليتيم, ويخرج عنه وليه من ماله، وعلى الرقيق".

يا عباد الله: ومن خصوصية أحكام زكاة الفطر، أنها لا تجب فقط على المسلم في نفسه، بل تجب عليه في نفسه، وعن كل من يعول ممن تلزمه نفقتهم. قال الخرقي: "ويلزمه أن يخرج عن نفسه وعن عياله".

فظهر أن الفطرة تلزم الإنسان القادر عن نفسه، وعن من يعوله، أي يمونه، والدليل حديث ابن عمر الذي حسنه الألباني في الإرواء، وفيه: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِمَّنْ تَمُونُونَ".

وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "زكاة الفطر تلزم الإنسان عن نفسه، وعن كلِّ من تجب عليه نفقته، ومنهم الزوجة؛ لوجوب نفقتها عليه".

عباد الله: هل لزكاة الفطر نصاب؟ وهل نصابها مثل نصاب الزكاة؟

أيها المسلمون: لزكاة الفطر نصاب، ولكنه ليس مثل نصاب الزكاة. فلزكاة الفطر خصوصية في النصاب. إذ يقدر نصابها بأن يملك المسلم قوتاً زائداً عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته.

فمن ملك ما مقداره صاعًا من الطعام زائدًا عن حاجته يوم العيد، فقد ملك النصاب. ولذلك لا تتعلق زكاة الفطر بالأغنياء، بل قد تجب على متوسطي الحال والفقراء والمساكين طالما أنهم يملكون النصاب.

والدليل، حديث ابن عمر في صحيح مسلم، قال: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ".

عباد الله: إذا أراد المسلم أن يخرج زكاة الفطر، فكم يخرج؟ ما مقدارها؟ وماذا له أن يخرج من أنواعها؟

أيها المسلمون: مقدار زكاة الفطر هو صاع من قوت البلد الذي يأكله الناس. والدليل على ذلك حديث ابن عمر في صحيح مسلم، قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ".

وفي الصحيح عن أبي سعيد الخدري أنه كان يقول: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ".

والصاع المعتبر هو صاع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو أربعة أمداد، والمد ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدّ يديه بهما، وبه سمي مدّاً، ووزنه فيما قدرة العلماء بالكيلو هو ما بين اثنتين كيلو ونصف إلى ثلاثة كيلو تقريبًا.
قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: "المقدار الواجب في زكاة الفطر عن كل فرد صاع واحد بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومقداره بالكيلو ثلاثة كيلو تقريباً".

عباد الله: متى تجب زكاة الفطر؟
تجب زكاة الفطر بدخول وقت الوجوب، وهو غروب الشمس من ليلة الفطر؛ والدليل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: "فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر من رمضان"، وذلك يكون بغروب الشمس، من آخر يوم من أيام شهر رمضان، فزكاة الفطر لا تجب إلا بغروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن أسلم بعد الغروب، أو تزوج، أو وُلِد له وَلدٌ، أو مات قبل الغروب لم تلزم فطرتهم.

عباد الله: يجوز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين؛ لحديث ابن عمر كما في صحيح البخاري، وفيه: "وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ"، وفي لفظ للإمام مالك: "أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة".

ويستحب إخراج زكاة الفطر يوم الفطر قبل صلاة العيد؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، كما في حديث ابن عمر في صحيح مسلم، وفيه: "وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ".

واعلم أيها المسلم، أنه لا يجوز تأخير أداء زكاة الفطر بعد صلاة العيد على القول الصحيح، فمن أخَّرها بعد الصلاة بدون عذر، فعليه التوبة، وعليه أن يخرجها على الفور، والدليل على ذلك، حديث ابن عباس الصحيح كما في سنن أبي داود، وفيه: "مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِىَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ".

عباد الله: ما مصارف زكاة الفطر؟ إلى من ندفع زكاة الفطر؟ هل مصارف زكاة الفطر هي نفسها صارف الزكاة؟

أيها المسلمون: لزكاة الفطر خصوصيتها في مصارفها، فهي لها مصرفان فقط لا ثمانية كما هو للزكاة. ومصارف زكاة الفطر وأهلها الذين تدفع لهم، هم الفقراء والمساكين.

وهذا هو الصواب والأرجح من أقوال أهل العلم. والدليل على هذا حديث ابن عباس الصحيح كما في سنن أبي داود، وفيه: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ..، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ".

قال الشوكاني: "وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة".

وقال ابن تيمية: "ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة".

وقال الإمام ابن القيم: "وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- تخصيص المساكين بهذه الصدقة, ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم"، ويجوز دفع زكاة الفطر عن النفر الواحد لشخص واحد، كما يجوز توزيعها على عدة أشخاص.

عباد الله: هل يخرج المسلم زكاة الفطر طعامًا من قوت بلده أم يخرجها نقدًا؟

أيها الإخوة: اتفق الفقهاء على مشروعية إخراج زكاة الفطر من الأنواع المنصوص عليها، كما في حديث ابن عمر: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ".

وفي حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ".

واتفق العلماء على أنه يجوز إخراج زكاة الفطر من الطعام الذي يعد قوتًا للناس، أيْ ما يقتاته الناس، ولا تقتصر على ما نص عليه من الشعير والتمر والزبيب، بل نخرج من الأرز والذرة والعدس وغيرهم مما يعتبر قوتاً.

قال الشافعي: "يجب في زكاة الفطر صاع من غالبًا قوت البلد في السنة"، وقال ابن تيمية: "أوجبها الله -تعالى- طعامًا كما أوجب الكفارة طعامًا".

أيها الإخوة: وأما إخراج زكاة الفطر قيمة نقدية بدلاً عن الطعام، فللعلماء قولان: القول الأول: عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. وقال النووي كما في المجموع: "لا تجزئه القيمة في الفطرة عندنا وبه قال مالك وأحمد وابن المنذر".

