التوجه إلى الأموات والقبور بالسؤال وطلب الحاجات وكشف الكربات = شركٌ أكبرٌ من جنس شرك الأولين، لا مداورة في ذلك ولا مجاملة، وليس في القرآن قضية أظهر من هذه القضية، بل التنفير من هذا الشرك، وتقبيحه في نفس القارئ للقرآن، ونصب الأدلة على إبطاله = هو مقصد القرآن الأول، ومن عمي عنه فهو عما سواه أعمى.
وقد تنوعت أساليب القرآن وتعددت وسائله في إقامة الحجج على إبطال هذا اللون من الشرك، من ذلك:
١- آيات تصف الدعاء بالعبادة المحضة، وتجعله حقًا خالصًا لله وحده، وتنهى عن الإشراك بالله فيه.
٢- وآيات تطلق وصف الشرك على من توجه لغير الله بالطلب والسؤال فيما لا يقدر عليه إلا الله، وفي بعضها تصفه بالكفر.
٣- وآيات تصف «المدعوّين من دون الله» بالعجز، والضعف، والغفلة عن سماع النداءات والهتافات، وبالعجز عن الاستجابة على افتراض قدرتهم على السماع.
٤- وآيات تصف معتقد المشركين الأوائل مع آلهتهم وتحدّد نوع شركهم بالله:
أ- إنهم لا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون مع الله، أو ينازعونه المُلك، أو يشاركونه تدبير العالم، بل هم مخلوقون لله، مدبّرون، مملوكون، يملكهم الله وما ملك.
ب- إنهم يتوجهون إليهم، ليس لتأثيرهم الذاتي المستقل عن الله، بل ليقربوهم إلى الله زلفى.
ت- إنهم لا يسألون آلهتهم لأنها تملك القدرة الذاتية على نفعهم وضرهم ونجاتهم من عذاب الله، بل لتشفع لهم عند الله، علَّ الله يقبل وساطتها فيهم.
ث- وإنهم فوق هذا، إذا اشتد بهم الكرب وحاصرتهم الشدة، تخلوا عن هذه الوساطات، وتوجهت قلوبهم لله وحده، وأخلصوا له العبادة.
ثم إذا انتقلنا إلى السنة الشريفة وتصرفات صاحب الشرع؛ وجدناه يعزّز المقصد القرآني بالتوجه إلى الله وترك سؤال غيره، ولو فيما يقدرون عليه، وزاد الأمر بيانًا وتوضيحًا:
١- فيبايع بعضَ أصحابه على: «أن لا يسألوا الناسَ شيئا» فيقول عوف بن مالك: «فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه». صحيح مسلم.
٢- ويوصي ابنَ عباس: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله». أخرجه أحمد والترمذي.
٣- ويزجر من قال له: «إذا شاء الله وشئت»، ويستنكر ذلك منه ويقول: «أجعلتني لله ندًا !!». أخرجه أحمد.
٤- وقال لخطيبٍ: «بئس الخطيب أنت». أخرجه مسلم؛ لأنه لم يفصل بين اسمه واسم ربه بفاصلٍ يجعله تابعًا لا مساويًا، ولو بالعطف المجرد!
٥- وينكر على الجارية قولها: «وفينا نبيٌ يعلم ما في غدٍ» صحيح البخاري. ويقول: «دعي هذا وقولي ما كنت تقولين» مع أن لقولها مخرجا صحيحا أصح من الاعتذار لأقوال أمثال البوصيري في بردته! لكن في باب التوحيد لا يُبحث عن مخارج بل يُسد الباب.
٦- وسدّ كلّ منافذ الشرك وبالغ في سدّه؛ فحرّم زيارة القبور في أول الأمر خشية افتتان الناس بها، حتى إذا فاءوا للتوحيد إذن لهم بزيارتها لتذكّرهم بالآخرة مع النهي عن كل ما من شأنه الافتتان بها، فأمر بتسوية القبور ونهى عن رفعها، ونهى عن تجصصيها، وعن الكتابة عليها، وعن الصلاة إليها، وعن اتخاذها مساجد.
وإذا انتقلنا إلى جيل الصحابة؛ وجدناهم حرّاسًا للتوحيد وحصنًا منيعًا ضد كل شوائب الشرك:
١- فينهى عمر -رضي الله عنه- الصحابةَ عن تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج ابن سعد في الطبقات، والفاكهي في أخبار مكة، وابن أبي شيبة في المصنف، بأسانيد مرسلة قوية مختلفة المخارج، عن عمر أنه لما بلغه أن الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها ويعظمونها، فأمر بها فقُطعت.
