د. سعد الشيخ
6.09K subscribers
28 photos
4 videos
8 files
23 links
فوائد حديثية ونقدية
Download Telegram
‏طلبُ الفقهِ «بدليلِه» والحرصُ على اتباع القول الأقرب للسُّنَّة مطلبٌ شريفٌ ومقصدٌ رفيع، لا يُذمُّ طالبُه ولا يُوبَّخُ قاصدُه، وهو مسلك أهل العلم المحققين قديمًا وحديثًا، وليس في سلوك هذه الطريقة الأثرية تحقير لفقه الأئمة المتبوعين، ولا تجريد لهم عن طلب الحق بدليله؛ ‏بل طالب الفقه «بدليله» لا يخرج عن مذاهب فقهاء الأمصار، ولا يتبع شذوذ الأقوال ومهجور الآراء، فضلًا عن خرق إجماع الأمة المتيقّن، وإنما يخرج من ضيق "معتمدات المتأخرين" إلى سعة مذاهب السلف واختياراتهم الفقهية.

‏والناس لا يفرّقون بين التزامِ مذهبٍ للتعلُّم والتعليم، وبين التعبُّد به، أو الإفتاء به، أو القضاء به بين الناس، وهذه مراتب مختلفة لا يلزم المتمذهِبُ أن يسير فيها سيرة واحدة، ‏فتعلُّم الفقه على مذهبٍ واحدٍ، وضبطُ مسائله، ومعرفةُ أصوله العامة وأدلته وتعليلاته التفصيلية = هو المتعيّن سلوكه ابتداءً لإتقان الفقه وبناء الملَكة الفقهية في نفس طالب العلم، وكذا مَن ينتدب لتدريس "الفقه المذهبي" يلزمه شرح المتن على مراد مؤلفه، وألّا يخرج عن نمط النظام المذهبي في ‏التعليم؛ لأنَّ هذه المتون وُضعت لأجل هذا.

أما التعبُّد بالمذهب، أو الإفتاء بمشهوره، أو القضاء به؛ فلا يلزم المتمذهب، بل يجوز له أن يتعبّد بغير المذهب، ويفتي بخلافه، ويقضي بسواه؛ لقوة دليل المخالف عنده أو لمصلحة راجحة أو لغير ذلك من الاعتبارات العلمية الموجبة لمخالفة المذهب، ولا يُخرجه ذلك عن مذهبه، بل هو سالك طريقة المحققين من أهل العلم، ولا يُخرِجه من جملة التمذهبين إلا مَن ابتُلي بالتقليد الرث ومَن يهرف بما لا يعرف!
تحميل كتابي: أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري - دراسة تحليلية لأسباب تحايد الإمام البخاري عن الراوي (جعفر الصادق أنموذجا).

الكتاب دراسة في منهج البخاري النقدي، وأسسه في اختيار رجال صحيحه، وأسباب تحايده عن بعض الثقات، مع روايته عمّن هم دونهم في الحفظ والإتقان، وهو محاولة لتجديد منهج النقد التاريخي عند المحدثين.

وأسعد بملاحظاتكم وآرائكم النقدية.
#فوائد_حديثية
#جديد_الكتب
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
ظهرَ الإمامُ محمد بن عبد الوهاب في زمنٍ فشا فيه ألوانُ الانحرافِ في الأصول والفروع، كالغلو في التقليد في الفقه وشيوعِ البدع وانتشارِ الشرك وعبادةِ القبور، فدعا إلى تجريد التوحيد لله والمتابعةِ لرسوله بالحجة، وآزرَهُ الإمامُ محمد بن سعود بالسيف، فانتشرت دعوتُه وتلقاها أهلُ الإنصاف بالثناء.

وما هي إلا تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته الشامية، فمبعثها نجديٌ وحقيقتها شامية، جدّد بها مدرستَهُ بعد أن كان يُنادى على قلعة دمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه!
‏وضع علماءُ الشريعة لإثبات النص النبوي علمَ أصول الحديث، ولتفسيره ووجوه الاستدلال به علمَ أصول الفقه.

