رابعًا: تكلُّفه الفجّ في دفع استشكال الذهبي لمتن الحديث، واستغرابه لمعناه بتأويلاتٍ مضحكة لا تستحق الوقوف عندها. فقد ساق كلام الذهبي في السير، حيث قال: "وقد جمعت طرق (حديث الطير) في جزء، وطرق حديث: (من كنت مولاه) وهو أصح، وأصح منها ما أخرجه مسلم عن علي قال: إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي: (إنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) . وهذا أشكل الثلاثة، فقد أحبَّه قومٌ لا خلاق لهم، وأبغضه بجهلٍ قومٌ من النواصب، فالله أعلم".
ثم أورد كلامَ الذهبي في حديث: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، حيث قال: "تواتر وأفاد القطع بأن الرسول ﷺ قاله، رواه الجمّ الغفير والعدد الكثير من طرق صحيحة وحسنة…"، وقال أيضًا: "متنه متواتر".
ثم علّق العوني على ذلك بقوله: "فإن كانت هذه رتبة حديث (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) عند الذهبي، فما هي رتبة الحديث الأصح منه".
يعني: حديث عدي بن ثابت!
قلت: ولازم هذا الفهم المعوّج أن يكون حديث (من كنت مولاه) أصح عند الذهبي من حديث عدي بن ثابت؛ لأنه وصفه بأنه متواتر ومقطوع بثبوت نسبته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد نصّ الذهبيُّ صراحةً بأن حديث عدي بن ثابت "الفرد" "الغريب" أصح من حديث (من كنت مولاه) المتواتر متنًا وسندًا، والمقطوع بثبوته نسبته للنبي!
"فاللهم ارحم هذه الأمة من أصحاب الجهل أدعياء العلم!".
هذا هو مجمل ما شغّب به العوني في ردّه المزعوم، أمّا ما سكت عنه وتجاهله فهو لبّ المسألة وأساس النقد الذي قام عليه تضعيف الحديث، ومنه:
1- أنه لم يتعرّض أصلًا لانفراد عَدي بن ثابت بهذا الحديث عن زرّ بن حُبيش، وهل يُحتمل من مثل عدي بن ثابت أن ينفرد بحديثٍ هو أصلٌ في بابه، ويشتهيه الرواة ويتسابقون إلى حمله وروايته! وذلك بصرف النظر عن بدعته وعن رتبته الإجمالية.
فأين الناس عن هذا الحديث حتى ينفرد به عديّ بن ثابت، مع أن بعض فضائل عليّ رضي الله عنه -ممّا هو دون هذا الحديث قدرًا ودلالة- قد رُويت من طرق كثيرة وأسانيد متعدّدة!
فكيف يُعقل أن ينفرد بهذا الحديث رجلٌ، لا سيما وهو إسناد كوفيّ، وقد عُرف أهل الكوفة بولعهم برواية فضائل عليّ، وحرصهم عليها، وتتبعهم لها، وتكثير طرقها!
ثم تأمّل قول أبي حاتم الرازي في العلل لابنه (2709): "والحديث معروف بالأعمش، ومن حديث شعبة غلَطٌ، ولو كان هذا الحديث عند شعبة؛ كان أول ما يُسأل عن هذا الحديث".
وسواء أكان السؤال سؤال نقد أو سؤال رواية، فكلٌّ منهما دالٌّ دلالةً بيّنة على أن مثل هذا الحديث لا يُحتمل انفرادُ مثل عدي به، مع كونه عمدةً في فضائل عليّ رضي الله عنه. ولو كان محفوظًا لاشتهر، ولتناقلته الأئمّة، ولما انفرد به عدي بن ثابت وحده.
2- أصلٌ ثانٍ أغفله؛ وهو انفرادُ راوٍ موصوفٍ بالغلو في البدعة بحديثٍ يقوّي بدعته، فقد وصفه الدارقطني بأنه رفضيٌ غالٍ، وابن معين بأنه شيعيٌ مفرط. وحديث مَن هذا حاله مظنّةُ تريّثٍ وتوقّف عند أئمّة هذا الشأن، لذلك قال الطبري: "عَدِيٌّ بن ثابت ممَّن يَجبُ التَّثَبُّتُ في نَقْلِه". التهذيب (4776). وعلى هذا جرى صنيع البخاري؛ إذ تنكّب حديثه فيما يقوّي بدعته مع كونه من رجاله، كما قرّره الحافظ ابن حجر بقوله: "وما أخرج له في الصحيح شيءٌ ممّا يقوّي بدعته". وهو جارٍ على أصول النقّاد في هذا الباب.
3- مخالفة غيرهِ له في إسناده وفي متنه، أما الإسناد فقد خالفه عاصم فرواه عن زر بن حُبَيش، عن علي موقوفًا: "لا يحبنا منافق، ولا يبغضنا مؤمن". أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٤٢٨٨- الشثري): حدثنا إسحاق بن منصور، عن سليمان بن قرم، عن عاصم، به.
وعاصم أثبتُ في زرّ بن حُبيش من عديّ بن ثابت بمراحل، فروايته مقدَّمة عند الاختلاف. ويُزاد على ذلك أن شعبة وصف عديًّا بأنه "كان من الرفّاعين"، أي: ممّن يرفع الأحاديث الموقوفة، وهو قدحٌ مؤثّر في هذا الموضع بعينه؛ لأنه رفع ما أوقفه مَن هو أوثق في شيخه منه، لا سيما أن رفع الموقوف كانت عادة له كما صرّح بذلك شعبة، وهذا الحديث من هذا الباب.