والقول الثّاني: جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر مطلقًا، وهو مذهب الحنفية. فذهبوا إِلَى أَنَّهُ "يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، بَل هُوَ أَوْلَى لِيَتَيَسَّرَ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيَّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى الْحُبُوبِ بَل هُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مَلاَبِسَ، أَوْ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ".

أيها الإخوة: يقول العلماء: "والسنة توزيعها بين الفقراء في بلد المزكي، ولا بأس بنقلها، ويجزئ -إن شاء الله- في أصح قولي العلماء، لكن إخراجها في محلك الذي تقيم فيه أفضل وأحوط، وإذا بعثتها لأهلك؛ ليخرجوها على الفقراء في بلدك فلا بأس".
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

------

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أيها المؤمنون: زكاة الفطر، هي شرعة مباركة من شرعة الإسلام العظيم، شرعها الله الحكيم سبحانه، وكل شرائع الله فيها الحِكْمة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.

وزكاة الفطر فيها حِكَمٌ ظاهرة جلية نص عليها الشارع، كما في الحديث الصحيح في سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ".

أيها المؤمنون: زكاة الفطر فيها حِكْمتان عظيمتان.

الحِكْمة الأولى: ويعود خيرها على الصائم نفسه. فهي تطهير لصيام المؤمن، مما يكون قد اعتراه من خلل ونقص وتقصير، فتجبره زكاة الفطر، وتنقيه، وتزكيه، حتى يعود أكمل ما يكون، فلله الحمد والمنة.

والحِكْمة الثانية: يعود خيرها على غير الصائم، على الفقراء والمساكين من عباد الله المؤمنين، فتسدّ حاجتهم يوم العيد، وتدخل عليهم السرور، وتحفظ لهم مكانتهم في فرحة المجتمع، ومشاركة الناس عيدهم، وتغنيهم عن السؤال والشعور بالمذلة في يوم جعله الله فرحة للمسلمين.

فلله الحمد والفضل والمنة على ما يشرعه لعباده من شرائع ينتفع بها جميع عباده.

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ...

الدعاء ...
زكاة الفطر وأحكام العيد - الشيخ فرج الدوسري

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أَمَا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عباد الله:ها هو شهركم قد تصرّم، وصدق الله لما قال: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾. يعني: سرعان ما تنقضي، فها قد ذهب أكثر الشهر، فسبحان مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾

وإن من رحمة الله أن شرع عبادات جليلة في آخر الشهر يزداد بها الإيمان و يجبر بها ماحصل في الصيام من خلل أو نقصان، فمنها زكاة الفطر فهي فريضة على كل مسلم.

قال ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. متفق عليه.

وَيُؤدِّي الرَّجُلُ الزَّكَاةَ عَنهُ وَعَمَّن تَكفَّلَ بِنَفَقَتِهِ وَلَابُدَّ لَهُ مِن أنْ يُنفِقَ عَلَيهِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالعَبدِ مِمَّن تَمُونُونَ.

فهذا الحديث يدل على أن زكاة الفطر فريضة على كل مسلم، ولو كان مجنونًا لاعقل له أو صغيراً لم يبلغ فإنها تجب الزكاة عنهم ويخرجها وليهم، وَلَا يَجبُ فِي جَنِينِ الحَامِلِ؛ لأنَّهُ لَيسَ مِن أهْلِ رَمَضَانَ حَقِيقَةً، بل تستحب لفعل عثمان رضي الله عنه إلا إذا وُلد قبل العيد فتجب عليه زكاة الفطر.

ولا تجب زكاة الفطر إلا على المسلم أما الكافر فليس من أهل الزكاة حتى يسلم، فالمسلم إذا كان عنده عامل أو خادمة أو ولد كافر لا يزكي عنه؛ لأنه خبيث بالكفر لا تطهره الزكاة، فلا زكاة إلا على المسلم.

وإذا كان العامل أو الخادمة مسلم فلا يزكى عنه إلا إذا شرط عليه العامل أن تكون زكاة الفطر على الكفيل، ويجوز للكفيل أن يتبرع عن مكفوله بزكاة الفطر ويجب أن يخبره بذلك.

ولا يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في وقتها، ويجوز للفقير أن يوكّل شخصًا في قبض ما يُدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الوكيل، فكأنها وصلت إلى يد موكله، فإذا كنت تحب أن تدفع فطرتك لشخص، وأنت تخشى أن لا تراه وقت إخراجها، فمره أن يوكل أحدًا يقبضها منك، أو يوكلك أنت في القبض له من نفسك، فإذا جاء وقت دفعها، فخذها له بكيس أو غيره، وابقها أمانة عندك حتى يأتي.

ومن يأخذ زكاة الفطر يُخرج زكاة فِطره مما يأتيه من الناس، إلا أن يكون لا يوجد عنده مايكفي.

وأفاد الحديثُ مقدار زكاة الفطر عن الشخص الواحد، أنها محدودة بصاع، لم يرهق الشرع الناس، ما فرض عليهم أكثر من صاع عن كل شخص، وهذا الصاع وحدة حجمية، يختلف وزنه بحسب ما يوضع فيه، فوزن صاع التمر يختلف عن وزن صاع القمح، يختلف عن وزن صاع الأرز، وهكذا وإن كان هناك تقارب، فهي لا تتجاوز ثلاثة كيلو غرامات من الطعام الموضوع في الصاع.

وأما وقتها فالأفضل أن تُخرج يوم العيد قبل صلاة العيد فقد قال ابن عمر رضي الله عنهما في الحديث السابق: وَأَمَرَ بِهَا - يعني الرسول ﷺ - أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.

ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين فللمسلم أن يخرجها يوم التاسع والعشرين أو الثامن والعشرين.

ويحرم تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد لقول ابنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ، مَنْ أدَّاهَا قَبلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ، وَمَن أدَّاهَا بَعدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ.
وزكاة الفطر كما في الحديث تجبر ما يكون في الصوم من نقص وخلل.

