د. سعد الشيخ
6.07K subscribers
28 photos
4 videos
8 files
22 links
فوائد حديثية ونقدية
Download Telegram
من تلاعب إبليس بدين هؤلاء الجهمية:
تذكرتُ سجالًا جرى بيني وبين ذلك المتعالم الأزهري حول الأثر الذي رواه جامع بن سوادة، عن مطرف بن عبد الله اليساري، عن مالك بن أنس، أنه سُئل عن حديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»، فقال مالك: «يتنزّل أمرُه».

وجامع بن سوادة هذا: اتهمه الذهبي بالوضع، ووافقه ابن حجر، وأورد ابن الجوزي حديثًا له في موضوعاته، فأراد ذلك المتعالم أن يقوّي روايته هذه برواية حبيب بن أبي حبيب، المتفق على تكذيبه بين نقاد الحديث!

والغرض من إعادة نشر ردّي عليه: أن أُبيّن أن هذا الرجل متلاعب بدينه، يصحح ويضعف بداعية هواه لا بسلوك قواعد النقد، فإذا كان الخبر فيه تقوية لبدعته، وكان مثخنًا بالعلل والنكارة؛ استماتَ في تثبيته، وسلك كلّ وعرٍ وسهلٍ لتصحيحه، ولو بمتابعة كذّاب لكذّاب مثله! أما إذا كان الخبر فيه مجانبة لبدعته، وكان صحيحًا مجوّدًا، استنفر في إعلاله وتضعيفه، وبحث له عن أدنى علّة ليوهنه، كما في انتصاره لحاتم العوني، الذي أعلَّ أسانيد صحيحة مجوّدة عن الإمام مالك، كرواية يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن النعمان بن عبد السلام، وأيوب بن صالح الرملي؛ بطرقٍ ملتوية نبهتُ عليها في بحثي السابق.


والآن إلى المنشور الذي رددتُ به على ذلك المتعالم الأزهري، وقراءة موفقة:

كتب بعض المتعالمين الأزهريين ردّاً على منشوري عن أثر مالكٍ في تأويل حديث النزول الذي نسبه له جامع بن سوادة؛ فزاد ضغثًا على إبالة!
وكنتُ قد علّمتُه سابقًا: أن لا يخوض فيما لا يُحسن، حتى لا يُضحك على نفسه العقلاء، لكن يأبى إلا أن يفضح نفسه!

تقويةُ خبرِ كذّابٍ بخبرِ مَن هو أكذب منه! هذا هو الإبداع الجديد في الصناعة النقدية عند هذا المتعالم! تمخّض الأزهر فولد صلاحًا!
كتبَ هذا المتعالم: «كعادته -يقصدني- يوهم أتباعه أن تأويل الإمام مالك لخبر النزول لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد، وفيه "جامع بن سوادة"، وجامع هذا ضعَّفه الدارقطني، وحكم عليه ابن الجوزي بالجهالة، وحسَّن له الجورقاني، وسوف أتجاوز جميع هذا مُقرًّا له ضعف هذا الطريق».
قلت: جيد أنك اعترفتَ بضعف هذا الطريق، ولم تقع في فخ "الحمزاوي"! الذي وقع فيه بعض فحول النقاد[!!] قبلك!

قال: «والذي يعنيني الآن هو؛ هل هذا التأويل لا يروى عن مالك إلا بهذا الإسناد؟ الجواب: لا، بل له إسناد آخر، إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية».

قلت: لنرَ ما هو هذا الإسناد السحري!
قال الذهبي في السير (8/105): «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: يتنزل ربنا -تبارك وتعالى- أمره، فأما هو فدائم لا يزول. قال صالح: فذكرت ذلك ليحيى بن بُكَيْر، فقال: حسنٌ والله، ولم أسمعه من مالك».