وهذان علمان متكاملان في خدمة النص الشرعي؛ فينتج عن علم أصول الحديث معرفةُ المقبول من المردود، وعن علم أصول الفقه العملُ بالنص أو توجيهُه أو تركُه.

‏ولا يلزم أن يكون المقبول إسنادًا عند نقاد الحديث معمولًا به عندهم؛ لاحتمال المعارضة أو النسخ أو التأويل.

كما لا يلزم أن يكون المردود عندهم مطّرحًا؛ لاعتضاد معناه بإجماع أو قول صاحب أو قياس جلي.

ولذلك، فقد يحتجون بما لا يصح عندهم، وقد يتركون العمل بما صح؛ للاعتبارات السابقة. ‏

وهذا هو التكامل المعرفي في التعامل مع النصوص، ثبوتًا واستدلالًا.
‎
‏
المحدثون والسلطة:

كان تبنّي بعضُ خلفاء السلطة العباسية لعقيدة خلق القرآن وفرضها على الناس؛ فتنةً لأهل الحديث، واختبارًا لصدقهم وأمانتهم على الرواية، ليبقوا متجرّدين للحق، بعيدين عن أهواء السلطة ومسايرتها على الباطل.
‏
وقد عاصر الإمام البخاري فتنة خلق القرآن التي بدأت على يد المأمون (198- 218)، ثم المعتصم (218- 227)، ثم الواثق (227-232)، وهؤلاء الثلاثة كانوا على عقيدة المعتزلة مع تشيُّع يسير فيهم، وهم الذين حملوا الناس على القول بخلق القرآن وامتحنوهم وآذوهم وأكرهوهم عليه بالقتل والتعذيب والحبس.

وقد أوذي في هذه الفتنة شيوخ البخاري الكبار كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وزهير بن حرب، ونُعَيم بن حماد، في آخرين، وأجاب بعضُهم مكرَهين، وامتنع بعضهم فعُذّب وأوذي، ومنهم من قُتل وصُلب وعُلّق رأسه كأحمد بن نصر الخزاعي، ومنهم مَن مات في حبسه كنُعَيم بن حمّاد.

ومع ذلك، لم يظهر أي تأثير لعقيدة السلطة على صحيح البخاري، لا من جهة الاعتزال، ولا من جهة التشيُّع، بل عقد الإمام البخاري في صحيحه كتابًا بعنوان "التوحيد والرد على الجهمية" خصَّصه للمنافحة عن مذهب أهل الحديث والرد على مخالفيهم في تلك الأبواب التي وقع بها الامتحان والفتنة، مما يُعدُّ ردًا مباشرًا على عقيدة السلطة!

مع العلم أن فترة تأليف الصحيح كانت في ظل فتنة خلق القرآن واشتدادها، والسوطُ حامٍ على ظهور المحدثين! ومع ذلك لم يبال البخاري بإرهاب السلطة، وصنّف ضد هواها.

ولقد روى أهلُ الحديثِ مناقبَ علي وأهل بيته في عز سلطان بني أمية وصراعهم مع العلويين، ورووا ما جاء في فضل معاوية -عند من يصحح فضائله- في عز سلطان بني العباس واجتثاثهم للأمويين!

فلم يجاملوا آراء السلطة لا في ‎التجهم، ولا في ‎النصب، ولا في ‎التشيع!

وفي هذا أبلغ رد على تهويسات بعض كتّاب الحداثيين وبعض كتّاب الشيعة الذين يفسرون اختيارات المحدثين في الرواة والمرويات بمجاملة السلطة والسعي في إرضائها.
أدلجة المحدثين!!

طريقة تعامل صاحب كتاب "العتب الجميل" في إثبات انحياز المحدثين إلى النواصب، وتحايدهم عن أهل بيتِ عليٍّ وشيعتهم، تدل على غفلةٍ شديدةٍ عن طريقة نقاد الحديث في معايير اختيار الرواة وجرحهم وتعديلهم.

ولإثبات ذلك، سأختار نموذجا من المحدثين لا يُشك بولائه لعلي وأهل بيته، حتى نُسب للتشيع، وطريقة احتجاجه بالرواة النواصب وإعراضه عن بعض أبناء علي وشيعتهم؛ ليُعلم أن قوانين الرواية أوسع من العقول المؤدلجة الضيقة!