وزكاة الفطر، تطهر الصائم مما وقع في صومه من النقص وتكمله، قال بعض السلف: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة تجبر نقصان الصيام كما يجبر سجود السهود نقصان الصلاة .ا.هـ

عباد الله زكاة الفطر عبادة من العبادات يجب أن نلتزم فيها بما ورد عن النبي ﷺ من إخراجها صاعاً من الطعام كالتمر والأرز والطحين، وذهب جمهور العلماء (منهم مالك والشافعي وأحمد) إلى أنه لا يجوز دفع زكاة الفطر قيمة ، بل الواجب أن تخرج طعاما كما فرضها رسول الله ﷺ.

فلا يجوز أن تدفع زكاة الفطر نقوداً بأي حال من الأحوال ، بل تدفع طعاماً ، والفقير إذا شاء باع هذا الطعام وانتفع بثمنه ، أما المزكي فلابد أن يدفعها من الطعام ، ولا فرق بين أن يكون من الأصناف التي كانت على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من طعام وجد حديثاً ، فالأرز في وقتنا الحاضر قد يكون أنفع من البر.

وزكاة الفطر تدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين، فإن كان في بلد ليس فيه من يدفع إليه أو كان لا يعرف المستحقين فيه، وكّل من يدفعها عنه في مكان فيه مستحق. وبناء على ذلك فمن أقام في بلده أكثر رمضان، ثم سافر إلى بلد آخر في أواخر رمضان فالأولى له أن يدفع زكاة الفطر في البلد الذي سافر إليه لأنه البلد الذي غرب عليه فيه شمس آخر يوم من رمضان،

وإذا كان أهل البيت يخرجونها عن أنفسهم فإنه لا يلزم الرجل الذي تغرب عن أهله أن يخرجها عنهم ، لكن يخرج عن نفسه فقط في مكان غربته إن كان فيه مستحق للصدقة من المسلمين ، وإن لم يكن فيه مستحق للصدقة وكّل أهله في إخراجها عنه ببلده.

ويجوز نقل زكاة الفطر إلى فقراء بلد أخرى أهلها أشد حاجة.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

----------

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين

أما بعد فاتقوا الله ياعباد الله وتزودا بالعمل الصالح فيما بقي من هذا الشهر المبارك ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾

عباد الله: قال تعالى في آيات الصيام من سورة البقرة ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُم﴾ أي: ولتذكروا الله بالتكبير عند انقضاء عبادة الصيام.

فيُسنُ الجهر بتالكبير والتهليل للرجال في المساجد والأسواق والبيوت، إعلانًا لتعظيم الله، وإظهارًا لعبادته وشكره.

ويكون هذا بغروب شمس آخر يوم من رمضان، في المساجد والبيوت والأسواق ، ويتأكد هذا التكبير والجهر به عند الخروج إلى صلاة العيد فيكبر الناس ليلة العيد إلى دخول الإمام لصلاة العيد ويكبرون أيضاً بتكبير الإمام أثناء خطبة العيد.

ومن صيغ التكبير: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .

ويتأكد التكبير جهراً من حين الخروج من البيت لصلاة العيد ويكبر في المصلى حتى دخول الإمام ، ثم يكبر إذا كبر الإمام في الخطبة وينصت فيما سوى ذلك.

وتُصلى تحيةُ المسجد إذا كانت الصلاة في الجوامع.

وصلاة العيد ركعتان يكبر في الأولى ستاً بعد تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمساً بعد تكبيرة القيام . فإذا فاتت المصلي ركعة فيقضيها على صفتها وعلى هذا فيكبر في الركعة الثانية التي يقضيها خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام، ولو قضاها من غير هذه التكبيرات صحت.

وإذا دخل مع الإمام في أثناء التكبيرات الزوائد فيكبر للإحرام أولاً ثم يتابع الإمام فيما بقي ويسقط عنه مامضى.

وإن أدرك الإمام وهو يقرأ أو راكعا فيكبر تكبيرة الإحرام ، ويدخل معه في صلاته ولايكبر التكبيرات الزوائد.

وإذا وجد الإمام قد سلم من صلاة العيد فيستحب له أن يستمع لخطبة العيد ويؤمن على الدعاء.

وإذا بدأ الإمام في القراءة ونسي التكبيرات الزوائد سقطت لأنها سنة فات محلها.

وَصَلاةِ الْعِيدِ: وَاجِبَةٌ وُجُوبَاً عَيْنِيَّاً عَلَى الرِّجَالِ، وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، فَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: "أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيّضَ فِي الْعِيدَيْنِ، يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيّضُ اَلْمُصَلَّى" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَدْ قَالَ الشَّيْخَانِ ابْنُ بَازٍ وَابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُمَا اللهُ- بِوُجُوبِهَا عَلَى الرِّجَالِ، وَعَلَى هَذَا فَلْيَحْذَرْ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ صَلاةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النِّسَاءُ، بَلْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ البنات الصغار، بَلْ وَالْحُيّضُ، مَأْمُورَاتٍ بِالْخُرُوجِ! فَكَيْفَ بِالرِّجَالِ الأَشِدِّاءِ؟! فَلا يَحِلُّ لَهُمُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ.

والسنة أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى تمراتٍ وتْرًا، ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر إن أحب ويقطعهن على وتر؛ لفعل النبي ﷺ.

واخرجوا إلى هذه الصلاة مشيًا إلا من عذرٍ كعجز أو بُعد؛ لقول علي رضي الله عنه: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا.

اخرجوا إلى صلاة العيد متنظفين متطيبين، والبسوا أحسن الثياب، وأخرجوا لها نساءكم وأطفالكم ومَن تحت أيديكم.

وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ وَلَا مُتَزَيِّنَةٍ، وَعَلَى وَلِيِّ أَمْرِهَا مَسْؤُولِيّةٌ فِي ذَلِكَ.