هذا هو الإسناد الذي بشّر به صاحبُنا، وراويه "حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك" -دعك من جهالة شيخ ابن عدي، وصالح بن أيوب-: لم يجمع نقاد الحديث على تكذيب راوٍ كما أجمعوا على تكذيبه، بل وُصف بأنه «من أكذب الناس!»، وهذه من الصيغ الدالة على المبالغة في الكذب!
وصاحبنا يعرف ذلك، ومع هذا لم يستح من الاستدلال به، زاعمًا أنَّه تلميذ مالك، وله به مزيد اختصاص، وتكذيب النقاد له مخصوصٌ بما يرويه عن مالك من الأحاديث، أما ما ينقله من رأيه فهو مقبول القول فيه! هكذا قال!

وهذه دعوى لم يُسبق إليها، ونعوذ بالله من الهوى والزيغ، وأن ننسب الأكاذيب للأئمة لنصرة قناعاتنا الحزبية!. ومَن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لحديث غيره أكذب، ونقاد الحديث يتهمون من يكذب في حديث الناس، وإن لم يكذب في الحديث النبوي، ويجرحونه بذلك؛ لأنَّ من لا يتورع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتورع عن الكذب عن سواه.

وحبيب ثبت كذبه على مالك في الأمرين، في حديثه وفي رأيه، وفي نفس حديث النزول هذا! فقد قال السبكي في كتابه القبيح "السيف الصقيل" (ص128): «روى الضراب في هذا الكتاب قال: حدثنا عمر بن الربيع، ثنا أبو أسامة، ثنا ابن أبي زيد، عن أبيه، عن حبيب كاتب مالك قال: سُئل مالك بن أنس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة) قال: ينزل أمرُه كلَّ سحَر، وأما هو فهو دائم لا يزول، وهو بكل مكان».

قلت: وهذه الزيادة "وهو بكل مكان" التي نسبها هذا الأفّاك لمالك تدل دلالة قاطعة على كذبه وافترائه، وحاشا الإمام مالك أن يقول بقول الجهمية الحلولية، وهو الذي قال بأسانيد محفوظة: «الله في السماء»، كما قال أبو داود في مسائله (1699): حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سُرَيج بن النعمان قال: حدثنا عبد اللَّه بن نافع قال: قال مالك: «اللَّه تبارك وتعالى في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان». ورواه عبد اللَّه أيضًا في العلل (4783) عن أبيه به، وهذا الإسناد سبيكة ذهبية!
وقد ارتبك الأفاك الآخر، محمد زاهد الكوثري، إزاء هذه الرواية التي ساقها السبكي من كتاب الضراب، فقال: «وظاهر هذا الكلام غير مراد قطعًا، بل المراد أنه لا يُوصف بمكان دون مكان حيث تنزَّه عن الأمكنة»! فانظر كيف أنكر هذا الكلام القبيح، وصرفه عن ظاهره بكذبٍ وتعسُّف، وتحاشا أن يلصقه بحبيب؛ لأنه يروي له أحاديث جهم بن صفوان باسم مالك! ومنذ متى يُتأوّل للكذّابين ويُتستّر على أكاذيبهم بمثل هذه التحريفات المتعسفة! وهل سيبقى كذّابٌ في الدنيا لو سلكنا مسلك الكوثري هذا! وما أحوج مالك –لو كان محفوظًا عنه- أن يقول هذه العبارة الكفرية التي اشتُهرت عن الجهمية، وهو لا يريد ظاهرها -على ما زعمه الكوثري-!
ولا يبعد أن يكون هذا الخبيثُ، أعني: حبيبًا، جهميًا حلوليًا وينسب عقائده الزائغة للإمام مالك؛ فتروج على الطغام وأشباه العوام!