٢- وروى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عالية عن أبي موسى الأشعري وأنس ومطرّف بن مالك وجماعة من الصحابة والتابعين: أنهم لما فتحوا تستُر وجدوا أهلها يستسقون بقبر يقال إنه النبي دانيال ويستمطرون به، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه، فكتب إليهم: «ان انظر أنت وأصحابك (يعني: أصحاب أبي موسى) فادفنوه في مكانٍ لا يعلمه أحد غيركما» قال أنس: «فذهبتُ أنا وأبو موسى فدفناه».
وإذا انتقلنا إلى منهج النظر الفقهي وقواعد الاستدلال ومقاصد الشريعة والمحكم من الأدلة؛ فنجد أن كليات الشريعة تأمر بسد الذرائع في نصوص كثيرة جدًا، وتنهى عن المباح إذا جرّ إلى الوقوع في المحذور. وسؤال الأموات والافتتان بالقبور إن لم يحرم لذاته؛ فيحرم لقصد حماية عقائد الناس وتوحيدهم من الاعتقادات الفاسدة في الأموات، والله المستعان.
وقد تنوعت أساليب القرآن وتعددت وسائله في إقامة الحجج على إبطال هذا اللون من الشرك، من ذلك:
١- آيات تصف الدعاء بالعبادة المحضة، وتجعله حقًا خالصًا لله وحده، وتنهى عن الإشراك بالله فيه.
٢- وآيات تطلق وصف الشرك على من توجه لغير الله بالطلب والسؤال فيما لا يقدر عليه إلا الله، وفي بعضها تصفه بالكفر.
٣- وآيات تصف «المدعوّين من دون الله» بالعجز، والضعف، والغفلة عن سماع النداءات والهتافات، وبالعجز عن الاستجابة على افتراض قدرتهم على السماع.
٤- وآيات تصف معتقد المشركين الأوائل مع آلهتهم وتحدّد نوع شركهم بالله:
أ- إنهم لا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون مع الله، أو ينازعونه المُلك، أو يشاركونه تدبير العالم، بل هم مخلوقون لله، مدبّرون، مملوكون، يملكهم الله وما ملك.
ب- إنهم يتوجهون إليهم، ليس لتأثيرهم الذاتي المستقل عن الله، بل ليقربوهم إلى الله زلفى.
ت- إنهم لا يسألون آلهتهم لأنها تملك القدرة الذاتية على نفعهم وضرهم ونجاتهم من عذاب الله، بل لتشفع لهم عند الله، علَّ الله يقبل وساطتها فيهم.
ث- وإنهم فوق هذا، إذا اشتد بهم الكرب وحاصرتهم الشدة، تخلوا عن هذه الوساطات، وتوجهت قلوبهم لله وحده، وأخلصوا له العبادة.
ثم إذا انتقلنا إلى السنة الشريفة وتصرفات صاحب الشرع؛ وجدناه يعزّز المقصد القرآني بالتوجه إلى الله وترك سؤال غيره، ولو فيما يقدرون عليه، وزاد الأمر بيانًا وتوضيحًا:
١- فيبايع بعضَ أصحابه على: «أن لا يسألوا الناسَ شيئا» فيقول عوف بن مالك: «فلقد رأيتُ بعضَ أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه». صحيح مسلم.
٢- ويوصي ابنَ عباس: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله». أخرجه أحمد والترمذي.
٣- ويزجر من قال له: «إذا شاء الله وشئت»، ويستنكر ذلك منه ويقول: «أجعلتني لله ندًا !!». أخرجه أحمد.
٤- وقال لخطيبٍ: «بئس الخطيب أنت». أخرجه مسلم؛ لأنه لم يفصل بين اسمه واسم ربه بفاصلٍ يجعله تابعًا لا مساويًا، ولو بالعطف المجرد!
٥- وينكر على الجارية قولها: «وفينا نبيٌ يعلم ما في غدٍ» صحيح البخاري. ويقول: «دعي هذا وقولي ما كنت تقولين» مع أن لقولها مخرجا صحيحا أصح من الاعتذار لأقوال أمثال البوصيري في بردته! لكن في باب التوحيد لا يُبحث عن مخارج بل يُسد الباب.