وأدوها بخشوع وحضور قلب، وتذكروا بجمعكم اجتماع الناس في يوم الجمع الأكبر: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)

والتجمل للعيد عبادة فلا يتجمل بفعل الحرام كحلق اللحية أو لبس الطويل أو لبس القصير للبنات .

اخرجوا إلى صلاة العيد أيها الإخوة: امتثالاً وطاعة لأمر رسول الله ﷺ وابتغاء الخير، ودعوة المسلمين، فكم في ذلك المصلى من خيرات تنزل، وجوائز من الرب الكريم تحصل، ودعوات طيبات تقبل.

بلَّغَنا الله يوم العيد من عمر مديد بطاعة الله، ومنَّ علينا بالقبول، إنه جواد كريم.

ونسأل الله أن يختم لنا ولكم بعمل صالح وأن يتقبل صيامنا وقيامنا ويتجاوز عن تقصيرنا وزللنا ،

اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وتجاوز عن تقصيرنا و زللنا، اللهم بلغنا ختام الشهر وأعده علينا بخير في ديننا ودنيانا يارب العالمين اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا يارب العالمين
اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في فلسطين اللهم عليك باليهود الظالمين المعتدين
اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين
اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وجميع بلاد المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا واستعمل علينا خيارنا
واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين .

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
الأحكام الفقهية الخاصة بزكاة الفطر - الشيخ عبدالقادر الجنيد العلمي

الخطبة الأولى:

الحمد لله ربِّ كلِّ شيءٍ ومليكه، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على جميع أنبيائه ورُسله، وأشهد أنْ لا إله إلا الله العظيم الحليم، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله بالمؤمنين رءوف رحيم، وأتَرَضَّى على الصحابة أجمعين ذكورًا وإناثًا، وآل كلِّ النبيين المؤمنين، وعنَّا معهم يا رحمن يا رحيم. أمَّا بعد:

أيُّها المسلمون: فها قد قطعتم الأكثر مِن شهر الصيام رمضان، ولم يَتبقَّ مِنه إلا يوم أو يومان، فمَن كان مِنكم مُحسنًا فيما مَضى فليَحمد الله، وليَزْدَد مِن البِرِّ والإحسان، ومَن كان مُسيئًا قد فرَّط وقصَّر، وتكاسل وتهاون، فليتقِّ الله فيما بَقي، ولِيتَدارك نفسَه فيها فيُحسِنَ إليها بالتوبة الصادقة النَّصوح، والإكثارِ مِن الطاعات والقُربات، فبابُ التوبة لا يَزال مفتوحًا، والله يُحِب التوابين، وهو أرحَمُ بالعباد مِن أنفسِهم وأهليهم ومَن في الأرض جميعًا، ولا زالَ في زمَنٍ فاضلٍ مُباركٍ تُضاعَفُ فيه الحسنات، وتُكفَّرُ فيه الخطيئات، وقد قال الله سبحانه مُبشِّرًا ومُحَفِّزًا للتائبين إليه: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وقال ــ جلَّ وعزَّ ــ: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: قال الله تعالى: (( يَا عِبَادِى إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِى أَغْفِرْ لَكُمْ )).

أيُّها المسلمون:
لقد أوشكتم على الدخول في وقتِ عبادةٍ جليلةٍ واجبة، ألا وهي زكاة الفِطر، ودونَكم ــ فقَّهكم الله في دينه وشرعة ــ جملةً مِن المسائل المتعلقة بزكاة الفِطر، عسى الله أنْ ينفع بها القائل والمُستمع، إنَّه سميعٌ مُجيب.

المسألة الأولى:
تجب زكاة الفِطر على المسلم الحَيِّ، سواء كان ذَكَرًا أو أُنْثى، صغيرًا أو كبيرًا، حُرًّا أو عبدًا، لِما صحَّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ ))، وإلى وجوبها على هؤلاء ذهب عامة فقهاء الأمصار مِن السَّلف الصالح فمَن بعدهم.

المسألة الثانية:
الجَنين الذي لا يَزالَ في بطن أمِّه لا يَجب إخراج زكاة الفِطر عنه، وإنَّما يُستحب باتفاق المذاهب الأربعة، نقله عنهم العلامة ابنُ مفلحٍ ــ رحمه الله ــ وغيرُه، وقد كان السَّلف الصالح يُخرجونها عنهم، فصحَّ عن التابعي الجليل أبي قِلابة ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَلَى الْحَبَلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ )).

المسألة الثالثة:
المجنون يَجب إخراج زكاة الفِطر عنه، لدخوله في عموم قوله: (( فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ ))، وهو مذهب الأئمة الأربعة والظاهرية، وغيرهم.

المسألة الرابعة:
المسلم الفقير له حالان:
الحال الأوَّل: أنْ يكون مُعْدَمًا لا شيء عنده، وهذا لا تَجب عليه زكاة الفِطر باتفاق أهل العلم، نقله عنهم الحافظُ ابنُ المنذرِ ــ رحمه الله ــ.
الحال الثاني: أنْ يَملك طعامًا يزيد على ما يَكفيه ويَكفي مَن تَلزمه نفقتُه مِن الأهل والعيال ليلة العيد ويومه أو ما يَقوم مقامَه مِن نقود، وهذا تَجب عليه زكاة الفطر عند أكثر أهل العلم ــ رحمهم الله ــ، كما قال الفقيه النَّووي الشافعي رحمه الله

المسألة الخامسة:
زكاة الفِطر عند أكثر الفقهاء تُخرَج مِن غالب قُوت البلد الذي يُعمل فيه بالكيل بالصاع، سواء كان تمرًا، أو شعيرًا، أو زبيبًا، أو بُرًّا، أو ذُرة، أو دُخنًا، أو عدسًا، أو فولًا، أو لوزًا، أو حُمُّصًا، أو كُسكسًا، أو أُرْزًا، أو غيرَ ذلك.
ومِقدارُ ما يُخرَجُ في هذه الزكاة: صاعٌ، والصَّاعُ كَيلٌ معروفٌ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقبْلَه وبعدَه، وهو بالوزن المُعاصر ما بين الكيلوين وأربع مئة جرام إلى الثلاثة.