نرجع إلى صاحبنا ..
بعد أن أقرَّ بما قاله النقاد في حبيب -ومن الجيد أنَّه اعترف بذلك ولم يرتكب مغالطة أخرى، كمغالطة شيخه الذي مال إلى تقوية شأن حبيب متجاهلًا ما قاله فيه حذّاق النقاد!-
أقول: بعد أن أقرَّ صاحبُنا بسوُء إسناده وسوَءته؛ تمسك بقشّةٍ أخيرة، وهي ما قاله الذهبي في شأن هذا الإسناد، فوجد له ثغرةً نفذ من خلالها إلى تعزيز مقالته الزائغة عن حبيب!
قال الذهبي -بعدما ساق الإسناد-: «لا أعرف صالحًا، وحبيبٌ مشهور، والمحفوظ عن مالك رحمه الله رواية الوليد بن مسلم، أنه سأله عن أحاديث الصفات، فقال: أَمِرَّها كما جاءت، بلا تفسير، فيكون للإمام في ذلك قولان إن صحَّت رواية حبيب».
فعقب على كلام الذهبي بقوله: «وقد أحسن الذهبي إذ اكتفى بقوله «وحبيبٌ مشهور»، ولم يورد أقوال العلماء في ترك حديثه؛ لأن هذا النقل ليس حديثًا فيرد بما قيل عن حبيب، وإنما هو رأي نقله عن شيخه، وكان له بمالك مزيد اختصاص».

قلت: وكلام الذهبي يدفع ما زعمه، ولا يمكن ليّ عنقه إلا بتعسُّفٍ يمرّره على مَن يستغفلهم مِن العوام السُّذّج، وإلا فالذهبي يصرّح:
1- أنَّ حبيبًا مشهور، عكس صالح بن أيوب فهو غير معروف، وهذه الشهرة مقيّدة بسياقها، قاله الذهبي في مقابل صالح بن أيوب، ولا تفيد مطلوب صاحبنا؛ لأنها لا تدل على التوثيق؛ لأن ليس كل المشهورين اشتُهروا بالعدالة، بل بعضهم اشتُهر بالكذب أيضًا، كحبيب هذا، فهذه الشهرة التي نسبها الذهبيُّ لحبيب: إما أن يقصد بها شهرته بالعدالة، أو شهرته بالكذب، والمتعين هو الثاني من أقوال الذهبي نفسه، فلم تصنع شيئًا. وقول الذهبي هذا؛ يشبه كلام ابن حبان عن حبيب: «أمره بيّن في الكذب».

2- نصَّ الذهبيُّ على أنَّ المحفوظ عن مالك: هو ما رواه عنه الوليد بن مسلم وغيره من الثقات، وهو الانكفاف عن التأويل، لا كما يرويه عنه حبيب، وهذا غمزٌ صريحٌ في روايته، وحكمٌ عليها بالشذوذ؛ لأن ضد المحفوظ هو الشاذ الضعيف.

3- علَّق الذهبيُّ نسبة هذا القول عن مالك على صحة ما يقوله حبيب عنه، فإذا كان ما يقوله حبيب عن مالك محفوظًا، فهذا قولٌ آخر له في المسألة. هذا نصُّ كلام الذهبي بلا مداورة ولا تحوير، والتعليق بهذه الصيغة فيه تمريضٌ للإسناد وتشكيكٌ بثبوته، ولو كان الذهبيُّ يرى صحة ما يقوله حبيب عن مالك، دون ما يرويه عنه من الأحاديث؛ لما علَّق نسبة هذا القول إلى مالك على صحة ما يقوله حبيب عنه، ولجزم بإضافته إليه؛ لأنه تلميذه وله مزيد اختصاص به! كما يتفلسف صاحبنا!

فإن قيل: لماذا لم يكذّب الذهبيُّ الخبر رأسًا ويريحنا من عناء تفسير كلامه؟
فأقول: لأنَّ الكاذب قد يصدق أحيانًا؛ لذلك علّق القول على صحة ما يقوله حبيب على البحث عن شواهد وقرائن أخرى تثبت أو تنفي ما يقوله، وهذا يعني أنه غير واثق بخبر حبيب ولا مطئن لقوله ولا يحتج بتفرُّده، لكنه تساهل معه –مع الإرشارة إلى أن المحفوظ عن مالك خلاف ما يقول- لأنه لم يرو عن مالك حديثًا نبويًا، وبعض النقاد يتسامحون في مثل هذا، إذا كانت أحوال الرواة معروفة لأهل الشأن، وكان ما يروونه ليس حديثًا نبويًا، ويُتشدّد في الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لا يُتشدّد في غيره، ولا يعني هذا بطبيعة الحال قبول رواية الكذّابين! أو التساهل في قبول ما ينسبونه من الكذب على الأئمة، وأنا هنا أفسّر موقف الذهبي ولا أبرّره.