وأما المخالفة في المتن، فإن الناس يروون هذا الحديث في الأنصار، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكان معرفة المنافقين في لحنهم ببغض الأنصار أولى، فإن هذه الأحاديث أصح مما يُروى عن علي أنه قال: لعهد النبي الأمي إلي: (أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، فإن هذا من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت، عن زر بن حُبيش، عن علي، والبخاري أعرض عن هذا الحديث بخلاف أحاديث الأنصار، فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم البخاري وغيره، وأهل العلم يعلمون يقينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وحديث علي قد شك فيه بعضهم". وكلامه صريح في أن أحاديث الأنصار أصح من حديث علي؛ وفي هذا إشارة واضحة إلى قيام التعارض عنده بين الحديثين، وترجيح أحاديث الأنصار على حديث علي، وإلا فلا معنى للمقارنة والترجيح. والله أعلم.
ثم أورد كلامَ الذهبي في حديث: (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، حيث قال: "تواتر وأفاد القطع بأن الرسول ﷺ قاله، رواه الجمّ الغفير والعدد الكثير من طرق صحيحة وحسنة…"، وقال أيضًا: "متنه متواتر".
ثم علّق العوني على ذلك بقوله: "فإن كانت هذه رتبة حديث (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) عند الذهبي، فما هي رتبة الحديث الأصح منه".
يعني: حديث عدي بن ثابت!
قلت: ولازم هذا الفهم المعوّج أن يكون حديث (من كنت مولاه) أصح عند الذهبي من حديث عدي بن ثابت؛ لأنه وصفه بأنه متواتر ومقطوع بثبوت نسبته عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد نصّ الذهبيُّ صراحةً بأن حديث عدي بن ثابت "الفرد" "الغريب" أصح من حديث (من كنت مولاه) المتواتر متنًا وسندًا، والمقطوع بثبوته نسبته للنبي!
"فاللهم ارحم هذه الأمة من أصحاب الجهل أدعياء العلم!".
هذا هو مجمل ما شغّب به العوني في ردّه المزعوم، أمّا ما سكت عنه وتجاهله فهو لبّ المسألة وأساس النقد الذي قام عليه تضعيف الحديث، ومنه:
1- أنه لم يتعرّض أصلًا لانفراد عَدي بن ثابت بهذا الحديث عن زرّ بن حُبيش، وهل يُحتمل من مثل عدي بن ثابت أن ينفرد بحديثٍ هو أصلٌ في بابه، ويشتهيه الرواة ويتسابقون إلى حمله وروايته! وذلك بصرف النظر عن بدعته وعن رتبته الإجمالية.
فأين الناس عن هذا الحديث حتى ينفرد به عديّ بن ثابت، مع أن بعض فضائل عليّ رضي الله عنه -ممّا هو دون هذا الحديث قدرًا ودلالة- قد رُويت من طرق كثيرة وأسانيد متعدّدة!
فكيف يُعقل أن ينفرد بهذا الحديث رجلٌ، لا سيما وهو إسناد كوفيّ، وقد عُرف أهل الكوفة بولعهم برواية فضائل عليّ، وحرصهم عليها، وتتبعهم لها، وتكثير طرقها!
ثم تأمّل قول أبي حاتم الرازي في العلل لابنه (2709): "والحديث معروف بالأعمش، ومن حديث شعبة غلَطٌ، ولو كان هذا الحديث عند شعبة؛ كان أول ما يُسأل عن هذا الحديث".
وسواء أكان السؤال سؤال نقد أو سؤال رواية، فكلٌّ منهما دالٌّ دلالةً بيّنة على أن مثل هذا الحديث لا يُحتمل انفرادُ مثل عدي به، مع كونه عمدةً في فضائل عليّ رضي الله عنه. ولو كان محفوظًا لاشتهر، ولتناقلته الأئمّة، ولما انفرد به عدي بن ثابت وحده.
2- أصلٌ ثانٍ أغفله؛ وهو انفرادُ راوٍ موصوفٍ بالغلو في البدعة بحديثٍ يقوّي بدعته، فقد وصفه الدارقطني بأنه رفضيٌ غالٍ، وابن معين بأنه شيعيٌ مفرط. وحديث مَن هذا حاله مظنّةُ تريّثٍ وتوقّف عند أئمّة هذا الشأن، لذلك قال الطبري: "عَدِيٌّ بن ثابت ممَّن يَجبُ التَّثَبُّتُ في نَقْلِه". التهذيب (4776). وعلى هذا جرى صنيع البخاري؛ إذ تنكّب حديثه فيما يقوّي بدعته مع كونه من رجاله، كما قرّره الحافظ ابن حجر بقوله: "وما أخرج له في الصحيح شيءٌ ممّا يقوّي بدعته". وهو جارٍ على أصول النقّاد في هذا الباب.
3- مخالفة غيرهِ له في إسناده وفي متنه، أما الإسناد فقد خالفه عاصم فرواه عن زر بن حُبَيش، عن علي موقوفًا: "لا يحبنا منافق، ولا يبغضنا مؤمن". أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٤٢٨٨- الشثري): حدثنا إسحاق بن منصور، عن سليمان بن قرم، عن عاصم، به.
وعاصم أثبتُ في زرّ بن حُبيش من عديّ بن ثابت بمراحل، فروايته مقدَّمة عند الاختلاف. ويُزاد على ذلك أن شعبة وصف عديًّا بأنه "كان من الرفّاعين"، أي: ممّن يرفع الأحاديث الموقوفة، وهو قدحٌ مؤثّر في هذا الموضع بعينه؛ لأنه رفع ما أوقفه مَن هو أوثق في شيخه منه، لا سيما أن رفع الموقوف كانت عادة له كما صرّح بذلك شعبة، وهذا الحديث من هذا الباب.