٦- وسدّ كلّ منافذ الشرك وبالغ في سدّه؛ فحرّم زيارة القبور في أول الأمر خشية افتتان الناس بها، حتى إذا فاءوا للتوحيد إذن لهم بزيارتها لتذكّرهم بالآخرة مع النهي عن كل ما من شأنه الافتتان بها، فأمر بتسوية القبور ونهى عن رفعها، ونهى عن تجصصيها، وعن الكتابة عليها، وعن الصلاة إليها، وعن اتخاذها مساجد.
وإذا انتقلنا إلى جيل الصحابة؛ وجدناهم حرّاسًا للتوحيد وحصنًا منيعًا ضد كل شوائب الشرك:
١- فينهى عمر -رضي الله عنه- الصحابةَ عن تتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج ابن سعد في الطبقات، والفاكهي في أخبار مكة، وابن أبي شيبة في المصنف، بأسانيد مرسلة قوية مختلفة المخارج، عن عمر أنه لما بلغه أن الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان، فيصلون عندها ويعظمونها، فأمر بها فقُطعت.
٢- وروى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عالية عن أبي موسى الأشعري وأنس ومطرّف بن مالك وجماعة من الصحابة والتابعين: أنهم لما فتحوا تستُر وجدوا أهلها يستسقون بقبر يقال إنه النبي دانيال ويستمطرون به، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه، فكتب إليهم: «ان انظر أنت وأصحابك (يعني: أصحاب أبي موسى) فادفنوه في مكانٍ لا يعلمه أحد غيركما» قال أنس: «فذهبتُ أنا وأبو موسى فدفناه».
وإذا انتقلنا إلى منهج النظر الفقهي وقواعد الاستدلال ومقاصد الشريعة والمحكم من الأدلة؛ فنجد أن كليات الشريعة تأمر بسد الذرائع في نصوص كثيرة جدًا، وتنهى عن المباح إذا جرّ إلى الوقوع في المحذور. وسؤال الأموات والافتتان بالقبور إن لم يحرم لذاته؛ فيحرم لقصد حماية عقائد الناس وتوحيدهم من الاعتقادات الفاسدة في الأموات، والله المستعان.
كان تبنّي بعض خلفاء السلطة العباسية لعقيدة خلق القرآن وفرضها على الناس؛ فتنةً لأهل الحديث واختبارًا لصدقهم وأمانتهم على الرواية؛ ليبقوا متجرّدين للحق بعيدين عن أهواء السلطة ومسايرتها على الباطل.
ولقد روى أهلُ الحديث مناقب علي وأهل بيته في عز سلطان بني أمية وصراعهم مع العلويين، ورووا ما جاء في فضل معاوية -عند من يصحح فضائله- في عز سلطان بني العباس واجتثاثهم للأمويين! فلم يجاملوا آراء السلطة لا في #التجهم، ولا في #النصب، ولا في #التشيع!
#فوائد_حديثية (٢٩)
ولقد روى أهلُ الحديث مناقب علي وأهل بيته في عز سلطان بني أمية وصراعهم مع العلويين، ورووا ما جاء في فضل معاوية -عند من يصحح فضائله- في عز سلطان بني العباس واجتثاثهم للأمويين! فلم يجاملوا آراء السلطة لا في #التجهم، ولا في #النصب، ولا في #التشيع!
#فوائد_حديثية (٢٩)
الفصل الذي سيتم التعليق عليه في درس الغد من نزهة النظر:
من بداية قول المصنف: «ثم الغرابة: إما أن تكون في أصل السند» إلى قوله: «وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليه فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
من بداية قول المصنف: «ثم الغرابة: إما أن تكون في أصل السند» إلى قوله: «وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليه فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
نشر بعض المؤدلجين نصًا لابن السبكي يشكّك فيه بمنقولات ابن تيمية ويوجب التوقف فيما تفرد به! مشيرًا إلى عدم أمانته فيما ينسبه للناس من نصوص ومقالات!
وعندي: أنّ نسبة نص إلى مصنّف يختلف عن نسبة مقالة لطائفة، فالثانية يقع فيها قدرٌ من التوسع والتساهل ما لا يقع في الأولى من الاحتراز والتوثيق والالتزام بالنقل الحرفي غالبًا، وإن كان قد يقع خللٌ في هذه أيضًا بسبب النقل بالمعنى لا تعمد الكذب.