المسألة السادسة:
يجوز أنْ تُخرَجَ زكاة الفِطر قبْل العيد بيوم أو يومين، لِمَا صحَّ عن التابعيِّ نافعٍ مولى ابنِ عمرَ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ))، والأفضل باتفاق أهل العلم أنْ تُخرَجَ يوم عيد الفطر بعد صلاة فجْرهِ وقبْل صلاة العيد، لِمَا صحَّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
زَكَاةَ الفِطْرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ ))، وذَكر الإمام مالكُ بنُ أنسٍ ــ رحمه الله ــ في كتابه “الموطأ”: (( أَنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ، إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إِلَى الْمُصَلَّى )).
ولْيَحْذَرِ المسلم مِن تأخيرها حتى تَنتهيَ صلاة العيد، فقد جاء عن ابن عباس ــ رضي الله عنه ــ بسندٍ نصَّ على ثبوته عديدٌ مِن أهل العلم أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ ))، ومَن أخَّرَها عمدًا حتى انقضى يومُ العيد فقد أثِمَ، وكان مُرتكبًا لِمحرَّم باتفاق أهل العلم، وقد نَسبه إليهم الفقيهان: ابنُ رُشدٍ المالكي، وابن رَسلانَ الشافعي ــ رحمهما الله ــ، ومَن أخَّرَها نسيانًا أو جهلًا أو بسبب عُذرٍ حتى انتهت صلاة العيد ويومه، كمَن يكون في سَفرٍ وليس عنده ما يُخرِجُه أو لم يَجد مَن تُخرَج إليه، أو اعتمد على أهله أنْ يُخرِجوها واعتمدوا هُم عليه، فإنَّه يُخرِجها متى تيسَّر له ذلك واستطاع، ولا إثْمَ عليه.

المسألة السابعة:
لا يجوز أنْ تُخرَج زكاة الفِطر مِن الُّنقود، بل يَجب أنْ تُخرَجَ مِن الطعام، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم فرَضها طعامًا، فلا يجوز العُدول عمَّا فرَض إلى غيره، والدراهم والدنانير قد كانت موجودةً في عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ مِن بعده، ومع ذلك لم يُخرجوها إلا مِن الطعام، وخيرُ الهَديِ هَديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، وقد صحَّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ))، وصحَّ عن أبي سعيدٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ ))، ومَن أخرجها نقودًا بدَلَ الطعام لم تُجزئه عند أكثر الفقهاء ــ رحمهم الله ــ، مِنهم: مالكٌ والشافعيُّ وأحمد، ومَن أخرجها طعامًا أجزأته عند جميع العلماء، وبرِئت ذِمَّته، وقال الفقيه القاضي عياض المالكي والفقيه النَّووي الشافعي ــ رحمهما الله ــ: ولم يُجِز عامة العلماء إخراج القِيمة في ذلك، وأجازه أبو حنيفة.اهـ

والحمد لله أوَّلًا وآخِرًا، وظاهرًا وباطنًا، وعلى كل حال.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

------

الخطبة الثانية:
الحمد لله الرَّب الكريم، وبِهِ أستعين، وصلواتُه على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحابته الميامين. أمَّا بعد،

أيُّها المسلمون:
فلا يَزالُ الحديث معكم ــ سدَّدكم الله وفقَّهكم ــ متواصلًا عن المسائل المتعلِّقة بزكاة الفِطر، فأقول مستعينًا بالله القويِّ القدير:

المسألة الثامنة:
فقراء المسلمين مَصْرِفٌ لزكاة الفطر باتفاق العلماء، وقد نقله عنهم الفقيهُ ابنُ رُشدٍ المالكيُّ ــ رحمه الله ــ، ولا يجوز أنْ تُعطَى لِغير المسلمين حتى ولو كانوا فقراء، وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء ــ رحمهم الله ــ، مِنهم: مالكٌ والشافعيُ وأحمد، وقد تقدَّم عن ابن عباسٍ ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ )).

المسألة التاسعة:
يُخرِجُ الرَّجل زكاة الفِطر عن نفسه وعمَّن يَمُونُ مِن أهله ويُنْفِقُ عليهم مِن زوجةٍ وأبناءٍ وبناتٍ، وغيرهم، تبعًا للنفقة، وقد صحَّ عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهَا كَانَتْ تُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ تَمُونُ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ))، وصحَّ عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، عَمَّنْ يَعُولُ ))، وإذا كان الرَّجل يعيشُ في بلدٍ، ومَن يُنْفِقُ عليهم يعيشون في بلدٍ آخَر، فالأفضل أنْ يُخرِجَ عن نفسه حيث يَسكن، ويُخرِجون هُم حيث يسكنون.
المسألة العاشرة:
قال العلامةُ الفقيهُ صالحُ الفوزان ــ سلَّمه الله ــ: فصدقة الفِطر لها مكانٌ تُخرَجُ فيه، وهو البلد الذي يُوافي تمام الشهر والمسلم فيه، ولَها أهلٌ تُصرَف فيهم، وهُم مساكين ذلك البلد، ولَها نوعٌ تُخرَج منه، وهو الطعام، فلا بُدَّ مِن التقيُّد بهذه الاعتبارات الشرعية، وإلا فإنّها لا تكون عبادةً صحيحة، ولا مُبرِئةً لِلذِّمِّة، وقد اتَّفَقَ الأئمةُ الأربعةُ على وجوب إخراجِ صدقة الفِطر في البلد الذي فيه الصائم مادام فيه مُستحِقون لها، فالواجب التقيُّد بذلك، وعدم الالتفات إلى مَن يُنادُون بخِلافِه، لأنَّ المسلم يَحرص على براءة ذِمَّتِه، والاحتياطِ لِدينِه.اهـ