وأما المخالفة في المتن، فإن الناس يروون هذا الحديث في الأنصار، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكان معرفة المنافقين في لحنهم ببغض الأنصار أولى، فإن هذه الأحاديث أصح مما يُروى عن علي أنه قال: لعهد النبي الأمي إلي: (أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، فإن هذا من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت، عن زر بن حُبيش، عن علي، والبخاري أعرض عن هذا الحديث بخلاف أحاديث الأنصار، فإنها مما اتفق عليه أهل الصحيح كلهم البخاري وغيره، وأهل العلم يعلمون يقينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وحديث علي قد شك فيه بعضهم". وكلامه صريح في أن أحاديث الأنصار أصح من حديث علي؛ وفي هذا إشارة واضحة إلى قيام التعارض عنده بين الحديثين، وترجيح أحاديث الأنصار على حديث علي، وإلا فلا معنى للمقارنة والترجيح. والله أعلم.
يسلك محمد عبد الواحد في حملته على شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي محاولته الفجّة لإنكار أثره فيمن جاء بعده من أئمة المذهب؛ مسلكًا ساذجًا طفوليًا، لا يصدر إلا عن عقلية مأزومة، ويكاد هذا المسلك السطحي أن يكون السمة الغالبة على كل ما يكتبه في نقد ابن تيمية؛ إذ يكرّر طريقة واحدة لا يحيد عنها، وهي: أن بعض الحنابلة إذا ألّف في مسائل العقيدة، فنقل عن القاضي أبي يعلى، وعن غيره من أئمة المذهب، ولم يذكر قول ابن تيمية؛ اتّخذ هذا السكوت الموهوم ذريعة ليبني عليها استنتاجًا متهافتًا، فيزعم أنهم أعرضوا عن قول ابن تيمية عمدًا، وتنكروا له قصدًا، وخالفوا طريقته عن وعي وتعمد. ولا يقف به الأمر عند هذا الحد، بل يوسّع هذا الادعاء السخيف حتى يشمل بعض المعظّمين لابن تيمية من الحنابلة أنفسهم، ليستخلص في النهاية نتيجة بائسة مفادها أن هؤلاء جميعًا تنكبوا قول ابن تيمية لمخالفته لطريقتهم!
وهذا الاستنتاج في غاية الركاكة والسذاجة، ويدل على فقر شديد في أدوات الفهم والاستدلال، ويمكن إسقاطه وإبطاله من وجوه عديدة:
الأول: أن عدم ذكر قول ابن تيمية في بعض المسائل، أو حتى مخالفة قوله في بعضها، لا يدل بحال على عدم اعتباره، ولا على إسقاط مكانته، ولا على عدم الاعتداد بقوله، خاصة إذا أُخذ بعين الاعتبار اختلاف مناهج التصنيف بين البسط والاختصار، فإن عدم الذكر لا يستلزم الإعراض، ولا يعني بحال إلغاء الاعتداد، كيف وقد امتلأت كتب هؤلاء الحنابلة أنفسهم باختيارات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حتى صار كلامهما عمدة في أبواب كثيرة كما يصرّحون بذلك. فما يدّعيه هذا الدعي ليس إلا ظنًا كاذبًا، وتوهّمًا سخيفًا، لا يقوم على أصل، وهذا الأسلوب معروف شائع في كتب الفقهاء جميعًا، وليس خاصًا بالحنابلة، بل قد يغفل الفقهاء أحيانًا عن ذكر أقوال أئمة مذهبهم في مسائل معيّنة من غير أن يفهم عاقل من ذلك تنكّبًا لطريقتهم أو خروجًا عن أصولهم، وهذا أمر مقرر لا يحتاج إلى إطالة.
الثاني: لا يلزم المصنّف أن يذكر جميع الأقوال في المسائل التي ليس تحتها نزاع كبير، ولا يعني ذلك تجاهل الأقوال التي لم يذكرها أو عدم الاعتداد بها، وليس كل المسائل يلزم نقل قول ابن تيمية أو غيره فيها، ويكفي أنهم نقلوا قول ابن تيمية في أهم المسائل وأعظمها، كمسألة كلام الله، مثل أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأنه يتكلم بمشيئته واختياره، وأنه لم يزل يتكلم متى شاء. وهذه التقريرات التيمية منقولة بحروفها في كتب "أصول فقه الحنابلة" ورجحوا فيها قول ابن تيمية في هذه المسألة على قول القاضي أبي يعلى، بل بعضهم ردّ على هذا الأخير وبيّن فساد تأويله لكلام الإمام أحمد، واختار قول ابن تيمية حتى غير الحنابلة ونسبوه للإمام أحمد كابن حجر في فتح الباري.
ثم تأتي الشهادة الصريحة من منقّح المذهب نفسه، حيث يقول المرداوي في التحبير (3/1312) -بعد أن نقل أقوال الناس في كلام الله-: (التاسع، وهو أن يقال: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، بكلام يقوم به، وهو يتكلم بصوت يُسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا القول هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة). وهذا كلام ابن تيمية بحروفه في منهاج السنة (2/63).
ونقل كلامَ ابن تيمية هذا الجراعيُّ وغيره من أئمة المذهب، فما رأي هذا الدعي باحتجاج منقّح المذهب بقول ابن تيمية في أعظم ما اختلف فيه الناس!
الثالث: إذا أُلزم هذا المسلك بنتائجه انقلب على صاحبه، فمن باب إلزام هذا الدعي بنقيض قوله؛ فإن عددًا من متأخري الحنابلة قد احتجوا بقول ابن تيمية في أشرف المطالب وأعظم المسائل، كإثبات الصفات، ونقض التفويض، وإثبات العلم بالقدر المشترك، وإثبات الصفات الاختيارية التي يسميها هذا المتحنبل بحلول الحوادث تقليدًا للجمهية، وغيرها من المسائل التي يزعم هذا المتحنبل إجماع الحنابلة على خلاف قول ابن تيمية فيها.