4- ثم مالَكَ وللذهبي! هل نحن بثبوت هذا الأثر عن مالك، أم بتعليمك كيف تفهم كلام الذهبي! ألستَ تريدُ تقوية إسناد جامع بن سوادة بإسنادٍ آخر: «إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية»، فلتثبته وفق قواعد النقاد إذن، ولنتحاكم إلى أقوالهم في بيان حال إسنادك هذا ! لكنك تعرف أنَّ إسنادك لا يسوى بعرة، ولا يقوّي غيره ولا يتقوّى بغيره لأنه تالفٌ؛ فذهبتَ تتعلق بذيل كلام الذهبي الذي خذلك فلم يعطك شيئًا!
هذه تعليقة سريعة كتبتها استجابة لبعض الأخوة، وأعرضتُ عن باقي كلامه لأنه ضعيف وخارج محل النزاع، فوق أنه لا حجة فيه ومعارَض بما هو أقوى منه، وأكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
انتهيتُ من تبييض ردّي على د. حاتم العوني في كتابه: «اليقيني والظني من الأخبار – سجال بين أبي الحسن الأشعري والمحدثين». وبعد التتبع الدقيق لجميع النصوص التي نقلها عن المحدثين، وحرّف معانيها الصريحة بما يعود على نقيض قصدهم، بغرض التقريب بين المنهجين؛ أحلف بالله الذي لا إله إلا هو: أن الرجل غير مأمون فيما ينقله عن المحدثين، وأن كتابه «الاستواء معلوم»، على ما فيه من بلايا، بالمقارنة مع هذا الكتاب، كأنه سماء!!
{أتاكم شهرُ رمضانَ ، شهرٌ مباركٌ ، فرض اللهُ عليكم صيامَه ، تُفتحُ فيه أبوابُ السماءِ ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ ، و تُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ ، للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ}

اللهم وفقنا للعمل الصالح الذي يرضيك
وتفضل علينا يا ربنا بالقبول
وتصدق علينا يا كريم يا شكور بالأجر
واجعلنا من عتقاء الشهر الكريم
واجعلنا من الفائزين

وهذه محاضرة مهم جدا الاستماع لها مع دخول الشهر الكريم
كيف نستثمر رمضان؟ - خالد بن عثمان السبت
https://bit.ly/3PfRPPL
الحافظ عثمان بن سعيد الدَّارمي مفسّرًا مقالة الإمام مالك في الاستواء:

نقل العوني تفسير تسعين عالمًا لمقالة الإمام مالك، من بينهم بعض المعاصرين كابن عاشور، ومنهم المتكلّم الذي لا خبرة له بمقالات مالك وألفاظ المحدثين، ومنهم مَن نبذ الوحي وهجر علوم السلف كالفخر الرازي، وغيرهم ممن حشدهم في كتابه لمجرد الحشو الذي لا حجة فيه، محاولًا -كما زعم- إثبات أن الناس فهموا من مقالة الإمام مالك خلاف فهم ابن تيمية في تقرير أن معنى الاستواء معلوم عند مالك غير مجهول.

لكنه أغفل نقل تفسير إمام هذا الشأن، ومن أعلم الناس بحديث مالك ومروياته واختلاف أصحابه عليه، حتى في أغلاطه اليسيرة على الزهري، ولسان أهل الحديث وحجتهم والمجادل عنهم، وهو الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي. والعوني قد وقف على قوله هذا قطعًا؛ لأنه أخرج رواية عبد الله بن جعفر من طريق الدارمي، وقد عقّب الدارمي على الرواية مباشرة بمقالته الآتية، ومع ذلك لم ينقل العوني، الباحث (الأمين!!) كلام الدارمي.