والفرق بين السياقين كبير.
وابن تيمية ثقةٌ ثبتٌ في منقولاته باتفاق الناس، ولا عبرة بكلام ابن السبكي فليس هو من أهل هذا الشأن مع تعصبه المعروف ضد ابن تيمية، ومن الطرائف: أن الكوثري اتهم ابن تيمية بالكذب؛ لأنه نسب للباقلاني في كتابه التمهيد نصوصا لم يجدها في المطبوع منه، ثم طبع الكتاب بتحقيق رجل نصراني فظهرت فيه تلك النصوص!
وأما ما ينسبه ابن تيمية إلى مخالفيه من مقالات؛ فهذا لا يوصف فيه بالكذب إذا نسب إليهم ما لا يقولون به لاعتبارات سيأتي ذكرها، وابن السبكي نفسه ينسب للحنابلة شنائع لا يقولون بها!!
وهذا من مزالق كثير ممن يدعي التحقيق، وهو لا يفهم أصلا مدرك قول العالم وطريقة نسبته الأقوال، فحتى مع التسليم بثبوت خطئه فليس من الضروري أن يكون متعمدًا الكذب، فقد ينسب إلى مخالفيه ما فهمه هو من مقالاتهم، وقد ينسب إليهم قولًا بطريق الإلزام والمحاققة، أو بما بلغه عنهم ولم يُمحص، أو بما يقوله أفراد منهم ثم صار مهجورا، ونحو ذلك من الاعتبارات، وهذا في الطوائف والنظّار كثير، لا تختص به طائفة دون أخرى:
فقد نسبت الأشعريةُ للحنابلة مقالات شنيعة لا يقولون بها، ونسب بعضُ الحنابلة للأشعرية شنائع لا يقولون بها، ونسبت المعتزلة لأهل الحديث وللأشعرية مقالات لا يقولون بها، ونسب أهل السنة والأشعرية للمعتزلة مقالات مهجورة نسبوا فيها مخالفيهم إلى الكذب عليهم، كما نقل القاضي عبد الجبار في المغني عن واصل بن عطاء أنه قال: خصومنا يكذبون علينا يزعمون أننا ننفي عذاب القبر!
وللخصومات المذهبية مدخلٌ كبيرٌ في التشويش على تصورات العلماء في نسبة المقالات لخصومهم، مثل ما نسب ابن حجر الهيتمي، الفقيه الشافعي، مقالات كاذبة إلى ابن تيمية، وكما نسب بعض الحنابلة المتأخرين لمحمد بن عبد الوهاب من أكاذيب كادعاء النبوة ونحو ذلك! فكثرة الإشاعات والخصومات وثقة العالم بما ينقله إليه بعضُ الناس من غير تمحيص وتثبُّت؛ توقعه في مثل هذه المزالق! وقد يضطرب موقفه بحسب ما تبلغه من الأخبار كاضطراب ابن الأمير الصنعاني من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب! وقد وقع للشاميين من الوقوع في أبي حنيفة من هذا الجنس كثير! والله المستعان.
وعندي: أنّ نسبة نص إلى مصنّف يختلف عن نسبة مقالة لطائفة، فالثانية يقع فيها قدرٌ من التوسع والتساهل ما لا يقع في الأولى من الاحتراز والتوثيق والالتزام بالنقل الحرفي غالبًا، وإن كان قد يقع خللٌ في هذه أيضًا بسبب النقل بالمعنى لا تعمد الكذب.
والفرق بين السياقين كبير.
وابن تيمية ثقةٌ ثبتٌ في منقولاته باتفاق الناس، ولا عبرة بكلام ابن السبكي فليس هو من أهل هذا الشأن مع تعصبه المعروف ضد ابن تيمية، ومن الطرائف: أن الكوثري اتهم ابن تيمية بالكذب؛ لأنه نسب للباقلاني في كتابه التمهيد نصوصا لم يجدها في المطبوع منه، ثم طبع الكتاب بتحقيق رجل نصراني فظهرت فيه تلك النصوص!
وأما ما ينسبه ابن تيمية إلى مخالفيه من مقالات؛ فهذا لا يوصف فيه بالكذب إذا نسب إليهم ما لا يقولون به لاعتبارات سيأتي ذكرها، وابن السبكي نفسه ينسب للحنابلة شنائع لا يقولون بها!!