وتتأكد دعوى الاحتجاج العملي بأقوال ابن تيمية عند الحنابلة من خلال النقول الصريحة المتتابعة، ومن ذلك:
1- نقلَ عبد الباقي في العين والأثر (ص63-64) قول ابن تيمية في القدر المشترك، فقال: (فالجهل بالكيف لا ينفي علم ما قد عُلِم أصله، كما نقر بالله ونؤمن به ولا نعلم كيف هو. أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بعض رسائله). وهذا احتجاج صريح بابن تيمية في أشكل مسألة!
وقد نقل عبد الباقي في مسألة الكلام عن ابن تيمية من غير أن يعزوا إليه، واستعمل نفس حروف ابن تيمية، كقوله: (إن الله سبحانه وتعالى يتكلم بمشيئته وقدرته، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، فإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لم يتكلم، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، أكمل ممن يكون الكلام ممكنًا له).
وهذا الاستنتاج في غاية الركاكة والسذاجة، ويدل على فقر شديد في أدوات الفهم والاستدلال، ويمكن إسقاطه وإبطاله من وجوه عديدة:
الأول: أن عدم ذكر قول ابن تيمية في بعض المسائل، أو حتى مخالفة قوله في بعضها، لا يدل بحال على عدم اعتباره، ولا على إسقاط مكانته، ولا على عدم الاعتداد بقوله، خاصة إذا أُخذ بعين الاعتبار اختلاف مناهج التصنيف بين البسط والاختصار، فإن عدم الذكر لا يستلزم الإعراض، ولا يعني بحال إلغاء الاعتداد، كيف وقد امتلأت كتب هؤلاء الحنابلة أنفسهم باختيارات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، حتى صار كلامهما عمدة في أبواب كثيرة كما يصرّحون بذلك. فما يدّعيه هذا الدعي ليس إلا ظنًا كاذبًا، وتوهّمًا سخيفًا، لا يقوم على أصل، وهذا الأسلوب معروف شائع في كتب الفقهاء جميعًا، وليس خاصًا بالحنابلة، بل قد يغفل الفقهاء أحيانًا عن ذكر أقوال أئمة مذهبهم في مسائل معيّنة من غير أن يفهم عاقل من ذلك تنكّبًا لطريقتهم أو خروجًا عن أصولهم، وهذا أمر مقرر لا يحتاج إلى إطالة.
الثاني: لا يلزم المصنّف أن يذكر جميع الأقوال في المسائل التي ليس تحتها نزاع كبير، ولا يعني ذلك تجاهل الأقوال التي لم يذكرها أو عدم الاعتداد بها، وليس كل المسائل يلزم نقل قول ابن تيمية أو غيره فيها، ويكفي أنهم نقلوا قول ابن تيمية في أهم المسائل وأعظمها، كمسألة كلام الله، مثل أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأنه يتكلم بمشيئته واختياره، وأنه لم يزل يتكلم متى شاء. وهذه التقريرات التيمية منقولة بحروفها في كتب "أصول فقه الحنابلة" ورجحوا فيها قول ابن تيمية في هذه المسألة على قول القاضي أبي يعلى، بل بعضهم ردّ على هذا الأخير وبيّن فساد تأويله لكلام الإمام أحمد، واختار قول ابن تيمية حتى غير الحنابلة ونسبوه للإمام أحمد كابن حجر في فتح الباري.
ثم تأتي الشهادة الصريحة من منقّح المذهب نفسه، حيث يقول المرداوي في التحبير (3/1312) -بعد أن نقل أقوال الناس في كلام الله-: (التاسع، وهو أن يقال: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، بكلام يقوم به، وهو يتكلم بصوت يُسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا القول هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة). وهذا كلام ابن تيمية بحروفه في منهاج السنة (2/63).
ونقل كلامَ ابن تيمية هذا الجراعيُّ وغيره من أئمة المذهب، فما رأي هذا الدعي باحتجاج منقّح المذهب بقول ابن تيمية في أعظم ما اختلف فيه الناس!
الثالث: إذا أُلزم هذا المسلك بنتائجه انقلب على صاحبه، فمن باب إلزام هذا الدعي بنقيض قوله؛ فإن عددًا من متأخري الحنابلة قد احتجوا بقول ابن تيمية في أشرف المطالب وأعظم المسائل، كإثبات الصفات، ونقض التفويض، وإثبات العلم بالقدر المشترك، وإثبات الصفات الاختيارية التي يسميها هذا المتحنبل بحلول الحوادث تقليدًا للجمهية، وغيرها من المسائل التي يزعم هذا المتحنبل إجماع الحنابلة على خلاف قول ابن تيمية فيها.
وتتأكد دعوى الاحتجاج العملي بأقوال ابن تيمية عند الحنابلة من خلال النقول الصريحة المتتابعة، ومن ذلك:
1- نقلَ عبد الباقي في العين والأثر (ص63-64) قول ابن تيمية في القدر المشترك، فقال: (فالجهل بالكيف لا ينفي علم ما قد عُلِم أصله، كما نقر بالله ونؤمن به ولا نعلم كيف هو. أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بعض رسائله). وهذا احتجاج صريح بابن تيمية في أشكل مسألة!
وقد نقل عبد الباقي في مسألة الكلام عن ابن تيمية من غير أن يعزوا إليه، واستعمل نفس حروف ابن تيمية، كقوله: (إن الله سبحانه وتعالى يتكلم بمشيئته وقدرته، بمعنى أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، فإن الكلام صفة كمال، ومن يتكلم أكمل ممن لم يتكلم، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، أكمل ممن يكون الكلام ممكنًا له).