هذا وأسأل الله تعالى أنْ يرزقنا توبةً نصوحًا، وقلوبًا تخشع لِذكره، وإقبالًا على طاعتة، وبُعدًا عن المعاصي وأماكنها وقنواتها ودعاتها، اللهم ارفع الضُّر عن المتضرِّرين مِن المسلمين في كل أرض، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم تقبَّل صيامنا وقيامنا وسائر طاعاتنا، واجعلنا مِمَّن صام وقام رمضان إيمانًا واحتسابًا فغَفَرت له ما تقدَّم مِن ذنبه، وأعنَّا على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، وارحم موتانا، وأكرمْهم بالنَّعيم في قبورهم، ورِضوانِكَ والجنَّة، وأصلح أهلينا، واجعلهم مِن عبادك الصالحين، إنَّك يا ربَّنا لسميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
زكاة الفطر - الشيخ صالح الأطرم

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، رحيم بعباده، ورحمته وسِعت كل شيء، نَحمَده أمرنا بالتعاطف والتآلف، وأشكره على نِعمه وفضله، وأشهد أن لا إله إلا الله، جعل الفلاح في الدنيا والآخرة لمن التزم أوامره وأطاعه، وذَكَره وطهَّر نفسَه وماله، وعرف حقَّ الله تعالى، وحافَظ على حقوق عباد الله.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أمرنا بإخراج زكاة فطرنا؛ جبرًا لصيامنا من لغوٍ قلناه، أو زورٍ ارتكبناه، ومشاركة لإخواننا الفقراء والمساكين؛ تفريجًا لهم، وأخذًا بيدهم، وتوسعةً عليهم، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فنمَّاه لهم وجزاهم خير الجزاء في مستقر رحمته في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

أما بعد:
فأيها المسلمون، اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وبادروا بإخراج زكاة فِطركم، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان؛ عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقةَ الفطر على الذَّكر والأنثى، والحرِّ والمملوك، والصغير والكبير من المسلمين، صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد"، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب"، فلما جاء معاوية - رضي الله عنه - وجاءت السمراء قال: أرى مُدًّا من هذا يُعادِل مُدَّين، قال أبو سعيد: أما أنا، فلا أزال أُخرِجه كما كنتُ أخرجه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن الله - سبحانه وتعالى - أوجب على الأبدان زكاة ماليَّة حولية، كما أوجبها في الأموال، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [الأعلى: 14، 15].

قال بعض المفسرين: معنى: ﴿ مَنْ تَزَكَّى ﴾؛ أي: أخرج زكاةً تُطهِّره، ثم خرج إلى صلاة العيد، وهي الصلاة المشار إليها في هذه الآية: ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾؛ أي: بالتكبير، كما قال تعالى: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]، فصدقة الفطر واجبة على كل مسلم؛ لأنها طهارة له من أدران الذنوب، والكافر لا تَلحَقه طهرةٌ، وهذه الزكاة البدنيَّة تَجِب بالحول مرة واحدة، وتُسمَّى: زكاة الفطر، وصدقة الفطر حَولُها في آخر الإفطار من رمضان، وفُرِضت في هذا الوقت؛ لتتابع الحسنات، وهذا من علامة قَبُول الحسنة؛ ولهذا جاء في الحديث الشريف: ((الحسنة تقول: أختي أختي، والسيئة تقول: أختي أختي))، ولقد فرض الشارع الحكيم وجوبها بعد الصيام؛ لجبر ما نقَص منه وإتمامه، كما جاء في الحديث أنها ((طُهْرة للصائم من اللغو والرَّفثِ))، كما يُطهِّره أيضًا ما يُخرِجه عن صغيره ومجنونه اللذين لا يَصومان، وهي أيضًا رحمة بالفقير، وعطْف عليه؛ ليستغني عن سؤال الناس في يوم العيد، فيُشارِك الأغنياء فرحتَهم بهذا اليوم العظيم، وتأدية الصلاة، فلا يبقى هناك فقير عابِس، والناس حوله مسرورون، قال صلى الله عليه وسلم: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم))، ولكن لا تجب إلا بشرطين:

الشرط الأول: أن يَفضُل عن نفقته ونفقة عياله يوم العيد وليلته ما يكفيه زكاة الفطر؛ لأن النفقة أهم، فيجب البَدء بها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ابدأ بنفسك))؛ رواه مسلم، وفي رواية: ((وابدأ بمن تعول))؛ رواه الترمذي، ويُخرِج الإنسان عن نفسه وعمن يَعول، والحمل في بطن أمه لا تَجِب فطرته، ولكن مُستحبٌّ؛ لما رُوي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

الشرط الثاني: دخول وقت الوجوب، وهو غروب الشمس في ليلة الفِطر؛ لقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: "فرض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر"، وذلك يكون بغروب الشمس، فمَن أسلم أو تزوَّج أو وُلِد له ولدٌ أو مَلَك عبدًا بعد الغروب، لم تلزمه فِطرتُهم، وإن غرب وهم عنده ثم ماتوا، فعليه فطرتهم؛ لأنها تَجِب في الذمة، والأفضل في وقت إخراجها يوم العيد قبل الصلاة؛ للخبر، ولأن المقصود إغناءُ الفقراء يوم العيد عن الطلب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم))؛ رواه سعيد بن منصور، وفي إخراجها قبل الصلاة إغناءٌ لهم في اليوم كله، فإن قدَّمها قبل ذلك بيوم أو يومين، جاز؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين؛ ولأن الظاهر أنها تبقى أو بعضها، فيَحصُل الغنى بها فيه، وإن عجَّلها لأكثر من ذلك، لم يَجُز؛ لأن الظاهر أنه يُنفِقها، فلا يحصل بها الغنى المقصود يوم العيد، وإن أخَّرها عن يوم العيد أَثِم؛ لتأخيره الحقَّ الواجب عن وقته، ولزِمه القضاء؛ لأنه حق مالي واجب، فلا يَسقُط بفوات وقته كالدَّين، وزكاة الفطر تُعطى الذين يعطون من زكاة المال، ولا تُعطِها من تلزمك نفقتُه، وتُسلَّم للفقير بيده في وقتها، أو وكيله في قبضها، ولا يُبقيها عنده انتظارًا للفقير
ولا يودِعها، وزكاة الفطر متعلِّقة بالبدن، فيخرجها في بلده الذي هو مقيم فيه، وفطرة مَن يَعولهم تَبَع له، فإن شاء أنفقها مع فطرته في بلده، وإن شاء أخرج في بلدهم، ولا يجوز إخراج القيمة ما دامت الأصناف الخمسة موجودة؛ لوجود النص عليها من الشارع الحكيم، الذي راعى مصالحَ الناس في كل مكان وزمان، وإخراج أحد هذه الأطعمة وهذه الأصناف مراعاة للمُخرِج؛ حيث إنها أغلب القوت، فلا يتكلَّف ما ليس عنده، وفيها مراعاة المُخرَج له؛ إذ بها الغُنية وسد الحاجة إلى الطعام، ولأنه ليس المقصود فيها التجارة.