وهذا من مزالق كثير ممن يدعي التحقيق، وهو لا يفهم أصلا مدرك قول العالم وطريقة نسبته الأقوال، فحتى مع التسليم بثبوت خطئه فليس من الضروري أن يكون متعمدًا الكذب، فقد ينسب إلى مخالفيه ما فهمه هو من مقالاتهم، وقد ينسب إليهم قولًا بطريق الإلزام والمحاققة، أو بما بلغه عنهم ولم يُمحص، أو بما يقوله أفراد منهم ثم صار مهجورا، ونحو ذلك من الاعتبارات، وهذا في الطوائف والنظّار كثير، لا تختص به طائفة دون أخرى:
فقد نسبت الأشعريةُ للحنابلة مقالات شنيعة لا يقولون بها، ونسب بعضُ الحنابلة للأشعرية شنائع لا يقولون بها، ونسبت المعتزلة لأهل الحديث وللأشعرية مقالات لا يقولون بها، ونسب أهل السنة والأشعرية للمعتزلة مقالات مهجورة نسبوا فيها مخالفيهم إلى الكذب عليهم، كما نقل القاضي عبد الجبار في المغني عن واصل بن عطاء أنه قال: خصومنا يكذبون علينا يزعمون أننا ننفي عذاب القبر!
وللخصومات المذهبية مدخلٌ كبيرٌ في التشويش على تصورات العلماء في نسبة المقالات لخصومهم، مثل ما نسب ابن حجر الهيتمي، الفقيه الشافعي، مقالات كاذبة إلى ابن تيمية، وكما نسب بعض الحنابلة المتأخرين لمحمد بن عبد الوهاب من أكاذيب كادعاء النبوة ونحو ذلك! فكثرة الإشاعات والخصومات وثقة العالم بما ينقله إليه بعضُ الناس من غير تمحيص وتثبُّت؛ توقعه في مثل هذه المزالق! وقد يضطرب موقفه بحسب ما تبلغه من الأخبار كاضطراب ابن الأمير الصنعاني من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب! وقد وقع للشاميين من الوقوع في أبي حنيفة من هذا الجنس كثير! والله المستعان.
الفصل الذي سيتم التعليق عليه في درس الغد من نزهة النظر:
من بداية قول المصنف: «وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح» إلى قوله: «لا سيما إذا كان في إسناده مَن فيه مقال».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليه فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
من بداية قول المصنف: «وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح» إلى قوله: «لا سيما إذا كان في إسناده مَن فيه مقال».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليه فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
ليس كلُّ مَن أخرج له البخاريُّ بإسناده يكون حجةً عنده، فقد أخرج لرواةٍ تكلّم هو فيهم وأخرج أحاديثهم في المتابعات، مثل أُبَي بن العباس بن سهل، والحسن بن عمارة الكوفي، وزهير بن محمد التميمي، وعطاء بن السائب، وسعيد بن أبي عروبة، وعباد بن راشد التميمي، وعبد الله بن زياد بن سمعان، وغيرهم.
وليس كلُّ حجة عنده في بابٍ كان حجةً في بقية الأبواب، فقد يحتج ببعض الرواة في أبواب الرقاق والمناقب والآداب ونحوها، ولا يحتج بهم في الأحكام إلا ما توبعوا عليه، كفليح بن سليمان مثلا، فقد قال الحافظ في الفتح: «ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده». فاحتجاج البخاري بفليح مخصوص بهذه الأبواب لا مطلقًا.
#فوائد_حديثية (٣٠).
وليس كلُّ حجة عنده في بابٍ كان حجةً في بقية الأبواب، فقد يحتج ببعض الرواة في أبواب الرقاق والمناقب والآداب ونحوها، ولا يحتج بهم في الأحكام إلا ما توبعوا عليه، كفليح بن سليمان مثلا، فقد قال الحافظ في الفتح: «ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده». فاحتجاج البخاري بفليح مخصوص بهذه الأبواب لا مطلقًا.
#فوائد_حديثية (٣٠).
غدًا لا يوجد درس لتتفرغوا للصيام والدعاء .. إلى أمل اللقاء بكم في السبت الذي يليه إن شاء الله .. تقبل الله منا ومنكم وكل عام وأنتم بخير.