فنقل اختيار ابن تيمية واستدلاله العقلي جميعا، بل ونقض مقالات المخالفين بكلام ابن تيمية أيضًا، فقال: (ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات قديمة الأعيان، لم تزل ولا تزال، وأن الباء لم تسبق السين، والسين لم تسبق الميم، وأن الحروف مقرونة ببعضها اقترانًا قديمًا أزليًا، لم يزل ولا يزال، وهي متراتبة في حقيقتها وماهيتها، غير متراتبة في وجودها وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد، إلى غير ذلك من اللوزام التي يقول جمهور العقلاء: إنها معلومة الفساد بضرورة العقل). وهذا رد ابن تيمية بحروفه!
2- وفي نقض قول المفوضة؛ يقول السفاريني في لوامع الأنوار (1/25): (وهؤلاء إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهور، وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم).
وهذه حروف ابن تيمية في "الحموية"!
3- وقد نقل الشيخ مرعي في أقاويل الثقات (ص236) كلام ابن تيمية أيضًا في الحموية في نقض التفويض، فقال: (قال: والمنحرفون عن طريقة السلف ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل...). ثم ختم بقوله: (وأطال ابن تيمية الكلام على ذلك وعلى تأييد مذهب السلف في عدة كراريس).
4- أما الشيخ عثمان النجدي في كتابه "نجاة الخلف" فيكاد يكون تيميًا خالصًا، وقد نقل قواعد "التدمرية" التي ألفها ابن تيمية بحروفها، وأثبت في كتابه الجهة العدمية كما قرره شيخ الإسلام.
5- ودافع البهوتي عن شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة كشاف القناع، فقال مع الحجاوي: (ومرادي بالشيخ) حيث أطلقته (شيخ الإسلام) بلا ريب، (بحر العلوم) النقلية والعقلية، (أبو العباس أحمد) تقي الدين بن عبد الحليم .... كان إمامًا مفردًا أثنى عليه الأعلام من معاصريه فمن بعدهم، وامتُحن بمحن، وخاض فيه أقوام حسدًا، ونسبوه للبدع والتجسيم، وهو من ذلك بريء، وكان يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، فكان من أمره ما كان، وأيده الله عليهم بنصره)
فالبهوتي ينص على أن ابن تيمية كان إمامًا مفردًا، ويلقبه بشيخ الإسلام، وينص على أنه كان يرجّح مذهب السلف، وأن الله أيده الله على المتكلمين بنصره، يعني بذلك أشعرية عصره، ثم يزعم هذا المعتوه أن البهوتي يتجاهل ابن تيمية وكأنه لم يكن!
6- وفي إثبات أفعال الله الاختيارية وقيامها به؛ يقول الحافظ ابن رجب في فتح الباري (7/236): (ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها، وتمر كما جاءت عندهم: قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ}، ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة. وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما. وعندهما: أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره).
وهذا الذي نسبه الحافظ ابن رجب إلى الإمام أحمد وإسحاق منقول بحروفه من تقريرات ابن تيمية، بل إن مصطلح "أفعال الله الاختيارية" من أشهر التقريرات التيمية. وأصرح من ذلك قول ابن رجب دفاعًا عن الضياء المقدسي: (أن هذا مبني على إثبات الأفعال الاختيارية وقيامها بالذات. وفيها قولان لأهل الحديث المتأخرين من أصحابنا).
ولا يقلّ هذا وضوحًا في مسائل التوحيد العملي وشرك العبادة:
7- فقد نقل البهوتي نفسه إجماع الحنابلة على كفر من سأل غير الله محتجًا بكلام ابن تيمية نفسه، فقال مع الحجاوي: (وقال الشيخ [يعني ابن تيمية]: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكَّل عليهم، ويدعوهم ويسألهم إجماعًا. انتهى)، قال البهوتي: أي: كفر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}) انتهى.
فأيهما أعظم أن ينقل قول ابن تيمية في كفر مَن سأل غير الله، أم قوله في تعريف العبادة!
وخلاصة الأمر: أن هذا المسلك القائم على تحميل السكوت ما لا يحتمل، وبناء الدعاوى الكبرى على مجرد عدم الذكر، مسلكٌ فاسد منهجًا، ساقط استدلالًا، لا يصمد أمام أدنى فحص علمي. وقد دلّت النقول المتكاثرة، والشهادات الصريحة، والتقريرات المنقولة بحروفها، على أن أقوال ابن تيمية لم تكن مهملة عند الحنابلة، ولا متروكة، ولا منبوذة، بل كانت معتمدة محتجًّا بها في أعظم مسائل الاعتقاد وأجلّها، بل ورُجِّحت على غيرها، ونُسبت إلى أئمة المذهب، ودافع عنها كبار علمائه.
وعليه، فإن الزعم بتنكّب الحنابلة لابن تيمية، أو بتجريده من رئاسة المذهب وتأثيره، لا يقوم على دليل، وإنما هو دعوى متهافتة، تصطدم بالواقع العلمي، وتتكسر أمام النصوص، ولا تؤول في النهاية إلا إلى كشف ضعف المنهج قبل ضعف النتيجة.
2- وفي نقض قول المفوضة؛ يقول السفاريني في لوامع الأنوار (1/25): (وهؤلاء إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهور، وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم).
وهذه حروف ابن تيمية في "الحموية"!
3- وقد نقل الشيخ مرعي في أقاويل الثقات (ص236) كلام ابن تيمية أيضًا في الحموية في نقض التفويض، فقال: (قال: والمنحرفون عن طريقة السلف ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل...). ثم ختم بقوله: (وأطال ابن تيمية الكلام على ذلك وعلى تأييد مذهب السلف في عدة كراريس).
4- أما الشيخ عثمان النجدي في كتابه "نجاة الخلف" فيكاد يكون تيميًا خالصًا، وقد نقل قواعد "التدمرية" التي ألفها ابن تيمية بحروفها، وأثبت في كتابه الجهة العدمية كما قرره شيخ الإسلام.