لذا لم يذكر الشارع الحكيم القيمة؛ لأن زكاة الفطر شعيرة من شعائر الإسلام لا تَبرُز ولا تظهر إلا بالطعام، ولقد بيَّن الشارع الحكيم مصارفَ الزكاة في الآية الكريمة التي تبيِّن لنا من تدفع إليه، كما ذكرت الآية اعتراضَ المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولمزهم إياه في قَسْم الصدقات، فبيَّن الله تعالى أنه هو الذي قسَمها، وبيَّن حكمَها، وتولَّى أمرها بنفسه، ولم يَكِل قَسْمَها إلى أحد غيره، فجزَّأها لهؤلاء المذكورين، ففي الحديث: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعطني من الصدقة، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لم يرضَ بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها فجزأها ثمانية أصناف؛ فإن كنتَ منهم، أعطيتُك))؛ لأنهم هم المستحقون للزكاة، فلا تبرأ الذمة إلا بدفعها لهم، ويبرأ منها صاحب الزكاة إن دفعها للإمام أو من أقامه مقامه من جباة الزكاة، وليَحذَرِ المزكِّي دفعَها إلى غير هؤلاء، وليعلم أنه لا حظَّ فيها لغني، ولا لقوي مُكتسِب، ولا لذي مِرَّة سويٍّ، وليحذر أن يدفع بزكاته مذمَّة، ولا يقي بها ماله، ولا يستخدم بها ولا يعطيها أحدًا من فروعه ولا من أصوله، وهم: الأولاد وأولاد الأولاد، والأصول: أمه وأبوه وأجداده وجداته من قِبَل الأب والأم، فمن أعطى زكاته أحدًا من هؤلاء، لم تبرَأْ ذمته؛ لأن الفقير من هؤلاء تجب عليك نفقته من دون الزكاة، وأما بقية الأقارب، فإن كنت لا تَرِثه فأعطِه من زكاتك إن كان فقيرًا، والنفقة على القريب تكون برًّا وصِلة، والزوج لا يعطي زوجته الزكاة، ولا يعطي المزكي مَن يخدُمه؛ لأنه يكون قد استخدم زكاته، ولا يجوز صرف الزكاة لغير هؤلاء الثمانية، من بناء مساجد أو إصلاح طريق؛ لأن الله تعالى خصهم بقوله: ﴿ إنَّمَا ﴾، وهي للحصر؛ تُثبِت المذكورِين، وتنفي ما عداهم.

فالأول والثاني: الفقير والمسكين، وهما: اللذان لا يجدان مؤنتهما وعائلتهما، فيُعطَون ما يكفيهما وعائلتهما، والفقير هو: الذي لا يجد شيئًا، والمسكين هو: الذي يجد بعض الكفاية، ومَن ادعى الفقر ممن لا يعرف حاله، قُبِل قوله من غير يمين؛ لأن الأصل عدم المال.

وإن ادعى الفقر من عُرف غناه، لم يُقبَل إلا بيمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن المسألة لا تَحِل لأحد، إلا لثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى شهِد له ثلاثة من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصاب فلانًا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قِوامًا أو سِدادًا من عيش))؛ رواه مسلم.


بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب.

------

الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله،وإحسانه،وأشكره على توفيقه وامتنانه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،وسلَّم تسليماً كثيرًا، أما بعد:

والصِّنف الثالث: العاملون عليها، يعني: الذين يَشتغِلون في جباية زكاة الأموال ما بين حافظ وكاتب وسائق، فيعطون منها مقابل أعمالهم.

والصنف الرابع: المؤلَّفة قلوبُهم: وهم السادة المطاعون في عشائرهم، وهم ضَربان: كفار ومسلمون؛ فالكفار مَن يرجى إسلامهم، أو يخاف من شرهم فيعطون من الزكاة؛ ترغيبًا لهم في الإسلام، أو كفًّا لشرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوانَ بن أمية يوم حنين قبل إسلامه؛ ترغيبًا له في الإسلام، والمؤلفةُ قلوبهم من المسلمين أربعة أضرب:
الأول منهم: من له شرف يرجى من إعطائه إسلام نظيره.
الثاني: مَن صِلتُه بالإسلام ضعيفة، فيعطون لتقوية إسلامهم.
الثالث: قوم إذا أُعطوا، قاتَلوا ودافعوا عن المسلمين.
الرابع: إذا أعطوا، جبوا الزكاة ممن لا يعطونها.

الصِّنف الخامس: فك الرقاب المسلمة من الرق، وإعطاء المكاتَب دَين كتابته، وفك الأسير المسلم من أيدي الكفار.