قال الحافظ عثمان بن سعيد الدَّارمي تعليقًا على أثر الإمام مالك: «وصدق مالك، لا يُعقَل منه كيفٌ، ولا يُجهَل منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية. فهذه الأشياء التي اقتصصنا في هذا الباب، قد خلص علمُ كثيرٍ منها إلى النساء والصبيان، ونطق بكثير منها كتاب الله تعالى، وصدّقته الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه والتابعين، وليس هذا من العلم الذي يُشكِلُ على أحدٍ من العامة والخاصة، إلا على هذه العصابة الملحدة في آيات الله. لم يزل العلماء يروون هذه الآثار، ويتناسخونها، ويصدّقون بها على ما جاءت، حتى ظهرت هذه العصابة، فكذّبوا بها أجمع، وجهّلوهم، وخالفوا أمرَهُم، خالف الله بهم». الرد على الجهمية للدارمي (ص66 -ت البدر).

قلت: هذا يؤكد جزم الإمام الدارمي بأنّ معنى استواء الله على عرشه معلوم لدى المسلمين، حتى بلغ علمه النساء والصبيان، ويرى أنه ليس من المسائل التي تُستشكل على أحد من العامة أو الخاصة، إلا على الجهمية ومن تبعهم. فهذا الإمام، أحد أئمة عصر الرواية، الذي سبق ابن تيمية بقرون، لا يكتفي بنسبة إثبات (معنى) الاستواء على العرش إلى الإمام مالك، بل يقرّر أنه من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، حتى بين صبيانهم ونسائهم!
اعترض بعض المتأثرين بالعوني على وصفي له بأنه غير مأمون على ما ينقله عن المحدثين، وطالب بإثبات ذلك، ومع أنني وقفت على أمثلة كثيرة، إلا أنني سأكتفي بهذا المثال لسهولته على فهم العامة:

ذكر العوني في كتابه "الاستواء معلوم" رواية أيوب بن صالح المخزومي عن مالك، قال: كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استَوى؟ قال: «سألتَ ‌عن ‌غيرِ ‌مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه».

وقد ارتكب العوني هنا -في سبيل تضعيف هذه الرواية- تدليسًا قبيحًا، فقال: «وقد تفرّد (يعني: أيوب بن صالح الرملي) بحديثٍ عن الإمام مالك، حكم الدارقطني عليه بالبطلان». وأحال إلى لسان الميزان لابن حجر (رقم 1361). ثم قال: «فهو إسنادٌ شديد الضعف».

وعند الرجوع إلى لسان الميزان، نجد أن ابن حجر يقول: «وأورد له (يعني الدارقطني في الغرائب) حديثًا آخر عن الحُصَيني، عن ابن قتيبة، عن المسيّب بن عبد الكريم، عن أيوب بن صالح، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي ذرّ حديثًا في ذَمّ الوِلاية، وقال: هذا باطل عن مالك، وسأذكره في ترجمة المسيّب».

وقول ابن حجر: «وسأذكره في ترجمة المسيّب»، يشير إلى أن الحمل في هذا الحديث الباطل على المسيّب بن عبد الكريم، وليس على أيوب بن صالح. وبالعودة إلى ترجمة المسيّب، وجدنا أن ابن حجر قال: «المسيّب بن عبد الكريم، عن أيوب بن صالح، وعنه ابن قتيبة، اتَّهمه الدارقطني، انتهى.

قال الدارقطني: حدثنا أبو بكرٍ صالحُ بن علي الحُصَيْني، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثني المسيّب بن عبد الكريم، حدثني أيوب بن صالح، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: بينا عمر يكتال تَمْر صدقاتِ المسلمين … وفيه قول أبي ذر: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عامل يلي شيئًا من أمور المسلمين، إلَّا أُتي به يوم القيامة مغلولةٌ يدُه إلى عنقه، حتى يفكَّه العدل، أو يُوبقَه الجَوْر …" الحديث.