5- ودافع البهوتي عن شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمة كشاف القناع، فقال مع الحجاوي: (ومرادي بالشيخ) حيث أطلقته (شيخ الإسلام) بلا ريب، (بحر العلوم) النقلية والعقلية، (أبو العباس أحمد) تقي الدين بن عبد الحليم .... كان إمامًا مفردًا أثنى عليه الأعلام من معاصريه فمن بعدهم، وامتُحن بمحن، وخاض فيه أقوام حسدًا، ونسبوه للبدع والتجسيم، وهو من ذلك بريء، وكان يرجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين، فكان من أمره ما كان، وأيده الله عليهم بنصره)
فالبهوتي ينص على أن ابن تيمية كان إمامًا مفردًا، ويلقبه بشيخ الإسلام، وينص على أنه كان يرجّح مذهب السلف، وأن الله أيده الله على المتكلمين بنصره، يعني بذلك أشعرية عصره، ثم يزعم هذا المعتوه أن البهوتي يتجاهل ابن تيمية وكأنه لم يكن!
6- وفي إثبات أفعال الله الاختيارية وقيامها به؛ يقول الحافظ ابن رجب في فتح الباري (7/236): (ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها، وتمر كما جاءت عندهم: قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ}، ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة. وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما. وعندهما: أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره).
وهذا الذي نسبه الحافظ ابن رجب إلى الإمام أحمد وإسحاق منقول بحروفه من تقريرات ابن تيمية، بل إن مصطلح "أفعال الله الاختيارية" من أشهر التقريرات التيمية. وأصرح من ذلك قول ابن رجب دفاعًا عن الضياء المقدسي: (أن هذا مبني على إثبات الأفعال الاختيارية وقيامها بالذات. وفيها قولان لأهل الحديث المتأخرين من أصحابنا).
ولا يقلّ هذا وضوحًا في مسائل التوحيد العملي وشرك العبادة:
7- فقد نقل البهوتي نفسه إجماع الحنابلة على كفر من سأل غير الله محتجًا بكلام ابن تيمية نفسه، فقال مع الحجاوي: (وقال الشيخ [يعني ابن تيمية]: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكَّل عليهم، ويدعوهم ويسألهم إجماعًا. انتهى)، قال البهوتي: أي: كفر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}) انتهى.
فأيهما أعظم أن ينقل قول ابن تيمية في كفر مَن سأل غير الله، أم قوله في تعريف العبادة!
وخلاصة الأمر: أن هذا المسلك القائم على تحميل السكوت ما لا يحتمل، وبناء الدعاوى الكبرى على مجرد عدم الذكر، مسلكٌ فاسد منهجًا، ساقط استدلالًا، لا يصمد أمام أدنى فحص علمي. وقد دلّت النقول المتكاثرة، والشهادات الصريحة، والتقريرات المنقولة بحروفها، على أن أقوال ابن تيمية لم تكن مهملة عند الحنابلة، ولا متروكة، ولا منبوذة، بل كانت معتمدة محتجًّا بها في أعظم مسائل الاعتقاد وأجلّها، بل ورُجِّحت على غيرها، ونُسبت إلى أئمة المذهب، ودافع عنها كبار علمائه.
وعليه، فإن الزعم بتنكّب الحنابلة لابن تيمية، أو بتجريده من رئاسة المذهب وتأثيره، لا يقوم على دليل، وإنما هو دعوى متهافتة، تصطدم بالواقع العلمي، وتتكسر أمام النصوص، ولا تؤول في النهاية إلا إلى كشف ضعف المنهج قبل ضعف النتيجة.
الحكم على والدي النبي صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز فيه أهل العلم ما ورد في الأخبار الثابتة، ويكتفون بذلك، ولا يتكلمون فيما وراءه من أمور غير منصوص عليها، أما توسيع الكلام فيما يُظن من مقتضيات عدم النجاة كالتصريح بالبغض أو الشتم، فهذا من البدع القبيحة، وهو إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وخروج عن إجماع المسلمين وسنن السلف.
أما بالنسبة للحديثين الواردين في عدم نجاة الوالدين، وهما حديث أنس وحديث أبي هريرة، فهما صحيحان وفق قواعد المتأخرين؛ لاحتجاج صاحب الصحيح بهما، بل هذا الاحتجاج من القرائن الدالة على إفادة العلم بثبوت الحديث عند كثير من الأصولين والمحدثين.
وقد أنكر علينا بعض أهل الأهواء إعلال حديث علي رضي الله عنه: «لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»؛ بحجة احتجاج مسلم به، مع أن بعضهم لا يتردد في إعلال الحديثين اللذين احتج بهما مسلم أيضا في صحيحه، مع أن إسنادهما أصح بكثير من إسناد حديث علي عند من يفهم هذا الشأن.
ومع ذلك، فلا أميل إلى صحة الحديثين، بل أرجح عدم ثبوتهما حتى مع سلامة إسنادهما في الظاهر. ومن عادة نقاد الحديث إذا استنكروا متنَ حديثٍ أن يبحثوا عن علةٍ في إسناده، ولو بغير ما يُعلون بمثله عادةً. وموجب ذلك أن ظاهر متن الحديثين معارض لما ورد في القرآن من نفي العذاب قبل بعثة الرسل، كما في قوله تعالى: {وما كنّا معذِّبين حتى نبعث رسولًا}، إضافة إلى أن نذارة العرب لم تتحقق إلا ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {لِتُنذر قومًا ما أتاهم من نذيرٍ من قبلك}، وبالتالي فظاهر الحديثين معارض بهاتين الآيتين وما في معناهما، مما يستدعي البحث في إسنادهما.
وبعد التفتيش؛ وجدنا أن الحمل في حديث أنس على حماد بن سلمة، فإنه وإن كان ثبتًا في ثابت إلا أنه روى عنه مناكير، لذلك أعرض عنه البخاري حتى في حديثه عن ثابت، ووجدنا الحمل في حديث أبي هريرة على يزيد بن كيسان، لكلام بعض النقاد فيما ينفرد به من أوهام.