محدثنا هو: أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن.

فالنسائي الذي عُصرت خصيتاه لامتناعه عن رواية فضائل معاوية كما يفهمه المذكور ومن على شاكلته:

1- قد وثق واحتج في كتابه بأعيان النواصب البغضاء، ووثق رءوسَهم ومشاهيرهم والغلاة فيهم! فاحتج -مثلا- برأس النواصب: حَريز بن عثمان، الذي كان يلعنُ عليًا ويشتمه على المنابر ويتنقّصه، ويقول: لا أحبُّه، لا أحبُّه، قتل آبائي، قتل آبائي!

2- وروى عن شيخه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني! المشهور بانحرافه عن علي وتحامله على الشيعة وغمزه لأجلّة الكوفيين الرفعاء كالأعمش وأبي إسحاق ومنصور وغيرهم لتشيعهم!

3- واحتج بأزهر بن عبد الله الحرازي! الذي كان يجلس مع أسد بن وداعة وجماعة من النواصب في المسجد ويشتمون عليًا، وكان ثور بن زيد في ناحيةٍ لا يسبُّ عليًا، فإذا لم يسب جرّوا برجله وأخرجوه من المسجد!

4- واحتج بجماعة من الرواة المنسوبين إلى النصب، منهم: أحمد بن عبده الضبي، وإسحاق بن سويد بن هبيرة، وأسد بن موسى بن عبد الملك بن مروان، وحُصين بن نمير، وزياد بن علاقة، ومحمد بن زياد الألهاني الحمصي، وعبد الله بن سالم الأشعري، ونُعيم بن أبي هند ... وغيرهم!

5- ومع احتجاجه برؤوس النواصب الغلاة وأعداء أهل البيت ولاعني علي وشاتميه؛ فإنه تنكّب الرواية عن كبار أئمة العترة وفقهائهم ورموزهم، كالإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبنائه عيسى ويحيى الشهيد والحسين بن زيد، وأعرض عن موسى الكاظم وعن علي العريضي، ابنَي جعفر الصادق! وعن علي بن موسى الرضا ... وأعرض عن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعن محمد بن عبد الله النفس الزكية ... وعن غيرهم من أبناء علي!

وهكذا؛ فينبغي أن يكون النسائي وفق عقلية صاحب الكتاب المذكور، ومن دار في فلكه، ناصبيًا بغيضًا! وليس من الشيعة الموالين!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«ليس كلُّ مَن وجد العلم قدر على التعبير عنه، والاحتجاج له:
- فالعلم شيء.
- وبيانه شيء آخر.
- والمناظرة عنه وإقامة دليله شيء ثالث.
- والجواب عن حجة مخالفه شيء رابع».

جواب الاعتراضات المصرية (ص٤٤).
غاية ما عند المخالفين في تسويغ الاستغاثة بالأموات والغائبين ثلاثة أحاديث، عليها مدار استدلالهم، وهي أجود ما استدلوا به في هذا الباب من جهة الإسناد. ومع ذلك، فهي مناكير وأوهام لا تصح ولا تثبت، وقد بينتُ عللها تفصيلاً بما يدحض حجيتها في هذه السلسلة:
https://youtube.com/playlist?list=PLcipKF6106jv8uw3J7YIbWnmducTG-GXU&si=ju_LXvuju3BiC5CC
الإمام الذهبي رحمه الله بلغ ذروة الإتقان في كل ما كتبه في علم الحديث، سواء في علم الرجال، أو كشف العلل، أو دراسة مناهج المحدثين، أو مباحث مصطلح الحديث، ولم يظهر بعده أحدٌ من المتأخرين يضاهيه في مرتبته أو يقترب من مهارته، مع ما منّ الله عليه من الالتزام بهدي السلف والإنصاف مع المخالفين والاعتذار عن بعض هفوات العلماء، إلى جانب التألُّه والتعبُّد وهضم النفس واحتقارها، تغمده الله برحمته ورضي عنه.