وقال: هذا الحديث باطل عن مالك عن نافع، والمتهم بوضعه المسيبُ بن عبد الكريم، فإن أيوب بن صالح مستقيم الأمر، يروي عن مالك قطعةً من "الموطأ"، وَهِمَ في حديثٍ واحد، وابنُ قتيبة من الثقات». انتهى.

إذن، فالحمل في هذا الحديث الباطل على المسيّب بن عبد الكريم، لكنّ العوني اتهم أيوب بن صالح الرملي به! مع أن ابن حجر أشار في ترجمة أيوب إلى أن الحديث الذي حكم عليه الدارقطني بالبطلان سيأتي في ترجمة المسيب، مما يدل على أن الحمل عليه هو وليس على أيوب.

فإما أن العوني جاهل بأساسيات علم التراجم، أو أنه وقف على قول الدارقطني وتعمّد التضليل، وهما أمران أحلاهما مر! والله المستعان.
- رغم محاولة ابن حجر إسناد جميع معلقات البخاري، إلا أن بعضها فاتته ولم يقف لها على أسانيد.

- وكذلك في بلاغات مالك، فبرغم الجهد الذي بذله ابن عبد البر، فقد فاتته بعض البلاغات ولم يسندها.

- والأمر أوضح لدى الدارقطني، وقبله أبو حاتم، والبزار، وابن المديني، والعقيلي، وابن عدي، وغيرهم؛ إذ يذكرون روايات لم نقف عليها مسندة.

وفي هذا فوائد:
الأولى: أن التراث الحديثي الذي بين أيدينا مروي بأسانيد هي صفوة الأسانيد وأصحها وأشهرها، وقد فاتتنا أسانيد لا يضر فقدها، لكونها من باب التعزيز والشواهد.

الثانية: أن أصحاب كتب الغرائب والأفراد، كالبزار والدارقطني والطبراني وغيرهم، استقصوا الأسانيد المفردة، فظهر أن غالبها مردود.

الثالثة: أن نقاد الحديث الأوائل، كما كانت لديهم هذه الأسانيد، كانت لديهم أيضًا أصول أحاديث الرواة، وهذه الأصول لم تصلنا، وإن كانت موزعة في المصنفات الحديثية.

وبهذا يتبين سر تقديم أحكام النقاد الأوائل وأسباب الثقة فيها، إذ كانوا حفاظًا، وبين أيديهم أسانيد كثيرة، ومعهم أصول كتب الرواة، فضلًا عن مشاركتهم في عصر الرواية، وإخضاع الرواية والرواة لسلطتهم النقدية.
#فوائد_حديثية (٤١)
نستأنف الدروس السبت القادم بإذن الله.
وتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.
الأخوة الأفاضل المشتركين في هذه القناة:
سنقوم بنشر الدروس الصوتية في قناة صوتية مستقلة بحيث يسهل الوصول إليها ولكي لا تضيع الدروس الصوتية في وسط المنشورات النصية ولكي لا تشوش كذلك على المنشورات النصية
هذا هو رابط القناة الخاصة بالدروس الصوتية
https://t.me/ahlulhadithlessons
لمن شاء أن يشترك فيها لينتفع بالدروس
د. سعد الشيخ pinned «الأخوة الأفاضل المشتركين في هذه القناة: سنقوم بنشر الدروس الصوتية في قناة صوتية مستقلة بحيث يسهل الوصول إليها ولكي لا تضيع الدروس الصوتية في وسط المنشورات النصية ولكي لا تشوش كذلك على المنشورات النصية هذا هو رابط القناة الخاصة بالدروس الصوتية https://t.…»
موعدنا الساعة 9 بتوقيت مكة إن شاء الله
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
Live stream started
Live stream finished (50 minutes)
Live stream started