ولا يعني إعلال الحديثين القول بضدهما وهو الجزم بالنجاة، كما ذهب إلى ذلك بعض الناس استنادًا إلى بعض الأخبار الموضوعة أو انسياقًا خلف العاطفة، بل هذا من الأمور الموكول علمها إلى الله، ونسأل الله أن يقر عين رسوله صلى الله عليه وسلم بنجاتهما.
أما بالنسبة للحديثين الواردين في عدم نجاة الوالدين، وهما حديث أنس وحديث أبي هريرة، فهما صحيحان وفق قواعد المتأخرين؛ لاحتجاج صاحب الصحيح بهما، بل هذا الاحتجاج من القرائن الدالة على إفادة العلم بثبوت الحديث عند كثير من الأصولين والمحدثين.
وقد أنكر علينا بعض أهل الأهواء إعلال حديث علي رضي الله عنه: «لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»؛ بحجة احتجاج مسلم به، مع أن بعضهم لا يتردد في إعلال الحديثين اللذين احتج بهما مسلم أيضا في صحيحه، مع أن إسنادهما أصح بكثير من إسناد حديث علي عند من يفهم هذا الشأن.
ومع ذلك، فلا أميل إلى صحة الحديثين، بل أرجح عدم ثبوتهما حتى مع سلامة إسنادهما في الظاهر. ومن عادة نقاد الحديث إذا استنكروا متنَ حديثٍ أن يبحثوا عن علةٍ في إسناده، ولو بغير ما يُعلون بمثله عادةً. وموجب ذلك أن ظاهر متن الحديثين معارض لما ورد في القرآن من نفي العذاب قبل بعثة الرسل، كما في قوله تعالى: {وما كنّا معذِّبين حتى نبعث رسولًا}، إضافة إلى أن نذارة العرب لم تتحقق إلا ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {لِتُنذر قومًا ما أتاهم من نذيرٍ من قبلك}، وبالتالي فظاهر الحديثين معارض بهاتين الآيتين وما في معناهما، مما يستدعي البحث في إسنادهما.
وبعد التفتيش؛ وجدنا أن الحمل في حديث أنس على حماد بن سلمة، فإنه وإن كان ثبتًا في ثابت إلا أنه روى عنه مناكير، لذلك أعرض عنه البخاري حتى في حديثه عن ثابت، ووجدنا الحمل في حديث أبي هريرة على يزيد بن كيسان، لكلام بعض النقاد فيما ينفرد به من أوهام.
ولا يعني إعلال الحديثين القول بضدهما وهو الجزم بالنجاة، كما ذهب إلى ذلك بعض الناس استنادًا إلى بعض الأخبار الموضوعة أو انسياقًا خلف العاطفة، بل هذا من الأمور الموكول علمها إلى الله، ونسأل الله أن يقر عين رسوله صلى الله عليه وسلم بنجاتهما.
الاستناد إلى جهل الناسخ أو أحد الرواة لنفي نسبة الكتاب إلى صاحبه ضربٌ من الجهل بطرق إثبات الكتب، فالعبرة بشهرة الكتاب بين الرواة، وبالنقل عنه بالأسانيد الصحيحة، وبمطابقة أسانيده لأسانيد المصنِّف في كتبه الأخرى، وغير ذلك من وسائل ثبوت الكتب لأصحابها.
ومن أمثلة ذلك: تشكيك بعض الناس في نسبة كتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد، مستندًا إلى جهل أحد رواته، وهو أبو النضر السمسار.
وهذه حجة متهافتة؛ لأن كتاب "السنة" كان يُروى مشافهة، وبسبب شهرته قام بعض النُّساخ بكتابته بعد سماعه، والعمدة في ذلك ليست على النُّسّاخ، بل على ما نقله الثقات من تلامذة تلاميذ عبد الله بن أحمد، ومن ذلك:
١- رواية ابن منده في "الإيمان" و"التوحيد"، عن شيخه أحمد بن عمر، عن عبد الله بن أحمد.
٢- رواية أبي بكر النجاد في "الرد على من قال القرآن مخلوق"، وقد نقل جزءًا كبيرًا من الكتاب، وهو مطابق إلى حدٍّ كبير للنسخة الموجودة بين أيدينا من كتاب السنة، حتى في الترتيب.
٣- رواية أبي القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة"، الذي نقل أيضًا جزءًا كبيرًا من الكتاب.
٤- إضافة إلى ذلك، فإن جميع الأحاديث المرفوعة في كتاب "السنة" التي يرويها عبد الله عن أبيه موجودة في "المسند".
وبذلك يتضح أن التشكيك في نسبة الكتاب استنادًا إلى جهل الناسخ أو أحد رواته ليس إلا سخف وضعف في منهجية نقد الكتب.
ومن أمثلة ذلك: تشكيك بعض الناس في نسبة كتاب "السنة" لعبد الله بن أحمد، مستندًا إلى جهل أحد رواته، وهو أبو النضر السمسار.
وهذه حجة متهافتة؛ لأن كتاب "السنة" كان يُروى مشافهة، وبسبب شهرته قام بعض النُّساخ بكتابته بعد سماعه، والعمدة في ذلك ليست على النُّسّاخ، بل على ما نقله الثقات من تلامذة تلاميذ عبد الله بن أحمد، ومن ذلك:
١- رواية ابن منده في "الإيمان" و"التوحيد"، عن شيخه أحمد بن عمر، عن عبد الله بن أحمد.
٢- رواية أبي بكر النجاد في "الرد على من قال القرآن مخلوق"، وقد نقل جزءًا كبيرًا من الكتاب، وهو مطابق إلى حدٍّ كبير للنسخة الموجودة بين أيدينا من كتاب السنة، حتى في الترتيب.