الصِّنف السادس: الغارمون:
وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذاتِ البين، وهو مَن يحمل دِيَة أو مالاً لتسكين فتنة أو إصلاح بين طائفتين، فيُدفع له من الصدقة ما يؤدي حَمَالته، وإن كان غنيًّا؛ لما روى قَبيصة بن مخارق - رضي الله عنه - قال: تحمَّلت حَمَالة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: ((أقم يا قَبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها))، ثم قال: ((يا قبيصة، إن الصدقة لا تَحِل إلا لثلاثة، رجل تحمل حَمَالةً فحلت له المسألة حتى
يصيبها ثم يُمسِك))؛ رواه مسلم، ولأنه يأخذ لمصلحة المسلمين، فجاز له الأخذ مع الغنى كالغازي.
والضرب الثاني: مَن غرِم لمصلحة نفسه في مباح، فيعطى من الصدقة ما يقضي غُرمَه، ولا يعطى مع الغنى؛ لأنه يأخذ لحاجة نفسه، وإن غرم في معصية، لم يدفع له قبل التوبة؛ لأنه لا يؤمن أن يستعين بها في المعصية، وبعد التوبة يعطى لتبرئة ذمتِه، وكان كالفقير.

الصِّنف السابع: هم الغزاة في سبيل الله الذين لا رواتب لهم، فإذا أُعطوا غزوا لجهاد الكفار، فيُعطون كفايتهم في طريقهم وإقامتهم، ويُعطون مراكب وما يُصلِحها ومَن يقوم عليها، ويعطى هؤلاء ولو كانوا أغنياء؛ لأن عملهم لمصلحة المسلمين، وإعلاءِ كلمة الدِّين، وإذلال كلمة الكفر والكافرين.

الصنف الثامن: ابن السبيل، وهو: المسافر المُنقطِع في طريقه، ولم يجد ما يُبلِّغه بلده، فيعطى ما يُوصله إلى بلده، ولو كان غنيًّا في بلاده، وإن كان سفره لمعصية لا يعطى، فيا لها من كفالة اجتماعية ما أعظمها! جاء بها إسلامُنا العالِمُ بمصالح الخَلْق حالاً ومآلاً.

فاتقوا الله أيها المسلمون، وأخرِجوا زكاة فطرِكم، وشاركوا إخوانكم فرحتَهم بالعيد، وامسحوا دمعتَهم، وخفِّفوا آلامهم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ...

الدعاء ...
خطبة عيد الفطر - الشيخ عمر المشاري

الخطبة الأولى:
الحمد لله على إتمام صيام رمضان وقيامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.

أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله وتوبوا إليه واستغفروه.

معاشر المسلمين: إنَّ البهجة والسرور ترتسم على الوجوه في العيد، ذلك أنَّه يومُ فرح، يفرح فيه المؤمنون على إتمام صيام رمضان وقيامه، وأعظمنا فرحاً بالعيد هو ذلك المجتهد في رمضان المسابق فيه إلى الخيرات، فهنيئاً للمسابق الذي قام جميع ليالي رمضان واجتهد مزيداً في ليالي العشر الأواخر، وهنيئاً لمن ختم فيه القرآن كل ليلتين أو ثلاث مرة، هنيئاً لمن فرَّج فيه كربة أو أدخل سروراً على محزون أو أعان محتاجاً أو تصدَّق على فقير أو مسكين، وهنيئاً لذلك الذي أحسن إلى الناس فيه، وخالقهم بالخلق الحسن.

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

معاشر المسلمين: إنَّ من صفة أهل الإيمان أنَّ أحدهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فهم كالجسد الواحد، بعضهم أولياء بعض في المحبة والموالاة والانتماء والنصرة؛ قال -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة:71] (تفسير السعدي ص: 344).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"(أخرجه مسلم).

ومن صفات المؤمنين والمؤمنات أنَّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ"(أخرجه مسلم).

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.

معاشر المسلمين: في العيد يتواصل الناس فيما بينهم زيارةً واتصالاً، ويهنئُ بعضهم بعضاً بعيدهم ويدعو بعضهم لبعض بقبول العمل الصالح، تعلو البشاشة وجوههم وهم في مصافحتهم تقترب نفوسهم من بعضهم، مما يقوِّي أواصر الترابط والمحبَّة في المجتمع، وإنَّ الموفق منهم كلَّ التوفيق، ذلك الذي صفَّى قلبه على أخيه، ولم يجعل فيه موضعاً للسخيمة ولا للبغضاء والشحناء، ولقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: "واسلل سخيمة قلبي"(أخرجه الترمذي وصححه الألباني)؛ "أيْ: غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ وَحَسَدَهُ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَنْشَأُ من الصدر ويسكن في القلب من مساوئ الأخلاق"(ينظر عون المعبود وحاشية ابن القيم 4/ 264).

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

عباد الله: إنَّ كثرة الفتن وتلاطم أمواجها مزلَّةٌ مدحضة، لا يسلم منها إلا المتمسِّك بدينه الذي يملك زمام لسانه، فلم يخض في الفتن مع الخائضين، لسانه لا يقول إلا خيراً أو يصمت، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ"(أخرجه البخاري).

إنَّ الواجب على المؤمن والمؤمنة حفظ اللسان عن القول المحرم من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان وقول الزور، فكم من كلمة سبَّبت خلافاً، وفرَّقت بعد ائتلاف، وأحدثت خصومة بعد توافق، وجلبت بغضاً بعد محبَّة، وإنَّ مما ينبغي للمؤمن على المؤمن أن يخاطبه بالقول الحسن، قال -تعالى-: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا)[الإسراء: 53] قال الإمام السعدي -رحمه الله-: "القول الحسن داعٍ لكل خُلقٍ جميلٍ وعملٍ صالح، فإنَّ من ملك لسانه ملك جميع أمره"(تفسير السعدي ص: 460).

الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.

معاشر المسلمين: أدوا زكاة أموالكم لمستحقِّها وحافظوا على الصلاة جماعة في المسجد قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)[البقرة:238]؛ قال الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "أي: واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن، وتعاهدوهنَّ والزَمُوهنَّ، وعلى الصلاة الوسطى منهنَّ"(تفسير الطبري 5/ 167).