٣- رواية أبي القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة"، الذي نقل أيضًا جزءًا كبيرًا من الكتاب.
٤- إضافة إلى ذلك، فإن جميع الأحاديث المرفوعة في كتاب "السنة" التي يرويها عبد الله عن أبيه موجودة في "المسند".
وبذلك يتضح أن التشكيك في نسبة الكتاب استنادًا إلى جهل الناسخ أو أحد رواته ليس إلا سخف وضعف في منهجية نقد الكتب.
شرح الزرقاني هو خلاصة الشروح الثلاثة على الموطأ: التمهيد لابن عبد البر، والمنتقى للباجي، والمسالك لابن العربي. مع نكت وزيادات مفيدة، لكن عنده ضعف في الصنعة الحديثية، ويُعوض هذا النقص بغيره.
طلبُ الفقهِ «بدليلِه» والحرصُ على اتباع القول الأقرب للسُّنَّة مطلبٌ شريفٌ ومقصدٌ رفيع، لا يُذمُّ طالبُه ولا يُوبَّخُ قاصدُه، وهو مسلك أهل العلم المحققين قديمًا وحديثًا، وليس في سلوك هذه الطريقة الأثرية تحقير لفقه الأئمة المتبوعين، ولا تجريد لهم عن طلب الحق بدليله؛ بل طالب الفقه «بدليله» لا يخرج عن مذاهب فقهاء الأمصار، ولا يتبع شذوذ الأقوال ومهجور الآراء، فضلًا عن خرق إجماع الأمة المتيقّن، وإنما يخرج من ضيق "معتمدات المتأخرين" إلى سعة مذاهب السلف واختياراتهم الفقهية.
والناس لا يفرّقون بين التزامِ مذهبٍ للتعلُّم والتعليم، وبين التعبُّد به، أو الإفتاء به، أو القضاء به بين الناس، وهذه مراتب مختلفة لا يلزم المتمذهِبُ أن يسير فيها سيرة واحدة، فتعلُّم الفقه على مذهبٍ واحدٍ، وضبطُ مسائله، ومعرفةُ أصوله العامة وأدلته وتعليلاته التفصيلية = هو المتعيّن سلوكه ابتداءً لإتقان الفقه وبناء الملَكة الفقهية في نفس طالب العلم، وكذا مَن ينتدب لتدريس "الفقه المذهبي" يلزمه شرح المتن على مراد مؤلفه، وألّا يخرج عن نمط النظام المذهبي في التعليم؛ لأنَّ هذه المتون وُضعت لأجل هذا.
أما التعبُّد بالمذهب، أو الإفتاء بمشهوره، أو القضاء به؛ فلا يلزم المتمذهب، بل يجوز له أن يتعبّد بغير المذهب، ويفتي بخلافه، ويقضي بسواه؛ لقوة دليل المخالف عنده أو لمصلحة راجحة أو لغير ذلك من الاعتبارات العلمية الموجبة لمخالفة المذهب، ولا يُخرجه ذلك عن مذهبه، بل هو سالك طريقة المحققين من أهل العلم، ولا يُخرِجه من جملة التمذهبين إلا مَن ابتُلي بالتقليد الرث ومَن يهرف بما لا يعرف!
والناس لا يفرّقون بين التزامِ مذهبٍ للتعلُّم والتعليم، وبين التعبُّد به، أو الإفتاء به، أو القضاء به بين الناس، وهذه مراتب مختلفة لا يلزم المتمذهِبُ أن يسير فيها سيرة واحدة، فتعلُّم الفقه على مذهبٍ واحدٍ، وضبطُ مسائله، ومعرفةُ أصوله العامة وأدلته وتعليلاته التفصيلية = هو المتعيّن سلوكه ابتداءً لإتقان الفقه وبناء الملَكة الفقهية في نفس طالب العلم، وكذا مَن ينتدب لتدريس "الفقه المذهبي" يلزمه شرح المتن على مراد مؤلفه، وألّا يخرج عن نمط النظام المذهبي في التعليم؛ لأنَّ هذه المتون وُضعت لأجل هذا.
أما التعبُّد بالمذهب، أو الإفتاء بمشهوره، أو القضاء به؛ فلا يلزم المتمذهب، بل يجوز له أن يتعبّد بغير المذهب، ويفتي بخلافه، ويقضي بسواه؛ لقوة دليل المخالف عنده أو لمصلحة راجحة أو لغير ذلك من الاعتبارات العلمية الموجبة لمخالفة المذهب، ولا يُخرجه ذلك عن مذهبه، بل هو سالك طريقة المحققين من أهل العلم، ولا يُخرِجه من جملة التمذهبين إلا مَن ابتُلي بالتقليد الرث ومَن يهرف بما لا يعرف!
تحميل كتابي: أسس اختيار الرواة عند الإمام البخاري - دراسة تحليلية لأسباب تحايد الإمام البخاري عن الراوي (جعفر الصادق أنموذجا).
الكتاب دراسة في منهج البخاري النقدي، وأسسه في اختيار رجال صحيحه، وأسباب تحايده عن بعض الثقات، مع روايته عمّن هم دونهم في الحفظ والإتقان، وهو محاولة لتجديد منهج النقد التاريخي عند المحدثين.
وأسعد بملاحظاتكم وآرائكم النقدية.
#فوائد_حديثية
#جديد_الكتب
الكتاب دراسة في منهج البخاري النقدي، وأسسه في اختيار رجال صحيحه، وأسباب تحايده عن بعض الثقات، مع روايته عمّن هم دونهم في الحفظ والإتقان، وهو محاولة لتجديد منهج النقد التاريخي عند المحدثين.
وأسعد بملاحظاتكم وآرائكم النقدية.
#فوائد_حديثية
#جديد_الكتب